بين الردى والهدى الفصل الرابع عشر 14 – بقلم نوري

بين الردى والهدى الفصل الرابع عشر 14 – بقلم نوري

دخل سيف الشقة وخطواته كأنها طايرة فوق الأرض، ملامحه اللي كانت دبلانة من أثر التعب والوجع انمحت تماماً ورسمت مكانها ضحكة صافية من القلب، أول ما قفل الباب وراه وقف في نص الصالة، سكت لحظة وهو بيحبس الفرحة جواه عشان يشوقهم وبعدين قال بصوت عالي وفيه رنة نصر

* قرينا الفاتحة يا جماعة، ليلى بقت خطيبتي رسمي

كريمة سابت السبحة من إيدها وبصتله بلهفة

قريتوا الفاتحة؟، امتى وازاي

اتعدل ادهم في مكانه وقال

بتهزر ولا بتتكلم جد
* جد الجد كمان
طب فهمنا يا ابني

قعد وسطهم وابتدى يحكيلهم اللي حصل واللي عمله منصور لحد ما اقنع مصطفى بقراية الفاتحة، زغردت كريمة زغرودة طويلة شقت سكون البيت، قربت عليه وحضنته وهي بتعيط من الفرحة

يا ألف نهار أبيض يا ألف نهار مبروك يا ضنايا، اخيراً يا سيف؟ أخيراً ربنا جبر بخاطرك وهيجمعك بالحلال مع اللي قلبك اختارها؟

باس إيدها وراسها وهو ضاممها لصدره

* دعواتك يا ست الكل، دعواتك هي اللي فتحت الأبواب المقفولة، عمي مصطفى وافق وعم منصور كان واقف وقفة رجالة متتنسيش

أدهم نط من مكانه زي الصاروخ وفضل يتنطط حواليهم وهو بيخبط على كتاف سيف بشقاوة

أيوا بقا يا عريس بقيت خطيبها رسمي خلاص

بعدت كريمة عنه شوية وهي بتمسح دموعها وقالت

والله وبقيت عريس يا سيف، من بكره هنبدأ نجهز، مش هخليها محتاجة حاجة، دي بنتي قبل ما تكون خطيبتك

ضحك وهز رأسه بـ رزانة

* استني بس يا أمي، عمي مصطفى حط شرط أن الخطوبة تلت سنين، عايز يطمن إني شاري بجد وإني اتغيرت، وأنا وافقت، التلت سنين دول هبني فيهم نفسي وهخلي ليلى ملكة في بيتي إن شاء الله

استغرب أدهم وقال

تلت سنين؟ ده عم مصطفى ده فظيع، بس ولا يهمك إنت قدها وقدود، المهم إن الفاتحة اتقرت

قعدوا التلاتة مع بعض وبدأت كريمة تحكي وتخطط وتتخيل شكل الفرح والشبكة، سيف كان حاسس إن الوجع اللي في راسه تلاشى تماماً، وإن التعب والشقا اللي شافه الديون والحادثة كان هو الضريبة اللي دفعها عشان يوصل للحظة دي، بص لأمه وأخوه وقال بصدق

* انا النهاردة أسعد واحد في الدنيا، مش عشان ليلى بس، عشان شوفت الفرحة دي في عيونكم أنتوا كمان، ربنا يخليكم ليا ولا يحرمني منكم أبداً

البيت كان دافي بمشاعرهم وصوت ضحك أدهم وكريمة كان بيحسس سيف إن الدنيا أخيراً بدأت تضحكله

في الناحية التانية، أوضة ليلى كانت منورة ومبهجة على غير العادة، كانت قاعدة هي وفاطمة على السرير والضحكة مش مفارقة وشهم، فاطمة كانت بتبصلها بفرحة وحنان وهي بتقول

شوفتي؟ شوفتي ربنا لما بيريد بيسخر الأسباب إزاي؟ سيف تعب وشاف كتير، بس في الآخر جيه ودخل الباب من وسعه وأبوكي قلبه لان

اتنهدت بنفس طويل وهي لسه مش مصدقة

– أنا حاسة إني بحلم يا ماما، أول ما سمعت صوت عم منصور وهو بيتكلم قلبي كان هيقف، مكنتش متخيلة إن بابا هيوافق بالسرعة دي
ابوكي طيب ومهما عمل ميهموش إلا سعادتك

اتفتح الباب ودخل مصطفى في ساعتها، ملامحه كانت لسه فيها هيبة الأب اللي بيحاول يداري عطفه ورا قناع الجدية، وقف في نص الأوضة ربع إيديه وبصلهم بنظرة فاحصة و قال

ارتاحتم؟ الفاتحة اتقرت، بس اعملوا حسابكم أنا قولت لسيف ومنصور إن الخطوبة مش أقل من تلت سنين، تلت سنين بحالهم لا تقديم ولا تأخير

فاطمة ضحكت ضحكة هادية وقامت وقفت جنبه، حطت إيدها على دراعه وقالت بدلع زوجة عارفة مفاتيح جوزها

اللي تشوفه يا أخويا، إحنا لينا بركة إلا أنت؟ المهم إنك ريحت قلب البت وفتحت البيت لابن حلال شاري، ربنا يخليك لينا وميحرمناش منك ومن حنانك أبداً

