رواية عشق شرف أنتقام – الفصل الثاني
_ يـــــــــلــــــهوي!
قالتها والدتها بصدمة وحسرة، وهي تلاطم وجنتيها، حتى اقتربت منه بخطى راكضة وأمسكت لايقة عباءته وهي تهزه بعنف، وصرخت بوجع يتشكل في نبرة صوتها:
_ إنتَ بتقول إيه؟!.. مين دي اللي تتجوز “منصور الهواري”؟
بنتي.. إنتَ عايز تجوز بنتي لـ منصور الهواري يا “راشد”؟
إنتَ اتجننت!!
_ أوعى يا مرا، إيدك دي ولمّي لسانك أحسن، والله اللي بيتهزله سبع سموات أشلهولك من جدوره… فاكرة نفسك إيه عشان تمسكني كده؟
صاح بوجهها بفحيح، وهو يهندم سيابه مرة أخرى، قبل أن يتنهد ويدلف إلى الداخل…
نظف حلقه وجلس فوق مقعده، وهو ينظر لها بحدة وقال بنبرة أمر:
_ روحي هاتيها من المخزن… خلينا نشوف القصة دي!
كانت واقفة قدامه بقهر، عارفة إنها مهما صرخت ومهما حاولت مش هتقدر تنقذها من بين إيديهم!
ناس ظالمة ميعرفوش الحق ولا يعرفوا ربنا.. مالت على الأرض وأخذت المفتاح بضعف… ظهرها انحنى، ودلوقتي بس حسّت قد إيه ضعيفة، مكنتش تعرف إن ربنا هيردّ لها كل وحش عملته في بنتها الوحيدة.
مشيت من قدامه، وكان هو يطالع طيفها بضيق، حتى خرجت كلماته بنبرة مشمئزة:
_ نِسوان تقصف العمر… كاتكوا البلااا!!
• • • •
في المخزن..!
كانت منكمشة على نفسها، بضعف جسمها بيتنفض بين كل ثانية والتانية، لسه جروحها مبطلتش تنزف وعيونها موقفتش دموع… كانت أشبه بالموتى،
وجع جسمها كان بيضاعف بين كل ثانية والتانية،
لكن مهما حاولت توصف إحساسها فمش هييجي حاجة جنب قلبها المكسور من غير سند…
كل اللي تتعشم فيه يخذلها، كل اللي تحبه يدبحها.. كل ما تحاول تعيش يدفنها بالحياة…
“إذًا ما هذه الحياة القاسية يا فتاة، وإذا كُتب عليكِ العذاب فقط، لما جئتِ إذًا!”
كان سؤال يذبحها ببطء، ما زال!
ما زالت تتذكره، وهو يقفز بفرحه يرقص ويلهو مع عروسته المسكينة.. آه لو تعرف هي متجوزة مين؟
آه لو تعرف إنه ندل قادر يرميها في دقيقتين…
باعها!! سابها!! مشي مبقاش موجود…
لسه فاكرة… فاكرة وعوده الكدابة.. لسه صوته بيتردد في ودانها.. لسه!!
Flash back
“أنا مش هسيبك يا بت… ده إنتِ مراتي!!”
قالها وهو يضمها لصدره، لكن برغم ذلك لم تعرف أن ذلك العناق الهادئ والمليء بالأمان يومًا ما!!
لم تعلم أبدًا أن كلماته ليست إلا كذبات عابرة يفعلها مع كل من يلتقطون في عينه من أجل رغبته الحقيرة.
زادت من احتضانها له، وكأنها تتحامى من وحشة الإهمال بين ذراعيه… وقالت بصوت واهن:
_ أنا خايفة أوي يا “محمود”، أهلي لو عرفوا هيموتونا!!
اضجرت ملامحه، ولكنه ارتسمت ابتسامة زائفة خلف قناع ذائب جائع يشتاق امتلاكها فورًا، وقال بحب زائف:
_ متخافيش يا “شرف”، هو إنتِ مش بتثقي فيّ ولا إيه؟!
