رواية الردى والهدى – الفصل الأول
“الله أكبر.. الله أكبر”
الفجر يا ليلى
– صاحية يا بابا وهصلي اهو متقلقش
كنت واقفة في شباك اوضتي اللي مبقتش افارقه كل ليلة، غمضت عيني بقهر وأنا ساندة جبيني على خشب الشباك البارد وبسمع الأذان، الصوت ده مش صوته، مش دة الصوت اللي كان بيصحيني من أحلى نومة ويطمن قلبي
كان الإمام، صوته كان بيهز جدران البيوت بخشوع ويرجعنا لربنا بكلمة واحدة، دلوقتي في إمام تاني وصوت تاني، ومكانه في المحراب بقى فاضي زي مكانه في حياتي
اتنهدت وأنا بفتكر زمان لما كنت اشوفه نازل قبل كل صلاة بشوية يفتح المسجد ويقعد فيه عقبال ميعاد الأذان، و لما كان بيقرأ القرآن وصوته يخليني أعيط من كتر الجمال، كان سيف بجد، سيف بيقطع طريق الشيطان .. بس الشيطان المرة دي كان أشطر منه وغلبه
فتحت عيني براحة وبصيت على أول الحارة، قلبي بدأ يدق دقات تقيلة ومؤلمة لما ظهر خياله من بعيد تحت نور العواميد الضعيف
كان جاي بيتطوح بيميل يمين ويسند بشماله على الحيطان، لسة عينيه بتبص للأرض زي زمان، بس المرة دي مش غض بصر، المرة دي خزي من نفسه وخجل أن حد يشوفه بالمنظر دة، هدومه مبهدلة وراسه مدلدلة في الأرض من جبال من الذنوب فوق كتافه
كل يوم نفس المشهد، وكل يوم قلبي بيموت ألف مرة، شوفته وهو بيوصل لباب العمارة، سند بإيده على الباب وهو بيحاول يفتحه ومش عارف
نزلت دمعة من عيني وانا شايفاه بالمنظر دة، دخل العمارة واختفى وأنا قفلت الشباك بسرعة وحبست نفسي جوا الأوضة كأني بقفل على جرحي عشان محدش يشوفه
دخلت الحمام اتوضى للصلاة، الماية كانت بتنزل على وشي باردة بتهديد سخونته، طب وقلبي اللي بيغلي من جوا؟
اتوضيت وأنا بستغفر بكل ذرة فيا وخرجت فرشت السجادة في ركني الهادي، كبرت وبدأت صلاة لما سمعت الإقامة، وفي لحظة اول سجدة لقيت نفسي بنهار، دفنت وشي في السجادة وبقيت أبكي بحرقة وصوت مكتوم، دموع كل ليلة اللي مبتخلصش ودعواتي اللي بقت ملازماني في كل صلاة
– يا رب .. يا رب ماليش غيرك، رده ليك يا رب، اهدي قلبه ونور بصيرته، سيف تاه وأنت الهادي .. يا رب ماتسيبهوش لنفسه ولا للشيطان، أنا قلبي واجعني عليه أوي يا رب .. اهديه عشان خاطري، واغفر له ورجعه لطريقك تاني
فضلت أصلي وأدعي وأنا مش شايفة من دموعي، وكأن كل سجدة هي طوق نجاة بحاول أرميهوله وهو غرقان في بحر ملوش آخر
فتحت باب الشقة أخيراً بعد معاناة، زقيته براحة لكن صوته كان في ودني زي صرخة عتاب، الشقة كانت ضلمة، بس ضلمة قلبي كانت أشد، قلعت جزمتي عند الباب عشان مطلعش صوت وبدأت أمشي على طراطيف صوابعي في الصالة اللي حافظ كل شبر فيها .. الصالة اللي ياما شهدت عليا وانا قايم اتوضى في عز البرد عشان انزل افتح المسجد
دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا بشويش، سندت راسي عليه وأنا بنهج نهجان واحد طالع من معركة خسران فيها كل حاجة، ريحة السهر والشرب كانت خانقة روحي قبل مناخيري، رميت نفسي على السرير بهدومي وبصيت للسقف، الأوضة كانت بتلف بيا، وصوت أذان الفجر اللي جاي من برا كان بيقطع في قلبي زي السكاكين
” الصلاة خير من النوم ”