بصلها بغيظ مكتوم وابتسامة غلب غصب عنه وهز راسه

طلعتي مش سهلة يا فاطمة، عارف إنك كنتي عارفة وراضية ومخططة لكل ده من ورايا، ماشي يا أم ليلى

لف نظره لليلى اللي كانت بتبصله بخجل واحترام وقال بنبرة تحذيرية أبوية

وأنتي يا ست ليلى، خلي بالك إن ده اختيارك، وأنا وافقت عشان خاطرك وعشان خاطر منصور، بس اسمعي الكلمة دي وحطيها حلقة في ودنك، أنتي اللي هتشيلي الليلة لو حصل أي حاجة، فاهمة؟

قامت وقفت قدامه وبصت في عينيه بيقين وثبات مكنش موجود فيها زمان

– متقلقش يا بابا، أنا متأكدة من قراري وعارفة سيف كويس، وعارفة إنه مش هيخذلني ولا هيخذل ثقتي فيه

بصلها بغيظ كأنه مش عاجبه إنها كبرت وبقى ليها رأي وبقت بتدافع عن اختيارها بـ قوة، قال وهو بيخرج من الأوضة

ماشي .. ماشي

أول ما قفل الباب وراه بصوا لبعض وانفجروا في الضحك من قلبهم، اترمت في حضن فاطمة ف ضمتها بقوة وهي بتبوس راسها

مبروك يا حبيبتي، ربنا يتمملك على خير ويسعدك مع اللي اختاره قلبك

كانت حاسة إنها أسعد بنت في الدنيا، وإن تلت سنين مش كتير أبداً قصاد إنها هتكون مع سيف في الآخر في النور وقدام عيون الكل

الليل كان ساكن تماماً، مفيش فيه غير صوت مروحة السقف وهي بتلف بانتظام رتيب، سيف كان قاعد على سريره ساند ضهره على الحيطة وعينه مثبتة على سقف الأوضة والوجع اللي في راسه بدأ يهدى ويحل محله وجع من نوع تاني .. وجع التفكير في الجاي
بدأ يحسبها بالورقة والقلم في خياله، الشبكة، الشقة، الجهاز، تلت سنين مش كتير على كل الحمل ده، غمض عينه بأسى وهو بيفتكر دهب أمه اللي اتباع وفلوس الجمعية اللي طارت في الموتوسيكل وقال

* يا رب .. أنا مش عايز أحمل أمي فوق طاقتها تاني، كفاية اللي شافته بسببي، نفسي أجيب شبكة ليلى من عرق جبيني، من شقايا أنا .. بس إزاي والمكنة لسه محتاجة مصاريف وأنا قاعد مكاني كدة؟

الهم بدأ يتسحب لقلبه وبدأ يحس إن الفرحة اللي كان عايش فيها من ساعات بدأت تتهز قدام واقع المصاريف، وفجأة في وسط السكون ده، تليفونه اللي شاشته لسه فيها شروخ بسيطة نور واهتز على الكومودينو برقم غريب ميعرفوش، استغرب لكن رد

* السلام عليكم؟

جاله صوت رسمي وواضح

وعليكم السلام .. أستاذ سيف معايا؟
* ايوا
معاك طارق من شركة إمكان، إحنا كنا راجعنا الـ CV بتاعك اللي قدمته من فترة، والحقيقة الخبرات اللي عندك لفتت نظرنا جداً

اتعدل في قعدته ونبضات قلبه بدأت تتسارع

* طب الحمد لله

بدأ طارق يسأله أسئلة دقيقة عن مجاله وخبرته السابقة، كان بيرد بـ ذكاء وتركيز محاسب شاطر عارف قيمة اللقمة اللي بيسعى وراها، استمر الانترفيو التليفوني أكتر من ربع ساعة وسيف حاسس إن كل كلمة بيقولها هي طوق نجاة بيترميله، سكت طارق لحظة وبعدين قال بإعجاب

تمام يا سيف، إحنا قبلناك مبدئياً ومحتاجينك تشرفنا بكرة الساعة عشرة الصبح في مقر الشركة عشان المقابلة النهائية، يناسبك المعاد؟

كان عايز يصرخ من الفرحة بس حبس صوته بالعافية

* طبعاً يا فندم، بكره الساعة عشرة هكون موجود بإذن الله، متشكر جداً لحضرتك

قفل الموبايل وهو مش مصدق، فضل مذهول لثواني وبعدين فجأة نزل من على السرير ونط نطة واحدة في نص الأوضة وهو بيقبض إيده بانتصار وقال

* الحمد لله يا رب .. الحمد لله

الفرحة كانت بترقص في عينيه، حس إن الأبواب اللي كانت مقفولة بالترابيس بدأت تتفتح واحد ورا التاني بقدرة قادر، مستناش لحظة وجاب السجادة من على الكرسي وفرشها في اتجاه القبلة بهدوء وخشوع غطى على فرحته الصاخبة
وقف وصلى ركعتين شكر لله، وفي كل سجدة كان بيحكي لربنا فيهم عن تعبه وشقاه، وعن حبه لليلى، وعن خوفه على أمه، رفع راسه من السجود ومسح وشه بإيده وحس بسكينة ملمستش قلبه من سنين
نام سيف الليلة دي وهو حاسس إن بكرة مش مجرد يوم جديد، ده عوض كبير من ربنا، وإن الشبكة اللي كان شايل همها ربنا بعتله تمنها لحد باب بيته

