رواية في مدينة الاسكندرية الفصل الأول 1 – بقلم صابرين عامر

رواية في مدينة الاسكندرية – الفصل الأول

1- إجازة في الصعيد
بسم الله نبدأ من جديد والجزء التاني ألطف من الأول وفي نفس الوقت أحداثه مهمة جدًا ولا تخلو من الأفكار الهادفة
بإذن الله موعدنا في رمضان كل جمعة فصل بعد صلاة التراويح لحد ما ندخل على العيد لو في العمر بقية، وبعدها هشوف مواعيد مناسبة
تعليقات كتير بقى برأيكم في اللي جاي 💜
صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
“كنت أغرد فتبتسم وتصمت….. اشتاق لها ولا أجد ولو صوتها فقط حتى اسمعه…… ثقيلة وثقلها أرهق قلبي…. ترى أين ذات العيون العسلية التي خطفت لبي؟؟”
أغلق مفكرته الصغيرة التي تجمع الكثير والكثير من الخواطر الشعرية للمحبوبة نورهان، ولكن أين هى نور الآن فقد مر ستة أشهر ولم يرها أبدًا، بالكاد سمع صوتها عدة مرات آخرهم كانت من شهر على هاتف زوجة عمه وكانت تتحدث هى معها أمامه ولكن لم يستطع فتح فمه حتى لا تأخذ والدتها الهاتف منها
كلما فاتح والدها في أمر الزواج يتحجج الآخر أن ابنته لا تزال لم تتعافى وتحتاج لوقت، هو يعلم أن ما مرت به هنا ليس أبدًا بقليل لذا يحترم أنها تريد بعض الوقت حتى تتعافى وتنسى ما حدث ولكن إن كانت هى من تقرر الإنتظار وليس والديها
وضع المفكرة داخل جيب بنطاله ثم رفع عصير البرتقال الذي طلبه وهو الآن في إنتظار حضور باقي أبناء أعمامه، عاد كريم من المرحاض وفي يده طبق مكسرات، عجبًا كم يعشق شقيقه الأكل فعشقه للأكل بماثل عشقه لكرة القدم، لا يستطيع البقاء ساعتين متواصلين دون أن يأكل شيئًا حتى إن كان سيأكل تفاحة
جلس كريم في مكانه يأكل من الطبق الذي في يديه وعينيه على شاشة العرض الكبيرة الموجودة داخل المقهى تعرض أحد مباريات كرة القدم ثم قال :
-فاتني كتير ولا ايه؟ دخلوا على الشوت التاني ولا لسه؟!
رفع حمزة عينيه نحو الشاشة غير مبالي بما يعرض إذ قال :
-هو انت مش لسه حاضر الماتش ده إمبارح بالليل!؟
-ماتش ايه اللي حضرته إمبارح بالليل ده كان ماتش لرونالدوا، ده منتخب مصر
-ما شاء الله انت محلي ودولي
لم يجبه كريم بسبب انشغاله في متابعة المباراة وكل دقيقة والأخرى يرفع قطعة مكسرات ويأكلها ولم يفكر في إعطاء حمزة شيء، ليقاطع هذا دلوف يوسف ويونس إلى المكان فاليوم إجازة ولتوهم عادوا من صالة الرياضة ليرتاحوا قليلًا في المقهى المجاور لها
جلس يوسف على الطاولة ملقيًا التحية ثم قال :
-طلبت برتقال يعني ونسيتنا إحنا؟!
جذب يونس القليل من المكسرات من الطبق الذي أمام كريم بالتزامن مع جذبه للمقعد حتى يجلس عليه :
-هو إسماعيل لسه مجاش ليه؟!
أخفض حمزة كوب العصير عن شفتيه ثم أجابه :
-لسه في الطريق جاي وقال عنده خبر حلو
-ايه قرر يتجوز على أختك؟!
ضحك بخفة على حديثه مضيفًا :
-طب دي كانت تقتله، مش عارف اليومين دول متملكة ناحية إسماعيل وبتغير من الرايحة والجاية، مجنونة
نظر نحوه يوسف متسائلًا :
-ايه يا حمزة مش ناوي تتجوز ولا ايه، لسه حماك ده محنش عليك شوية
-هو علميًا ميعتبرش حماه لأنه لحد دلوقتي مدخلش بيتهم ولا قرأ فاتحة، كل الموضوع إن عمي محفوظ قبل سفرهم من ست شهور قال لأبوها هاجي انا واخويا لما بنتك تبقى كويسة ونشرب معاكم شاي ولحد دلوقتي لا روحتوا ولا شربتوا لا شاي ولا قهوة
نطق بها يونس بنبرته الساخرة مثيرًا ضيق حمزة وهذا لأن كلامه صحيح، تنحنح يوسف محاولًا الترفيه عن حمزة قليلًا :
-تحب اجيبلك رقمها الجديد من براءة، مش عارف بصراحة هاخده ازاي بس هعرف اجيبه
نفى حمزة برأسه لا يريد أن يضايقها بكلامه وتظل تقول له حرامًا ولا يجوز فهو يعلم نفسه إن أخذ رقمها لن يتوقف عن الإتصال بها، وهو يريد أن ينالها في الحلال وحينها لن يوقفه أحد عن فعل أو قول أي شئ يريده ولا حتى هى
أخرج يونس علبة السجائر الخاصة به ثم اخرج منها سيجار دون أن يشعله بالتزامن مع قوله :
-طب أبوها ليه لحد دلوقتي بيهرب من مجيتكم، يكونش جوّزها ومش عارف يجيبهالك إزاي
انقلبت ملامح الآخر بطريقة عنيفة إذ قال بهدوء مخيف :
-أقسم بالله هطلع عليهم كلهم جناني وهى من قدامك
قهقه يونس بصوت رجولي بينما قال يوسف وهو يشير إلى العامل حتى يطلب شيئًا :
-عنيف انت يا حمزة، مش عارف كاتب ازاي والمفروض تكون مرهف الاحساس بس انت عكس كده معانا
وافقه يونس حديثه مضيفًا :
-معانا عنيف ومجنون ومعاها بسكوتة نواعم من اللي بتدوب في الشاي دي، أهو هو كده لما يشوفها بيدوب
-خلصتوا فقرة القر؟! وانا أقول الراجل لحد دلوقتي مش راضي يدينا معاد ليه؟؟
نطق بها حمزة متهكمًا ليفزع ثلاثتهم على صرخة كريم الحماسية بجانبهم عندما أتى جول في المباراة التي يشاهدها، سبه يونس علانيةً وهو يهبط بيده فوق رأسه بغيظ :
