رواية لأنك أنت – الفصل الثاني
(( لأنت أنت ))
_ الفصل الثاني _
نظر حازم إلى ياسين وأخيرًا رسم ابتسامة خافتة على ثغره وراح يحدثه بلطف يسأله:
_ممكن تجبلي مايه يا ياسين ؟
نظر ياسين إلى أخته باستغراب وهزت رأسها له بالموافقة تحثه على تنفيذ طلبه ففعل واتجه إلى المطبخ لكي يجلب المياه لابن عمته.. الذي تقدم بخطواته للداخل ورفع يده يهم بمسك ذراع فيروز بلطف متمتمًا:
_تعالي يافيروز نقعد عايز اتكلم معاكي
نفرت منه قبل أن يلمسها وتراجعت للخلف فورًا في حدة وقالت باشمئزاز:
_متلمسنيش ياحازم وقول اللي عايز تقوله دلوقتي أنت قلقتني بما فيه الكفاية، إيه اللي حصل؟
استفزه نفورها منه واستشاط حنقًا لكنه تمالك أعصابه فرغم كل شيء هذا ليس الوقت المناسب للشجار، يكفيه حزنًا على خاله وزوجته اللذان توفيا فجر اليوم، فأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يفتح فمه ويقرر إلقاء الخبر مباشرة دون أي تورية وقال:
_خالي ومرات خالي توفوا امبارح الفجر في حادث يافيروز
وقعت الكلمات عليها كأثر دلو ممتلئ بالثلج وسُكب فوق رأسها فتجرّد وجهها من التعابير وأصبحت ثابتة دون حركة تتمعن به باستيعاب، ماهي إلا لحظات معدودة وتبدلت تعابيرها لأخرى ضاحكة بسخرية وهي تجيبه بانزعاج وحدة وسط ضحكها:
_أنت جاي على الصبح تهزر معايا ولا إيه ياحازم، اتفضل امشي يلا ومتجيش هنا تاني أنا قولتلك أني رايحة الشغل وياسين معاه مدرسة
التفت كلاهما على صوت اصطدام كوب المياه وتناثره لأجزاء متفرقة على الأرض فكان ياسين الذي هتف بصوت مرتجف وعيناه ممتلئة بالعبرات:
_بابا وماما ماتوا بجد يا فيروز ؟
هرولت نحو أخيها وضمته إليها بقوة لتهدأ من روعه هاتفة بثبات:
_لا ياحبيبي ده حازم بيهزر بس مفيش الكلام ده
تابعهم حازم بقهر وأسى متألمًا ثم تقدم نحوهم بخطوات متريثة حتى وقف خلف فيروز ومال عليها يهمس في أذنها بصوت مختنق وبيديه كان يمسح على ذراعيها:
_فيروز هما في المستشفى دلوقتي ولسا إجراءات الدفن مبدأتش أنا جيت أخدك تشوفيهم قبل ما يتغلسوا
التهبت نظراتها وتحولت من ثباتها إلى طوفان عاتي حيث دفعته بعيدًا بكل عنف وصرخت به ثائرة:
_قولتلك متلمسنيش واطلع برا مش عايز اسمع صوتك ولا كذبك
ابتعد ياسين عنهم وتقهقهر للخلف بقدم مرتعشة ودموعه بدأت تنهمر بغزارة على وجنتيه حتى تحولت لبكاء عالي ونحيب، التفتت فيروز برأسها تجاه أخيها تحدقه مطولًا بعدم استيعاب حتى بدأت العبرات تتجمع في عينيها لا إراديًا وأدركت أن حازم يقول الحقيقة، فدموع أخيها إعادتها للواقع وانتشلتها من سراب الإنكار الذي صدقته بعقلها، بدأت دموعها تنهمر ببطء حتى ازدادت غزارة وتحولت من مجرد بكاء إلى صراخ جلجل الشارع بأكمله وليس المنزل فقط، فجذبها حازم لحضنه بين ذراعيه محاولًا تهدئتها وأيقاف صراخها هاتفًا:
_اهدي يافيروز وادعيلهم بالرحمة
كانت تصرخ بأعلى صوت لديها وهي تدفعه بعيدًا عنها وتقول:
_أبـعـــد عـنــي.. ماما .. بابا .. آااااه
كان يرفض تركها ويصر على ضمها أكثر وهو يمسح على شعرها بحنو ويهمس:
_خدي نفس وتماسكي وشدي حيلك عشان ياسين حتى
كانت في حالة أنهيار تام وكأنها مغيبة وفاقدة عقلها لا يسعها سوى الصراخ حتى أنها غير واعية لأخيها أو بوجوده من الأساس، فقد كان المسكين ياسين متكور كالطفل الرضيع بإحدى الزوايا يدفن رأسه بين قدميه ويبكي بقوة وحرقة.
وفجأة هدأت حدة صراخ فيروز حتى توقفت تمامًا فشعر حازم بجسدها المتشنج الذي تراخي كليًا بين يديه، أبعدها عنه يتفقدها بقلق ليجدها فقدت وعيها وغابت عن ذلك الواقع الأليم.