بعد يومين، الشمس كانت هادية وصوت اغاني العيد في الشوارع بدأ يعلى، ليلى كانت ماشية وخطواتها كأنها بترقص من الفرحة، وصلت قدام محل نرجس وقفت ثانية تعدل طرحتها وتطمن على شكلها، دخلت والابتسامة مالية وشها، نرجس أول ما شافتها سابت اللي في إيدها وقالت

يا أهلاً يا أهلاً، القمر متأخر ليه النهاردة؟
– اصلي منمتش امبارح من الفرحة
اية اللي حصل احكيلي

قربت منها ومسكت إيديها بلهفة وصوتها طالع بنعمة فرحة حقيقية

– باركيلي، سيف حدد مع بابا خطوبتنا في العيد إن شاء الله

شهقت نرجس من الفرحة وقالت

مش ممكن قولي والله؟ يا ألف نهار مبروك يا حبيبتي، بس إزاي؟ ده أنا قولت باباكي هيماطل في حوار الخطوبة، ده العيد فاضل عليه يومين بس

ضحكت برقة وهي بتسند ضهرها على المكتب وقالت

– والله يا طنط البركة كلها في عمو منصور، كلامه زي السحر، خلى بابا يلين ويوافق والحمد لله إن ربنا سهلها من عنده وسيف بقى في حال غير الحال

نرجس وهي لسه مذهولة

والله سيف ده وراه سر باتع، بس قوليلي، هو لحق يرتب نفسه؟ ده الحادثة مكملتش أسبوع والموتوسيكل كان لسه مسروق وراجع

عينيها لمعت بفخر وهي بتحكي عنه

– الحمد لله ربنا رزقه جاله شغل في شركة كبيرة، واليومين اللي فاتوا دول خلص ورقه واستلم الشغل فعلاً، وعشان يثبت لبابا إنه شاري بجد ومستعد يعمل أي حاجة قرر يبيع الموتوسيكل ويجيب منه الشبكة
يا عيني، باعه عشان يجهز نفسه؟ ده كدة شاريكي بجد يا ليلى، ربنا يهنيكم ببعض يا رب

كملت ليلى وهي بتعدل الساعة في إيدها وتشوف الوقت

– انا جاية استأذن النهاردة عشان رايحين ننقي الشبكة، هيخلص شغله وهنتقابل مع ماما وطنط كريمة، أنا مش مصدقة بجد، كنت فاكرة إن العيد ده هيعدي علينا حزن وكسرة قلب، بس سبحان مغير الأحوال من حال لحال

نرجس حضنتها بقوة وقالت

تستاهلي كل خير يا ليلى، وسيف راجل ويستاهلك، روحي يلا نقي أحلى شبكة، وخلي الحارة كلها تعرف إن ليلى وسيف لبعض مهما كانت الصعاب
– تسلميلي بجد يا طنط على اللي بتعمليه معايا
انا معملتش اي حاجة، وبعدين انتي بنتي، ولا اية؟
– اكيد طبعا
يلا روحي أجري
– حاضر

خرجت من المحل وهي بتضحك وحاسة إن الهوا اللي بتتنفسه المرة دي مختلف، عينها على الطريق مستنية سيف اللي راجعلها المرة دي مش بس بحب، لكن بوعد وعهد رسمي قدام الكل

محل الصاغة كان غرقان في نور اللمبات الصغيرة اللي بتعكس لمعة الدهب في كل ركن، سيف كان واقف جنب ليلى قدام الفاترينة الازاز، وكريمة وفاطمة قاعدين على الكراسي الجلد وراهم بيتفرجوا بفرحة وصوت ضحكهم مالي المكان
عدل ياقة قميصه بتوتر خفيف وبص لليلى اللي كانت واقفة منزلة عينيها في الأرض بكسوف و وشها منور من فرحتها، شاورلها بإيده على طقم رقيق وقال

* بصي يا ليلى شوفي ده كدة؟ حاسس إنه هينطق في إيدك، رقيق شبهك

بصت للطقم ورجعت بصت لسيف بابتسامة

– ذوقه حلو أوي يا سيف، بس خايفة يكون غالي، إحنا لسه بنقول يا هادي والمشوار طويل

قرب خطوة صغيرة لكن فضل محافظ على المسافة بينهم وبصلها بنظرة كلها حنية وتقدير

* مفيش حاجة تغلى عليكي، كفاية أشوف الفرحة في عينيكي، كل اللي تحت إيدي فداكي وأنا شقيان عشانك أنتي

حست بدقة قلبها بتزيد وبصت للأرض وهي بتفرك إيديها

– تسلملي يا سيف، كفاية عندي إنك مقدرني وده أغلى من أي دهب

طلع الصايغ الدبل ومسك سيف دبلتها وبصلها وقال

* عارفة؟ الدبلة دي عهد قدام ربنا إني هصونك وأشيلك في عيني وتكوني أنتي السند والبيت، وأوعدك إن اللي جاي كله هحاول أعوضك فيه عن كل لحظة خوف عيشتيها بسببي