قال آخر كلماته بحزن مصطنع، وهو يولّيها ظهره وكأنه زعلان من اللي بتقوله، أو عدم إجابتها خلاه يخاف.. كانت نظرته بتتبدل بين المكر والحزن الزائف… تنهدت هي بيأس، فهي تعشقه وتعرفه عز المعرفة، فهو حبيب طفولتها… هو صديقها وأخوها أيضًا… فلا تريد عائلتها، فقط تريده هو، لا تنكر بأنها تريد، فعشقهم ينمو كل يوم عن الآخر…
وأصبح بعدهم مميتًا لكليهما…
أو لنقول لها هي فقط، كان يقف بظهره الفارغ يمثل الحزن، وقطع الصمت قائلًا:
_ مكنتش مفكر أبدًا إنك مش بتثقي فيّ كده!
مكنش العشم يا “شرف”، كنت فاكرك بتحبيني أكتر من كده!!
حاول الإكمال بما يفعل، واندفع بحدة وهو يتناول أغراضه تحت نظراتها الحزينة، وقال:
_ لا بقى أنا لازم أمشي!!
_ استنى يا “محمود”، ما تمشيش!!
قالتها بنبرة خائفة وهي تلحقه، وماسكة ذراعه الأيسر!
ثم عادت تهتف برجاء محب:
_ أرجوك سامحني، إنتَ عارف إني بحبك صح؟
أنا… أنا بس خايفة، فيعني واجب عليك تطمني يا ابن عمي!!
لمعت عيناه بمكر، إذ هي قد عادت إلى رشدها، فكانت نبرتها الحنونة، تلك النبرة المرتجفة المحملة بالمشاعر المضطربة يعرفها، فهي من صلبه!
إذًا هي وافقت على مطلبه!
عاد لها بوجه مبتسم، وقال بغمزة طريفة من عينه:
_ أطمنك بس يا جميل؟
ده أنا أطمنك… وأريحك وأبوسك كمان!!
انقض عليها كالذئب الجائع، بينما هي تلتوي بين ذراعيه بخجل، تخبئ وجهها بطرحتها السوداء بلون عينيها، وتهتف بتقطع ولاهاث:
_ مـ… محـمـود… محمود، يلهوي عليّ!!
أزاح طرحتها من فوق رأسها، حتى انسدلت خصلاتها السوداء حول وجهها بأريحية…
نظر لها بانبهار حقيقي، ولمعت عينه بفتنتها الفتاكة أكثر، ليردف بنبرة منبهرة:
_ سبحان اللي خلقك بالجمال والحلاوة دي كلها!!!!
إيه ده يا بت يا شرف؟ كانت فين الحلاوة دي كلها!!
اضطربت وجنتاها بحمرة الخجل، وتعالت أنفاسها، حاولت أن تخبئ وجهها به، ولكنه سبقها بقبلة حنونة بجانب ثغرها، حتى شردت وتاهت وذهب عقلها إلى الجحيم..
أغمضت عينيها تتلذذ بقبلته المجنونة تلك… أو هذا بنسبة لها، حتى تراخى جسدها أكثر أسفل أنامله…
وهنا فقط جاءت فرصته في امتلاكها… حين غاب وفقد ما تبقى من عقله.. كلما نزع عنها شيئًا كان يثار بجنون ورغبة أكثر…
حتى أسدلت اللحظة ستائرها، وباتت بين أحضانه…
فاقدة لشرفها، حيائها، وكل ما كان يفيض لها!
إذ بذلك العشق المجنون الذي يعمي الناس عن حدود رب العالمين… ليحرفها هو، فما العشق إلا بلاء يصيب قلوب العشاق حتى تتولد الرغبة وتُعمي العين عما حرمه الله، وتلك الظروف ليست إلا بقليل، فآخرون يفعلونها بمزاجهم وهم غافلون عن كل شيء!
Back…
• • • •
دخلت أمها من باب المخزن، تجر خلفها الخزي والألم الذي يعتصر قلبها!
