رواية الردى والهدى – الفصل الثاني
الشمس لمت خيوطها والليل حل على المكان بضلمته، الشارع صوته هدي لكن قلبي لا، كنت واقفة بشيل الفازات الفاضية من برا وبمسح إيديا من آثار المية والطينة بتاعة الجنينة الخلفية اللي زارعين فيها، الحزن اللي كان مالي وشي الصبح بدأ يهدأ شوية تحت تأثير الهدوء اللي في المحل، طنط نرجس كانت جوا بتراجع الحسابات في الدفتر، دخلت قعدت قدامها على الكرسي وسكت، رفعت عينيها ليا بعد ثواني وقالت
عايزة تقولي حاجة مش كدة
ضحكت وقولت
– بصراحة اة
عنينا يا ست ليلى، قوليلي
– تسلميلي، ينفع استأذن الكام ساعة دول
اكيد طبعاً، بس قوليلي رايحة فين كدة
ضحكت على فضولها وقولت
– رايحة انا وماما نشتري شوية حاجات لرمضان، إنتي عارفة بقا الزحمة والطلبات اللي مبتخلصش، واصلا متبقاش إلا يومين ويهل علينا، كل سنة وانتي طيبة
وانتي طيبة يا حبيبتي، ربنا يبلغنا رمضان وإحنا في أحسن حال يا رب، طب قوليلي، محتاجة فلوس قبل ما تمشي
– لا تسلميلي معايا
بجد؟
– بجد والله معايا
عموماً انا يومين كدة وهقبضك بدري متقلقيش
– خيرك سابق يا رورو، يلا عن اذنك بقا
توصلي بالسلامة يا حبيبتي، متنسيش دعاء السوق بقا
وقفت وانا بلبس شنطتي واستغربت، هزيت راسي بالنفي وقولت
– هو في دعاء مخصوص للسوق؟
بصتلي وهي بتبتسم وقالت
أيوا طبعاً، بصي يا ستي، الرسول ﷺ قال: (من دخل السوق فقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير.. كتب الله له ألف ألف حسنة، ومحا عنه ألف ألف سيئة، ورفع له ألف ألف درجة)
بصتلها بذهول وقعدت قدامها من تاني وانا بقول
– ألف ألف حسنة؟ يعني مليون حسنة؟ والدرجات دي كلها لمجرد كلمة بتتقال في وسط الزحمة؟
كملت وقالت
ايوا، عارفة ليه؟ لأن السوق ده مكان الغفلة، الناس كلها فيه مشغولة بالفلوس والبيع والشرا والكل عمال يحسب هياخد إيه ويدفع كام، ف لما إنتي تدخلي في وسط كل ده وتفتكري ربنا وتوحديه بقلب حاضر أجرك بيبقى عظيم لأنك ذكرتي ربنا في مكان الناس فيه ناسية ذكره، إنتي بتجددي إيمانك في وسط الضوضاء
– بس احنا مش رايحين السوق، دة سوبر ماركت كبير
هي هي نفس الفكرة، مهو يعتبر سوق برضو وفيه كل حاجة لكن افرنجي شوية
ابتسمت وحسيت إن فيه طاقة إيجابية دخلت قلبي
– أول مرة أعرف التفاصيل دي، تخيلي بنضيع حسنات قد إيه وإحنا ماشيين بنلف بين المحلات وبس
طبطبت على ايدي وهي بتضحك
أهو إديكي عرفتي، يعني وأنتي بتشتري لسانك ميبطلش ذكر عشان تروحي البيت مش بس بشنط مليانة طلبات، لا وكمان بمليون حسنة إن شاء الله
ضحكت وقولت
– حاضر يا ست الكل، ربنا يبارك لك يا طنط، كلامك دايماً بيطمن قلبي
بصتلي بحب وقالت
ربنا يريح قلبك يا ليلى دايماً
– امين، يلا عايزة حاجة
لا يا حبيبتي مع السلامة
مشيت وانا بردد الدعاء في سري عشان منساهوش، وكأني بستعد لرمضان بقلب جديد بيحاول يتلمس النور وسط الضلمة اللي محوطاه
كنت لسة قاعد في أوضتي متحركتش من مكاني، باصص للسقف وساكت، بسمع كل أذان ومبتحركش، غرقان في ذنوبي ومش بقاومها حتى، الاوضة كانت ضلمة وكئيبة والنور الوحيد كان جاي من شاشة تليفوني اللي نورت فجأة، بصيت للاسم وكان لواحد من الشلة اللي عرفتها قريب.. وليد، قلبي انقبض بس إيدي اتمدت للتليفون كأنها متبرمجة