رفعت راسها وبصتله بنظرة فيها وعد هي كمان وقالت بصوت هادي

– وأنا هفضل أدعي ربنا يباركلي فيك ويجعلني ليك الزوجة اللي تريح بالك وتصون اسمك، ربنا يقدرك على شقاك ويجعلني وش السعد عليك

قطعت كريمة اللحظة دي وهي بتميل على فاطمة وبتقول بصوت مسموع

شايفة يا فاطمة؟ العرسان سارحين وناسيين إننا قاعدين، ما يلا اختاروا

ضحك سيف وبص لليلى اللي وشها بقى أحمر زي الورد

* خلاص يا ست الكل قربنا

وهما خارجين من المحل سيف مشي جنب ليلى بوقار، ملمسش إيدها ولا نطق بكلمة تخدش حياء اللحظة، بس نظراته كانت كفيلة تقولها أنها أغلى ما يملك، كانت حاسة إنها طايرة، مش عشان الدهب، بس عشان حست بقيمة نفسها في عين الراجل اللي اختاره قلبها، واليوم ده بقى محفور في ذاكرتها كأجمل بداية لحكاية بدأت بوجع وانتهت بعوض كريم من ربنا

البيت كان عبارة عن خلية نحل وكله واقف على رجله، ريحة المنظفات والبخور كانت مالية الأركان والشقة بتبرق كأنها لسه مدهونة جديد، كريمة كانت بتفرش سجاد الصالون الجديد، وليلى كانت لابسة طرحة قطن خفيفة وماسكة في إيدها ريشة بتنفض بيها البراويز والنجف بهمة ونشاط والضحكة مش مفارقة وشها وهي بتبص لكل ركن في بيتها اللي هيستقبل سيف خاطب رسمي بعد ساعات، فاطمة كانت بتعدل مفرش السفرة وبتبص لكريمة بامتنان

تعبناكي معانا يا كريمة، كفاية وقفتك معانا في المطبخ من الصبح، إحنا خلاص قربنا نخلص

مسحت عرق جبهتها بطرف كمها وضحكت بصوت عالي

تعب إيه بس ده يوم المنى، وبعدين البيت ده بيتي زي ما هو بيتك بالظبط

اما في البلكونة الجو مختلف شوية، أدهم كان واقف على كرسي خشبي ماسك طرف فرع النور البيبي لايت وبيمده لمصطفى اللي كان واقف ساند ضهره على السور وبيراقب الحارة من فوق

يا عم مصطفى ارمي الطرف ده شوية عشان الفرع يرمي نور لحد بيتنا تحت، عايزين الحارة كلها تعرف إن ليلى وسيف لبعض

مسك طرف السلك ببرود ورماه فعلاً وثبته في مسمار قديم، ملامحه مكنتش فيها الفرحة الصاخبة اللي في عيون أدهم، كان فيه هدوء غريب و مسحة من القلق لسه متدارية ورا نظراته الرزينة، مكنش غضبان بالعكس، كان بيساعد بس قلبه لسه واقف في منطقة الحذر، كان بيبص لليلى وهي بتتحرك جوا الشقة بخفة وهو حاسس بغصة خوف الأب إن بنته تنجرح تاني، أو إن سيف ميكونش قد الوعد الطويل اللي قطعه على نفسه
برا .. خبط باب الشقة المفتوح ودخلت نرجس وهي شايلة شنطة كبيرة و وشها منور بفرحة صادقة

يا أهل الدار، يا عروسة العيد

جرت ليلة عليها وحضنتها، طلعت نرجس من الشنطة فستان بسيط ولونه أوف وايت هادي مطرز بتطريز رقيق جداً عند الصدر

دي هدية خطوبتك، فستان سمبل زي ما كان نفسك

مسكت الفستان وبصتله بإعجاب وعيونها لمعت

– تحححفة، تسلم إيدك يا طنط ذوقه يجنن، كأنه متفصل عليا بالظبط

فاطمة وكريمة اتلموا حواليهم وبدأوا يباركوا ويشوفوا الفستان والجو في الصالة بقى كله زغاريد وضحك وفرح
خرج مصطفى من البلكونة و وقف عند باب الصالة وشاف لمتهم، عينه جت في عين ليلى اللي كانت ماسكة الفستان وبتبصله فـ هز راسه ليها بابتسامة خفيفة فيها حنان ومشى ناحية أوضته من غير ما يتكلم
حست بغصة بسيطة بس فاطمة طبطبت عليها وهمست لها

متقلقيش .. ابوكي قلبه طيب ومع الوقت لما يشوف سيف وحبه ليكي هو اللي هيستعجل الجواز

كملوا التنضيف وهما بيحضروا صواني الكحك والبسكوت، والبيت بقى جاهز تماماً لاستقبال الليلة الكبيرة، ليلة العيد اللي هتكون أغلى ذكرى في حياة الكل

أنوار الحارة كانت عالية والبيت عند ليلى كان ريحته عود وبخور هادي، الباب خبط خبطة واثقة ف فتح مصطفى بابتسامة هادية واستقبل سيف اللي كان داخل بطلة تخطف القلب، بدلة كحلية بسيطة وقميص أبيض وفي إيده بوكيه ورد كبير ألوانه مبهجة، وراه أدهم بقميصه الشيك ومنصور اللي داخل بوقاره وعكازه وضحكته اللي مالية الوش