غمضت عيني وعصرتها بقوة، الجملة دي كانت بتدوي في ودني، مش مجرد نداء للصلاة، دي كانت كأنها بتقولي
فوق يا سيف .. فوق من الغفلة اللي إنت فيها
جسمي كله اتنفض وحسيت برغبة مرعبة إني أقوم، إني أرمي الهدوم دي عني وأغسل وشي وأجري على الجامع .. إني أرجع انا
لكن رجلي كانت تقيلة وكأن الشيطان رابطني بسلاسل في السرير، مكنتش قادر أتحرك، كنت واقف في نص الطريق، لا عارف ألبس توبي القديم وأصلي، ولا عارف أنام وأنسى القرف اللي أنا فيه
حسيت بكسرة ونغزة في صدري لما افتكرت كل حاجة ضاعت مني، وأهمهم كانت هي، ليلى .. أنا لسه بحبها، بحبها لدرجة إني مش طايق نفسي عشان مش عارف أكون سيف اللي هي حبته واختارته بأرادتها، حاولت أقوم، حاولت أفك الزرار اللي خانقني، بس مكنتش قادر أواجه نفسي في المرايا، أنا تايه، تايه في بحر ملوش آخر، كل ما أحاول ألمس شط التوبة، الموج بيسحبني تاني للقاع
خبيت وشي بين إيديا وبدأت دموعي تنزل، دموع ضعف، دموع واحد عارف إنه بيضيع ومش عارف يفرمل، فضلت على الحال دة لحد ما نمت مكاني بكسرتي، وصوت الإقامة كان آخر حاجة سمعتها قبل ما أغرق في نوم يشبه الموت
كنت لسة قاعدة على السجادة ودموعي على خدي، مش عايزة الكل ادعي ليه، مش عايزة ثانية تفوت من غير ما تكون بدعيله بالهداية، غمضت عيني عشان اخشع في الدعاء، بس عقلي سافر بيا لبعيد، للسنين اللي فاتت اللي كانت فيها كل حاجة صافية زي وقت الفجر
شوفتنا وإحنا لسه عيال صغيرة، سيف الولد اللي شعره دايماً متهندم وهدومه نضيفة، وأنا البنت اللي بتستخبى ورا ضهر أمها أول ما يدخلوا عندنا، أهالينا مكنوش مجرد جيران، كانوا عيلة واحدة بجد، طنط كريمة والدة سيف هي اللي مربياني، وأمي كانت بتعتبر سيف ابنها اللي مخلفتهوش، كنا بنلعب مع بعض على طول وكنا قريبين من بعض بحكم أننا في بيت ومدرسة واحدة، حتى الدروس كنا بناخدها سوا، لحد ما كبرنا و دخلنا اعدادي واتفصلنا عن بعض، ساعتها بابا قعد معايا وفهمني إن مينفعش نكون سوا خلاص عشان حرام وعشان كبرنا، ومبقيناش نشوف بعض غير في وجود اهلنا في أي مناسبة ونكتفي بالسلام وبس
وكبرنا ومشاعرنا تجاه بعض كبرت معانا، دقة قلبي تجاه سيف مكنتش وليدة لحظة ولا موقف واحد، دي كانت نتيجة سنين من العشرة والمواقف اللي بتتحفر في الروح، حبيته لإني شوفته بيكبر قدام عيني وهو مالي مكانه، شوفت فيه الرجل اللي بجد وهو لسه في أول شبابه، حبيته وأنا شايفة احترامه لأمي وأبويا، وغض بصره عني وعن بنات الحارة، حبيته لما كنت بسمع صوته وهو بيود جارنا الكبير في السن كل يوم بعد ما عياله سافروا وسابوه لوحده بين أربع حيطان، ولما كنت بشوفه واقف مع بابا برجولة تسبق سنه بكتير في أي أزمة كانت تحصلنا، وشيله لمسؤولية بيتهم بعد وفاة باباه، أخلاقه كانت هي اللي بتشدني، هدوء نفسه والتزامه اللي مكنش مجرد مظاهر، دي كانت فطرة واضحة في كل كلمة بيقولها وكل حركة بيعملها، كان بالنسبالي الأمان بعد ربنا سبحانه وتعالى وبابا، الشخص اللي لو الدنيا كلها مالت، هو هيفضل ثابت على مبادئه، مكنتش اتخيل إنه ممكن يبادلني الحب دة، لكن اتفاجأت في يوم ب بابا بيقولي إنه اتقدملي وطالب ايدي للجواز، ساعتها مكنتش مصدقة، معقول سيف يطلب ايدي، يعني هو عايزني؟