* ايوا يا وليد
اية يا عم إنت لسه نايم ولا إيه؟ فوق كدة، في مكان جديد لسه فاتح والقعدة النهاردة هتكون حكاية، سهرة العمر يا سيف، لازم تيجي
سكت لحظة، كنت سامع في ودني صدى صوت الأذان، وصورة برواز الشهادة المكسور لسه محفورة في خيالي، كنت عايز أقوله لا، إني تعبان ومخنوق، بس نفسي كانت اقوى
* ماشي يا وليد، ساعة وهكون عندكم
قفلت معاه وقومت وأنا حاسس إني بسحب جثة، وقفت قدام المرايا وبصيت لنفسي بأستحقار، بقا أذان يوم كامل ميقومنيش ومكالمة واحدة من وليد هي اللي تقومني؟ لا وكمان رايح اغضب ربنا وانا عارف ومكمل، مشيت من قدامها عشان مشوفش نفسي قذر اكتر من كدة وغيرت هدومي وخرجت للصالة
أمي كانت قاعدة قدام التليفزيون، النور الضعيف بتاع الشاشة كان عاكس على وشها اللي ملامحه مبقتش تتفسر، وقفت بعيد عنها بشوية مستني منها تبصلي، تشتمني، تقولي رايح فين أو حتى تمنعني، بس هي فضلت بصة للشاشة وكأني هوا، قربت منها وقولت بتردد
* أنا .. أنا خارج يا أمي
قولتها بصوت واطي مستني رد، مستني اي حركة منها، لكن مفيش، كأنها أخدت قرار إنها تمحي وجودي من حياتها لحد ما أرجع عن اللي انا فيه، اتنهدت بضيق وحسيت بوجع في صدري، لفيت ضهري عشان أخرج من الشقة وأول ما فتحت الباب لقيت ادهم في وشي، وشه فيه نور غريب، نور كان في وشي أنا زمان، بصيتله وقولت
* كنت فين يا أدهم
سألته بنبرة كنت بحاول اظهر فيها الأخ الكبير، بس كان صوتي طالع مهزوز ومفهوش أي هيبة، بصلي بهدوء وقال
كنت في المسجد بحضر درس دين بعد العشاء
المسجد .. الكلمة اللي بقت تقيلة على ودني، هزيت راسي وقولت بأرتباك
* طيب .. كويس
حاولت اعدي من جمبه عشان أخرج لكن فضل واقف مكانه، بص لهدومي وشم ريحة البرفان وسألني بصوت فيه خيبة أمل واضحة
إنت خارج؟
بصتله وقلت بحدة بداري بيها كسفتي منه
* أيوا خارج .. في حاجة؟
فضل باصص في عيني لثواني، ثواني كانت أطول من سنين، شوفت في عينيه إنه فاهم أنا رايح فين وفاهم مين اللي مستنيني، وفاهم إن أخوه الكبير اللي كان بيحذره من النار، رايح يرمي نفسه فيها بأيديه، منطقش ولا كلمة تانية، هز راسه بأسى وسحب نفسه ودخل أوضته وقفل الباب وراه من غير ما يلتفت، وقفت أنا لوحدي قدام باب الشقة المفتوح، بين أمي اللي مش شايفة وجودي، وأخويا اللي بقيت صغير في نظره، سحبت نفسي وخرجت وأنا حاسس إن السلسلة اللي سحباني لوليد وصحابه بتخنقني أكتر مع كل خطوة
رجعت ليلى من المحل وهي شايلة تعب اليوم كله فوق كتافها، أول ما قربت من البيت طلعت تليفونها وكلمت مامتها
– أيوا يا ماما، أنا تحت البيت أهو، انزلي يلا عشان نلحق قبل ما الزحمة تزيد
وصلها صوت فاطمة من الناحية التانية فيه كركبة وحركة
معلش يا ليلى اطلعيلي، في شنط تقيلة محتاجة تتشال عايزين نوديها لخالتك عبلة الأول
– حاضر يا ماما
اتنهدت بتعب وحطت التليفون في الشنطة وبدأت تطلع السلم بخطوات بطيئة وهي بتعمل بسنة الرسول ﷺ وبتكبر، وفي نص السلم، وعند الدور اللي فيه شقته بالتحديد .. وقف الزمن وشافته وهو نازل قصادها