نورتونا يا جماعة اتفضلوا

رحب بيهم مصطفى ودخلوا الصالون، جوا في الأوضة كانت ليلى واقفة قدام المرايا، نرجس بتحاول تقنعها بلمسة مكياج خفيفة لكنها كانت رافضة تماماً

– لا يا طنط خليني طبيعية احسن

لفت طرحتها الـ اوف وايت واكتفت بلمسة ملمع شفاه بسيطة خلت وشها ينطق براءة ونور طبيعي، فاطمة كانت واقفة وراها بتعدلها الفستان وبتبصلها بدموع فرحة

الله أكبر عليكي يا بنتي، ربنا يحميكي من العين

خبط الباب ودخل مصطفى، بصلها نظرة طويلة فيها حنين وخوف أب وقال

سيف برا .. جاهزة؟

هزت راسها و مسكت في دراعه وخرجوا، أول ما سيف شافها قام وقف لا إرادي وعينه اتعلقت بيها كأنه لسه بيشوفها لأول مرة، كانت ماشية بصة للأرض وابتسامتها مرسومة بحياء، قعدت جنبه على الكنبة وفضلت مسافة الاحترام موجودة بينهم، ميل عليها وهمس بكلمة واحدة يادوب سمعتها

* مبروك يا زينة البنات

لرفعت عينها وبصتله بأبتسامة و وشها بقى جمرة نار من الكسوف

بدأ منصور الكلام بهزار عشان يفك التوتر

ها يا أبو ليلى، مش هنلبس الشبكة ولا إيه؟

قامت كريمة جابت علبة القطيفة الحمراء وبناءً على طلب ليلى لبستها الدبلة والشبكة الرقيقة، وفي اللحظة دي انطلقت زغرودة مجلجلة من فاطمة ردت عليها نرجس بضحكة وفرحة، أدهم قام حضن سيف وقال

مبروك يا عريس، ربنا يتمملك على خير إن شاء الله

مصطفى اللي كان مراقب المشهد بصمت بص لليلى وقرب باس راسها

مبروك يا حبيبتي، مبروك يا سيف

الابتسامة كانت بسيطة على وشه، بس كانت كافية إنها تطمن قلب سيف إن الحواجز بدأت تتهد، فاطمة دخلت بصواني الجاتوه والحاجة الساقعة والكل بدأ ياكل ويضحك والجو بقى عائلي بامتياز

مرت الشهور عليهم وكل حاجة كانت ماشية كويس، سيف كان غرقان في شغله الجديد بيثبت كفاءته كل يوم عشان يوفي بوعده لمصطفى، وليلى كانت هي الراحة اللي بيلاقيها في آخر يومه
العلاقة بينهم كانت زي خيط حرير، قوي بس ناعم، لو حصل شد من ناحية التاني بيرخي فوراً، بمرور الوقت بقى عنده دستور في حياته

ليلى متنامش زعلانة

كان عارف إن الحنية هي اللي بتفتح القلوب المقفولة، وهي كمان كانت بتخاف على زعله وتراعي تعبه وشقاه، لدرجة إنها كانت بتحس بضيقته من نبرة صوته في التليفون
وفي يوم من الايام حصل بينهم خلاف بسيط، سيف كان مضغوط جداً واتأخر في الرد على مكالماتها ولما رد كان صوته حاد ومنفعل شوية، حسست ليلى بكرامتها وجعتها وسكتت وقفلت السكة وهي زعلانة، وقررت إنها مش هتكلمه لحد ما يحس بغلطه
أول ما هدي وخلص شغله افتكر نبرة صوتها الحزينة ف تضايق من نفسه ومستناش للصبح ولا استنى لما هي تصالحه، نزل من الشركة وجري اشترالها هدية وحطها قدام بابها وطلع وقف في بلكونة بيتهم وبعتلها رسالة

* افتحي باب الشقة وبعدين ادخلي البلكونة

شافت الرسالة قلبها دق بلهفة بس حاولت تبان تقيلة، فتحت الباب لقت علبة مخملية عليها فيونكة، ضحكت وخدتها ودخلت البلكونة فورا، شافته واقف تحت في بلكونته لابس هدوم الشغل و وشه باين عليه الإرهاق، بس أول ما شافها ابتسم ابتسامة اعتذار صادقة وشاور لها بإيده على قلبه وبعدين همس بصوت يادوب سمعته مع هوا الليل

* حقك عليا، الضغط كان كبير، بس مستحيل يهون عليا زعلك، الهدية دي اعتذار من سيف اللي ملوش غيرك

مقدرتش تقاوم حنيته، الابتسامة اترسمت على وشها غصب عنها وهزت راسها وقالت

– خلاص مسامحة

كمل كلامه وهو بيضحك

* طب اضحكي بقا عشان أمام وانا مرتاح

ضحكت بصوت واطي وقالت

– روح يا سيف، روح ارتاح، وأنا مش زعلانة خلاص، بس متبقاش تقسى عليا في الكلام تاني

حط إيده على راسه بـ احترام وقال

* أمرك سموك، تصبحي على خير

دخل اوضته وهو حاسس إن جبل انزاح من عليه، دخلت هي كمان أوضتها وهي حاسة إنها أغلى حد في الدنيا، وان الموقف ده رغم بساطته خلى اللي بينهم أقوى