بيحبني زي ما بحبه؟ ازاي ومكنش باين عليه؟ أول ما بابا سألني عن رأيي اتكسفت وابتسمت ف فهم على طول، قالي إنه مش هيلاقي انسب منه يآمن عليا معاه وأنه مبسوط إن ربنا رزقني بحد زي سيف، بلغه بالموافقة وبعد اسبوع كانوا عندنا هو وأمته وادهم اخوه الصغير، قرينا الفاتحة وأمهاتنا زغرطوا واتفق هو و بابا بعد موافقتي على خطوبة عائلية بسيطة من غير دوشة واغاني لكن هتتأجل شوية لحد ما يظبط حاله في الشغل الجديد وبالكتير شهر ونكون مخطوبين، لكن للأسف .. شهر جر التاني واتغير سيف تماماً ومبقاش زي الأول، ساب المسجد وصلواته وانتكس في كل العبادات واتجه لطريق بيغضب ربنا في كل خطوة بيمشيها فيه، بابا اداله فرص كتير وحاول يرجعه عن الطريق دة، لحد ما شافه في مرة راجع سكران، تاني يوم نهى موضوع الجواز وبلغه ومنع الكلام فيه تاني نهائي حتى معايا رغم محاولاتي المستميتة إننا نديله فرصة تانية، ومن ساعتها والحال زي ما هو متغيرش
فتحت عيني وبصيت لسجادتي اللي كانت لسه مبلولة بدموعي، كل يوم نفس القعدة ونفس الدعوات والذكريات، لا قدرت انساها .. ولا حتى انساه
الشمس كانت بدأت تدخل المطبخ، بس النور اللي مالي المكان كان غريب على قلبي المطفي، كنت واقفة قدام الرخامة بقطع الخضار بإيد مرتعشة وصوت السكينة وهي بتخبط في الخشب كان الصوت الوحيد اللي مسموع، عيني كانت تقيلة، والجفون وارمة من قلة النوم ودموع الفجر، وكأن كل دمعة نزلت سابت أثر تحت عيني
ماما كانت واقفة جنبي بتعمل الشاي، كنت حاسة بنظراتها وهي بتراقبني في صمت، ماما من النوع اللي بيفهم من غير ما يسأل، والوجع اللي في وشي كان واضح لدرجة إنها مكنتش محتاجة تسألني عن حالي، فضلت ساكتة كأنها خايفة إن كلامها يكون القشة اللي تقطم ضهري، لكن بعد شوية قطعت هي الصمت بصوت هادي وقالت
ابوكي سألني النهاردة الصبح يا ليلى، مستني ردك على العريس اللي جيه الأسبوع اللي فات
إيدي وقفت بالسكينة، بصيت للفراغ اللي قدامي وشريط الذكريات مرة للمرة المليون قصاد عيني، غمضت عيني لحظة ورجعت كملت تقطيع وقولت بصوت حاولت أخليه ثابت
– أنا قولت قراري يا ماما .. ومظنش إنه هيتغير
سابت اللي في إيدها وقربت مني خطوة وقالت بحنان مختلط بقلة حيلة
يا حبيبتي، أبوكي عايزك بس تدي لنفسك فرصة، قابليه، اقعدي معاه، مش يمكن قلبك يتفتح؟ ده شاب كويس وشاريكي
رفعت راسي وبصتلها
– مش عايزة يا ماما، مش عايزة أقابل حد ولا عايزة أفتح باب اتقفل بالضبة والمفتاح
مقدرتش تسكت أكتر من كده، سابت المعلقة من إيدها وقالت بحدة
وآخرتها إيه يا ليلى؟ هتفضلي مستنية لحد إمتى؟ العمر بيجري بينا، و اللي إنتي حابسة نفسك عشانه غرقان في دنيته ومش حاسس بيكي، هتضيعي شبابك على وهم؟
سيبت السكينة خالص، وبصتلها وقولت
– هستناه لحد ما يرجع لطريق الهداية من تاني، لحد ما يرجع سيف اللي عرفناه
ضربت كف بكف وقالت بحرقة
وافرضي مرجعش؟ افرضي الطريق اللي مشي فيه ده ملهوش رجعة؟ هتفضلي جنبه وهو بيضيع؟
أخدت الطبق في إيدي واتحركت ناحية باب المطبخ وقبل ما أخرج التفتلها وقولت بابتسامة باهتة بس كلها يقين