-أبو شكلك يا كريم خرعتني
وتلىٰ ضربته هذه ضربة أخرى أتته من حمزة ولكن أشد عنفًت ثم قال :
-متضربش اخويا يلاه، يعمل اللي هو عايزه
استدار له الآخر رامقًا إياه بتهكم بينما بعث كريم قبلة لأخيه في الهواء قائلًا :
-حبيبي حبيبي يا عم العيال خد بوسة
قهقه يوسف بعلو صوته فرمقه يونس بحنق لاكمًا إياه في كتفه :
-بتضحك واخوك بيتهزق آه طبعًا ما براءة لحستلك دماغك واتركنت انا على الرف
-يا يونس بقى بطل تغير منها انا أول مرة أعرف إنك غيور أوي كده، من وقت ما اتجوزت رقية وانت ماسك فيا انا، مش مهنيني على مكالمة واحدة منها
برم الآخر شفتيه بعدم رضا ثم وضع سجارته بين شفتيه وأشعلها فقال يوسف بضيق وهو يحاول أن يأخذها منه :
-تاني سجاير تاني، أعمل فيك ايه
سحب يونس السيجار وأبعده عن مرمى يديه متحججًا :
-خلاص بقى ولعتها مجاتش على واحدة
-وهى واحدة بس يا يونس حرام عليك صحتك
-معلش معلش هشرب دي بس
نطق بها بمسايرة حتى يصمت ولكن هيهات إذ مال عليه يوسف مفتشًا جيوبه ثم أخرج العلبة وفركها بعنف بين كفه ثم استقام من مكانه حتى يلقي بها في سلة المهملات فقال يونس بإعتراض :
-طب والله حرام ده، كله لما أجيب واحدة ترميها في الزبالة مش بفلوس دي؟ ولا هو مال حرام!؟
حدق به حمزة بضيق لإكثراه لشرب السجائر إذ قال وهو يرفع كوب العصير إلى شفتيه :
-نفسي أعرف ايه الحلو فيها ده حتى ريحتها معفنة
-اومال انت كنت عايز تشربها ليه في خطوبة رقية؟؟
رفع الآخر منكبيه بعدم معرفة فأجابه يونس هاتفًا ببساطة :
-بتطلع ضيقك فيها وبعدها الموضوع بيقلب بتعود، كل لما تفكر تشرب، كل لما تتنرفز تشرب، كل لما تزعل تشرب، انا بخلص العلبة في أسبوع أعرف ناس تخلصها في يوم
عاد يوسف وجلس مكانه محدقًا في السيجارة التي في يد يونس فقال الآخر بتحذير :
-عارف هتاخدها هتخانق معاك
-ده انت لو مطفتهاش هتخانق معاك
دلف إسماعيل من باب المقهى ثم توقف يبحث عن أبناء أعمامه ليرى كريم يشير نحوه حتى يأتي، تقدم نحوهم ملقيًا التحية وسرعان ما انقبضت ملامحه بسبب الدخان فقال بإنزعاج :
-يونس اطفي البتاعة دي، انا مش بطيق ريحتها
واطفأها الآخر مجبرًا ثم كتف ذراعيه لصدره يستمع لصوت حمزة المتسائل وهو يقول :
-ها يا إسماعيل ايه الخبر الحلو؟!
-انت تفتكر ايه؟؟
رفع حمزة منكبيه بعدم معرفة ثم قال بمزاح :
-مش عارف يمكن هتتجوز على غادة زي ما قال يونس
ابتسم الآخر دون أن يعلق، ليقول وهو يتراجع بظهره نحو الخلف :
-فرح ابن خالي بعد خمس أيام وهنسافر الصعيد انا وماما وبابا ولؤي أجازة أسبوع هناك
-طب وايه الخبر الحلو يعني هو إحنا هنروح مثلًا؟!
تساءل بها يوسف ولم يصل له الخبر المفرح بعد فأجابه الآخر يؤيد ما قال :
-آه هتسافروا علشان خالي عزم عمي عثمان وعمي محمد كمان يعني يوسف يقدر يروح ويعجل شويتين في جوازه هو وبراءة، فإحنا هناخد كلنا أجازة أسبوع في الصعيد نغير جو بعيد عن صداع إسكندرية، والخبر الأحلى بالنسبة لحمزة إن خالي علي اتصل على ماما وقال تشوفوا معاد تقدروا تيجوا فيه
اتسعت عيني حمزة لا يصدق ما يسمعه إذ مال للأمام قليلًا نحو الطاولة هاتفًا بدهشة :
-قول والله يعني خالك خلاص وافق عليا؟؟ ووافق نيجي علشان اخطب نور؟!
ضحك يونس على السعادة الواضحة على حمزة إذ قال :
-براحة يا حمزة لتتشل من الفرحة
آماء إسماعيل مؤكدًا الأمر إذ قال :
-ايوه وافق والمعاد اللي قال عليه بعد فرح ابن أخوه يعني بعد ست أيام وإحنا هنسافر بكرة الفجر، يلا بقى جهزوا الشنط وخدوا أجازة أسبوع ولا عشر أيام علشان هتسافروا معانا
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كانت ثائرة بشدة لا يعجبها ما فعله زوجها، كيف له أن يتصل على الرجل ويعطيه موعد حتى يتقدم لابنتها بشكل رسمي، لقد شعرت براحة أن ابنتها وأخيرًا بدأت تنسى كل ما حدث لها في تلك المدينة وتنسى تلك الزيجة البعيدة من ضمنهم ليأتي هو الآن ويبدي موافقته بهذه الزيجة
صاح علي بها من كثرة ثرثرتها عن الأمر :
-ما تسكتي يا بت بقى عاملاها جنازة ليه
رمقته صفية بضيق شديد قائلة :
-يا علي انا مش عايزة اجوز بتي بعيد وبعديها تبقى زي اختك مش بنشوفوها غير سنتين مرة
-التليفونات قصرت المسافات وابقي كلميها كل يوم، الواد كل راسي وعايزها، وانا ست شهور أقولهم تعبانة مش وقته، خلاص بقى كده كفاية وهى بقيت كويسة
جلست الأخرى إلى جانبه بإعتراض :
-قوله مش هندهالكُم، مكسوف قولها لمحفوظ يوصلهالهم
-وليه نقولوا لأ ما الواد كويس وأهله مرتاحين وهو مرتاح كمان وبتك هتعيش في أحسن حتة في إسكندرية عايزة ايه تاني؟؟
-عايزة بنتي تبقى جنبي يا علي علشان لما نكبروا انا وانت يشيلونا
تنهد علي بضيق لكثرة إلحاحها ثم قال :
