رواية ولنا في المساء لقاء الفصل الأول 1 – بقلم أشرقت بين السطور

رواية ولنا في المساء لقاء – الفصل الأول

✍️…في مدينة إسطنبول,,
كان المساء يلف المدينة بوشاح من ضباب خفيف، وأضواء الجسر المعلق تتلألأ على سطح الماء كعيون تراقب المدينة بصمت… صوت الأذان ينساب بين التلال، يذكر العشاق بأن للقاء وقت وللأقدار موعد…’

في قصر فخم على أطراف إسطنبول، كان جواهر شيهاني يجلس خلف مكتبه، عيناه الحادتان تحدقان بعيداً!!
رجل في أواخر الثلاثينيات، ملامحه حادة كـَ السـ.كين،
عينان داكنتان لا تعرفان الرحمة، وابتسامة باردة نادراً ما تلامس قلبه. كان أحد أكبر رجال الأعمال في تركيا،
يمتلك نفوذ يستطيع بها أن يفعل أي شيء.
يحب السلطة والتملك، مغرور بثرائه ووسامته.
كان له شريك في مشاريعه وصفقاته، يدعى سعيد ديمير,,
رجل طيب القلب في الخمسين من عمره،
وجهه يعلوه تعب السنوات لكن عيناه لا تزالان تحملان براءة من لا يعرف كيف يخدع.
كان سعيد يحب عمله، ويحب عائلته الصغيرة التي هي كل حياته: زوجته حنيفة، ابنه جودت وزوجة ابنه جيفريه،
وابنته ديلان.

كانت ديلان، في الثانية والعشرين من عمرها,, أشبه بالقمر في ليلة اكتماله. شعرها الأسود ينسدل على كتفيها كشلال هادئ، عيناها الكبيرتان تحملان براءة نادرة، وصوتها حين تتحدث يشبه همس النسيم.
كانت طالبة في كلية الآداب، تحب القراءة والرسم،
وترى في العالم لون لا يراه غيرها.
لم تكن تعلم أن عيون جائعة تراقبها من بعيد.!

وفي إحدى الأيام، كان سعيد في نزهة مع ابنته ديلان في حديقة قصر توبكابي.
كانت ديلان تضحك على شيء قاله والدها، ويدها تتشبث بذراعه كأنها لا تزال طفلة صغيرة.
لم يلاحظا الرجل الذي توقف على بعد خطوات منهما.
جواهر كان هناك بالصدفة، في اجتماع عمل انتهى قبل موعده. لكن الصدفة وحدها لا تصنع القدر…
نظر إليها للمرة الأولى، وتوقف قلبه للحظة.
ضحكتها كانت كالموسيقى، حركتها كالرقص، ووجهها الذي أشرق تحت ضوء الشمس جعله ينسى كل شيء من حوله.
لم يسمع كلمة مما قاله سعيد له بعد أن رآه.
كان صوته في أذنيه مجرد همهمة بعيدة,, في تلك اللحظة قرر قرار لا رجعة فيه؛ هذه الفتاة ستكون ملكي.
ومنذ ذلك اليوم، تردد جواهر على بيت سعيد أكثر من مرة بحجة العمل.
لكن نيته الحقيقية كانت مختلفة,, كان يريد أن يراها، أن يتنفس هواءها، وأن يتأكد من أن جمالها ليس مجرد خيال.

كانت ديلان تشعر بثقله كلما جاء. كانت تتجنب الجلوس في الغرفة نفسها، تختفي إلى المطبخ أو غرفتها.
كانت تقول لأمها: هذا الرجل يجعلني أشعر بالبرد كلما رأيته.
لكنها لم تكن تعلم أن الهوس الذي أشعله وجهها لن يخمد بسهولة…
وفي إحدى زياراته،
طلب جواهر من سعيد أن يأتي إلى قصره لمناقشة أمر مهم.!
وعندما حضر سعيد إلى القصر الفخم، شعر بصغر حجمه بين الجدران العالية. استقبله جواهر بابتسامة باردة،
وقدم له شراباً، ثم فاجأه!!
قال جواهر: سعيد.. أريد أن أتزوج ابنتك ديلان.
تفاجأ سعيد بالطلب، كادت يده ترتجف فوضح الكأس بهدوء على الطاولة. صمت قليلاً، ثم رد بهدوء: لقد فاجئتني؛
يجب أن آخذ رأي ابنتي قبل أن أعطيك الجواب،
فهذا الأمر يخصها هي وحدها.
نظر إليه جواهر بنظرة لم تخلُ من تهديد خفي،
لكنه ابتسم وقال: بالطبع، سأنتظر.