– هيرجع يا ماما .. أنا واثقة في ربنا، واللي ربنا هداه مرة، مش هيسيبه للشيطان للأبد، سيف راجع، وأنا هكون واقفة في مكاني مستنياه
خرجت وسيبتها واقفة في مكانها مذهولة من قوة قلبي اللي بيتحطم كل يوم الفجر بس بيقوم تاني الصبح وهو ماسك في أمله في ربنا
في شقة سيف، كان السكون له صوت يشبه الأنين، الشمس كانت داخلة من الشباك وريحة النعناع والريحان اللي في البلكونة مالية المكان، كريمة كانت قاعدة على ترابيزة السفرة الصغيرة، قدامها اطباق الفطار ورغيف عيش مقطوع منه حتة صغيرة، وكأن نفسها اتسدت من قبل ما تبدأ
بصت لأدهم اللي كان قاعد قدامها بياكل بهدوء، قطعت الصمت وقالت
صحيت أخوك؟
رفع عينه يبصلها واتنهد وقال
حاولت يا أمي، حاولت كتير بس هو مش عايز يصحى خالص، مش بيرد عليا أصلاً
سكتت لحظة وإيدها بدأت تترعش وهي بتمسك كوباية الشاي، وكأن السؤال اللي جاي خايفة من إجابته، لكنها سألته بهمس
وهو .. هو حالته عاملة إزاي النهاردة؟
مرفعش عينه المرة دي، فضل باصص للطبق اللي قدامه بخزي وكأنه هو اللي عامل الجرم مش أخوه، سكت كتير، والصمت في اللحظة دي كان أبلغ من مية كلمة، كان بيفتكر شكل سيف وهو نايم بهدومه، وريحة الأوضة اللي كلها سُكر، ومنظر اللي كان قدوته وهو بالحالة دي، ساب المعلقة من إيده وقال
زي كل يوم، مفيش حاجة اتغيرت، بالعكس الحال بيبقى أسوأ
فهمت الإجابة من غير ما يكمل، نزلت راسها ودمعة سخنة شقت طريقها على تجاعيد وشها اللي رسمها الحزن، مكنتش قادرة تنطق، مكنتش قادرة توصف الوجع اللي بياكل في قلبها وهي شايفه ابنها الكبير، بكرها، والراجل اللي كانت بتتسند عليه وهو بيضيع منها وبيرمي نفسه في النار بإيده
غمضت عينيها وبدأت شفايفها تتحرك بحركة خفيفة، كانت بتدعي في سرها، دعاء الأم اللي ملهوش ساتر بينه وبين ربنا
يا رب .. يا هادي الضالين اهديه، يا رداد الغيب رد لي ابني رداً جميلاً .. يا رب مش قادرة أشوفه كده
قام ادهم من على الأكل وهو بيبصلها بقلة حيلة، سابها مع دموعها ودعائها وخرج عشان يلحق درسه وهو بيحاول ينسى منظر اخوه
فتحت قفل المحل اللي بشتغل فيه، صوت الباب الحديد وهو بيترفع لفوق عمل صرخة في هدوء الشارع، أول ما دخلت، استقبلتني ريحة الورد، حطيت حاجتي وبدأت أرش المية عليه ببطء، لمست الورق الناعم بإيدي وأنا شاردة وكأني بسأل الورد
– انت كمان بتدبل لما اللي بيحبك يغيب؟
شيلت الدبلان منه ورميته وقعدت أرص شوية في الفازات الكبيرة، لحد ما باب المحل اتفتح ودخلت طنط نرجس صاحبة المحل اللي اسمها كان لايق عليها أوي، ست في قمة الرقة والحنان، بتعتبرني بنتها مش مجرد واحدة شغالة معاها
صباح الفل والياسمين على أحلى وردة في المحل
قالتها بابتسامتها المعهودة وهي بتبوسني من خدي ف رديت بابتسامة باهتة مقدرتش اجملها
– صباح الخير يا طنط
قعدنا سوا، هي مسكت المقص وبدأت تهندم عيدان الورد، وأنا قعدت قدامها بجهز شرايط الستان، كنت بحاول اتكلم واضحك، بس عيني كانت دايمًا بتخوني وتروح للفراغ، سابت المقص من إيدها وبتصلي وقالت بهدوء
مالك يا ليلى؟ مش حساكي كويسة
حاولت أهرب بعيني وقولت
