رواية لأنك أنت – الفصل الأول
(( لأنك أنت ))
_ الفصل الأول _
داخل غرفة واسعة تحمل لمسة راقية وأثاث ذو ذوق رفيع مع أسلوب حياة الطبقة المخملية، تحتوى على مكتب خشبي مطلي باللون الأسود متمركز في أقصى الغرفة وفوقه مجسمات هندسية للزينة ذات طابع فخم مع بعض الكتب والأوراق المهمة الخاصة بصاحب تلك الغرفة ، وبمنتصف الغرفة تتوسط اريكيتين من الجلد الطبيعي الوثير تحمل نفس لون المكتب ، مع بعض مجسمات وأدوات الزينة المتجزئة في أنحاء الغرفة برقى وسجاد الأرضية الذي من أجود أنواع الصوف.
كان يجلس على إحدى تلك الاريكيتين شابًا بمطلع الثلاثين من عمره، طويل القامة ذو جسد رياضي ومتناسق ببشرة مائلة للقمحية وشعر اسود ناعم، مرتديًا بنطال قماش اسود يعلوه قميص قطني بني اللون مع حذاء كاجوال انيق من نفس لون القميص وبرسغه ساعة رجالي فخمة زادته وقارًا مع نظراته الثاقبة والقوية بعيناه البنيتين.
كان يتحدث مع والده بتعبيرات وجه محتدمة وصوت رجولي غليظ معبرًا عن اعتراضه التام لما يطلبه منه والده هاتفًا:
_أنا آسف يابابا بس أنا مش هقدر اتولى مسئولية مشروع زي ده
هتف عوني بانفعال بسيط من اعتراض ابنه:
_مفيش حد غيرك اقدر استأمنه على مشروع كبير زي ده يا سليم وأنا عارف كويس أني مش هلاقي مهندس أفضل منك يستلمه
أجاب سليم برفض حازم:
_ يبقى نغير مكان المشروع لكن أني اكون مسئول عن مشروع هيهجر الناس من بيوتهم ويخليهم في الشوارع ده لا يمكن يحصل
صاح عوني بصوت عالي:
_ده أفضل موقع نقدر نبني عليه المنتجع وبيوت الناس اللي بتقول عليها دي مهددة بالانهيار في أي لحظة بسبب أنها قديمة ومتهالكة
ابتسم سليم وحدق بأبيه في ثقة وقال بازدراء:
_واحنا بقى عشان خايفين عليهم هنرميهم في الشارع ونجبرهم يطلعوا من بيوتهم بطرق ملتوية من غير ما ندخل في أي مسائلات قانونية، صح ؟
تنهد عوني الصعداء بحنق وقال في بساطة أثارت سخط سليم أكثر:
_مفيش حل غير الطرق الملتوية اللي مش عجباك دي، وأكيد مش هنخسر مشروع بالملايين عشان السبب ده
التوى ثغر سليم بابتسامة قوية ثم التقط نفسًا عميقًا واستقام واقفًا وهو يهندم ملابسه وهتف بلهجة رجولية حازمة :
_أو في حل تاني أفضل يا بابا وهو أنك تشوف مهندس غيري يمسك المشروع ده لأني مش هحط إيدي في المنتجع ده
هب عوني واقفًا ثائرًا وصاح بصوت جهوري في سليم:
_يعني إيه مش هتمسكه واشوفلي مهندس غيرك، أنا أبوك ولما اقولك هتعمل حاجة تبقى هتعملها ياسليم مش بمزاجك أنا مش بخيرك
ارتفع صوت سليم لا إراديًا وهو يجيب منفعلًا:
_لو أنت ضميرك مات ومبقاش عندك ضمير ياعوني بيه فأنا لسا ضميري حي الحمدلله ومش هقدر اتحمل ذنب الناس دي أنها تتشرد في الشوارع
اتسعت عيني عوني بصدمة والتهبت بنيران الهيجان من رد ابنه الغير المتوقع ولا إراديًا رفع يده في الهواء ينوى صفعه ، لكن ما انقذ تلك القنبلة الموقوتة التي كانت على وشك الانفجار بين الأب وابنه هو دخول الأم على أثر صراخهم وفور رؤيتها لزوجها رافعًا يده في الهواء هرولت نحوه وقبضت على ذراعه بأحكام وهي تقف حائلًا بينهم وتصيح بفزع:
_بتعمل إيه ياعوني.. إيه اللي حصل لده كله
صرخ عوني بزوجته وهو يبعدها من أمامه وينتشل ذراعه من قبضتها:
_اطلعي برا يا كاميليا ومتدخليش بينا لأني واضح أني معرفتش اربى، البيه الواقف قدامك.. واقف الند بالند قدامي وبيقولي أني معنديش ضمير شايفة التربية
التفتت كاميليا برأسها للخلف ونظرت لابنها نظرة عتاب وغضب بينما سليم فكان يقف ثابتًا محدقًا بأبيه بتعبير وجه جامد ومتجبر حتى سمع صوت أمه متمتمة:
_اطلع يا سليم
أخذ نفسًا طويلًا ثم استدار وتحرك تجاه الباب مغادرًا الغرفة وهو ثائرًا وقاد خطواته لخارج المنزل بأكمله وقبل أن يصل لسيارته كان أخيه الصغير الذي في منتصف العشرين من عمره عائدًا من الخارج ونزل من سيارته فرأى سليم وهو هائج ويسير تجاه سيارته لا يرى أمامه أحد.