في اللحظة دي، الهواء اتسحب من المكان، عيونهم اتقابلت في نظرة خلت كل واحد فيهم يتسمر مكانه، عيونها كان فيها شوق، شوق البنت اللي لسه شايفة فيه إمامها وحبيبها، وعيونه كان فيها لهفة الغريق اللي شاف طوق نجاة قدامه بس مش قادر يلمسه
فضلوا باصين لبعض ثواني، الثواني كان فيها كلام عجزت الألسنة عن نطقه، لكن العيون كانت كفيلة توصله، وقفت قصاده وهي بتعاتبه بنظراتها، وكأنها بتقوله
ليه عملت فينا كدة؟
أما نظراته، ف كانت كفيلة توصلها أنه لسة بيحبها، فضلوا واقفين محدش فيهم عايز يتحرك ويحرم عينه من شوفة التاني، لكن فجأة، نزلت عينها على هدومه، شافت هندمته المبالغ فيها وريحة البرفان النفاذة اللي سبقت وجوده، وفي ثانية اتحول الشوق في عينيها لخيبة أمل مُرة، عرفت إنه خارج لأصحابه، خارج للسكة اللي سحلته في التراب وبعدتهم عن بعض، غضت بصرها عنه بوجع ورفعت راسها لفوق بجمود مصطنع وطلعت السلم بسرعة وكأنها بتهرب من ريحة ذنوبه اللي خنقتها وسابته واقف مكانه
لف جسمه ببطء وبص لضهرها وهي طالعة، كان بيبصلها بشوق و وجع ولهفة تدوب الحجر، كان عايز ينادي عليها، يقولها متسيبنيش للضلمة دي، لكن لسانه كأنه مربوط، فضل يتحسر على الحب اللي كان المفروض ينتهي بـ كوشة وفرح، لكنه انتهى بنظرة عتاب على سلم مضلم، وفي عز اللحظة دي، تليفونه رن برقم وليد، بص للشاشة ومسح وشه بإيده بقوة كأنه بيمسح صورتها وهي واقفة قدامه من خياله، بص للتليفون وقال في سره بمرارة
* الظاهر إن السهرة دي هي الحل، أنا محتاج أنسى، محتاج أهرب من نظرة عينها اللي دبحتني، من عتاب أمي وسكوت أخويا .. محتاج اهرب وبس
نزل السلم بخطوات مهزوزة لكن مصممة على الهروب، وطلع للشارع وهو بيقنع نفسه إن النسيان وسط السُكر أسهل من المواجهة في عيون اللي بيحبهم
ماشية ورا ماما في السوبر ماركت والجو حواليا عبارة عن ألوان وأنوار، الفوانيس متعلقة في كل حتة و اغاني رمضان طالعة من كل ركن، الناس عمالة تخبط في بعضها وهي بتضحك وبتفاصل في أسعار البلح والياميش .. و أنا كنت في عالم تاني خالص
عقلي كان لسه محبوس في الثواني اللي وقفتهم قدامه على السلم، لسه فاكرة نظرة عينيه، ولسه ريحة البرفان بتاعته معايا لدرجة أنها مسكت في هدومي، وكأن كل حاجة حواليه بتتشبث بيا .. لكن هو لا، مديت ايدي أمسك علبة من على الرف وأنا مش شايفة اسمها، عيني كانت بتزوغ في الفراغ وبحاول أطرد صورة كسرة عينه وشوقه اللي فضحه قدامي
يا بنتي ردي عليا، أجيب الجبنة دي ولا النوع التاني؟
اتنفضت من مكاني لما سمعت صوت ماما العالي وهي بتشدني من ايدي، بصتلها بذهول وحسيت إن قلبي بيدق بسرعة كأني كنت في حلم وصحيت منه مخضوضة
– ها؟ بتقولي حاجة يا ماما؟
ركنت العربية الصغيرة اللي بنجرها، و وقفت قدامي وبصتلي بنظرة فاحصة، نظرة الأم اللي مبيعديش عليها الهوا، رفعت حاجبها وقالت بقلق
إنتي مش معايا خالص، من ساعة ما نزلنا وإنتي ماشية تخبطي في الناس وعينيكي تايهة في حتة تانية خالص، مالك يا بنتي؟ في حاجة حصلت معاكي؟