-يمكن نموتوا قبل ما نكبروا حد ضامنها وهو عايزها وست شهور مستني خلاص كده استوعبي إن البت كبرت وهتمشي إحنا عايزين ايه غير يكونوا مرتاحين، وانا حاسس هتبقى مرتاحة معاه، ثم انا هشرط عليه ميخلهاش تقطع بينا، طالما هو مرتاح ومعاه فلوس يخليه تيجي كل شهر عندنا
لم يبدو على صفية الرضا ولكنه محق، عاجلًا أم آجلًا سيتركن بناتها المنزل وهما لا يريدان إلا سعادتهما وراحتهما، تحدث علي وهو يمسك جهاز التحكم يغير قناة التلفاز :
-قومي اعملي شاي ولما البنات يرجعوا من برا تقولي لنور علشان تجهز وشوفيها قابلة ولا مش قابلة وإياكِ تدوسي على البت بكلامك
والأخرى قد سلمت الأمر إذ قالت قبل أن تقف من مكانها وتنفذ ما قال :
-وانا هدوس عليها ليه انا مش عايزة ليها غير الزين كله، ولو هتبقى بعيدة عننا وكويسة ومبسوطة أحسن ما تبقى جنبنا ومتنكدة
دلفت إلى المطبخ وقد سحبت هاتفها حتى تتصل على ابنتها وترى إن كانت عادت من مقرأ القرآن بعد أم لا ولكنها لم تجيب وفي العادة قد لا تجيب فهى تضع هاتفها هناك على الوضع الصامت
وعلى الناحية الأخرى في مبنى كبير نوعًا ما يتكون من عدة طوابق والكثير والكثير من الغرف في كل طابق والضوضاء كانت تنتشر ولكنها ضوضاء من نوع مريح إذ كانت أصوات تلاوة القرآن تصدح من كل الغرف
أصوات متداخلة فهناك طفلة تسرد ما حفظت لمعلمتها وهناك طفل يصِح صفحة جديدة حتى يحفظها، وهناك مراهقة تقرأ القرآن في إستعداد للإختبار، وهناك معلمة تجوب بين الفصول بإشراف على الجميع هنا
وفي أحد الفصول كانت تجلس بجانب الحائط تنتظر دورها حتى تسرد ما راجعته فهى قد ختمت القرآن منذ فترة طويلة ولكنها تراجعه بإستمرار حتى لا تنسى كما أنها بدأت مؤخرًا في الحفظ برواية جديدة
-يلا يا نورهان تعالي
استقامت من مكانها وفي يدها مصحفها ثم جلست في المقعد القابع أمام المعلمة تمامًا تسرد ما حفظته من الرواية الجديدة التي بدأت بها فهى حتى تخرج من الدوامة السوداء التي سقطت بها، كان يجب عليها الانشغال بشئ آخر حتى تنسى كما قالت والدتها
لذا وضعتها معلمتها في مسابقات للقرآن واختبارات كثيرة جعلتها بالفعل تنشغل عن التفكير كما أن والدتها وشقيقتها وخالاتها كن بجانبها في هذا الأمر ولكن لا تزال هناك عقدة تؤثر في نفسيتها وهو رهاب من الزحام، تقف ساعتين على قدميها في انتظار فك الزحام ولا تدلف به
كما أن شروق المسكينة أصبحت تعاني فوبيا من الدماء تصاب بحالة خرس وشلل وبصعوبة تستطيع تمالك نفسها وإبعاد عينيها عن ذلك اللون الأحمر حتى إن كان في التلفاز أو الهاتف وليس حقيقي
لا يعلم الكثير بهذا الأمر كما أن لا أحد يعلم بعد أن شروق تعرضت لمحاولتين للقتل، فقد تكتم عمها حسين على الأمر حتى لا تتعرض ابنته لكثرة الضغط كما تعرضت هى حين خطت بقدمها البلد منذ ستة أشهر
حسنًا لتكف الآن عن التفكير وتركز فيما تقول، أما في المقعد الخلفي لها كانت تجلس شروق وعائشة داخل درج واحد ولكنهما لا يفتحان المصاحف فقد سردا ما عليهما اليوم بل يشاهدان تصاميم لفساتين المناسبات الخاصة من أجل زفاف ابن عمهم، فجميع فتيات العائلة ينتظرن مناسبة كهذه منذ سنوات حتى يشترين الفساتين الجديدة
استدعى انتباه شروق رسالة ظهرت في أعلى الشاشة من براءة وكادت أن تتخطاها ولكنها أبصرت جملة تحمل “يوسف وعيلته جايين” لذا فتحت الرسالة سريعًا تقرأ محتواها
“يوسف وعيلته جايين من إسكندرية بكرة يا بِه”
نظرت نحو عائشة التي لم تكن تنتبه لها بل تنتبه لهاتفها الذي تخفيه أسفل الدرج حتى لا تراها المعلمة فممنوع إمساك الهواتف أثناء حلقة القرآن
أخفت هى أيضًا هاتفها تجيب على شقيقتها برسالة
“قولي والله”
“والله حتى ماما قالت أجيب طقم تاني حلو لما نروحوا النهاردة بالليل نشتروا علشان ألبسه لما يوسف يجي علشان كلم بابا وقاله هيتكلموا في موضوع كتب الكتاب لما يجوا”
“يعني ممكن تكتبوا الكتاب المرة دي؟!”
“باين هيبقى كده فعلًا”
برمت شروق شفتيها تشعر بالغيرة، ليس من شقيقتها وإنما على شقيقتها فلا تتقبل أبدًا فكرة أنها ستتزوج وتسافر إلى محافظة أخرى مع زوجها، أي لن تستيقظ وتراها، لن تتشاجر معها بسبب أعمال المنزل، لن يسهر كلاهما على الأفلام والمسلسلات
ربما هما طوال الوقت كالقط والفأر ولكنها تحبها ولا تريدها أن ترحل وعلى هذا الأساس لا تطيق يوسف أبدًا، فحتى يوم الخطوبة لم تكن تدع له فرصة للتحدث مع براءة تحت بند أنها مِحرم ولا يجوز أن يبقيا بمفردهما أبدًا
أغلقت هاتفها عندما نادت عليها المعلمة قائلة :
-لو ماسكة التليفون شيليه يا شروق
-حاضر يا مس
قالت لها هذا حتى تبعد عينيها عنها، وبعد عشر دقائق اقتربت منهما نور حتى تجلس إلى جانبهما ترى فيما يتحدثان :
-على ايه الكلام؟!