صاح أمير مناديًا عليه ونظرة الحيرة بادية على وجه:
_سليم استنى رايح فين ؟!
غضن حاجبيه بعدم فهم وظل واقفًا يتابع أخيه الكبير بنظراته حتى استقل بسيارته وانطلق بها مغادرًا المنزل، فتحرك أمير بخطواته للداخل وفور دخوله راح يبحث عن أمه ليسألها عن أخيه لكن قابل الخادمة التي رحبت به بود شديد هاتفة:
_أمير ليه رجعت بدري كدا يابني ؟
اقترب منها أمير وسألها وهو يبحث بنظراته عن أمه:
_ماما فين يادادة أمينة
لوت أمينة فمها بعبوس وقالت وهي تشير بعيناها على غرفة المكتبة الخاصة بعوني:
_مع عوني بيه في المكتب
رفع أمير حاجبيه بخبث وابتسم لها ثم مال عليها ولف ذراعه حول كتفيها وقال مازحًا بلهجته العبثية والمرحة:
_طيب قوليلى بقى سليم ماله وطالع متعصب ليه واوعى تعمليلي فيها بريئة وغلبانة أنا عارف أنك ست لئيمة وعارفة كل حاجة
رفعت أمينة يدها ولكمته بلطف على صدره ضاحكة وهي توبخه بحنو:
_بلاش قلة ادب ياولا ده أنا مربياك على أيدي احترم سني
قهقه أمير عاليًا وانحنى عليها يلثم وجنتها بقبلة نقية ومحبة هاتفًا:
_أنتي حبيبتي يادادة والله، قولي بقى إيه اللي حصل؟
زمت شفتيها بحزن وراحت تسرد له بحسرة:
_سليم حبيبي ياحبة عيني اتخانق مع عوني بيه خناقة كبيرة بس الحمدلله أمك لحقتهم قبل الموضوع ما يوسع اكتر.. وبعدها سليم طلع متعصب مش شايف قدامه ومشي
صمت تام استحوذ على أمير للحظات ونظراته معلقة على غرفة مكتب أبيه يفكر باهتمام عن سبب ذلك الشجار بين أخيه وأبيه فسليم لا يتجادل مع والدهم أبدًا ولا يفقد أعصابه إلا نادرًا، فالجميع يعرف مدى رزانته وحكمته ووقاره في اتخاذ القرارات والنقاشات والجدالات
عاد بنظره إلى أمينة وسألها بفضول ونبرة جادة:
_متعرفيش ليه اتخانقوا يادادة ؟
هزت رأسها بالنفي في أسى ف أماء أمير برأسه ثم مسح بكفه على ذراعها في حنو وسار باتجاه الدرج متجهًا لغرفته بالاعلى فيسمع صوته أمينة وهي تسأله باهتمام:
_اعملك حاجة تاكلها أو تشربها طيب زي ما متعود يا أمير؟
أجابها دون أن يلتفت لها وهو في طريقه على الدرج:
_لا يا دادة شكرًا مش عايز
***
داخل غرفة المكتب حيث يوجد كل من عوني وكاميليا….