عاد سعيد إلى منزله في الحي الهادئ، جمع أسرته في غرفة المعيشة، وحكى لهم ما حدث.!
انقسمت الآراء كعادتها في كل عائلة.
حنيفة، الأم الحنونة، نظرت إلى ابنتها بقلق وقالت: ابنتي، لا تأخذي قرار بهذه السرعة، فكري جيدآ.
أما زوجة ابنه جيفريه فأضافت بحماس: ديلان، هذه فرصة ذهبية! السيد جواهر من أغنى رجال تركيا، لا تعرضي عن هذا الحظ… لكن جودت أخاها الذي يعرفها جيداً،
كان رأيه مختلف؛ قال: اتركوها على راحتها، أختي عندما تقول لا، تعني لا.
نظرت ديلان إلى والدها، عيناها تدمعان لكن صوتها كان حازم: ما هذا يا أبي؟ ما زلتُ أدرس، وأنا لا أريد جواهر،
أنا لا أطيقه أساساً.
أمسك سعيد يدها، شعر ببرودتها وارتجافها، فضغط عليها بحنان: لا تقلقي يا ابنتي، لن يُجبرك أحد على شيء،
أردت فقط أن أوفي بوعدي للسيد جواهر بأنني سأسألك،
لكن القرار لكِ وحدكِ.
ابتسمت ديلان عبر دموعها، وعلمت أن والدها يحبها ولن يجبرها على أي شيء.

✍️…في اليوم التالي، اتصل جواهر بسعيد، وعندما علم برفض ديلان، شعر بأن الأرض تهتز تحت قدميه.!
أغلق الهاتف بغضب، واندفع من على كرسيه.
عيناه تقدحان شرر، أنفاسه تصاعدت وتهابطت كأنه وحش محبوس… ضرـب المكتب بقبضتيه حتى ارتجت الأوراق عليه. هتف: كيف.. كيف تجرؤ هذه الفتاة على رفضي؟!
أخذ يتجول في الغرفة كَـ نمر مفترس في قفصه، يهمس بصوت مخيف: ألا تعلم من أنا؟ أنا جواهر شيهاني, بإشارة مني أستطيع أن أملك أي شيء.
ثم توقف فجأة، وهدأ بطريقة مخيفة. ابتسامة باردة رسمت على شفتيه وهو يهمس: لكنني أعلم جيداً كيف أجعلُكِ تخضعين…!

وبعد عدة أيام، كان سعيد جالس في مكتبه، يستعرض أوراق الصفقة التي يعمل عليها مع جواهر.
كان يحلم بأنها ستكون بداية حياة أفضل لعائلته.
رن هاتفه، فرأى اسم جواهر على الشاشة، ابتسم مطمئن.
لكن الابتسامة تجمدت على وجهه عندما سمع صوته البارد يقول: سعيد.. لقد خسرنا الصفقة بالكامل.
شعر سعيد وكأن أحدهم سحب الأرض من تحت قدميه.
كان قد اقترض مبلغ كبير من البنك ليدخل هذه الصفقة… المبلغ كان يساوي بيتهم، مستقبل أولاده وكل شيء.
حاول أن يتكلم، لكن صوته لم يخرج. أغلق الهاتف بيد مرتجفة وجلس مكانه طويلاً،
عيناه زجاجيتان تحدقان في لا شيء.
ثم قرر ألا يحزن أحد من عائلته، صمت وكأن شئ لم يكن.

&-على الجانب الآخر من المدينة، في قصر عائلة كارابي، كان باران يعيش حياة مختلفة تماماً.
باران رجل في أوائل الثلاثينيات، وجهه يحمل وسامة هادئة، وعيناه تعكسان تعب لا يظهره للآخرين.
كان يعيش مع جدته أزاده، امرأة حكيمة تقف خلفه كالدرع الحامي، وعمه حسن وزوجته هاجر وابنهما فورات، وأخيه الأصغر جيهان.
لكن الحياة في قصر كارابي لم تكن هادئة أبدا.
كان حسن وزوجته هاجر يطمعان في الثروة والسلطة.
هاجر كانت تغار من باران لأن العائلة اعتبرته الوريث الوحيد لريادة الأعمال بعد والده.
كانت تتمنى لو أن ابنها فورات يأخذ مكانه، وكانت تهمس في أذن زوجها ليلآ ونهار: لماذا باران دائماً في الصورة؟
أليس لفورات حق؟
وكان فورات يتبع خطى والديه، يحاول دائماً التقليل من شأن باران أمام الجميع، يثير الشكوك حول قراراته، ويزرع بذور الفتنة بين أفراد العائلة.
وكان هذا يؤثر على باران كثيراً. كان رجل عادل وحكيم، يحاول ألا يظلم أحد، لكنه كان يشعر بأنه وحيد في صراعه.
جدته أزاده كانت إلى جانبه، لكنه لم يكن يريد أن يثقل عليها بهمومه… لذلك عندما يضيق به الحال، كان يذهب وحدَه إلى الساحل مساءً.
هناك، حيث تلتقي السماء بالبحر، كان يجلس ويفرغ ما بداخله من تعب ووجع. وكأنه يترك أمواج البحر تبتلع آلامه… وبعد ساعات يعود حيث أتى، ليكمل حياته وكأن شئ لم يكن.