-على إن يوسف وعيلته جايين يتكلموا في كتب كتاب براءة
رفعت عائشة رأسها بإنتباه لما قالته شروق ثم قالت :
-قولي والله؟! يعني هيبقى فيه فرحين في العيلة مش واحدة، لا انا كده هحتاج اشتري فستان كمان علشان فرح براءة
نكزتها الأخرى بخفة هامسة بضيق :
-بس يا بابا هو كتب كتاب بس وعليا إن خليتهم يتجوزوا غير بعد سنة
-لا معتقدش طالما هيكتبوا الكتاب يبقى فترة صغيرة وهيبقى الفرح، معروفة دي
اعتدلت نور في جلستها تدعي عدم الإهتمام بالأمر وهى تسأل شروق :
-جايين لوحدهم مع عمتي وعيالها ولا لامين نفسهم كلهم وجايين
معروف لما تسأل نور هذا السؤال فهى تسأل عن ذلك المحامي الشاعري ذو الملامح الوسيمة، ورغم أنهم لم يسمعوا خبر عنه منذ ما يقارب الستة أشهر إلىٰ أن شروق أخرجت هاتفها وبعثت رسالة لبراءة حتى تسأل يوسف بطريقة غير مباشرة إن كان حمزة وعائلته قادمين معهم
وبعد أن أرسلت الرسالة اخفضت نور يد شروق قائلة بوجوم :
-خلاص متبعتيش تلاقيه زهق وعدى الموضوع، بابا كل شوية يقولهم لسه محتاجة وقت علشان تبقى كويسة وهو وماما رافضين من البداية، خلص الموضوع من زمان
أعادت ظهرها على المقعد تحدق بشرود أمامها تشعر بنفس الضيق الذي شعرت به عندما لم يأتي خطوبة براءة ويوسف كما وعدها، ربما خفت ضيقها عندما علمت بعدها بيوم أنه أصيب بحمى شديدة منعته هو ووالديه من القدوم ولكن بداخلها شئ آلم قلبها عندما رأت الجميع موجود يومها إلا هو وعائلته
ذلك الألم الذي كانت تعلم أنه سيأتي مع كل مرة كان يعلقها بكلماته المعسولة ولكن يكفي، والديها يرفضان وقد مر ست أشهر على الأمر وعلى الأرجح قد سئم الرفض، ولو هى مكانه كانت ستسأم أيضًا لذا عليها التأقلم وأن تخرجه تمامًا من عقلها فلا يجوز أن تفكر في رجل وهى على ذمة آخر
حسنًا لا تفزعوا هى لم تتزوج ولكن تقول هذا لِما فيما بعد، فهل ستظل عزباء في إنتظاره حتى يفوتها قطر الزواج؟! كما أنه تقدم لها الكثير والكثير من الخطاب بعد هذه الحادثة وليس عشقًا في جمالها بل لأنها تمتلك الآن الكثير من الأموال في البنك
ووالدها كان يرفض حتى أن ترى أحدهم، لا تدري لما ولكن على الأرجح لأنه لا يريد أن يزوجها لرجل فقط يطمع في مالها
-هتيجي معانا النهاردة علشان نشتروا فساتين للفرح صح؟!
تساءلت بها عائشة وهى توجه السؤال لنور فآماءت لها الأخرى بعدم إهتمام :
-إن شاء الله ايوه اتمنى بس متقعدوش تلفوا كتير علشان ضهري بيوجعني من كتر اللف
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كانت تسير خلف زوجها في كل مكان في الشقة تحاول إقناعه بسفرها مع عائلتها والآخر يرفض رفضًا قاطعًا، ليس لكونه رجل دكتاتوري وإنما هو فقط يخاف عليها لذا صاح بضيق لكثرة إلحاحها على الأمر :
-لأ يا رقية لأ مفيش سفر انتي مش هتسافري ساعتين ولا تلاتة دول عشر ساعات
ضمت رقية شفتيها بتذمر تراه يجلس على الاريكة ويفتح حاسوبه الخاص يكمل عمله عليه، وإن كان يظن هكذا أنها ستتنازل عن الأمر فهو مخطئ إذ جلست الي جانبه هاتفة برجاء :
-يا عمر بقولك إحتمال يوسف يكتب كتابه انت مش عايزني أحضر كتب كتاب اخويا؟!
-انت مقولتيش كده انتي قولتي رايحين فرح واخوكي هيتكلم مع حماه على الموضوع مقولتيش رايحين يكتبوا كتب الكتاب، وحتى لو مش هتروحي
اتسعت عينيها بذهول لرفضه القاطع هذا وقبل أن تفتح دائرة النكد اصمتها عمر عندما أكمل وهو يعلم رأسها اليابس :
-انا مش هقدر أروح ومش هسيبك تروحي وحدك وانا عارف هتفضلي تتنططي يمين وشمال وتنسي إنك حامل في الشهور الأولى والدكتورة طلبت منك راحة علشان ميحصلش اجهاض زي المرة الأولى، فاكرة ليه بقى أجهضتي في المرة الأولى يا رقية؟!
قلبت الأخرى ملامحها وضمت ذراعيها إلى صدرها هاتفة بضيق لذيذ له :
-علشان الحركة الكتير في الشغل واديك ادتني أجازة إجباري من لما عرفت إني حامل، سيبني أسافر معاهم يا عمر انا عايزة أحضر كتب الكتاب
-يا رقية لأ ده سفر عشر ساعات غلط عليكي السفر وانتي لسه في الشهور الأولى، انتي عايزة تجهضي تاني؟؟
-ليه تقدر البلاء قبل وقوعه انا هخليهم يمشوا على مهلهم
نطقت بها في محاولة لمراضاته فقال الآخر متسائلًا :
-انتوا هتسافروا عربية!؟
-لأ قطر علشان كلهم مسافرين
-يا سلام وهتخلي القطر يمشي على مهله؟!
تخصرت الأخرى له مستشعره رفضه مرة أخرى إذ قالت :
-يعني انت كده برضو مش موافق
-آه
-عمر!!