كان عوني جالسًا على الأريكة وهو يترنح من فرط الغيظ وانفاسه عالية أما كاميليا فكانت تقف أمام المكتب وتقوم بسكب المياه له في كأس زجاجي فاخر ثم حملته واقتربت منه وجلست بجواره ورفعت يدها تمدها بكوب الماء هامسة له بحنو:
_ اشرب مايه ياعوني واهدى ابوس ايدك عشان خاطري، الموضوع مش مستاهل كل العصبية دي والخناقة الكبيرة بينك وبين أبنك
رمقها عوني بسخط وصاح:
_ما انتي مشوفتيش البيه ابنك كان بيكلمني ازاي وكأني سفاح وبأمره يروح يقتل الناس
رفعت كاميليا كفها الناعم وراحت تربت على كتف زوجها وتمسح عليه بذكاء أنثوي محاولة امتصاص غضبه ومتمتمة:
_معلش ما أنت عارف سليم ياعوني عنده معتقدات ومبادئ في دماغه مش بيتنازل عنها مهما كان السبب إيه، كنت اتكلمت معاه بالهدوء وحاولت تقنعه بدل ما تجبره هو مش بيجي بالتهديد ولا الإجبار
ابتسم ساخرًا من كلمات زوجته وأجابها بحدة ونظرة مرعبة:
_لا كنت نزلت بوست على رجله البشمهندس عشان يوافق كمان إيه رأيك، ده مشروع كبير جدًا ياكاميليا وهيجي من وراه ملايين لو اتعمل والبيه ده بيتدلع وبيتشرط ، بس أنا الغلطان أني اديته صلاحيات في الشركة وخليته يمسك كل شغل شركاتنا وبقى هو المدير الفعلي وبياخد قرارات من غير ما يرجعلي حتى وأنا كنت بشجعه وواقف في ضهره عشان واثق فيه ودلوقتي بقى بيتشرط عليا وعايزة يمشى كلامه عليا أنا
تنهدت كاميليا الصعداء بقلة حيلة وهتفت في خفوت جميل:
_متقولش كدا أنت عارف كويس أن ابنك قد المسؤولية اللي أنت ادتهاله وأنت بنفسك فخور بيه قدام الناس كلها ومعزة سليم في قلبك غير، بس هو عنيد شوية ومش بيقبل بعكس اللي شايفه صح، اتكلموا تاني مع بعض وحاولوا تلاقوا حل وسط يرضيك ويرضيه ، وأنا كمان هكمله أول ما يرجع البيت
اشاح عوني بوجهه للجانب الآخر وهو يزفر مستغفرًا ربه بينما كاميليا فابتسمت بفرحة أنها نجحت في تهدئته وقالت:
_خلاص بقى متعصبش نفسك أكثر احسن الضغط يعلى وتتعب
عاد ونظر في وجهها وابتسمت رغمًا عنه بود وحب ثم مال برأسه نحوها وراح يلثم شعرها بقبلات دافئة ثم ضمها لصدره وهتف:
_ربنا ميحرمنيش منك أبدًا يا أم سليم
مال ثغرها بابتسامة عريضة وهي بين ذراعين زوجها وحبيبها لأكثر من أربعين عامًا، فرغم مرور السنين إلا أنها لم تنجح في إنقاص حبها له أبدًا فمازالت تتذكر ليلة زفافهم كأنها الأمس، كيف كانت في قمة سعادتها بتلك الليلة أنها ستتزوج من اختاره قلبها واحبته بشدة، والسنوات مرت ومازالت ذكرى تلك الليلة في عقلها باقية لم تمحيها الأيام ولا السنين…
***
بتمام الساعة العاشرة مساءًا…..
بمكان آخر داخل احدى الشقق السكنية الراقية، بالتحديد داخل غرفة النوم كان متسطح على الفراش رجل بمنتصف الأربعين من عمره ورغم تقدم العمر ألا أنه يتمتع بجسد رياضي مثير مع قامة طويلة وعريضة، وملامح وجهه حادة زادته جاذبية مع لحيته المزينة ببعض الشعيرات البيضاء وكذلك شعره الناعم الذى ظهرت عليه آثار تقدم العمر بشعيرات بيضاء بسيطة لكنها ملفتة ومثيرة للأعجاب.
وبين ذراعيه سكنت امرأة في ختام الثلاثين من عمرها ذات ملامح أنثوية صارخة الجاذبية وجسد أنثوي يخضع أمامه أشد الرجال ثباتًا، كانت مستميتة داخل أحضانه مرتديه قميص ستان أحمر ينسدل على جسدها كالحرير ناعمًا بينما هو فكان عاريًا الصدر ومرتديًا فقط بنطال قطني واسع، فرفعت هي رأسها له ونظرت إليه بعينان تحمل الدهاء والدلال:
_ما تقضي الليلة دي معايا ياحبيبي أنت وحشني أوي
نظر لها وابتسم بخبث ثم قال غامزًا:
_وحشتك ده إيه هو أنا بلحق اوحشك ده أنا كل يوم معاكي ياوزتي
زمت شفتيها بحزن طفولي وقالت معترضة:
_مليش فيه أنا نفسي تبات معايا في ليلة وتصحى عندي واحضرلك الفطار بأيدي وبعدين تطلع على شغلك
تنهد شاهين مطولًا وقال معتبرًا عن رفضه بلطف:
_هو احنا مش اتكلمنا في الموضوع ده يامروة كذا مرة قبل كدا وقولنا انسيه خالص وأني مقدرش أبات معاكي واسيب داليا والولاد وحدهم
ابتعدت مروة عن أحضانه وانتصبت حاليًا وهي تهتف بحنق حقيقي:
_!وبعدين يا شاهين هو أنت مش ناوي تطلقها بقى ولا إيه ؟
تحولت تعبيراته بلحظة من اللطف للغضب وانقبلت عينيه لتصبح صارمة مجيبًا على عشيقته:
_مش معنى أني معاكي يبقى أنا هطلق داليا أو أني بكرهها علاقتنا متنفيش أن داليا أم ولادي ومقدرش أسيبها
حدقته شزرًا وقالت بحدة وشراسة وهي تعي تمامًا ما تطلبه منه:
_يبقى تتجوزني ياشاهين أنا مش قادرة اتحمل علاقتنا اللي في السر دي وأنك تيجي تاخد معايا كام ساعة وتمشي تروح لمراتك وعيالك ، طالما مش عايز تطلقها يبقى أنا كمان عايزة اكون مراتك وتكون معايا في العلن مش السر
استقام شاهين واقفًا وهو يزفر بنفاذ صبر وانزعاج شديد دون أن يجيب عليها، ثم اتجه نحو ملابسه يلتقط قطعة خلف الأخرى ويبدأ في ارتدائهم وفور انتهائه التفت ونظر لمروة وهتف:
_أنا ماشي
راقبته بنظرة ملتهبة وهي تراه يغادر ويتركها وحيدة في فراشهم دون أن يكترث لأمرها أو يراضي قلبها بكلمات دافئة يطمئنها من خلالها.