ليل هادي وسكون في الصالة، مصطفى كان قاعد وساند ضهره ماسك مسبحته وصوت حباتها وهي بتخبط في بعضها هو الصوت الوحيد اللي مسموع، فاطمة دخلت عليه بصينية الشاي حطتها قدامه وقعدت جنبه، سكتت شوية وهي بتراقب ملامحه اللي الزمن رسم عليها حكمة وهيبة، بدأت الكلام وقالت

بقول اية يا مصطفى، مش آن الأوان بقا نريح قلب العيال دي؟ سيف بقاله سنتين وشوية مبيشوفش النوم، من الشغل للبيت، و ولا كلمة خرجت منه تزعلنا، ولا خطوة مشيها غلط

بصلها ورفع حاجبه بـ هدوء

ما إحنا اتفقنا يا فاطمة، تلت سنين عشان أطمن، والأيام بتعدي مفيش استعجال

مالت عليه برفق وقالت

بس الاستعجال المرة دي فيه خير يا أخويا، سيف بسم الله ما شاء الله جاب الشقة و وضبها وبقت زي الفل، وجهاز ليلى خلاص ملوش مكان في الأوضة من كتر ما كمل، والعيال شقيوا وبنوا نفسهم طوبة طوبة قدام عينينا، ليه نستنى سنة كمان على الفاضي وهما جاهزين؟

سكت شوية وسرح في صورة سيف وهو بييجي كل يوم جمعة يقعد معاه بأدب يحكيل عن شغله وترقيته في الشركة وعن تعبه عشان يخلص توضيب الشقة قبل ميعاده، افتكر سيف اللي كان متهور زمان، وسيف اللي واقف قدامه دلوقتي راجل بجد شايل مسئولية وعارف قيمة الكلمة، فاطمة كملت بـ ذكاء

انت نفسك يا مصطفى بقيت بتعتمد عليه في كل حاجة، وبقيت بتثق فيه أكتر من أي حد، سيف أثبتلك إنه تاب بجد وإن السكة القديمة دي اتقفلت واترمى مفتاحها في البحر، ارحم حنينهم لبعض وافرح ببنتك وهي في بيتها مستورة ومعاها راجل يصونها

اتنهد تنهيدة طويلة وحط المسبحة من إيده وبصلها بنص ابتسامة

تفتكري يا فاطمة؟ تفتكري سيف هيصونها زي ما أنا صونتها؟

ابتسمت بيقين وقالت

ايوا طبعا، سيف بسحبها وعمره ما هيكسر الثقة اللي أنت إديتهاله، ده شاريها بالغالي وأنت أكتر واحد عارف ده

هز راسه برزانة كأنه بياخد قرار مصيري وقال

خلاص يا فاطمة، هكلمه واقوله، كفاية عليهم كدة، والظاهر إن سيف غلبني بصبره وأدبه
ربنا يخليك لينا وميحرمناش منك ابدا

ضحك وخدها في حضنه وهو مقرر أنه يتكلم سيف على طول يببلغه ويفرحه

تاني يوم، شوارع وسط البلد كانت زحمة بحركة الناس والأنوار بتلمع في المحلات، سيف وليلى كانوا ماشيين و وراهم أدهم شايل أكياس كتير وبينهج، كانوا في جولة اللمسات الأخيرة للشقة، كان ماسك في إيده عينة من قماش الستاير وبيميل على ليلى اللي كانت واقفة قدام جاليري نجف وبتبص بتركيز لنجفة رقيقة

* ها يا ليلى رسيتي على إيه؟ دي خامس نجفة نقف قدامها النهاردة والراجل بتاع المحل بدأ يشك فينا

ضحكت برقة وشاورت على النجفة اللي قدامها

– دي يا سيف .. هادية وشيك وهتليق جداً مع لون الصالة اللي اخترناه

نزل ادهم الأكياس في الأرض ومسح جبهته بتعب

يا جدعان ارحموني، النجفة دي شبه اللي قبلها بالظبط وأنا رجلي خلاص استوت، وافقي يا ليلى بالله عليكي خلينا نروح نلحق ناكل لقمة

سيف بص لليلى وقال بقلة حيلة

سمعتي؟ أدهم هيعلن العصيان، بس ولا يهمك، نقي اللي يعجبك وذوقك هو اللي هيمشي طبعاً، أمري لله، أنا مجرد ممول ومنفذ هنا
ليلى بصت له بامتنان

– تسلملي يا سيف، ذوقك برضو جميل بس أنا بحب الحاجات الهادية
* يا ستي الشقة شقتك والذوق ذوقك المهم تكوني مرتاحة فيها

وفجأة، تليفونه رن في جيبه، طلع الموبايل وشاف الاسم ملامحه اتغيرت وبقت جدية وفيه استغراب