حسيت إن وشي سخن وخوفت تكون شكت في حاجة، حاولت أرسم ابتسامة باهتة وأعدل طرحتي بإيد بتترعش وقولت
– مفيش يا ست الكل، تلاقيني بس هبطت من شغل المحل والوقفة طول النهار، قوليلي كنتي بتسألي على إيه؟ الجبنة؟ هاتي النوع اللي بتحبيه، بصي انا هروح اجيب اللحوم
اتحركت بسرعة وكأني بهرب من نظراتها اللي كانت بتخترق ضهري، وبرضو كنت بشغل نفسي بأي حاجة عشان مفكرش فيه وهو نازل يضيع نفسه، كنت بسأل نفسي بمرارة
– يا ترى هو فين دلوقتي؟ نسي نظراتي ليه كأني هوا؟ ولا لسة فاكرها وبيراجع نفسه؟
سمعت ماما ورايا وهي بتهمس بقلة حيلة
ربنا يهديكي يا بنتي ويريح بالك، شكلنا هنرجع وايدينا فاضية لو فضلتي كدة
ضحكت ضحكة قصيرة عشان أطمنها وقولت بصوت حاولت أخليه مرح
– لا يا ماما، ركزي إنتي بس في الطلبات وأنا هملالك العربية دي لآخرها.. شوفي محتاجة إية تاني؟
رجعت أشيل وأحط في الطلبات بآلية وانا بحاول اكون في وعيي عشان متقلقش عليا اكتر من كدة
في صالة البيت الهادية، كان أدهم قاعد قدام كريمة على ترابيزة العشا، السكون تقيل وصوت المعالق في الأطباق هو المسموع، كان بياكل ببطء وعينه كل شوية تروح على كرسي سيف الفاضي وبعدين ترجع تبص لأمه اللي بتاكل من غير نِفس، وشها شاحب والهم راسم عليه خطوط واضحة تحت نور النجفة الضعيف، ساب المعلقة من إيده واتنهد تنهيدة طويلة وهو بيكسر الصمت بصوته الهادي
مش ناوية تكلمي سيف يا أمي؟ كفاية خصام لحد كدة، بقالكم فترة على الحال ده والبيت مبقاش فيه روح
رفعت راسها ببطء وبصتله بنظرة فيها خليط من العتب والوجع وقالت بنبرة حادة لكن مكسورة
إنت شايف إن ده اللي المفروض يحصل يا أدهم بعد كل اللي بيعمله في نفسه وفينا؟ عايزني أضحك في وشه كأن مفيش حاجة حصلت وهو بيضيع قدام عيني كل يوم؟
سند إيده على الترابيزة وقرب منها شوية
يا أمي، أنا عارف إن سيف غلطان، وغلطه كبير وميتسكتش عليه، بس إحنا مش لازم نعامله بالطريقة دي، سيف محتاجنا حواليه، محتاجنا ناخده بالراحة، يمكن اللين هو اللي يرجعه تاني
سابت العيش من إيدها وعينيها لمعت بدموع محبوسة وصوتها بدأ يعلى بمرارة
كام مرة؟ قولي يا أدهم كام مرة نصحته؟ كام مرة سايسته وطبطبت عليه وعملت كل اللي ممكن يتعمل عشان يرجع عن الطريق ده؟ مسبتش باب إلا وخبطته، ولا دعوة إلا ودعيتها وبرضو مفيش فايدة، كل مادا بيغرق أكتر وبيعاند أكتر
رد عليها بصوت كله يقين
عارف يا أمي، وعارف إنك عملتي كتير وشيلتي فوق طاقتك طول السنين دي، بس ده ابنك، ومينفعش نيأس منه ولا نسيبه للشيطان ينهش فيه
بصت للفراغ والدموع اللي كانت حبساها بدأت تنزل غصب عنها وقالت بصوت مخنوق
ومين قالك إني يأست؟ ولا مين قالك إني هسيبه؟ أنا عمري ما هعمل كدة يا أدهم، ده حتة من قلبي، بس لازم يعرف إنه غلطان وغلطه كبير، لازم يحس إن رضايا عنه غالي ومش هيطوله وهو بالسواد ده، عشان يخاف ويرجع لطريق ربنا من تاني
سكتت لحظة وهي بتمسح دموعها وكملت وجع
انا قلبي موجوع على أخوك يا أدهم، قلبي بيتقطع عليه كل ليلة وهو داخل وشايل ريحة السهر والمعصية، أصعب حاجة في الدنيا إنك تشوف ضناك بيتحرق قدامك وإنت واقف عاجز، مش عارف تعمل له حاجة غير إنك تدعي وتبكي