أما شاهين فغادر المنزل واستقل بسيارته وقبل أن يحرك المحرك وينطلق عائدًا لمنزله صك سمعه صوت رنين هاتفه في جيب بنطاله فأخرجه وتمعن للشاشة يقرأ اسم المتصل بتفكير للحظات قبل أن يرفع الهاتف على أذنه مجيبًا بصوت هادئ:
_ايوة يا داليا
وصله صوتها الرقيق وهي تسأله باهتمام:
_فينك ياشاهين ليه اتأخرت كدا أنا حضرت العشا ومستنياك
تنهد الصعداء مطولًا ثم أخرجه زفيرًا متمهلًا وأجاب بلطف:
_كان معايا شغل ياحبيبتي أنا راجع دلوقتي مش هتأخر عليكي
ابتسمت داليا واجابته بصوت يغمره حالة الحب والشوق:
_ماشي ياحبيبي مستنياك
أنهى الاتصال معها وألقى بهاتفه على المقعد المجاور له وهو يلتقط نفسًا عميقًا محاولًا نسيان ماحدث قبل قليل داخل منزل عشيقته والاستعداد نفسيًا للذهاب إلى زوجته وأولاده…
***
داخل إحدى الاحياء السكنية الأشبه بالشعبية تحديدًا داخل عمارة كلاسيكية قديمة عفى عليها الزمن مكونة من أربع طوابق، بالطابق الثالث حيث توجد شقة لعائلة بسيطة مكونة من أربع أشخاص، ابنة في ريعان شبابها وقد بلغت منتصف العشرين.. وابن صغير بالغ من العمر العشر سنوات.. مع الأب والأم الذين كرسوا حياتهم لتربية أولادهم على أكمل وجه وبأفضل تربية، فأنبتوا غصن مثمر سيُسقط عليهم ثماره الجميلة طوال حياتهم.
داخل غرفة الأب والأم كانت الأبنة جالسة على الفراش تقوم بتوضيب حقيبة سفر والديها ووضع كل مستلزماتهم داخلها من ملابس أو غيره، كانت فتاة قصيرة القامة بعض الشيء بملامح رقيقة ودافئة وشعر أسود ناعم ينسدل بحرية على كتفيها وظهرها.. جسد أنثوي بالوزن المثالي الذي زاد من جمال هيئتها الناعمة والجذابة.