* ده عمي مصطفى، غريبة بيكلمني دلوقتي ليه؟

رد بسرعة وقال

* أيوا يا عمي خير حضرتك؟

ليلى وقفت وبصتله بقلق، كان بيسمع وبيهز راسه

* تمام يا عمي .. إحنا أصلاً في وسط البلد ومعانا أدهم، هنيجي حالاً مسافة السكة

قفل السكة وهو بيبص لليلى بحيرة

* باباكي عايزنا إحنا الاتنين عنده في البيت دلوقتي حالا، وصوته كان غريب، هادي بس فيه جدية

وصلوا البيت في وقت قياسي، ليلى دخلت اوضتها وسيف وأدهم قعدوا مع مصطفى في الصالون، سيف قعد وهو بيقول

* خير يا عمي؟ قلقتنا

مصطفى سكت لحظة وبص لسيف نظرة طويلة فيها تقدير حقيقي وقال برزانة

بص يا سيف، أنا لما حطيت شرط التلات سنين مكنتش بقصد أعجزك، كنت عايز أطمن على بنتي وأشوف الراجل اللي هيشيل اسمها هيكون قد المسؤولية ولا لأ

سيف بلع ريقه ومصطفى كمل

أنا بقالي سنتين وشوية براقبك، شوفت تعبك وشوفت إصرارك، وشوفت إزاي بنيت نفسك من الصفر وحافظت على ليلى وصونتها في غيابها وحضورها، الحقيقة يا ابني أنت أثبت لي إنك راجل بجد، وإن توبتك كانت نصوحة، وإنك شاري ليلى بالغالي، عشان كدة انا قررت إننا مش هنكمل التلات سنين، الشقة جاهزة وانتوا جاهزين مفيش داعي نستنى سنة كمان على الفاضي، حددوا ميعاد الفرح يا سيف، أنا موافق تتجوزوا الشهر الجاي

سيف من الفرحة مكنش عارف ينطق، وقف فجأة وبص لمصطفى بذهول

* بجد يا عمي؟ بجد حضرتك وافقت؟

قرب منه وباس إيده وقال

* والله ما هخذلك أبداً يا عمي، وهفضل طول عمري مديون لك بالجميل ده، ليلى في عيني وفي قلبي، وأوعدك إنك هتفضل فخور بيا وبجوازي منها

كانت الشمس بدأت تغيب وتفني خيوطها الذهبية في سما الحارة، والبيت عند ليلى كان عبارة عن معزوفة فرح صاخبة، جوا أوضتها كانت ليلى قاعدة قدام المرايا ونرجس وفاطمة وكريمة حواليها كأنهم بيحضروا ملكة، كانت لابسة فستان أبيض ستان رقيق جداً واسع ومحتشم، نرجس كانت بتبص لها بإعجاب وهي بتحطلها لمسة خفيفة جداً من المكياچ

ما شاء الله يا ليلى .. إنتي مش محتاجة زينة إنتي منورة لوحدك

كانت بتبتسم في المرايا وإيدها بترتعش وهي بتمسك بوكيه ورد صغير أبيض في سكري
فجأة سمعوا صوت زغاريد وهتفات أدهم من الشارع، وصوت عربية الزفاف اللي كانت متزينة بستان أبيض، نزل سيف منها ببدلته الكاملة وطلع السلم بلهفة، خبط على الباب وفتحتله فاطمة وهي بتزغرط، دخل الصالة و وقف يستنى
خرجت ليلى من أوضتها وساندة على إيد باباها، أول ما شافها سكت تماماً وعينه لمعت بدموع فرحة حقيقية، قرب منها ببطء وبعدين بص لمصطفى بامتنان، مسكت ليلى في طرف چاكتته ونزلوا سوا والكل وراهم
في المسجد، الجو كان مليان وقار وسكينة، سيف كان قاعد وجنبه ليلى وقدامه المأذون ومصطفى، المنديل الأبيض اتفرش وابتدى المأذون يلقنه الكلمات، اول ما سيف قال بصوته الرجولي القوي

* قبلتُ زواجها ورضيتُ بها زوجةً لي

ليلى غمضت عينها ونزلت دمعة فرحة منها

انطلقت الزغاريد والتكبيرات وقام مسك إيديها الاتنين وباسهم قدام الكل ومال على راسها باسها بوسة طويلة كأنه بيطمنها إنها خلاص بقت في حماه، همس في ودنها وسط الزغاريد وقال

* خلاص يا ليلى، مفيش قوة في الأرض تقدر تبعدنا عن بعض تاني.

بعد الزغاريد والمباركات قرروا يروحوا شقتهم احسن، على باب الشقة .. شال سيف ليلى ودخل بيها وقفل الباب وراهم بالمفتاح وكأن العالم كله اختفى ومفضلش غيرهم، كانت واقفة في نص الصالة منزلة راسها بكسوف شديد وإيدها لسه ماسكة البوكيه بتوتر
قرب منها بهدوء لحد ما بقى واقف قدامها مباشرة، بص في عينيها بنظرة كلها حب وهيام وقال

* مش مصدق يا ليلى، مش مصدق إن الباب ده اتقفل علينا وأنتي بقيتي مراتي فعلاً

صوتها طلع مهزوز ورقيق

– الحمد لله يا سيف .. ربنا استجاب لدعائي

مسك إيدها وبدأ يغازلها بصوته الدافي

* عارفة؟ أنا كنت بشوفك من بعيد وأقول يا ترى القمر ده هينور بيتي في يوم؟ النهاردة البيت مش منور بالنجف اللي اخترناه، البيت منور بيكي أنتي، الفستان الأبيض عليكي يجنن، بس وشك وهو مكسوف كدة أحلى من أي حاجة شوفتها في حياتي