***
داخل منزل عوني الطوخي تحديدًا بغرفة مكتبه الخاص…..
لم يدم صمت عوني كثيرًا بعد إعلان سليم بموافقته على تولى مشروعهم لكنه سيفعل بشروطه التي مازال لم يفصح عنها، فهتف عوني بنظرة ثاقبة لابنه:
_وإيه بقى شرطك يا سليم بيه ؟
مال سليم بجزعه للأمام وهو جالسًا وحدق في أبيه بعين حادة وتمتم:
_مش هنطلع الأهالي من بيوتهم بالأساليب الملتوية اللي أنت عايز تتبعها ونرميهم في الشارع، بل هنعرض عليهم مبلغ مالي كبير يكفيهم أن يشتروا بيوت جديدة غير بيوتهم واللي هيرفض ياخد الفلوس هنعرض عليه ياخد شقة بدل بيته في المنتجع السكني اللي هيتبني
ضحك عوني بسخرية على ما يشترطه ابنه وقال في حزم وتعجرف:
_واحنا بقى هنصرف على المشروع ولا ندفع لكل واحد فيهم مبالغ مالية يعيش مرفه بيها !!
زم سليم شفتيه بعدم مبالاة لغطرسة والده واعتراضه عن فكرة الأموال وقال مقدمًا الحل الثاني:
_يبقى نقدم ليهم شقق متكاملة في المنتجع بدل بيوتهم
استشاط عوني غيظًا وصاح بابنه هاتفًا:
_إيه اللي بتقوله ده.. أنا بقولك ده مشروع هيجيب ملايين ومنتجع سكني كبير أكيد مش هنسكن فيه العشوئيات دي، عايز تسكن الناس دي مع رجال الأعمال والوزراء والممثلين والسفراء اللي هيسكنوا فيه بعائلاتهم
كان سليم محافظًا على ثباته الانفعالي بشكل مبهر رغم أن عوني كان يترنح من فرط العصبية، فأجاب سليم بكل هدوء وذكاء دبلوماسي:
_ده أفضل حل يابابا وانا فاهم أنك قلقان على الأمن العام داخل المنتجع من أننا نسكن ناس منعرفش عنهم أي حاجة ومش من مستوى الطبقة اللي هتكون في المنتجع، بس أنا من جهة ضميري مش هيسمحلي اعمل في الناس كدا ومن جهة ده هيعود بفايدة علينا احنا كمان
ارتخت عضلات عوني المتشجنة قليلًا وسأل سليم بعدم فهم:
_فايدة ازاي بقى يابشمهندس ؟
ابتسم سليم بدهاء ومال للخلف على ظهر المقعد ورفع ذراعيه على جانبي المقعد من الجهتين وتمتم في صوت رجولي فخم:
_مفكرتش لو اتبعت اسلوبك اللي هو أشبه بانك هتنصب عليهم وحد منهم اكتشف ده هيحصل إيه ، ابسط حاجة هيعملها هيشتكي علينا وهندخل في مسائلات قانونية وسين وجيم والمشروع كله هيتوقف، فالأفضل أننا نكسب ود الأهالي دول عشان مشروعنا يكمل بكل سلاسة، ومتقلقش أنا مش غبي برضوا ياعوني بيه مش كل الناس هعرض عليهم عرض شقة المنتجع، الناس اللي عارف أنهم مينفعش يكونوا موجودين في المنتجع وهيعملوا مشاكل هكتفي بعرض المبلغ المالي وهقنعم بطرق سلمية وودية وصدقني الناس اللي زي دول هيرحبوا جدًا بفكرة الفلوس وهتكون مسألة إقناعهم معتمدة على رقم المبلغ اللي هيتعرض عليهم
لمعت عيني عوني بوميض مختلف وشقت ابتسامته المرضية طريقها لثغره فأجاب على سليم بابنهار ونظرة فخر:
_رغم أنك دائمًا بتعارضني في كل قرارتي وعكسي بس بتثبتلي في كل مرة أنك فعلًا ابن عوني الطوخي حتى لو كان بطريقتك المختلفة عني، عجبتني واقنعتني ياسليم بيه وأنا موافق على شرطك بس خليك فاكر أن المسؤولية كلها عليك أنت اللي فرضت شرطك وأنت اللي هتتحمل مسئوليته ونتائجه
ابتسم سليم وهتف بتباه يليق به وبمكانته الاجتماعية وهيئته الفخمة والمهيبة:
_اطمن ياعوني بيه .. أنا لو مكنتش قد المسئولية مكنتش هتمسكني الشركات كلها ومشروع ضخم زي ده
قهقه عوني على عجرفة ابنه التي تشبهه وراح يربت على كتفه مؤكدًا كلامه بثقة:
_بظبط أنا متأكد أنك قد المسؤولية وبعدين مين غيرك أنت وأمير اللي هيمسك كل ده بعد ما أموت
اعتدل سليم ومال للأمام ليمسح على قدم والده بحب ويقول في رزانة:
_بعد الشر عليك ربنا يديمك لينا يابابا وميحرمناش منك
استقام عوني واقفًا وهو يحدق بابنه في دفء ويتمتم في جدية:
_طيب يلا بينا عشان في اجتماع في الشركة مهم ومينفعش نتأخر
اماء سليم رأسه بالموافقة وهب واقفًا وسار مع أبيه للخارج متجهين للسيارة حتى يتجهوا إلى الشركة ويباشروا عملهم….