دخلت الأم بعدما انتهت من ارتداء ملابسها والتجهز فرأت ابنتها تقوم بتوضيب الحقيبة ابتسمت وقالت بقلة حيلة:
_بتعملي إيه يابنتي بس أنا مش قولتلك سبيها وانا هعملها
أجابت بلطف وود:
_تعملي إيه ياماما أنا عملتها خلاص أنتي يدوب تطلعي أنتي وبابا عشان متتأخروش وبابا يلحق الدفن
اقتربت منها والدتها وجلست بجوارها على الفراش وقالت في حزن حقيقي:
_أه والله يا فيروز ده أبوكي زعلان أوي على عمك سامح ده كان صديق عمره ، قاعد برا وعقله مش معانا كأنه في عالم تاني من الحزن
زمت فيروز شفتيها بأسى ورددت في أسف:
_ربنا يرحمه كنت بحبه أوي عمو سامح، بس كويس إنك هتروحي مع بابا عشان ميكنش وحده
هتفت الام بتأييد لكلام ابنتها:
_أيوة طبعًا مش عايزة اسيبه وحده وكمان أنا لازم اروح أعزي ، الراجل كان ماكل عيش وملح معانا عيب مروحش واعزي مراته دي ست كويسة واصيلة والله
تمتمت فيروز بخفوت:
_ربنا يصبرهم يارب
استقامت الأم واقفة وجذبت الحقيبة لتحملها لكن حملتها عنها فيروز وخرجت بها للصالة حيث وجدت والدها جالسًا فوق الأريكة شاردًا في اللاشيء بحزن، فتقدمت إليه وجلست بجواره ثم لفت ذراعها حول كتفيه ومالت برأسها تستند فوق كتفه وتهمس له بحنو وحسرة على حاله:
_الموت علينا حق يابابا ادعيله بالرحمة ومتعملش في نفسك كدا، عمو سامح في مكان أحسن دلوقتي أكيد أن شاء الله، هو اتعذب كتير الفترة اللي فاتت بالمرض اللي كان عنده وربنا رحمه من العذاب ده، ربنا يجعل مرضه شفيع له أن شاء الله عند الحساب
ربت الأب على كف ابنته الذي تضعه فوق صدره ومسح عليه بدفء ثم مال بوجهه تجاه رأسها التي فوق كتفه وطبع قبلة حانية على شعرها متمتمًا:
_امين ياحبيبتي أمين، أنا عارف أن ربنا رحمه ويمكن الموت راحة ليه فعلًا من العذاب اللي كان بيتعذبه بس الفراق صعب للأسف وسامح كان أخويا مش صديقي ده مربيكم معايا
رفعت رأسها عن كتف أبيها وتمتمت برزانة:
_ربنا يرحمه ويغفرله ويصبرك يابابا، قوم بقى يلا عشان تلحقوا الاتوبيس وتلحق الدفن وطول الطريق ادعيله هو محتاج دعائك اكتر من أي حاجة تاني دلوقتي
أماء رأسه بالموافقة واستقام واقفًا فهبت هي أيضًا واقفة وعانقت أبيها بحرارة مودعة إياه ثم انتقلت إلى أمها تعانقها وتسمع منها توجيهاته الحانية كأي أم:
_خدي بالك من نفسك أنتي وأخوكي وبليل اقفلي الباب كويس عليكم
ابتسمت فيروز وأجابت برقة:
_حاضر ياماما متقلقيش
رفع الأب يده ومسح على شعر ابنته بجنوب متمتمًا:
_يلا يا بابا سلام في حفظ الله
رددت فيروز بهدوء:
_توصلوا بالسلامة أن شاء الله
راقبتهم بنظراتها وهم يغادرون مودعة إياهم بابتسامة رقيقة ثم أغلقت الباب خلفهم جيدًا واتجهت إلى الشرفة تراقبهم في الشارع وهم يركبون سيارة أجرة لتنقلهم إلى موقف الحافلات حيث سيتجهون إلى منزل صديق والدها الراحل.
***
توقف سليم بسيارته أمام إحدى البنايات القديمة المكونة من طابقين وبالطابق الأرضي كان يوجد مكتبة صغيرة للكتب والمستلزمات المدرسية أيضًا، نزل من السيارة وألقى نظرة للأعلى على شرفة غرفة محددة بالطابق الثاني فوجد الأضواء بها مغلقة.. فتنفس الصعداء بقنط وأخذ نفسًا عميقًا واستدار ينوي الصعود بسيارته والرحيل لكن لفت انتباهه صوت مسموع لشابين يتحدثون أمام بناية على بعد بنايتين من البناية التي يقف أمامها، فالتفت نحوهم يتطلع إلى هيئتهم المزرية فكلاهما غارق في شرب الممنوعات حتى افقدتهم عقلهم وتوازنهم، كان واحد منهم يتحدث لصديقه بسخرية هاتفًا:
_وهتجبيها إزاي بقى يا ناصح البت فيروز مش هتبص لخلقتك دي ياض
أجاب الآخر وهو بالكاد يخرج الكلمات من فمه مترابطة مع صوته الغير المتزن:
_نجرب يالا الحنية والدلع منفعش نستخدم بقى العنف
تأفف سليم باشمئزاز ثم فتح باب سيارته لكي يستقل بها لكنه قام بالقاء نظرة أخيرة على الشرفة مجددًا فوجد الأضواء مشتعلة ابتسم براحة ودفع باب سيارته يغلقه ثم اندفع إلى الباب الجانبي للبناية وأخرج مفتاح الباب الحديدي الرئيسي يفتحه ثم دخل وصعد للطابق الثاني ووقف أمام باب الشقة ثم طرق الباب طرقتين متتاليتين وظل واقفًا منتظر الرد، حتى فتح له رجل كهل قصير القامة وبجسد هزيل مرتديًا جلبابًا أبيض قطني خفيف، قابله الرجل بنظرة اندهاش على عكس سليم الذي كانت الابتسامة الدافئة تزين ثغره.