قام من مكانه بلهفة وقف جنبها، حط إيده على كتفها وباس راسها وقالها بنبرة واثقة
هيرجع يا أمي، صدقيني هيرجع زي الأول وأحسن، سيف جواه نور، والنور ده مهما انطفى هيرجع يقيد تاني، بس لازم نفضل وراه، إنتي بدعاكي وأنا بمحاولاتي، لحد ما يتوب ويرجع لربنا ولحضننا من جديد
استكانت في حضن ابنها الصغير اللي بقى راجل قبل أوانه وفضلوا الاتنين في صمت، بس المرة دي صمت فيه أمل ممزوج بدموع الأمومة
قاعد وسطهم والدخان مالي كل شبر في المكان والمزيكا بتخبط في نفوخي، كنت بضحك، أو بحاول أمثل إني بضحك وانا من جوايا حاسس اني متكتف بذنوبي، المكان ده غريب عليا، ريحة الخمرة، والبنات اللي في كل ركن، وشوش أصحابي اللي تايهة في لذة السُكر، كنت ببصلهم وانا شايفهم زيي وأسوأ كمان، ماله وليد عليا والضحكة مرسومة على وشه وقال بصوت عالي عشان يغطي على المزيكا
فكها يا شيخنا، مالك
* مليش يا عم، ما انا كويس اهو
مش حاسك لا، إنت لسه شايل هم البت اللي ساكنة فوقيك؟ سيبك منها بقا وركز معانا، احنا في سهرة متتكررش
أول ما نطق اسمها حسيت بكهرباء ضربت في جسمي، دمي غلي في عروقي ومشوفتش قدامي وانا بقوم وبمسكه من لياقة قميصه وعيني بتطلع شرار
* اسمها ميجيش على لسانك إنت فاهم؟ دي أشرف منك ومني اللي زينا، لو سمعت اسمها هنا تاني هنسى إننا صحاب وهدفنك مكانك يا وليد
الترابيزة كلها سكتت والعيون كلها اتجهت ناحيتنا، رفع إيده بعلامة استسلام ورجع مكانه، قام مازن وحط إيده على كتفي وبدأ يشدني براحة
أهدى يا سيف، وليد ميقصدش، واحنا كلنا عارفين إنها خط أحمر، اهدى بس واقعد، إحنا جايين ننسى الهموم مش نتخانق، استغفر الله يا جدع
بصتله بسخرية وقعدت وأنا بنهج و صدري بيطلع وينزل، كنت حاسس بكسرة نفس رهيبة .. استغفر الله .. الكلمة قالها بتلقائية، بس نزلت على قلبي زي مية النار، ولما احنا فاكرين الاستغفار لندخل الاماكن دي ليه من اصله
بصيت للكاس اللي قدامي، كان بيلمع تحت الأضواء الملونة، شوفت فيه صورتها وهي بتهرب بعينيها مني، وصورة أدهم وهو داخل بنوره، صرخة جوايا كانت بتقولي قوم .. امشي .. اهرب، بس في صوت تاني أوطى وأخبث كان بيقولي هتمشي تروح فين؟ للبيت اللي كارهك؟ ولا للأم اللي مش طايقة تبص في وشك؟ اشرب وانسى، النسيان أحسن من المواجهة
مديت إيدي المرتعشة مسكت الكاس ورفعته لشفايفي، طعمه كان مر، بس كنت بشربه بـ غل، كنت بشرب عشان أخرس الأصوات اللي في دماغي، شربت ألاول .. والتاني، وبدأت الدنيا تغيم، و الضمير اللي كان بيصرخ بدأ صوته يروح، والوجع اللي كان في صدري بدأ يتخدر
ضحكت ضحكة مكنتش طالعة مني، كانت طالعة من واحد غريب سكن مكاني، رجع وليد يطبطب على كتفي ويقولي
أيوا كدة خليك معانا
وأنا كنت بقول لنفسي وأنا ببلع المرار
* خلاص يا سيف، ثواني وهتنسى كل حاجة
فتحت باب الشقة وانا شايلة شنط كتير في ايدي ولسة بنهج من طلوع السلم، بس أول ما شوفت نور الصالة والجزمة اللي محطوطة عند الباب، عرفت إن بابا رجع من الشغل، رميت الشنط براحة وناديت بصوت فيه بهجة طفولية كانت غايبة عني طول اليوم
– يا بابا، إنت جيت؟