***
داخل منزل فاخر واسع مكون من طابقين ومحاط بأسوار من جهاته الأربعة وداخل الأسوار حديقة صغيرة بها حمام سباحة وجلسات عائلية بمقاعد وثيرة وأريكة معلقة كأرجوحة تهتز، كان يجلس على تلك الأريكة توأمان صبي وفتاة بعمر السادسة عشر، وبين يديهم كتبهم المدرسية يدرسون ويحلون واجباتهم المدرسية، رفعت الفتاة نظرها لأعلى بعيدًا عن الكتاب عندما لمحت أمها تقترب منهم وهي تحمل صينية فوقها كأسين من عصير الفراولة والمانجا المفضل لديهم.
وصلت لهم داليا ووضعت الصينية أمامهم على منضدة صغيرة وهتفت بحنو أمومي مبتسمة:
_ العصير اللي بتحبوه عشان تعرفوا تذاكرو كويس لامتحاناتكم
أجابت الفتاة على أمها بحب وامتنان شديد:
_ميرسي يامامي ربنا ميحرمناش منك أبدًا
نظر أخيها لها ثم لوالدته وابتسم بود ثم سأل أمه بنبرة جادة:
_بابا خلص فطار ولا لسا
أجابت داليا بهدوء ونظرة ثاقبة:
_خلص وبيلبس عشان يروح الشغل، أنت عايزه في إيه ؟
نظر لأمه بتركيز ومال برأسه للجانب مرسلًا بعيناه إماءات و إشارات فهمت من خلالها ما يريده من والده فزمت شفتيها واحتدمت ملامحها فقالت بحزم:
_سبق وقولتلك اللي أنت عايزه ده أنا مش موافقة عليه ياطارق ومرفوض تمامًا
اعتدل في جلسته متحفزًا وهتف في حنق:
_مرفوض ليه ياماما دي حاجة عادية وبعدين أنا مبقتش طفل واقدر اعتمد على نفسي
ردت أخته ساخرة منه:
_ ودرجة اعتمادك على نفسك دي بقى وصلت أنك تسافر برا مصر وحدك
رمق شقيقته بنظرة مشتعلة وهتف محذرًا إياها:
_الأسلوب ده بيعصبني يا لارا اتكلمي باحترام وبعدين أنا بتكلم مع ماما مش معاكي محدش وجهلك كلام
همت لارا بأن تجيب على شقيقها بانزعاج وتشعل فتيل شجار بينهم لكن داليا صاحت بهم منفعلة بحدة:
_أنا واقفة قدامكم ممشيتش متنسوش ده يعني، وأنتي يا لارا قولتلك مليون مرة اتكلمي كويس مع أخوكي
هتفت لارا معترضة على توبيخ أمها لها:
_أنا مقولتش حاجة يا مامي هو اللي مش طايق ليا كلمة
تأفف طارق بخنق وأشاح بوجهه بعيدًا ثم قال وهو يتجه إلى داخل المنزل:
_أنا هروح اتكلم مع بابا
التفتت داليا برأسها للخلف تتابعه وهو يندفع للداخل ثائرًا فعادت بنظرها إلى ابنتها وتمتمت برزانة تحمل العتاب:
_لارا ياحبيبتي متزعلنيش منك وبلاش تكلمي أخوكي بالأسلوب ده، حتى لو كنتوا في سن بعض لازم تحترميه زي ماهو بيحترمك.. ده بدل ما تبقوا صحاب وأخوات وبتحبوا بعض.. طول الوقت بتتخانقوا أنتوا الاتنين
لوت لارا فمها بضيق ثم قالت معتذرة بأدب ورقة:
_حاضر يامامي أنا آسفة وهبقى اصالحه واعتذر منه
رفعت داليا يدها ومسحت على شعر ابنتها بحنو وهي تبتسم باتساع هامسة:
_شاطرة بنتي حبيبتي ، يلا بقى كملي مذاكرتك وأنا هروح اشوف طارق وبابا
اماءت لأمها بالموافقة ثم جلست على مقعدها مجددًا وتابعت دراستها بتركيز في حين أن داليا اندفعت إلى الداخل تلحق بابنها الذي ذهب للتحدث إلي أبيه ليحاول إقناعه برغبته في السفر خارج البلاد.