فسأله الرجل بحيرة وقلق:
_خير ياسليم جاي في الوقت المتأخر ده ليه، استر يارب في حد حصله حاجة
ضحك بخفة ثم تقدم بخطوة للداخل واغلق الباب وراح يمسك برأس ذلك العجوز ويقبله بحنو:
_خير خير ان شاء الله ياراجل ياطيب متقلقش أنا كنت جاي اطمن عليك واتكلم معاك شوية
ابتسم الرجل بود ثم ربت على كتف سليم وقال مرحبًا به:
_أهلًا وسهلًا.. ادخل نتكلم جوا
اتجهوا إلى غرفة الصالون وجلس سليم على أريكة قديمة ومتهالكة بعض الشيء وبجواره جلس ذلك الرجل وراح يسأله باهتمام وحنين:
_عوني بيه والست كاميليا وأمير وداليا عاملين إيه طمني عليهم
تمام سليم بهدوء:
_كلهم بخير وبيسلموا عليك، أنت أخبار صحتك إيه بتاخد علاجك في مواعيده ولا بتهمل في نفسك
أجابه بابتسامة عذبة وطيبة وصوت كله رضا:
_والله يابني العمر واحد وادينا بنعمل اللي علينا وقت ما تيجي الساعة مفيش حاجة هتقدر تمنع
مد سليم يده ومسح على كفه وربت عليه بحنو متمتمًا:
_ربنا يديك الصحة والعافية ياعم صبحي متقولش كدا اعمل إيه أنا من بعدك بس لو روحت وسبتني
هتف صبحي ضاحكًا بلطف وقال بخبث:
_تتجوز مثلًا بدل ما أنت بطولك كدا وحدك والعمر بيعدي بيك وأنت مش حاسس
تنفس سليم الصعداء وقال بابتسامة ازدراء :
_ما أنا كنت هتجوز خلاص وقدامكم كلكم كنتوا شاهدين على اللي حصل
رفع صبحي حاجبيه وأجابه بجدية:
_ده ماضي وخلاص وانت بنفسك مكنتش راضي عن الجوازة ولا عن البنت لولا كاميليا هانم مكنتش كملت أصلا من البداية، فبلاش تمثل قدامي أن اللي حصل أثر فيك وخلى نفسك تتسد
قهقه سليم عاليًا بقوة ثم نظر بطرف عينيه إلى صبحي وقال على استحياء:
_بيعجبني فيك أنك فاهمني يا راجل يا لئيم أنت
هتف صبحي بحنق وقلة حيلة منه:
_طيب بقى امال مالك
تبدلت تعابير وجهه الجدية وخرج صوته الرجولي الرزين وهو يجيب:
_والله ياعم صبحي أنا مش مستعجل وأكيد لما الاقي الانسانة المناسبة واحس أنها هي دي مش هتردد في خطوة زي دي
رفع صبحي يده وربت على كتف سليم بابتسامة دافئة وحنونة، ودام صمت تام بينهم للحظات كان سليم شارد الذهن يتذكر شجاره مع والده في صباح اليوم فأخذ نفسيًا طويلًا قبل أن يتطلع إلى صبحي ويسأله بصوت عازم ونبرة رجولية مهيبة:
_ازاي اقدر امسك سلاح ذو حدين بحيث أنه ميأذنيش ولا يأذي غيري ياعم صبحي
حدقه صبحي بطرف عينه وأجاب عليه بسؤال حكيم:
_وهو إيه اللي بيخلي السلاح ده يأذي الطرفين ؟
كانت الإجابة منطقية وبسيطة من سليم حيث قال برزانة:
_أنه حاد ولازم هتضحي بطرف من الطرفين في سبيل أن التاني ميتأذيش
ابتسم صبحي بنظرة ذكية وهتف بكلمات لم تخطر على عقل سليم:
_ده فعلًا التفكير المنطقي لأي حد عنده حيرة زيك مش هيلاقي حل غير أنه يضحي بطرف، مع أن في حل أفضل محدش كتير بيفكر فيه وهي أننا نفقد السلاح ده قيمته القتالية ونحوله من سلاح فتاك إلى سلاح سلام يرضي الطرفين من غير أذى، يعني بالمعنى المصري كدا خليه سلاح تالم ميقدرش يجرح
استحوذ السكون التام على سليم يتفكر في تلك الكلمات بتمحيص، وأدرك الحكمة الخفية بتلك الإجابة.. وهي أنه هو الذي جعل السلاح حاد واختار طرف واحد مضحيًا بطرف والده في سبيل إرضاء ضميره، رغم أن بإمكانه إيجاد حل آخر وهو تحقيق رغبة الطرفين بما يرضيهم.