-لأ
-عــــمــر
-قولت لأ
حدقت به رقية بشرار وتقلبات الحمل تؤثر عليها لذا هتفت بدون وعي أو بطريقة مضحكة بالنسبة إليه :
-خلاص لم هدومك وروح عند جدتك متقعدش في البيت
رفع الآخر رأسه له متفاجئًا مما قالت فأكملت الأخرى بعصبية وهى تستقيم من مكانها بعنف :
-زي ما سمعت الشقة من حق الزوجة وانا مش عايزة اشوفك قدامي بتعصب
تقدمت نحو غرفتهم وفتحت الباب حتى تدلف وقبل هذا استدارت نحوه صائحة بغضب :
-وأقولك حاجة كمان ريحتك وحشة
وختمت حديثها صافعة الباب بقوة تاركة عمر يحدق في أثرها بذهول تام وبعد ما يقارب الدقيقتين عاد يكمل عمله على الحاسوب غير مبالي بما قالت فهى تتصرف كالمجنونة هذه الأيام، لا يدري أتتدلل أم أن هذه هرمونات الحمل وفي كلتا الحالتين هو يملك طاقة صبر واسعة يتحمل عنادها وجنونها هذا
مرت خمس دقائق أخرى حين استمع إلى صوتها من الداخل تتحدث في الهاتف مع شقيقها يوسف وهى تقول بصوت تصنعت به البكاء :
-الو يا يوسف عمر ضربني وكهربني وشد شعري تعالوا خدوني من هنا
حسنًا ارتفع فولت الجنون عندها هذه المرة ورغم هذا صاح من الخارج مكملًا عليها وكأنه اعتاد على مثل هذه الأمور :
-واوعي تنسي تقوليله إني أكلتك ملوخية من غير ملح غصب عنك إمبارح
ولا يقصد المزاح هذه المرة فالبارحة تناول الطعام بدون ملح البتة من يديها وهذا لأن رقية لا تجيد الطهو ولا تزال تتعلم وهو في المقابل يصاب بتلبك معوي بسبب تجاربها هذه…
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
أخرج كل ما يمتلك من ملابس في الخزانة ووضعهم على الفراش يختار ما سيذهب به إلى الصعيد في هذه الإجازة الغير متوقعة لأحد، ربي لا يزال قلبه يرفرف سعادةً لأنه سيرى نور وسيخطبها أخيرًا بعد أن سف التراب بالمعنى الحرفي حتى يرضى والدها
قد تظنونه خفيف أو “مدلوق” بالمعنى الشعبي البسيط ولكن الأخرى ثقيلة بشدة هى ووالديها بالذات وإن كانت هى ثقيلة وهو ثقيل إذًا لن تتحرك مركب الزواج هذه أبدًا، فوجب أن يشد أحدهما والآخر يرخي
ولج كريم إلى الغرفة وفي يده عصير مانجا قد اعدته والدته منذ قليل للجميع وقد أعطته نصيبه هو وحمزة ولكن الآخر لا يميل للمانجا كثيرًا لذا سيشربه هو بالنيابة عنه
توقف بجانب الباب ينظر إلى حيرة أخيه وهو يحدق في الملابس أمامه وما بداخل الخزانة :
-ايه محتار تاخد ايه في الشنطة
رفع الآخر رأسه له ثم قال ببساطة وهو يبحث داخل الخزانة عن بنطاله الثلجي :
-لأ انا هاخدهم كلهم محتار بس ألبس ايه لما نروح بيت نور لما نتقدم ليها
أبعد كريم الكوب عن شفتيه محدقًا به بدهشة :
-انت هتاخد الهدوم دي كلها؟؟ ليه يا ابني هو انت خلاص مهاجر
نظر حمزة إلى الملابس التي يشير إليها إذ كانوا عبارة عن ثماني أطقم مختلفة من البناطيل والتشيرات وغيرها :
-ده انا لسه مأخدتش الهدوم الداخلي وحاسس يعني دول قليلين فرضًا يعني قعدنا أكتر من أسبوع
نظر كريم نحو حقيبته الرياضية التي وضع بها طقمين أيتام لا غير :
-واخد ٨ أطقم ده لسه غير الداخلي وبتقول حاسس انهم قليلين؟؟
رفع حقيبته الرياضة ثم صاح قائلًا :
-ده انا واخد تلات تشيرات وبنطلون وعايز أسيب تشيرت من التلاتة علشان الشنطة مش مكفية
رمقه الآخر بنظرة تهكمة مشمئزة ثم قال :
-انت هتاخد بنطلون واحد؟! هتقعد أسبوع بنفس البنطلون يا كريم؟؟
-صح معاك حق خلاص انا هاخد تشيرتين وبنطالونين كده متساويين
أخرج أحد التيشيرتات من الحقيبة ثم وضعه داخل الخزانة دون أن يبالي حتى بتطبيقه كما كان ثم أخذ يبحث عن بنطال مناسب، وفي هذه الأثناء سحب حمزة تلك الحقيبة وافرغ محتواها ليجد بنطال وتيشيرتين والشاحن فقط لا غير :
-كريم هو انت مش هتاخد هدوم داخلي
سحب الآخر بنطال من الخزانة ثم أجابه :
-لأ ما انت هتاخد نبقى نلبس سوا بقى
-طب مش واخد لا شامبو ولا فرشة السنان ولا المعجون ولا حتى فوطة؟!
ضرب كريم كفيه ببعضهما وكأنه تذكر شيئًا :
-صح فرشة السنان كويس إنك فركتني، بس ليه يا حمزة شامبو وفوطة هو إحنا هنستحمى هناك؟!
حدق به حمزة بنظرة متشنجة ثم صاح هابطًا بالحقيبة فوق رأسه :
-لا هنقعد أسبوع كامل من غير ما نستحمى يخربيت العفن اللي انت فيه
ضحك الآخر بقوة مبعدًا الحقيبة حتى يصحح هذا الخطأ :
-يا عم مش قصدي كده قصدي إنه أكيد عندهم فوط فليه آخد فوطة
-وانت عايز تنشف جسمك بنفس الفوطة اللي هيستخدمها الباقي، لأ بجد ايه القرف ده
تركه حتى يكمل ما يفعل وقد أخرج لكريم فوطة واحضر فرشات الأسنان ومعجون والشواحن وأطقم إضافية لكريم وكل هذا وضعه داخل حقيبة سفر كبيرة وألقى بتلك الحقيبة الصغيرة على جنب
بينما الآخر كان يجلس على الفراش يحتسي عصير المانجو وعينيه على حمزة الذي يطبق ملابسه وملابسه الخاصة ويضعها بنظام داخل الحقيبة، أبعد الكوب عن فمه بعد أن انهاه وقد أخذ الكوب الخاص بحمزة يشربه هو :
-كل مرة نسافر تتخانق معايا على الشنطة اللي انا واخدها وفي الآخر تجهز هدومي وهدومك وتحطهم في نفس الشنطة، طب ما تعمل كده من الأول ليه الخناق والكلام الكتير بقى
رمقه الآخر بحنق ولم يتحدث فهو معتاد على هذا في كل مرة يسافروا إلى مكان منذ أن كان كريم صغيرًا وحتى هذه اللحظة التي أصبح بها بغل كبير
ترك كريم الكوب الآخر على جنب بعد أن شربه دفعة واحدة ثم قال :
-هتلبس ايه لما تروح تخطب الست موناليزا اللي أبوها أخيرًا حن علينا وقالك تعالوا اتقدموا
وأجابه حمزة بنبرة حانقة وهو يكمل ترتيب الحقيبة :
-متتريقش عليها يا كريم علشان مضربكش
وعقد الآخر ذراعيه أمام صدره هاتفًا بإعتراض لما يسمعه :
-ايوه اتغير علينا بقى وده كله ولسه مقرأتوش فاتحة أومال لما تتجوزها هتعصيك علينا يا أستاذ حمزة
قهقه الآخر بخفة على هذه الغيرة الطفولية التي يتصرف بها، يبدو أنه سيضحك كثيرًا هذه الأيام، وأكمل كريم حديثه رافعًا أنفه بتكبر :
-يا أخي مش تحمد ربها وتصلي قيام وشكر إنها هتتجوز واحد عسل وحلو زيك بشعر ناعم وتلاقيه أنعم من شعرها، لأ ده مش عاجبها لا هى ولا أبوها وبقالهم ست شهور كارفين ليك ومطلعين عينك يا ضنايا ولا حتى كلفت نفسها واتصلت عليك مرة كده من يوم ما سافرت الصعيد كأنها صدقت ما خلصت من البلد واللي فيها، أومال لو مكنتش مطلعها من قضية كانت هتوديها في داهية وكمان مأخدتش منها أتعاب، مش عارف ايه الناس دي بجد
ارتفعت ضحكات حمزة في المكان مستندًا على الخزانة بذراعه فحضرت والدتهما حتى ترى إن كانا أنهيا ترتيب الحقائب، لتتبسم ترى ابنها يغوص في الضحك فقالت متعجبة :
-ايه يا حمزة بتضحك أوي كده ليه؟!