وصل طارق إلى غرفة والديه ووقف أمامها ورفع يده متحفزًا لطرق الباب لكن تجمدت يده في الهواء عندما سمع صوت والده من الداخل يتحدث في الهاتف هائجًا ويقول:
_قولتلك انسي فكرة أني أطلق داليا دي يا يامروة ومتفتحيش الموضوع ده معايا تاني نهائي وإلا صدقيني هتكون نهاية علاقتنا للأبد
اتسعت عيني طارق مندهشًا مما يسمعه وللحظة راوده الشك في أذنيه رافضًا تصديق احتمالية أن والده يخون أمه، وماهي إلا لحظات وسمعه يكمل هاتفًا:
_ولو متجوزتكيش يعني هتعملي إيه؟
كان ذلك آخر عبارة يسمعها من والده قبل أن يرى أمه وهي تتقدم نحوه فابتعد عن الباب بسرعة وأصدر صوتًا عاليًا متعمدًا لكي يصل صوته إلى أذن والده وينهي مكالمته، ثم هتف محدثًا أمه يسألها:
_جاية ورايا ليه ياماما ؟
هتفت داليا باستغراب:
_أنت مش قولت هتتكلم مع بابا ليه مدخلتلوش ؟!
انعقد لسان طارق للحظة وراح يحدق في أمه بصمت مريب، محاولًا إيجاد ذريعة يوضح بها عدم تحدثه مع أبيه حتى هتف أخيرًا:
_افتكرت أن بابا رايح الشغل ومستعجل ومش هعرف اتكلم معاه كويس، لما يرجع بليل هبقى أكلمه
اقتربت منه ومدت يدها إلى وجهه تحتضن وجهه بحنو أمومي متمتمة:
_طارق ياحبيبي أنا قولتلك مش موافقة على فكرة أنك تدرس برا مصر وتفضل بالسنين عايش بعيد عني، أنا مقدرش اعيش بعيد عنك أنت وأختك، اختار الكلية والدراسة اللي حابب تدرسها واحنا ندخلك في أحسن واغلي الكليات في مصر كلها
لم يكن منتبهًا لكلمات والدته ولا محاولاتها في إقناعه برغبتها وأنها لن تتركه يغادر بعيدًا عنها، فقد كان عقله مشغولًا بما سمعه للتو من محادثة والده التليفونية ولا يستطيع استيعاب خيانته لأمه، لكنه على الرغم من ذلك مازال متأملًا أن يكون ما فهمه خطأ وأن الأمر ليس كما سمعه، لكن مع الاسف كانت الكلمات واضحة كوضوح الشمس في أوج النهار.
ابتسم لأمه بود ونظراته زائغة ثم تمتم وهو يبتعد عنها:
_طيب ياماما أنا هروح اكمل مذاكرة
لم تلبث داليا لتجيب عليه حتى وجدته سلك طريقه للأسفل متجهًا إلى شقيقته بالخارج، فغضنت حاجبيها متعجبة من حالته فـ قبل قليل كان مستاء بشدة ومُصرّ على التحدث مع والده.. مالذى جعله يحيد عن قراره ويبدو منفتح على رفضها لطلبه، أخذت نفسًا عميقًا واتجهت إلى غرفتها ففتحت الباب ودخلت لترى زوجها يقف أمام المرآة يهندم ملابسه ويقوم بنثر عطره الرجولي فوقها، فتقدمت نحوه وعانقته من الخلف هامسة بدلال:
_وحشتني أوي ياشاهين أنت ليك فترة طول الوقت برا البيت في الشغل، هو احنا ملناش حق زي شغلك ولا إيه
استدار بجسده باتجاهها فأصبح وجهًا لوجه أمامها واحتضن وجهها بكفيه في حنو ثم انحنى عليها ولثم وجنتها مقبلًا إياها وهو يجيب:
_لا طبعًا ياحبيبتي ده أنتوا اهم من الشغل كله، معلش حقك عليا وعد هعوضكم عن الفترة اللي فاتت دي بس نفوق شوية من مشروع المنتجع ده، أنا رايح دلوقتي الشركة عشان في اجتماع مهم
انعكست الجدية على ملامحها وسألته باهتمام:
_سليم وافق يمسك المشروع ولا لا لأني كلمت ماما امبارح وقالتلي شد مع بابا وكان رافض تمامًا
اماء شاهين رأسه بالإيجاب هاتفًا:
_وافق بس لسا معرفش غير رأيه ليه وازاي ؟
هزت رأسها يمينًا ويسارًا بحنق من تصرفات أخيها وتمتمت:
_أنا مش فاهمة سليم بيعمل كدا ليه بجد، معقول كان عايز يوقف مشروع كبير زي ده عشان أسبابه دي ما بابا كان هيسكت الناس بأي طريقة وخلاص
رفع شاهين حاجبيها مندهشًا من ردها واجابها بصوت غليظ:
_يعني أنتي شايفة أن اللي كان أبوكي هيعمله صح وسليم غلطان أنه موافقش !!