– لا كويسة الحمد لله
مسكت إيدي وقالت
إحنا بنخبي على بعض برضو؟ قوليلي اية اللي حصل
اتنهدت تنهيدة طويلة كأني كنت مستنية حد يسألني عشان أطلع اللي جوايا
– بابا جايبلي عريس، شاب شغال معاه في الشركة، وضاغط عليا أوي المرة دي وعايزني أفكر بجد
هزت راسها بأسى وقالت
وطبعاً إنتي رافضة كالعادة، صح؟
هزيت راسي وأنا حاسة بدموعي على وشك النزول، بصتلي بقلة حيلة وقالت
وبعدين يا ليلى؟ وآخرتها يا بنتي؟ هتفضلي قافلة على نفسك لغاية إمتى؟
بصتلها وقولت
– لحد ما سيف يرجع يا طنط، لحد ما يرجع سيف اللي أنا عارفاه
يا حبيبتي بقالك سنين على الحال ده، والجدع كل مادا بيغرق أكتر، افرضي مرجعش؟ هتضيعي عمرك في انتظار سراب؟
رجعت ابص للشرايط اللي في إيدي وقولت بجمود مغلف بالوجع
– يبقى خليني زي ما أنا أحسن، لو سيف مرجعش يبقى مفيش حد تاني يستاهل إني أفتحله باب قلبي
في اللحظة دي، دخلت بنت، مسحت عيني بسرعة ورسمت ابتسامة مزيفة
– اهلاً بيكي، أقدر اساعدك ازاي
قومت أشوفها محتاجة إيه وأنا حاسة بنظرات طنط نرجس ورا ضهري، عارفة انها بتبصلي بقلة حيلة دلوقتي و عينيها اكيد مليانة شفقة على حالي، وكأنها شايفة وردة بتدبل بإرادتها عشان خاطر غصن اتكسر ومبقاش فيه روح
فتحت عيني بعد ما سمعت الميكرفون اللي مع الراجل بتاع الروبابيكيا، حسيت بالدنيا بتلف بيا خفيف و صداع رهيب في دماغي كأن في شاكوش بيخبط في نفوخي من جوا، والريحة .. ريحة الشرب كانت لسه لازقة في هدومي ومنفراني من نفسي
قومت قعدت على السرير بالعافية وانا ساند راسي بين إيديا وبحاول أجمع، بصيت للشباك لقيت خيوط الشمس قوية وحامية، بصيت للساعة اللي كانت لسة في ايدي لقيتها بعد الضهر، قلبي وقع في رجلي، ميعاد الشغل فات و ضاع منه نص اليوم
قومت مفزوع والدوخة خلتني أطوح وأنا خارج من الأوضة، شوفت أمي قاعدة في الصالة في ركنها اللي مابتغيروش، قدامها قماشة وبتبتكر فيها أشكال بالخياطة، وقفت قدامها وقولت
* مصحيتنيش ليه يا أمي؟ الشغل ميعاده عدى
مرفعتش عينها ولا وقفت اللي بتعمله وقالت
وده على أساس إنك كنت هتصحى؟ ولا إنك كنت فايق أصلاً عشان تسمعني لو ناديت؟
سكت، الجملة لجمت لساني، حاولت أداري خيبتي في نبرة حادة وقولت
* كنتي صحيني وخلاص يا أمي، كنتي خبطتي حتى على الباب
ركنت القماشة على جنب وبصتلي بنظرة خالية من أي مشاعر وقالت
قولتهالك كذا مرة يا سيف وهقولهالك تاني، أنا مليش دعوة بيك ولا هرضى عنك ولا هعرفك طول ما إنت ماشي في السكة دي
حسيت بنار قادت في صدري، لكن مقدرتش ارد عليها ولا اجادلها، إذا كنت أنا مش راضي عن نفسي يبقى هرد اقول اية، دخلت أوضتي ورزعت الباب ورايا بكل قوتي كأني عايز أهد البيت على اللي فيه، كنت محتاج أطلع غلي في أي حاجة، مديت إيدي وهبدت أول حاجة قابلتني على المكتب و وقعت على الأرض وعملت صوت كسر خفيف، نزلت عيني واتجمدت مكاني .. كان برواز شهادة حفظي للقرآن
نزلت على الأرض ببطء وكأن رجلي مبقتش شيلاني، مسكته بإيد مرتعشة وانا ببص لأسمي المكتوب بخط عريض
سيف عز الدين .. لإتمامه حفظ كتاب الله