-كريم غيران من نور يا ماما ونازل تريقة عليها من الصبح
ختم حديثه وعاد يضحك مرة أخرى متذكرًا كلمات كريم، بينما قال الآخر برفض :
-انا مش غيران بس معترض على دلقتك دي اللي خلتها هى وأبوها يرفعوا راسهم في السما علينا، ست شهور علشان ناخد موافقة منهم ده لو بنت السيسي كان وافق
-انا مدلوق يا كريم!؟
نطق بها حمزة بصوت مختلط بالضحكات مشيرًا إلى نفسه فأجابه الآخر بسخرية :
-حبيبي انت مش شايف نفسك ولا ايه ولا مش فاكر معاكستك ليها في الرايحة والجاي، دي لو كانت حلوة كنت قولت معلش الواد مسحور بجمالها بس دي عادية خالص آه عيونها حلوة معاك حق، بس كده مفيش حاجة تاني حلوة فيها لا طول ولا جسم، دي جسمها زي جسم العيال اللي في الإعدادي ولا طولها، دي كانت طول الوقت بتلبس كوتشي عالي في مرة شوفتها لابسة بجامة حمراء وطرحة ولكلوك وطالعة من الشقة ترمي الزبالة، أقسم بالله افتكرتها عيلة وانا غلطت في الدور أصل الشقة دي مفيش فيها عيال، ده انت وقفت جنبها يا حمزة وهى لابسة كوتشي عالي وصلت لكتفك اومال لو من غيره بقى
-احيه على الغيرة يا كريم هتطق من الغيرة
نطقت بها ناهد ضاحكة على ابنها فقال كريم غير معترف أنه يغار :
-انا مش غيران قولت بس بقول لابنك لما نروح هناك بلاش يدلق، انتي مشوفتهوش لما قاله إسماعيل إن خاله وافق نيجي نخطبها كان حتة وهيقوم في نص الكافية يرقص
ترك حمزة ما بيديه واتجه نحو شقيقه ثم امسك بوجنتيه بقوة هاتفًا بنبرة ضاحكة :
-يا اختي حلوة غيرانة عليا يا كراميلا
حاول كريم إبعاده عنه ولكن هيهات أن يترك حمزة شئ قد أمسك به لذا صاح قائلًا :
-انا مش غيران مش غيران اوعى بقى
ضمه الآخر بقوة أسفل ذراعه يعبث في خصلاته الملتفة ثم قال :
-يا كراميلا هتولعي من الغيرة بس انا قلبي كبير هيشيلكم انتوا الإتنين، انتوا الاتنين حبايبي
رفع الآخر عينيه له هاتفًا بتوجس :
-يعني انا لو طلبتك متتأخرش عليا
-وانا أمتى اتاخرت عليك يا كريم؟! لما مات صاحبك وقولتلي محتاجك سيبت معرض الكتاب ولفيت من نص الطريق وفضلت اليوم كله معاك، مين يلاه اللي بيستحمل صداع الماتشات بتاعتك مش انا؟؟ مين اللي كان بيعمل البلوة وانا اشيلها مكانه علشان بابا ميضربكش
ابتسمت ناهد على ابنيّها، كلاهما حنوان على بعضهما فحين مرض حمزة منذ عدة أشهر ظل كريم بجانبه طوال الليل ولم يغمض له جفن حتى لا ترتفع حرارة حمزة وهو نائم، وحين مر كريم بفترة علاج الإدمان تحمل حمزة من نوبات بكائه وجنونه وتعبه ما لا يتحمله الأطباء هناك
لقد افنت حياتها من أجل هذه اللحظة التي ترى بها أبنائها متحابين وكلًا منهما يشد عضده بالآخر، ماذا تريد الأم أكثر من هذا
ابتسم كريم لشقيقه ثم قال بمراوغة :
-ولو قولتلك في مرة تعالى بات معايا مش هتقولي لأ؟!
وهنا أبعده حمزة عنه هاتفًا بإعتراض مضحك :
-لا إلا دي يا حبيبي هو انا هتجوز علشان أبات في حضنك انت؟!