-في مكتب جواهر بالشركة، كان سعيد يجلس أمامه، وجهه شاحب وعيناه تبحثان عن أمل لا يجده.
طرق الباب أحد الموظفين ودخل ليخبرهم رسمياً بأن المشروع الذي دخلوا فيه معآ قد تكبد خسائر كبيرة.
الأرقام التي نطق بها كانت كفيلة بتحطيم سعيد.
جواهر كان هادئ، بل ظهر وكأنه كان ينتظر هذه اللحظة.!
أما سعيد فصُدم… شعر بأن أقدامه لا تستطيع حمله، وأن قلبه سيتوقف عن الخفقان.
استأذن بالخروج بسرعة، وغادر قبل أن ينهار أمام الجميع.

في المساء، كان سعيد مستلقيآ على سريره، وجهه أصفر وعيناه تحدقان بالسقف.
بجانبه زوجته حنيفة تبكي بصمت، وديلان تمسك يدها المرتجفة.
كان قد حكى لهم كل شيء، المبلغ الذي اقترضه من البنك، والصفقة التي خسرتها، والوعود التي لن يستطيع الوفاء بها.
كانت حنيفة تهمس: كيف سندفع؟ أين لنا بهذا المبلغ؟
وديلان كانت تنظر إلى والدها الذي كان يبدو أكبر من عمره بعشرين سنة. كانت تبكي لكنها لا تريد أن يراها.
جاء جودت بالطبيب ليفحص والده.
وبعد الفحص، أخبرهم الطبيب بأن ضغط الدم مرتفع بشكل كبير، وطلب توفير الراحة والهدوء.
وصف له أدوية، وطلب متابعته يومياً.
خرج جودت مع الطبيب ليوصله ويحضر الأدوية…

بعد ساعات، سمعوا طرقآ على الباب.! فتحت ديلان فوجدت جواهر يقف أمامها، بأناقته وابتسامته المصطنعة.
قال: جئت لأطمئن على والدك، رأيت حالته اليوم في المكتب ولم أستطع النوم وأنا أعلم أنه ليس بخير.
دخل جواهر إلى غرفة سعيد، جلس بجانبه وتحدث: لا تقلق يا صديقي، سنتخطى هذه المحنة معآ. أنا معك، فلا تقلق.
جلس قليلاً، ثم استأذن بالخروج.
طلب سعيد من ديلان أن ترافقه إلى الخارج.
خرجت ديلان خلف جواهر إلى الحديقة الصغيرة أمام المنزل.
توقف جواهر ونظر إليها طويلاً، عيناه تتمعنان في تفاصيل وجهها كمن يعاين سلعة ما، يوشك أن يشتريها.
قال بهدوء مخيف: آنسة ديلان.. أريد أن أتحدث معكِ!!
ديلان بتمتمة: تفضل، أنا أسمعك.
جواهر: لماذا رفضتِ الزواج بي؟
تنهدت ديلان وقالت: سيد جواهر، الأن لا الوقت ولا الظروف تسمح بهذا الحديث… أبي مريض ونحن في أزمة.
قاطعها باقتراب خطوة، حتى كاد أن يلمسها، قال: تريدين أن يكون والدك بخير؟ أن يتخطى هذه المحنة!
الأمر في يدكِ وحدكِ…
اتسعت عيناها وقالت: ماذا تقصد؟
ابتسم ابتسامة باردة، كمن يمسك بورقة رابحة: زواجكِ بي.. في مقابل حرية والدك! إن قبلتِ، سأستمر في العمل معه، سأسدد دينه وسيستعيد صحته! بل سأجعله من أغنى شركائي.
مد يده وأمسك ذراعها بقوة، صوتها تحول إلى حدة لم تسمعها منه قبل، تابع قائلاً: أما إذا عاندتِ.. فوعد مني، والدك سيكمل باقي حياته في السـ.جن. وإن أردت، سيصـ.يب أخاكِ ايضآ. لن أترك لعائلتكِ حياة تعيشها.
تركها للحظة، ثم قال متباهياً وهو يعدل ربطة عنقه: القرار لكِ وحدكِ يا سيدة ديلان، سأذهب وأنتظر اتصالكِ.
انصرف وتركها واقفة مكانها.
وقفت ديلان مكانها كأن الزمن توقف.! ذراعها لا تزال تؤلمها من قبضته، وقلبها يخفق كأنه يريد الهروب من صدرها. أرادت أن تصرخ، أن تجري خلفه لتقول له إنه لا يملك الحق، إنها لن تخضع لابتزازه، لكن كلماتها ماتـ.ت في حلقها.
شعرت بدمعة ساخنة تتسلل على خدها، ثم انهمرت دموعها كالسيل الجارف دون أن تشعر.
سحبت يدها المرتجفة إلى صدرها،
مكان قبضته لا يزال يحرقها.
نظرت إلى السماء الملبدة بالغيوم، وإلى القمر الذي كان يطل من خلفها كشاهد صامت على لحظة انكسارها.
همست بصوت لا يكاد يُسمع: أبي… يا الله، ماذا أفعل؟….

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية ولنا في المساء لقاء) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!