اومأت برأسها مؤكدة على ما قاله فاحتدمت معالم شاهين وهتف بسخط بسيط:
_أحيانًا بستغرب أن ازاي سليم أخوكم وابن عوني بيه ؟
انهي عبارته وابتعد من أمامها واندفع لباب الغرفة تاركًا إياها عيناها متسعة بذهول مما سمعته للتو منه، محاولة استيعاب مقصده وماهي إلا لحظات حتى اشتعلت نظراتها غيظًا منه عندما فهمت ما يرمي إليه…
***
عودة إلى منزل فيروز حيث كانت ممدة على فراشها في غرفتها فاقدة لوعيها وتجلس بجوار رأسها سيدة عجوز بملامح وجه سمحة ومريحة جدًا مرتدية عباءة وحجاب أسود ولا تتوقف عن البكاء الصامت، مرت عشر دقائق تقريبًا والحال مازال كما هو حتى بدأت فيروز في فتح عيناها ببطء شديد وأول ما سمعته كان صوت الضجة التي بالخارج، أصوات ممتزجة بين حوارات وبين بكاء ونجيب من النساء فالتفتت برأسها للجانب ورأت جمالات الجالسة بجوار رأسها ومرتدية ملابس سوداء ولا تستطيع إيقاف بكائها، فسألتها فيروز بصوت مرتفع وعينان دامعة:
_أنتي لابسة أسود ليه ياماما جمالات.. وايه الدوشة اللي برا دي ؟!.. بابا وماما مماتوش صح ؟
لم يطاوعها قلبها ولسانها التفوه بالحقيقة القاسية لتلك الفتاة المسكينة التي تحاول التعلق بأضعف خيط أمل، لكن لم يمر خمس ثواني حتى اقتحمت عمتها الغرفة وهي تصرخ وتبكي وتنوح هاتفة:
_ياوجع قلبي عليك ياخويا هتفوتني أنا وعيالك لمين
لجمت الصدمة لسان فيروز فأخذت تحدق بعمتها التي لا تتوقف عن النحيب وجمالات تحاول اسكاتها وتشير بنظراتها خلسة إليها تنبهها بوجود ابنة أخيها ومرعاة لمشاعرها، لكن بلحظة قاسية أدركت الحقيقة القاتلة أنها فقدت والديها للأبد وأنها لم تكن تتوهم، فتجمدت الدموع في عيناها بلحظة ألم قاتلة وأول من قذف بذهنها تفوهت باسمه في لهفة وقلق:
_ياسين فين… ياسين
عادت واقتربت منها جمالات وجلست بجوارها وهمست وهي تهدئ من روعها:
_متقلقيش عليه كويس قاعد مع حازم
نقلت نظراتها المتوسلة بين عمتها وجمالات وتقول بين دموعها التي تنهمر على وجنتيها بصمت:
_أنا عايزة اشوف بابا وماما آخر مرة ابوس ايديكم
كانت عمتها قد جلست على مقعد بأحد أركان الغرفة ودفنت وجهها بين راحتيها تبكي بقوة وتجيب على ابنه أخيها بقهر:
_محدش لحق يشوفهم يافيروز اتغسلوا واتدفنوا من غير ما نشوفهم، أنا قلبي بيتقطع على ابن أخويا الصغير اللي اتحرم من أبوه وأمه
رمقت جمالات عمة فيروز ” كوثر ” بسخط من تلمحياتها السامة التي تلقيها على آذان فيروز المسكينة، فالتفتت جمالات برأسها نحو فيروز وراحت تمسح بحنو على شعرها متمتمة:
_إكرام الميت دفنه يابنتي وأنتي حالتك كانت صعبة ومكنش ينفع يستنوا كتير، ربنا يصبرك ويقويكي.. ادعيلهم بالرحمة وشدي حيلك عشان اخوكي اللي ملكوش غير بعض، وأنا وعمك محسن جمبكم ومش هنسيبكم أبدًا
ارتمت فيروز بين ذراعين جمالات وانفجرت في بكاء عنيف كالطفل الصغير وهي تردد بكلمتين فقط ( أمي وأبي )، فانهارت تلك السيدة العجوز معها في البكاء حزنًا على صديقة عمرها التي فقدتها وزوجها الذي كان بمثابة أخًا لزوجها، أما كوثر فكانت تراقب حالة العطف والحب الذي بين جمالات وفيروز بتقزز ولم تعقب فقط اتكفت بالمشاهدة ثم استقامت واقفة وغادرت الغرفة متجهة إلى النساء بالخارج تجلس معهم وتنخرط في نوبات بكائها من جديد تستعطف مواساتهم وشفقتهم…
***
داخل مقر شركة عائلة الطوخي تحديدا بغرفة سليم الخاصة، كان يباشر أعماله ويتطلع على أوراق خاصة بمشروعهم الضخم الذي سيبدأ من صباح الغد، وبينما كان في أوج انشغاله انتشله صوت السكرتيرة الخاصة به بعدما طرقت الباب ودخلت متمتمة:
_سليم بيه أنا آسفة ازعجت حضرتك، بس الآنسة يارا خطيبة حضرتك واقفة برا ومصممة تدخل رغم إني قولتلها أن حضرتك مشغول
رفع نظره عن الاوراق التي بين يديه ومال برأسه للخلف وهو يتأفف بنفاذ صبر ثم نظر للسكرتيرة وهتف بحزم:
_خليها تدخل يا سلمي