-ايوه قول كده شوفتي يا ناهد المحامي اللي فخورة به أوي، وانا اللي سهرت عليه الليل كله وهو سخن وبيفرفر بينما هى معبرتوش برسالة في الآخر اختارها هى وركني انا على الرف
دفعه من جانبه بغيظ بينما حمزة تمتدد على الفراش يقهقه بقوة هو وناهد فقال كريم بتذمر وهو يتجه نحو الخارج :
-أضحك يا حمزة أضحك، قلبي وربي غضبانين عليك ليوم الدين
وبينما هو يتجه نحو المطبخ حتى يأتي بشئ يأكله وينسيه الهم الذي هو به، نادى عليه عثمان من البهو قائلًا :
-تعالى يا كريم ايه الدوشة اللي عاملها انت وأخوك دي
جذب كريم جزرة وجدها على رخام المطبخ ثم عاد إلى البهو مجيبًا على والده بنبرة حانقة :
-بابا قول لابنك يتقل شوية علشان البنت وابوها ميتفردوش علينا
ضحك عثمان عليه فمن أين أتى بهذه الجملة التي لا يقولنها سوى النساء :
-ميتفردوش علينا؟! مين قالك الكلمة دي يلاه؟
-سمعت مرات عمي أسماء بتقولها، المهم عقل ابنك لأحسن عقله يطير لما يشوفها ومش بعيد يقولوا سيب إسكندرية وأسكن جنبنا فيقولهم ماشي
تبسم الآخر على غيرة ابنه الواضحة إذ قال :
-انت غيران على أخوك منها يا كريم؟! مش عارف ايه حكاية الغيرة في العيلة اليومين دول حتى محمد بيقول يونس يطيق العمى ولا يطقش أخوه وهو بيكلم خطيبته، عيب انتوا كبار على الغيرة دي
قطم كريم من الجزرة بيده ثم جلس إلى جانبه قائلًا :
-مش غيران انا لسه مش مستوعب الفكرة، يعني ايه اخويا بقالي تلاتة وعشرين سنة تاخده هى على الجاهز كده في أقل من سنة
-يا ابني ده هيسكن في الشقة اللي قدامنا علطول، ده انت لو ناديت عليه وانت في الأوضة هيسمعك من الناحية التانية، المهم مش خلاص خلصت الجامعة وحضرت حفلة التخرج وخلصت مرقعة
اعتدل كريم في جلسته يدرك ما الموضوع الذي سيتحدث عنه والده وها هو عثمان يدخل في صلب الموضوع :
-لما نرجع من الصعيد هتروح معايا الشركة كفاية كده انا مرضتش اخدك من كذا شهر علشان تركز أكتر في الجامعة وانت لا ركزت ولا هباب مكنتش مركز غير في أم الماتشات بتاعتك وجبتلي جيد جدًا
-أحسن من جيد
تمتم بها بخفوت بينه وبين نفسه فقال عثمان بجدية أقلقته :
-كريم انت اتدلعت بما فيه الكفاية كده لازم تنزل تدريب في الشركة وتشد حيلك أوي علشان تتعين وتمسك وظيفة حلوة ما هو التدريب مش زي الوظيفة لازم تثبت إنك تستحقها
ضيق كريم عينيه مردفًا بتوجس :
-وبعد ما إن شاء الله إن شاء الله يعني اعدي التدريب وأتوظف هتخطبولي زي الواد حمزة؟!
دفعه الآخر من جانبه هاتفًا بحنق :
-طب انت أنزل تدريب الأول وبعدين فكر في الجواز ده عمك محمد اتجوز وهو عنده تلاتة وتلاتين سنة
-بس انت كنت أصغر منه واتجوزت قبله
-ده نصيب يا ابني بس برضو متحلمش أجوزك قبل حمزة انت لسه مشوارك طويل
آماء له كريم بإقتناع ثم تحرك نحو غرفته عندما استمع لصوت والدته تنادي بينما لحقته نظرات والده يتمتم بينه وبين نفسه بثقل هم مستقبلي :
-اتمنى بس موضوع إنك كنت مدمن ميقفش في طريقك يا كريم
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كعادته يجلس في الشرفة في أقصى مكان في المنزل ويختلي مع سجائره حتى لا يكشفه والده، ربما بعد شهر سيبدأ في الثلاثين من عمره ولكن يحترم والده ولا يستطيع أن يشعلها أمامه
تتسألون فيما يفكر الآن وبصره ممتد لآخر البحر سيقول لكم يفكر في تلك الطويلة ذات النظارات التي مؤكدًا سيراها يوم غد، لم يرها منذ خطوبة أخيه التي كانت منذ خمسة أشهر ولكن لا يستطيع نسيان ذلك اليوم، خاصةً نظراتها له
ربما كانت تفعل هذا دون أن يلاحظ ولكن ليس عليه، يكاد يجذم أنه كان ملتقى عينيها طوال الوقت أي أنه أكثر من كانت تنظر إليه في حفلة الخطبة رغم أنها لم تبادر له بكلمة ولا بتحية
ولكن خبرته الواسعة في هذه الحياة التي أخذت ثلاثون عامًا من عمره تجعله يدرك أن شروق تمتلك مشاعر نحوه، لا يعلم منذ متى أو لما حتى ولكنه يعلم أن هناك شئ بداخلها نحو
وإن كنتم تتسألون ما هى ردة فعله نحو الأمر ستكون اجابته أنه إدعى عدم الإنتباه، سبق وقال قطعوه إربًا ولا يعترف لفتاة أنها تعجبه لقد تاب من هذا الأمر ولا يلدغ المؤمن من جحرٍ مرتين، والفتيات لا يحبنن الرجل الخفيف فإن ثقل عليها ذابت في هواه أكثر
هل تعجبه شروق؟! أجل تعجبه بشدة ولا تزال في عقله حتى الآن، فتاة شرسة ذكية ولا تصمت على حقها، عادية الملامح ولكن عينيها الواسعة جذابة بالنسبة إليها، يجذبن انتباهه الفتيات ذواتي الأعين الواسعة والطباع الشرسة المتمردة وهى تجمع كل هذه الصفات
وغدًا سوف يرى إن كانت مشاعرها نحوه قد اختفت مع مرور الوقت أم لا تزال موجودة، وعلى الأرجح قد اختفت فقد مر خمسة أشهر لم تره ولم يرها
-بتشرب سجاير يعني يا يونس؟!
تجمد الآخر مكانه عندما وصل له صوت والده ولا يعلم لما لم يرمي بالسيجار نحو الأسفل، لكن حتى إن رماها كيف سيفسر له كل هذا الدخان أسيقول له الجو يشتعل من شدة الحرارة؟!
استدار له ليجد ملامحه هادئة ونبرته كذلك عكس ما توقع تمامًا، صمت ولم يجب فقال محمد وهو يستند على السور بجانبه :
-مش بتبرر ليه اوعى يكون لسانك اتشل من الصدمة؟؟ مش متعود عليك كده خالص
وأجابه الآخر بصراحة مبالغ بها مشيرًا بعينيه إلى الدخان الذي يحاوط المكان :
-أقول ايه بس وانت ماسكني متلبس بالجرم
-ليه ماسكك بتشرب مخدرات!! هات سيجارة كده
أفرغ فمه ببلاهة وقد ظن أنه أخطأ السمع لذا أعاد ما قاله :
-عايز ايه!!
-سيجارة
-لأ وبتقولها ببساطة كده طب ادخل اتخانق معايا، الطشني بالقلم أعمل اي جو درامي أكشن ده انا بقالي ست سنين بشرب من وراك
ضحك الآخر بخفة وقد سحب السيجار من يده يستنشقها هو :
-ما انا عارف إنك بتدخن من زمان
-يوسف قالك؟!