تنهدت بضعف وهي تركض إليها، فوجدتها كالجثة، وجهها شاحب اللون…
وعيناها متورمتان من شدة ما أخذت من ضرب عنيف، تاركًا أثرًا أزرق ممزوجًا بالأحمر الغامق…
جسدها بأكمله يرتجف رجفًا، وشفتيها تلهثان بكلمات غير مسموعة… وكأنه رجاء يأس من أناس معدومي الإحساس والضمير!
أو استغاثة من الخالق بأن يقتلع روحها ويرحمها من عذابها الأبدي ذاك!!
سحبتها بين ذراعيها وهي تستنشق عبقها المنطفئ، دائمًا ما بدأت مثل الزهرة الربيعية بنضارتها وضحكتها الخلابة!
والآن هي منطفئة… ومن السبب بذلك ولدها القاسي وأخوها الذي لم يعرف معنى الإنسانية!؟
ظلت تربت فوق خديها بحنان كي لا تؤلمها ندوبها الزرقاء، وبينما قلبها يعتصر خوفًا، كانت نبضاتها منخفضة!!
نظرت إلى جسمها الذي ينتفض… وعباءتها الزرقاء التي أصبح لونها الأحمر بسبب دمها السائل من أنحاء جسدها، خصوصًا ما بين قدميها…
تحولت نظرة “سميحة” إلى استغراب، بدا على ملامحها، وانحنت بجذعها العلوي تتفحص عباءتها، حتى وجدت كمًا مهولًا من الدماء، طرقت صدرها بكف يدها المرتجفة وهي تصرخ بصدمة:
_ يلهوي سقطت!!!
_ يلهوي… يلهوي… يلهوووووي…. الحقني يا “راشد” يا راشد!!
كانت تصرخ بنداء ميؤوس منه، وقفت من ركضتها وهي تجري إليه وتصرخ بأعلى صوتها:
_ الحقني يا راشد… الحقني… “شرف” سقطت، شرف بتروح مني، الحقها… ونبي يا خويا دي بنتك، أبوسك إيدك!!
كتم فمها بقسوة، وعيناه جحظتا بتحذير مخيف وهو يهدر في وجهها:
_ اسكتي يا ولية… هتفضحينا، متسقط ولا إن شاء الله تموت، الناس هتسمعك!!
اتسعت عيناها بصدمة، بتقوله إنها بتموت، بتقوله إنها سقطت… دي بنته، حتى منه مكنتش تتصور إن صورته أهم عنده من أي حاجة…
مكنش عليها غير الرجاء، وهي تميل على إيده وتبوسها، وتقول من بين دموعها المنهارة على وجنتيها:
_ أبوس إيدك يا خويا… اركن الزعل دلوقتي والحقها، الحقها، أبوس إيدك!!
قلب عينيه بضجر، فلم تترنح مشاعره لحظة، بدا وكأنه جبل ثلج… لا يذوب ولا ينكسر…
تنحنح بضيق وهو يرفع عباءته فوق ذراعيه، تاركًا تلك الباكية خلفه، ذاهبًا إلى “شرف”…
ركضت أمها وراءه، وهي تحاول أن تأخذ أنفاسها، لكن بدون جدوى!!
• • • •
ذهب إليها بخطىّ، بارده ثقيله وكأنها ليست أبنته تمكث أمامه غارقه في دمائها، وكأن قلبه قد فقد رحمته
تنهد بعمق وهو بيميل عليها بيلمس نبضها، كان ضعيف لكن فيها الروح…
أنقلبت عيناه بضيق، وقال بهديرٍ قاسي:
_ الله… ما البت عايشه أهي فزعتني ليه بقا!!؟
_ مين دي االي بخير؟!
قالتها بصدمه وهي، بتخطي إليه وقالت بصوت بيرتجف من كتر الخوف:
_ دي غارقنا في دمها إنتَ مبتشوفش ولا إيـه؟!
_ خلاص يا وليا بقا، عامل زي البومه!