وشها بقى أحمر زي الورد وحاولت تهرب من نظراته لكنه ضحك بخفة وقرب أكتر وهمسلها

* خايفة مني يا ليلى؟ ده أنا سيف، سيف اللي استنى السنين دي كلها عشان اللحظة دي، أوعدك يا حبيبتي إني هكونلك الأب والأخ والزوج، ومش هخليكي تندمي ثانية واحدة إنك اخترتيني

رفع راسها برقة وخلاها تبصله

* تنا بحبك يا ليلى .. بحبك فوق ما تتخيلي

ابتسمت بخجل وقالت بصدق

– وأنا بحبك يا سيف .. ومستعدة أبدأ معاك العمر كله من اللحظة دي

ضمهما لصدره بحنان غامر وريحة المسك والورد كانت بتملا المكان، وبدأت أول ليلة في حياتهم الجديدة، ليلة مليانة وعود صادقة وحب طاهر بدأ بوجع وانتهى بجنة على الأرض

مرت سنتان وكأنها حلم جميل اتبدلت فيه ملامح الحارة وهدأ ضجيج الأيام، لكن حب سيف وليلى ظل هو الثابت الوحيد، في صالة شقتهم الهادية ليلى كانت واقفة قدام ترابيزة المكواه وهي ماسكاها وبتكوي جلابية سيف الجديدة بتركيز وعينيها بتلمع بالرضا
اتفتح الباب ودخل سيف و وشه منور بابتسامة واسعة وفي يده أكياس مليانة حلويات، ملحقش يخطئ خطوتين وهجموا عليه مريم ونور، توأمه اللي اول ما نوروا الدنيا حلوها في عينه، وقفوا قدامه بفساتين العيد المنفوشة وضحكات تشبه زقزقة العصافير، رمى الأكياس على الكنبة ورفع كل واحدة منهم على دراسه وقعد يبوسهم ويهزر معاهم وهو بيقول

* روح قلب بابا، جيبتلكم حلويات زي ما بتحبوا اهو

ساهم يلعبوا وراح ناحية اوضته هو وليلى، وقف وراها وشم عطرها الهادي و حط أيده على كتفها بحنان، لفت بابتسامة وهي تمسح جبهتها

– كل سنة وأنت طيب يا حبيبي، الجلابية جاهزة اهي

مال على راسها وباسها بوسة طويلة وضمها لصدره بقوة وكأنه بيخبيها من الدنيا كلها، همسلها بصوت دافي

* كل سنة وأنتي جنتي يا ليلى، كل سنة وأنتي الأميرة اللي نورت حياتي وبقت أم بناتي، أنا لسه كل يوم بشكر ربنا إنك بقيتي من نصيبي

دفنت راسها في كتفه بخجل وحست بأن كل تعب السنين داب في الضمة دي
بعد شوية، نزلوا كلهم وراحوا الحارة، الشوارع كانت مليانة بالزينة اللي متعلقة بين البلكونات والتكبيرات طالعة من المسجد الكبير، كان ماشي بجلابيته البيضا وليلى جنبه بعبايتها الرقيقة شايلة مريم وهو شايل نور

وسط الزحمة وقعت عينه على شخص واقف بعيدا، دقق النظر ولما عرفه قال

* مازن؟؟

مشي ناحيته بخطوات سريعة، اول ما مازن شافه ابتسم وقرب منه

* مازن .. إزيك، فينك من زمان؟
أهلاً يا سيف، مبروك على كل حاجة سمعتها عنك
* انا اللي مبسوط اني شايفك هنا
أنا توبت يا سيف، السكة دي مكنش وراها غير الوجع، سيبتها من زمان وشغال دلوقتي في ورشة على قد حالي، والحمد لله على كل شيء

بصله بفخر ومترددش لحظة، فتح دراعاته وهو بيقول

* الحمد لله يا مازن، ربنا يقويك على طريق الخير، والسكة اللي أولها توبة آخرها جبر، لو احتجت أي حاجة رقمي معاك وأنا أخوك، كلمني في أي وقت

سابه وهو حاسس براحة غريبة، رجع ووقف جمب ليلى واهلهم اللي كانوا موجودين، شال واحدة من البنات وحط أيده التانية على كتف ليلى وقربها منه قدام الكل بفخر، بص في عينيها وقال بحب

* شوفتي يا ليلى؟ العيد مبيبقاش عيد غير لما بنكون سوا وسط أهلنا، وأنتي عيدي الكبير اللي مبيخلصش

ابتسمتله وقربت منه اكتر والكل حواليهم بيضحك، وصوت التكبيرات بيعلى معلناً نهاية حكاية بدأت بوجع وضياع وانتهت ببيت دافي وتوبة نصوحة وحب طاهر سكن القلوب للأبد

تمت الحكاية .. وكل عام وأنتي بطلة قصتك الخاصة

يتبع.. (رواية بين الردى والهدى) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!