هزت رأسها بالموافقة وخرجت لتشير بيدها إلى يارا تسمح لها بالدخول، بينما سليم فاستقام واقفًا وابتعد عن مكتبه بضع خطوات وظل واقفًا يضع كفيه داخل جيبي بنطاله منتظر دخولها وعلى وجهه علامات الحنق، حتى رآها تدخل وتغلق الباب خلفها ثم وقفت تحدق به بعتاب وتهتف:
_خلاص احنا وصلنا لمرحلة أني آخد أذن من السكرتيرة عشان ادخلك ياسليم
أمعن نظراته الثاقبة بها قبل أن بجيبها بثبات أنفعالي يثير الأعصاب:
_أنتي ليه مصممة تتعبي نفسك وتتعبيني يا يارا وانتي عارفة كويس أن الحكاية خلصت واحنا فسخنا خطوبتنا
تقدمت نحوه بخطواتها الهادئة حتى توقفت أمامه مباشرة وتطلعت إليه بعينان ممتلئة بالعبرات وقالت باندهاش ممزوج بقهر:
_مش معقول هتنهي كل حاجة بينا عشان بس كنت غيرانة عليك لما شوفتك قاعد مع بنت في المطعم واتخانقت معاها، مكنتش أعرف والله أن ده اجتماع شغل وإن اونكل عوني هو اللي طلب منك تعزمها برا وتتكلموا في الشغل
أطلق تنهيدة طويلة ثم قال بجدية ونبرة لينة:
_قولتلك الموقف ده مش السبب الأساسي، كل ما في الفكرة أن أنا وأنتي مش شبه بعض ومش هنعرف نكمل ولو كملنا هنتعب جدًا
رفعت كفيها واحتضنت وجهه بشغف وهتفت تتوسله وسط دموعها التي شقت طريقها على وجنتيها:
_بس أنا بحبك ياسليم ومش قادرة أبعد عنك، ارجوك ادينا فرصة تانية واوعدك أني هتغير وأي حاجة أنت مش بتحبها فيا أنا هغيرها.. بس أرجوك متسبنيش أرجوك
مسك كفيها وازاحهم من على وجهه وتبدلت تعابيره من اللين إلى الحنق وظهرت غلظة صوته وهو يجيبها:
_أرجوكي أنتي يا يارا بلاش تقللي من قيمة نفسك قدامي أكتر من كدا، أنتي بنت جميلة ومثقفة ومن عيلة مرموقة وألف مين يتمناكي واكيد هتلاقي الشخص اللي يحبك بجد، وأنا اعتبريني كنت صفحة في حياتك واتقفلت يعني انسيني
تحولت بلحظة من حالة العجز والانكسار إلى الهياج والعجرفة صائحة:
_ومتحبنيش أنا ليه لما أنا بنت جميلة ومثقفة زي ما بتقول إيه اللي يخليك متحبنبش ولا بقى أنت في وحدة تانية بتحبها وبتخوني معاها وهتتجوزها أول ما تسبني، على فكرة أنا مش هسمحلك تسيبني واللي بينا منتهاش ولا هينتهي
صرّ على أسنانه بغيظ شديد ورمقها بنظرة مرعبة هامسًا بصوت أجشّ يحذرها:
_وطي صوتك وأنتي بتتكلمي معايا
صرخت بعصبية أعنف متعمدة رفع نبرة صوتها أكثر:
_لا مش هوطي صوتي لأن أنت أكيد بتخوني ياسليم
خرجت منه صيحة جهورية مرعبة اسكتتها فورًا من الصدمة والفزع:
_صوتك ميعلاش عليا، واتفضلي يلا اطلعي لأني معايا شغل ومش فاضي
ظلت تحدقه بخوف للحظات ثم تمتمت معتذرة بعدما تحولت مجددًا إلى حالتها الأولى:
_طيب أنا آسفة خلاص، خلينا نقعد ونتكلم بهدوء بليز
حاول تمالك أنفعالاته بصعوبة ورد بصوت محتقن من فرط الاستياء:
_ قولت اطلعي برا أنا مش ناقص جنان يا يارا
انهى عباراته ورمقها باشمئزاز ثم استدار وولاها ظهره متجهًا إلى مقعد مكتبه فيجلس عليه ويدفن نظره في أوراق العمل متجاهلًا وجودها تمامًا، بينما هي فتأملته لدقائق بأسى قبل أن تستدير وتنصرف…
***
بتمام الساعة السابعة مساءًا.. داخل القرية الصغيرة التي سيقام فوقها منتجع عوني الطوخي السكني،وصل سليم بسيارته وتوقف بأحد القطع الفارغة بالقرب من العمال والمهندسين ورجال الأعمال المساهمين في إنشاء المشروع، ثم تقدم بخطواته الواثقة نحوهم ونظراته الثاقبة معلقة عليهم حتى توقف أمامهم فمد واحد منهم يده يصافح سليم بحرارة شديدة متمتمًا:
_أهلًا ياسليم احنا كنا مستنين وصولك عشان نبدأ نتناقش في الوضع وهنبدأ ازاي وامتى
أجاب سليم بصوت رجولي قوي كله ثقة وهيبة بعدما مد يده يصافحه :
_هنتناقش أن شاء الله يا علاء بيه في كل حاجة دلوقتي
ثم نقل نظره بين الجميع بنظرة كادت أن تخترقهم من قوتها وقال بنبرة حازمة:
_بس قبل أي حاجة اتمنى أن أثناء المشروع أي شيء هيتم بين حضراتكم أو فعل هيحصل أكون على علم بيه قبل أي حد
تبادلوا الرجال النظرات بينهم ومعالم وجههم تظهر عدم رضاهم عن التوجيهات والأوامر التي يتلقوها منه، لكن كانت شخصية سليم الطاغية والمرعبة تمنع أي منهم بالاعتراض بالاخص أن المشروع كله يعود لعائلة الطوخي وما هم إلا مسامهين بنسب ضئيلة جدًا.