-لأ انا شوفتك قبل كده وعلفكرة انا زمان كنت بدخن كتير ونصيحة مني بطلها يا يونس دي بتضر مش بتنفع
ضحك بسخرية مشيرًا إليه بينما الآخر يسحب النيكوتين من السيجار بخبرة :
-شوف مين بيتكلم ده انت بتشربها بمزاج وخبرة ولا كأنك بتشرب سيجارة حشيش
ضحك محمد على لفظه هذا قائلًا :
-احترم نفسك يلاه، انت بتكلم أبوك علفكرة
-احترم ايه يا بابا انت بوقفتك دي قدامي ضيعت الهيبة كله، وعلفكرة لو دخل يوسف وشافك بتدخن معايا هيعلقني انا بعد ما يجيله جلطة قلبية طبعًا
أخرج علبته الخاصة وأشعل سيجار آخر غير الذي أخذه والده منه ثم قال متسائلًا :
-بس انا أول مرة أعرف إنك كنت بتشرب سجاير؟!
-علشان انا من زمان أوي مبطلها يمكن من قبل ما اخلفكم، لما اتجوزت أمك حرمتها عليا وعلفكرة لو شافتنا كده هتعلقك وتعلقني وتعلق يوسف الغلبان معانا
أغلق يونس باب الشرفة حتى لا يتسلل الدخان للداخل وتأتي والدته أو يوسف ثم قال :
-بس انا بصراحة أول مرة برضو أشوف دكتور بيدخن، جديدة عليا دي
-لأ عادي ما عمك عثمان دكتور وكان زمان برضو بيدخن معايا
-طب وعمي محفوظ؟!
-لأ ده العاقل الكبير اللي فينا ده، كنا نخاف نشرب سجاير قدامه أو قدام ابويا الله يرحمه فكنا نشربها في الخباثة، أقولك على موقف في مرة كنا معزومين في فرح بعيد والكلام ده من زمان اوي أوي يمكن من أكتر من خمسة وتلاتين سنة بس لسه فاكره، المهم في الفرح كان في حشيش وانا وعثمان مكناش نعرف نفرق فشربنا على أساس إنه سجاير رجعنا البيت انا وهو مسطولين وابويا شافنا وعرف وعينك بقى ما تشوف لا نور ولا ضلمة عجنا إحنا الاتنين ومحفوظ معانا مع إنه مرحش الفرح حتى بس خد العلقة معانا، من وراء العلقة دي انا وعثمان حرمنا علينا الدخان لفترة طويلة
ضحك يونس بكل قوته لا يستطيع أن يتخيل هذا أبدًا، والده الطبيب المحترم وعمه عثمان الوقور يشربان مخدرات، خياله لا يستطيع الوصول إلى نتيجة
تبسم محمد على ابنه ولا يراه يضحك هكذا كثيرًا فيونس شخصيته قوية جامدة مسيطرة لا يرضخ أو يخضع لأحد، ولا حتى يعبر عن مشاعره واهتمامه لأحد فحتى إهتمامه بأقرب الناس له يخرج على هيئة تهمكم وأمر وصياح عكس يوسف تمامًا
فالآخر هادئ عاقل رزين وحنون وعاطفي وشفاف أيضًا تظهر مشاعره للآخرين بوضوح على وجهه وفي كلامه، وإن سألتموه من يشبه منهما سيقول يوسف أما يونس فهو نسخة طبق الأصل من جده هواري، نفس جديته وحدته وصرامته
ربت على كتف ابنه بحنو مغلف بالجدية الصرامة ثم قال وهو يسحب السيجارة من بين أنامله :
-بص مش معنى إني شربت معاك سيجارة يبقى تسوق فيها بطلها يا يونس علشان بجد هتضرك أوي
-مش عارف والله حاولت ويوسف حاول معايا بس مفيش فايدة
-انا عارف إنها مش هتيجي مرة واحدة ما انا مجرب قبلك بس هتيجي، لو بتشرب خمس مرات في اليوم خليهم تلاتة وبعدها يبقى اتنين وبعدها واحدة وبعدها في الأسبوع مرتين تلاتة وهكذا هتلاقي نفسك بطلت
آماء له يونس ثم هتف بمزاح نادر الظهور وهو يسحب السيجار حتى يكملها :
-طب خلاص دي آخر واحدة
ضحك الآخر وتركها له ثم قال بعدما تنحنح بجدية :
-بقولك ايه ولاد عمي صفوان عندهم بنات كبار ايه رأيك تختار واحدة اخطبهالك
نفى الآخر برأسه لا يعجبه الأمر فقال محمد محاولًا التأثير عليه فسيكمل ابنه الثلاثون دون زواج :
-لأ ليه دول بناتهم محترمين أوي
-مش عجباني فكرة اني اتجوز واحدة لا أعرفها ولا تعرفني وفي الآخر نلبس في بعض مدى الحياة مش طايقين بعض
-ليه بتقول كده ما الناس كلها بتتجوز كده ثم هيكون في خطوبة مش هنجوزهالك خبط لزق، بس انت فكر في الموضوع لما نكون هناك
-إن شاء الله
نطق بها بإختصار حتى يتوقف والده ويغير الموضوع، ألقى محمد سيجاره من الشرفة وكذلك سحب الأخرى الخاصة بيونس دون أن يكملها ثم قال :
-دي آخر مرة أمسك فيها سجارة وهرجع وأسألك بطلتها ولا لأ يا يونس يا إما كده يا إما هقول لأمك تظبطك هى بمعرفتها
ابتسم له الآخر بمراوغة قائلًا :
-طب خلي بالك انا كده مسكت عليك ذلة ولو عبلة عرفت هتيجي تنام معايا انا ويوسف أو إحنا التلاتة هنشوف شقة تانية نقعد فيها
صفعه الآخر بعنف على ظهره بينما الآخر قهقه بعلو، مستمعًا إلى صوت والده المتهكم :
-واطي يا يونس، ويلا أدخل نام عندنا سفر بكرة، ودي آخر مرة اتكلم فيها معاك كأنك صاحبي يا جذمة محدش يآمنك على سر زي عمك عثمان بالظبط
تركه ودلف وخلفه ضحكات يونس المرتفعة والذي بقى قليلًا في الشرفة يفكر في آخر كلام والده وهو أن يفكر في فتاة كي يخطبها، وتلقائيًا أتت في باله شروق
لا يدري لما هذه الفتاة الليلة لا تبارح تفكيره رغم أنه من أشهر لم يفكر بها، وعلى الأرجح لأنه سيراها قريبًا، ترى إن تقدم لخطبتها قد توافق عليه؟!

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية في مدينة الاسكندرية) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!