شريط ذكريات هجم عليا و وجعني أوي، افتكرت اليوم ده، فرحة أبويا الله يرحمه اللي كانت دموعه بتسبق ضحكته، والناس اللي كانت بتهنيه هو وأمي، حسيت بحسرة كبيرة، سيف اللي في الشهادة ده غريب عني، ده واحد طاهر، لكن النسخة اللي قاعدة دلوقتي على الأرض دي مسخ منه
سيبته على المكتب بإهمال وأنا بحاول اقنع نفسي إني مش مهتم، رجعت رميت نفسي على السرير و غطيت وشي بالملاية عشان أهرب من نور الشمس، ومن عين أمي، ومن اسمي اللي في الشهادة، نمت وأنا بهمس لنفسي اني بكرة هبقى أحسن وأنا عارف إني بضحك على نفسي
في مكتب محاسبة، كان مصطفى قاعد ورا مكتبه الصغير، لابس النضارة وإيده ماسكة قلم بيراجع بيه ورق قدامه، كان مندمج لدرجة إنه مسمعش خبط الباب في الأول، رفع راسه لما اتفتح ودخل يحيى قدامه
يحيى الشاب اللي شغال تحت إيده، محاسب شاطر، لبسه مهندم، وملامحه فيها طموح وهدوء، الشخص اللي أي أب يتمناه لبنته، والنسخة اللي مصطفى كان شايفها زمان في سيف قبل ما يتبدل حاله
مساء الخير يا استاذ مصطفى .. آسف لو جيت في وقت مش مناسب
قالها وهو واقف بأرتباك قدام المكتب، قلع مصطفى نضارته و فرك عينيه بتعب وشاورله يقعد
تعالى يا يحيى اتفضل، في حاجة في الشغل ولا إيه؟
قعد و كان باين عليه التردد وفضل يفرك إيده في بعضها شوية قبل ما ينطق باللي شاغل باله
لا يا فندم الشغل تمام، أنا بس كنت حابب أسأل .. يعني بخصوص الموضوع اللي فاتحت حضرتك فيه، بخصوص الآنسة ليلى، هل في جديد؟
سكت مصطفى لحظة واتنهد تنهيدة طويلة شايلة جبل من الحزن اللي بيخبيه عن بنته ومراته، مكنش قادر يقول ليحيى إن بنته لسه عايشة على أطلال واحد ضاع، ولا قادر يقوله إن قلبه بيتقطع وهو شايفها بتدبل قدامه، سند ضهره على الكرسي وبصله وقال
بص يا يحيى .. إنت شاب مفيش منك اتنين، وأنا يشرفني إنك تكون فرد من عيلتي، وإنت عارف معزتك عندي قد إيه
سكت شوية ورجع كمل وصوته فيه نبرة تعب واضحة
بس الحقيقة .. في ظروف في البيت دلوقتي، ظروف خاصة شوية منعاني إني أفتح الموضوع مع ليلى بشكل جدي، ليلى بنتي بتمر بفترة صعبة، وأنا مش عايز أضغط عليها في وقت هي فيه مشوشة
يحيى ملامحه اتغيرت، كانت قلق وتفهم في نفس الوقت
أنا مقدر جداً، بس هي الآنسة ليلى بخير؟ في حاجة أقدر أساعد فيها؟
هز مصطفى راسه بابتسامة حزينة وقال
بخير يا ابني .. هي بس محتاجة وقت، ف أستنى عليا شوية، متستعجلش الرد دلوقتي، سيب الأمور تهدى وإن شاء الله يكون فيه نصيب
قام وبص لمصطفى باحترام
اللي تشوفه حضرتك، أنا مستني، ومستعد أستنى العمر كله لو لزم الأمر، عن إذنك
خرج وقفل الباب وراه براحة وساب مصطفى لوحده في المكتب، ساب القلم من إيده وبص لصورتها اللي محطوطة قدامه على المكتب .. غمض عينيه وقال بهمس محروق
يا ريتك يا بنتي تشوفي اللي أنا شايفه، سايبة واحد متمسك بيكي من مرة واحدة بس شافك فيها، ومتمسكة بواحد تايه مش عايز يشوف طريق الرجوع
رجع لبس نضارته وحاول يغرق نفسه في الورق تاني، بس عقله كان في الحارة، وفي بنته اللي واقفة في الشباك مستنية إمام مبقاش موجود
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية الردى والهدى) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.