دامت نقشاتهم لساعة يتبادلون الآراء حول كل شيء ويضعون خططهم الهندسية للبناء وأمامهم مجسم متكامل عن المنتجع، وبعد انتهائهم من اجتماعهم ودعهم سليم وانصرفوا جميعهم ولم يتبقى سوى العمال ليبدأوا عملهم من الليلة، وبينما كان سليم في طريقه لسيارته اصطدم بطفل صغير كان يلعب مع أصدقائه يركض منهم ليختبئ، فأمسكه سليم واخفض نظره للأسفل إليه مبتسمًا وتمتم:
_على مهلك ياوَحَش بتجري من مين
رفع الطفل رأسه للأعلى ونظر لسليم باضطراب بسيط وأجاب:
_بلعب مع اصحابي وبستخبي منهم
مسح سليم على شعره بلطف وهتف:
_طيب يلا اجري استخبي قبل ما يشوفوك
حدقه الولد مطولًا بحزن وخوف ثم سأله:
_هو أنت تبع الناس اللي جايين يهدوا بيوتنا ويطلعونا في الشارع
تبددت ابتسامة سليم فجأة ولاح على صفحة وجهه الضيق ثم جلس القرفصاء أمام الطفل ليصبح في مستوى قامته الصغيرة وسأله:
_قولي بس أنت اسمك إيه الأول؟
رد الصغير بصوت خافت:
_مؤمن
ابتسم له سليم ثم تلاشت ابتسامته تدريجيًا وهو يجيبه بلهجة لينة يطمئنه:
_متخافش يامؤمن محدش هيطلعكم من بيتكم، بالعكس أنتو هتاخدوا بيت جديد احلى وأجمل من بيتكم القديم مليون مرة
اتسعت عين الطفل بدهشة وقال بابتسامة عريضة وفرحة:
_بجد هناخد بيت جديد
أماء سليم برأسه وهتف:
_أن شاء الله قولي بس أنت بيتك فين ياوَحَش
أشار مؤمن بأصبعه الصغير تجاه بيت صغير على مسافة خطوات منهم فالتفت سليم برأسه للخلف إلى حيث يشير ثم عاد بنظره إليه وسأله:
_بابا عايش معاكم ؟
هز رأسه بالنفي وأجاب:
_لا ابويا ميت وعايش أنا وأمي واخواتي الصغيرين.. معايا أخ لسا بيرضع وأخت سنتين
مسح سليم على شعر مؤمن ووجهه بحنو ثم هتف بابتسامة بعتث الطمأنينة في نفس الطفل:
_أنا بكرا هاجي واتكلم معاك ومع ماما، دلوقتي أنت روح يلا
كمل لعب مع اصحابك
هز مؤمن رأسه بالموافقة بينما سليم فانتصب واقفًا وودعه ثم تحرك بخطوتين مبتعدًا عنه لكن استوقفه صوت الطفل وهو يسأله بحب:
_أنت اسمك إيه ياعمو ؟
_سليم
رفع مؤمن يده ولوح له مودعًا إياه بود طفولي:
_سلام ياعمو سليم
لوح له سليم بدوره وهو يضحك بعطف ثم أكمل طريقه إلى سيارته واستقل بها وانطلق عائدًا إلى المنزل….
***
بعد مرور يومين بتمام الساعة العاشرة مساءًا….