ثواني وخرج من أوضته وهو لابس جلابيته المريحة وعلامات التعب من يوم شغل طويل لسه مرسومة على وشه، بس أول ما شافني التجاعيد اللي عند عينيه اختفت ورا ابتسامة حنونة
جيت يا قلب بابا، نورتي البيت إنتي وماما
جريت على الشنط الكبيرة اللي كنت لسه داخلة بيها وطلعت منها لفات زينة رمضان الملونة وفانوس نحاس صغير وفرع نور، وقفت قدامه وانا بفرد حبل الزينة بفرحة وقولت
– بص يا بابا، بص الألوان دي، وبص الفانوس ده جبته عشان نعلقه في البلكونة، والزينة دي هلفها على الصالة كلها
وقف يتفرج عليا وضحكته وسعت وهو شايف لمعة عينيا وانا بشرح له كل قطعة جيبتها وإيه خطتها للديكور، في اللحظة دي دخلت الأم وهي بتنهج وشايلة بقية الشنط، حطتها على الترابيزة وقالت بضحكة وهي بتمسح وشها بطرف طرحتها
شوفت بنتك يا مصطفى؟ أول ما شافت الزينة والفوانيس جريت عليهم ونسيت المكرونة والسمنة ونسيتني أنا شخصياً، فضلت تنقي وتختار زي الأطفال اللي عندهم 5 سنين ومرضتش تتحرك غير لما جيبنا كل ده
بصلي وقال بصوت مليان حنية وهو بيطبطب على كتفي
تعمل اللي هي عايزاه يا فاطمة، ليلى تعمل كل اللي نفسها فيه وتشتري الدنيا كلها لو حبت، دي ليلى، يعني هي اللي بتحلي رمضان وتخلي للبيت طعم، سيبيها تفرح، ولو الزينة دي مش كفاية، ننزل بكرة نجيب غيرها
ضحكت وسيبت اللي في ايدي وقربت منه ابوس إيده وراسه
– ربنا يخليك ليا يا بابا وميحرمنيش من دلعك ده أبداً
وقفت ماما تتفرج علينا وهي مبتسمة ونسيت تعب اللف وزحمة الطلبات وبعدين قالت
طيب يلا يا طفلة تعالي ساعديني نرص الحاجة دي عشان نلحق نجهز لقمة ناكلها، والزينة دي لسه قدامنا سهرة طويلة عشان نعلقها
بدأت اتحرك في البيت وانا بدندن بصوت واطي و بشيل الأكياس، وفي نفس الوقت بحاول اقنع نفسي إن اللحظات دي هي الحقيقة، وأن اي وجع تاني مجرد كابوس وهيعدي بأمر الله
الهدوء ساد الحارة، والبيوت كلها طفت نورها، إلا شباك واحد في الدور التالت كان لسه مطلع ضي خافت، كانت واقفة ورا الستارة زي كل يوم ما بين الضلمة والنور وعينيها متثبتة على أول الشارع بلهفة وخوف، رغم كل الوجع اللي في قلبها، ورغم غضبها من سهرته، إلا إن قلبها مكنش بيطاوعها تنام قبل ما تتطمن إنه رجع
وفجأة، شافت خياله من بعيد، كان ماشي بيتطوح وخطواته مهزوزة و بيصارع عشان ميقعش، قلبها اتعصر وهي شايفاه بالحالة دي، سيف اللي كان بيمشي بوقار الإمام، اللي كانت الأرض بتفخر بخطوته، راجع دلوقتي وجسمه مهدود تحت تأثير السُكر، فضلت بصاله ودموعها نزلت بصمت وهي بتهمس
– ليه يا سيف؟ ليه بتعمل فينا وفي نفسك كدة؟
وقف فجأة في نص الشارع، وكأن رادار قلبه حس بوجودها، رفع راسه ببطء وتعب وبص ناحية شباكها، اتخضت وبسرعة البرق سحبت ضلفتين الشباك وقفتله، فضل واقف مكانه وعينه متعلقة بالشباك اللي اتقفل، حس ببرودة الجو في كل حتة في جسمه وبغصة في حلقه، سحب نفسه وطلع السلم، دخل الشقة في سكون تام ومشى على طراطيف صوابعه لحد ما دخل أوضته ورمى نفسه على السرير بهدومه، بكل سواد الليلة اللي شالها على كتافه، غغمض عينه في محاولة منه للنوم. لكن عقله هرب منه لسنين ورا..