دام الصمت لدقائق مرت في لحظات تفكر سليم العميقة حتى تنفس الصعداء براحة ونظر إلى صبحي مبتسمًا بامتنان وحب شديد ثم مال على رأسه وقبله بود متمتمًا:
_شكرًا يا راجل ياطيب، أنا هسيبك دلوقتي عشان تنام وترتاح أخرتك عن معاد نومك بما فيه الكفاية
انهي عبارته واستقام واقفًا ينوي الرحيل لكن استوقفه صوت صبحي وهو يهب واقفًا أيضًا ويقول:
_استنى عايز اديك حاجة
توقف سليم مكانه متابعًا بنظره صبحي وهو يتجه إلى غرفة نومه منتظر بفضول ما يريد إعطائه له.
غاب صبحي لدقائق في الغرفة ثم خرج واقترب من سليم ليقف أمامه مباشرة ويجذب كفه يضع بداخله مفتاح منزله ويطبق عليه جيدًا وهو ينظر في عيني سليم بقوة ويقول بقهر وانكسار:
_ده مفتاح البيت، مفيش حد اقدر استأمنه على بيتي غيرك أنت عارف أنا عمري ما كنت بعتبرك ابن عوني بيه وابن البهوات اللي كنت شغال معاهم في شبابي.. أنت ابني ياسليم واتربيت على أيدي، كنت بتقعد معايا في الجنينة أكتر ما بتقعد مع أخواتك وأمك وأبوك، عايز أوصيك لأن محدش ضامن عمره وممكن في أي لحظة الملك يحضر بأمر ربه، بيتي أمانة عندك وفي دولابي في ورق ملكية العمارة كتبتها باسم بنتي لو رجعت في يوم من الأيام ابقي سلمها ليها.. ولو مت قبل ما بنتي ترجع متقفلش المكتبة خليها دايمًا مفتوحة حتى لو هتأجرها لحد بس يكون حد أنت واثق فيه.. أنا بشوف في المكتبة دي كل طفل بيدخل يشتري كتاب أو قلم للمدرسة كأنه بنتي، يمكن تكون المكتبة دي هي سبب أنها تجمعني بيها أو أنها تعرف أبوها على الأقل حتى لو مت وملحقتش اشوفها
تقوست تعابير وجه سليم للأسى بعد سماعه للحقيقة المؤلمة التي رغم معرفته بها إلا أنه لا يحب تذكرها، يشعر بالحسرة لمجرد التفكير أن رجل طيب مثله حُرم من طفلته بسبب امرأة خسيسة لا تستحق الأمومة أو الحياة كلها، لكنه حاول إخفاء شفقته وحزنه أمامه وتصنع الأمل وهو يبتسم ويحاول إعادة نسخة المفتاح ليده هاتفًا:
_خلي مفتاحك معاك ياعم صبحي أنا مش هحتاجه لأنك هتديه بنفسك لبنتك وربنا هيجمعكم ببعض أن شاء الله
أطلق صبحي زفيرًا بنفاذ صبر وهو يحكم المفتاح بيد سليم ويهتف بحزم:
_اسمع الكلام ياسليم ومتعاندش معايا يابني دي وصية عشان لو مكنش ليا نصيب اشوفها ابقي مطمن أن حقها محفوظ وفي اللي هيرجعه ليها
تنهد سليم بقلة حيلة وامتثل لطلبه مجبورًا ممسكًا بالمفتاح بيده ثم مال عليه وعانقه بدفء متمتمًا في صوت رخيم:
_ربنا يديك الصحة ويبارك في عمرك، بس بلاش تحط الأفكار دي في دماغك وخلي عندك ثقة في ربنا
ردد صبحي بإيمان ورضا:
_ونعمة بالله الحمدلله على كل حال
ثم دفعه برفق بعيدًا عنه وقال مازحًا متصنعًا الحدة والحنق:
_يلا كفياك صدعتني وأنا عايز أنام مش بيحلالك تيجي تشوفني غير في نصاص الليالي، امشي يلا طريقك اخضر
صدح صوت ضحكه العالي وأجابه متوعدًا:
_ماشي ياصبحي النجار براحتك.. استمر أنت كل مرة كدا تطردني من عندك وأنا بعديهالك بمزاجي
شاركه صبحي الضحك وعانقه مودعًا إياه بحب أبوي صادق، ثم راقبه بنظره حتى انصرف تمامًا ثم أغلق أضواء المنزل ودخل غرفته ليخلد للنوم.
***
بصباح اليوم التالي داخل منزل عوني الطوخي….