داخل منزل فيروز كان اليوم الأخير في عزاء والديها وكانت تودع آخر سيدة متبقية من جيرانهم وتتلقي منها واجب العزاء والمواساة، وبعد رحيلها دخلت المطبخ لتشرب وتركت أخيها الصغير وحده بالخارج فسمعت صوت طرق الباب وبعدها سمعت صوت حازم وهو يتحدث مع ياسين ويضحك معه ويحاول الهائه عن حزنه على فقدان والديه، فخرجت من المطبخ ووقفت تنظر لحازم بقوة فتطلع هو لها وهمس بحب:
_أنا جيت اطمن واشوفكم لو محتاجين حاجة، أنت عاملة إيه دلوقتي يا فيروز ؟
ردت عليه فيروز بنبرة صارمة متجاهلة سؤاله عن حالها:
_ كتر خيرك، معلش بس تعالي لحظة ياحازم عايزة اتكلم معاك في حاجة
لمعت عيناها بفرحة خفية ظنًا منه أنها تريد الاعتراف بأنها لم تستطع الافتراق عنه وستعود إليه، فهب واقفًا بلهفة ولحق بها إلى المطبخ ووقف أمامها يحدقها بجرأة حتى وجدها تتحدث بحدة ووجه خالي من أي مشاعر حب:
_أنا مقدرة وقفتك جمبنا.. عملت اللي عليك وزيادة كمان ياحازم كتر ألف خيرك، بس ياريت يبقى في حدود شوية في دخولك وطلوعك علينا في البيت لأن ميصحش
انمحت ابتسامته التي كادت أن تشق ثغره من شدة اتساعها وقال بانزعاج ملحوظ:
_هو إيه اللي ميصحش ده يافيروز.. هو أنا غريب ما الناس كلها عارفة أنك مراتي
فغرت عيناها بذهول من رده واعتقاده المريض أنها مازالت زوجته ولا إراديا ضحكت وأجابت ساخرة:
_مراتك من فين أن شاء الله، أنا طليقتك وانت بإيدك اللي خسرتني ووصلتنا للطلاق من قبل الفرح حتى، وعلاقتي بيك دلوقتي مش اكتر من علاقة بنت با بن عمتها، فوق ياحازم وبلاش تفكر بالطريقة دي كتير حفاظًا على سلامة عقلك
اشتعلت نظراته وهتف بعصبية شديدة:
_يعني أنتي ندهتي عليا عشان تقوليلي الكلمتين دول وأنا اللي كنت فاكر أنك رجعتي لعقلك وهترجعيلي ومش قادرة على بعدي
أكملت ضحكاتها المستهزئة منه وقالت في صلابة وثبات تام:
_ده في أحلامك أنا لا يمكن ارجعلك ياحازم، أنت أصلًا مش راجل جاي تستقوي عليا عشان عارف أني بقيت وحدي بعد بابا وماما الله يرحمهم، أنت آخرك تعمل راجل عليا أنا بس
تحول إلى جمرة نيران ملتهبة بعد كلماتها المهينة وصاح بها وهو يقبض على ذراعها وينوي صفعها:
_أنتي واضح أن خالي اللي يرحمه معرفش يريبكي فعلًا
قبضت على يده التي ارتفعت في الهواء وانزلتها ثم دفعت يده الأخرى الممسكة بذراعها، وفي ردة فعل غير متوقعة منها كانت أنها رفعت كفها وصفعته بشجاعة وقالت بشراسة:
_القلم ده عشان يفكرك أنك متقدرش ترفع أيدك عليا وتلمسني ومش هسمحلك، ويلا اطلع برا البيت ومتورنيش وشك تاني
حدقها شزرًا بعد صفعتها له وكان سيهم بتلقيها درسًا على فعلتها لكن أوقفه صوت ياسين وهو يتساءل بعدم فهم:
_في إيه يا فيروز ليه بتتخانقوا
همس حازم متوعدًا في نظرة مرعبة:
_أنتي ليا ولو اضطريت أخدك بالغصب هاخدك حتى لو في الحرام يافيروز
ثم استدار وابتعد مغادرًا المطبخ وانصرف من المنزل بأكمله، فتحاملت فيروز على نفسها وحدقت بأخيها الصغير في ثبات واقتربت منه تأمره بحزم:
_متفتحش الباب لأي حد بعد كدا يا ياسين غير لما تقول مين الأول ولو كان حازم متفتحش الباب ليه أبدًا مفهوم
سأل ياسين بغضب وقلق:
_ليه يافيروز هو عملك حاجة وضايقك ؟
ابتسمت له بحب وقالت:
_لا ياحبيبي محدش يقدر يضايقني أنت بس اسمع الكلام واعمل زي ما قولتلك
هتف ياسين بكلمات كأنها لرجل بالغ ونظرة صارمة:
_متخافيش يافيروز أنا معاكي ومحدش هيقدر يضايقك ولا يأذيكي، أنا هحميكي زي ما كان بابا بيعمل
امتلأت عيني فيروز بعبرات القهر والأسى فضمت أخيها إلى حضنها وهي تبكي بصمت فكان هو يمسح على شعرها وظهرها بحنو والدموع تنساب من عيناه بغزارة……
***
بمنزل عوني الطوخي، داخل غرفة نوم سليم كان ممدد على فراشه على ظهره وغارق في سبات عميق، باللحظة التي فتحت فيها يارا الباب ودخلت ببطء وحذر شديد عندما وجدته نائم وأغلقت الباب خلفها، ثم تقدمت نحو فراشه بتريث وجلست على حافة الفراش بجوار رأسه وظلت تتأمله لدقائق ثم مدت أناملها وأخذت تغلغلها في شعره براحة وسعادة وهي مبتسمة، ولا إراديًا وجدت نفسها تنحني عليه تنوي تقبيله لكن……….
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية لأنك أنت) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.