افتكرها وهي لسه بنت صغيرة، لما كانت بتطلع عندهم الشقة مع مامتها، افتكر حمرة كسوفها لما كانت تشوفه صدفة في الصالة لما كبروا، وإزاي كانت بتوطي راسها وتتلاشى تبصله، وافتكر نفسه هو كمان، إزاي كان بيغض بصره عنها بسرعة رغم أن قلبه كان بيفضل يدق بجنون، كانت هيبة الحب وقتها هي اللي محركاه، وكان إحساسه بيها طاهر زي مية المطر
افتكر نظرة العتاب ليه على السلم، و شكلها وهي بتقفل الشباك في وشه من شوية، حس بنغزة في قلبه خلت نفسه يضيق، حاول يهرب من الصور دي كلها فدفن راسه في المخدة بقوة واستسلم للنوم اللي كان بيهرب فيه من خيبته ومن ريحة ذنبه، ومن ذكريات ليلى اللي مبقتش تجيبله غير الوجع
دخلت الشركة تاني يوم وأنا حاسس إن راسي تقيلة زي الحجر، عيني كانت بتحرقني وجسمي همدان، بصيت في ساعة ايدي لقيتني متأخر ساعة كاملة، كنت ماشي بحاول أتدارى وسط الممرات، بس حظي المنيل خلاني أقع في وش المدير مباشرة، وقف قدامي والشرار طاللع من عينه وصوته العالي هز المكان لدرجة إن الموظفين كلهم سكتوا وبصوا علينا
أستاذ سيف؟ شرفتنا أخيراً، انت فاكر الشركة دي ملكية خاصة بيك تيجيها وقت ما تحب ولا اية
وقفت قدامه وراسي في الأرض، مش من الاحترام، لكن من الخزي، كان بيبهدلني قدام زمايلي اللي كانوا زمان بيعملولي ألف حساب وبيسألوني في أتفه أمور دينهم وشغلهم، كمل بزعيق وهو بيخبط بإيده على ملف كان شايله
تأخير، غلطات في التقارير وسرحان دائم، النهاردة في خصم تلات أيام من مرتبك وده آخر تحذير ليك، يا تلتزم يا تشيل حاجتك وتمشي، الشركة مش فاتحة للمستهترين اللي زيك
مشي من قدامي بنرفزة وسابني واقف مكاني وسط نظرات الشفقة من زمايلي، روحت على مكتبي ورميت شنطتي وقعدت وأنا بفرك وشي بإيدي بقوة، كنت بجد قرفان من نفسي وقرفان من الحالة اللي وصلتلها
رفعت راسي وبصيت ناحية المكاتب اللي قدامي، شوفت وليد وبقية الشلة اللي كنا سهرانين سوا للفجر، اتصدمت من مناظرهم، وليد كان قاعد لابس قميصه المكوي، حلاقة دقنه مظبوطة، وعينه مركزة في الشاشة بجدية تامة وبيناقش زميله في الشغل بكل تركيز
ومازن اللي ماسك التليفون وبيخلص شغلانة بمهارة وكأنه مسهرش ساعة واحدة برا البيت، كلهم كانوا شغالين، كلهم كانوا ملتزمين بمواعيدهم ومحدش فيهم اتعرض للتهزيق اللي أنا أخدته
في اللحظة دي، الحقيقة ضربتني في وشي، هما اللي جروني لطريقهم وبيوزوني على السهر والشرب، لكن كمان بيعرفوا يفصلوا بين السُكر أكل عيشهم، ضيعوني، بس مش ضايعين زيي و لسه محافظين على شكلهم قدام الناس، وأنا الوحيد اللي خسرت هيبتي وخسرت ديني، ودلوقتي كنت هخسر لقمة عيشي
بصتلهم وحسيت إني كنت كبش فداء لسهري معاهم، هما بيعرفوا يرجعوا لحياتهم الطبيعية بمجرد ما الشمس تطلع، أما أنا .. ف السواد اللي جوا قلبي بقى بيطلع معايا في النور ويفضحني قدام الكل
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية الردى والهدى) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.