خرج سليم من غرفته بعدما انتهي من ارتداء ملابسه واستعد للذهاب للعمل، لكنه أولًا سيمر على أبيه في غرفة عمله وينهي الخلاف الذي نشب بينهما بالأمس، نزل الدرج وهو يعقد ساعته حول رسغه مرتديًا بنطال كلاسيكي أسود يعلوه قميص أبيض وفوقه سترة سوداء، فقابل أمينة فور وصوله للطابق الأول من المنزل وهي تقوم بتوضيب طاولة وجبة الفطور فالتفتت ونظرت له مبتسمة وهي تلقي عليه تحية الصباح:
_صباح الخير ياسليم أنا حضرت الفطار دقايق وتنزل الست كاميليا وأمير
تجاهل أمر الفطار تمامًا وسألها بصوت غليظ ووجه حازم:
_صباح النور ياحجة أمينة بابا في المكتب صح
هزت رأسها له بالايجاب وهو تحدقه باستغراب، حتى لو كانت طبيعته في المنزل ومع الجميع هي الحزم والقوة والرزانة إلا أنها تستطيع التفرقة بين طبيعته وبين انزعاجه ويبدو الأن أنه منزعج أو عقله مشغول بأمر جلل.
دخل سليم غرفة عمل أبيه فوجده جالسًا على الأريكة وبيده بعض الأوراق الخاصة بالعمل يقوم بتدقيقها، فاتجه وجلس على مقعد مجاور للأريكة وأخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه بزفير متمهل قبل أن يبدأ حديثه باعتذار:
_أنا آسفة يا بابا امبارح كلمت حضرتك بطريقة متصحش سامحني بس غصب عني انفعلت وفقدت أعصابي
رمقه عوني بطرف عينه في نظرة غير راضية عن اعتذاره تدل على سخطه الذي لم يمحيه اعتذاره البسيط، وعاد بنظره لأوراقه مجددًا غير متكرثًا به أو بوجوده حتى، أما سليم فتنهد مطولًا قبل أن يستكمل حديثه بنبرة تحولت من اللين والأسف إلى الشدة وهو يقول:
_أنا موافق اتولى المشروع اللي هنعمله بس عندي شرط
نجح في لفت انتباه عوني الكامل وجعله ينزل يده للأسفل بتلك الاوراق ثم نزع عنه نظارة القراءة الخاصة به وتطلع في وجه سليم بتعجب امتزج بفضوله وحيرته عن شرطه الذي سيضعه.
***
على الجهة الأخرى بتلك المنطقة السكنية الشعبية كانت فيروز قد استيقظت وتجهزت للذهاب إلى عملها ( كمعلمة ) وكذلك أخيها الصغير ارتدى زيه المدرسي واستعد للخروج معها والذهاب لمدرسته التي تعمل بها أخته كمعلمة.
اقتحم أخيها الصغير غرفتها وهو يقول بملل:
_يلا بقى يا فيروز أنا خلصت
_ يلا بينا عشان منتأخرش على الطابور
تقدم منها ووقف بجوارها مباشرة ثم سألها بعبوس:
_أنتي ليه مصحتنيش بليل لما بابا وماما مشيوا ؟
ابتسمت فيروز بحنو وقالت في صوت رقيق:
_هما يومين وراجعين يا ياسين مش هيتأخروا متزعلش أنا هاخدك بليل ونتفسح وناكل البيتزا اللي بتحبها من المطعم اللي بتحبه
فغر شفتيه واتسعت عينيه بصدمة ممزوجة بفرحة غامرة وراح يسألها بتأكيد:
_بجد يافيروز احلفي
قهقهت بخفة وقالت في جدية:
_الله من غير ما احلف بقى، ده وعد هو أنا عمري خلفت بوعدي معاك
أخذ يقفز ويثب وهو يصرخ فرحًا ويقول لها بحماس شديد:
_طيب يلا بينا بسرعة عشان نروح المدرسة واليوم يخلص بسرعة ويجي بليل
راقبت فرحته وحماسه الطفولي بضحك لكن قطع تلك اللحظات الأخوية الصادقة صوت رنين جرس الباب فركض ياسين أولًا إلى الباب وفتح فإذا به يجد ابن عمته أمامه ينظر له بوجه جامد دون أي ابتسامة أو تعابير مرنة، لحقت به فيروز وتقوست تعابير وجهها بحنق وجدية فور رؤيته وقالت:
_أهلًا ياحازم.. خير في حاجة ولا إيه ؟
دام صمته لبعض الوقت وهو ينتقل بنظره من وجه ياسين إلى فيروز والتردد والحزم يحتل صفحة وجهه، يفكر في طريقة مناسبة يخبرهم بها الفاجعة التي حلت بهم، أما فيروز فشعرت بإنقباض قلبها فجأة وملامحه القاتمة زادت حدة ارتيعادها ونبضات قلبها فسألته باضطراب شديد:
_في إيه يا حازم مال وشك كدا ليه ، في حد حصله حاجة؟!!
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية لأنك أنت) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.