قال بزعيق وضيق، لـ يتنهد ويرمق أبنته بعينان باردتان… نظف حلقه وفز واقفًا من جانبها قائلاً:
_ هبعت” توفيق” يشوفها!!
لطمت وجهها وقالت بفزع:
_ شفيق مين! دكتور الحمير!!!
صاح بندفاع قائلًا بسُباب:
_ أمال عايزه، واحد غريب يدخل ويعرف بفضحتنا يا وليا!!
_إنتَ إيه؟؟؟
صرخت في وشه وهي بتضربه في صدره، بيدان ترتجف
ثم أضافت بحرقه:
_ جبت القسوة دي منين…. جبت الغل ده منين حرام عليك.. دي بينتك حتى منك!
إزاي يهون عليك تعمل فيها كده؟ إزاي يهون عليك تسبها في حالتها دي!!
في لحظه كانت تندفع الي الخلف، آثى صفعةٍ عنيفه دوّى صوتها المكان.. حتى ارتجت الجدران..
شهقت بصدمه وبصتله بعينان لا يكادن يصدقـن ما فعله لتوه… إزاى ضربها!!؟
إزاي هي عارفه أنه بيكرها لكن دي اول مره يمّد إيده عليها!
رغم قسوته وجبرته ولكنها متوقعتش ده منه أبدًا، حتى قطع الصمت صوته القاسـي وهو يصيح بتحذيرٍ صريح:
_ قسمًا عظمًا لو مسكتي، لكون رقعها طلقتين ونخلص منها…. لو سمعت صوتك تاني هندمك علي كل لحظه عشتها معايا يا جربوعه أتـفـوو!!
بصق في وجهها قبل أن تنفلت أعصابه أكثر ويقتلها، ودلف خارج المخزن!
تركًا خلفه قلبًا يموتًا!!
لم تكُف عن هلوستها!!، كانت عينيها تفتح بين الوعى والا وعي…
كانت سامعه كل كلمة بيقولها… لكنها ليست بوقعها حاليًا!!
وقعت الأخرى بجانبها بخزي وهي بتسحبها بين أحضانها، وبتجفّف دموعها اللي مبطلتش تنزل رغم أن عنيها مقفوله!!
باست راسها بحنان وهي بتمسّد علي خصلاتها وندفعت كلماتها بنحيبٍ متألم ورجاءٍ يأس:
_ سامحيني يا حبّت عيني!!
آه لو أقدار أخود وجعك كنت خدته كله، يا عيون أمك!
حقك عليّ يا” شرف”
آه يا رب… يا رب إنتَ اللي سامعني يا رب!!!
صرخت برجاء من الخالق، فلّم يعد أمامها غيره هو فقط القادر علي أنتشال اوجعها المظلمة والمدفونه داخلها!!!
• • • •
وبعد مرور أسبوعًا كاملًا…
يأتي ذلك اليوم الموعود بدفنها بالحياة!..
كانت تجلس أمام مرآتها المشروخة كقلبها المقسوم إلى نصفين تمامًا؛
تبكي عيناها بقهر، وما زالت آثار ضربها على وجهها!!
مبطلتش عياط، ومبطلتش رجاء من ربنا إنه ياخدها…
ولكن في لحظة غُفِل عنها بها الجميع!!
لم تصدح برأسها غير فكرةٌ واحدة!
جحظت عيناها بفكرتها، وخفق قلبها بأمرٍ حاسم:
“فلم يبقَ أمامي إلا هذا الحل!”
• • • •
بعد دقائق معدوده دلف لها ذاك القاسي المدعو بـ”رفعت “
تضجر ملامحه..
وتحمل الكره والقسوة، دلف الي غرفتها واخذ يبحث عنها بارجاء الغرفه… هنا وهناك ولكن لا فائده فكان ندأه وبحثه بلا فائده
وفي لحظه أندفع خارج قوضتها وهو بيصدح بغضب يملأ نبرتُه الصدمه:
_ الحقني يابا…. شرف هربت!!!
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية عشق شرف أنتقام) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.