رواية ملك بلا مملكة – الفصل الثالث
ركض يامان نحو الشمال والنجوم تقوده كما لو أنها خيوط مشدودة في صدر السماء، كان يعرف الطريق لا من الخرائط بل من البرودة، فكلما اشتد الهواء وتجمدت أطرافه فهم أنه يقترب من التلال المتجمدة التي تفصل عالم العشائر عن أرض الانعزال.
الأرض تغيرت تدريجيا، اختفت الأشجار الكثيفة وحل مكانها صخر رمادي ممتد، تكسوه طبقات رقيقة من الجليد، الرياح هناك لا تعوي بل تصفر، كأنها تمر عبر شقوق قديمة في العالم نفسه، وكان يامان يتحرك بخطوات ثابتة، لا يسرع بلا داع ولا يبطئ خوفا، جسده يعرف كيف يوفر الحرارة، وكيف يوزع النفس حتى لا يخونه.
عبر مرتفعا بعد آخر، وفي منتصف الطريق لمح شيئا لم يتوقعه، خيط دخان رفيع يصعد من جهة جبل مهجور، جبل عارٍ من الشجر، أسود القمة، لا يسكنه أحد بحسب القصص القديمة، توقف لحظة، رفع رأسه، شم الهواء، كان الدخان حقيقيا لا وهما، يحمل رائحة احتراق عميق لا يشبه نار صياد عابر.
ظل يراقبه لثوان طويلة، ثم أدار وجهه وأكمل سيره
لم يكن الجبل في طريقه، ولم يكن يبحث عن إجابات جانبية الآن، هناك أشياء يجب أن تُترك لوقتها، وأخرى إن اقتربت منها مبكرا ابتلعتك، ويامان لم يأتِ إلى الشمال ليطارد ظلالا.
كلما اقترب من غابة الانكا أصبح الصمت أثقل، حتى الريح بدت وكأنها تتراجع عند خط معين، وكأن هناك حدودا غير مرئية تفصل أرضا عن أخرى، لاحظ أن الثلج تحت قدميه لم يعد عاديا، بل متماسك بصلابة غريبة، وأن آثار خطواته لا تدوم طويلا، كأن الأرض تمحو الغرباء،ثم بدأت الأشجار تظهر من بعيد.
لم تكن أشجارا عادية، جذوعها عالية داكنة، وأغصانها متشابكة كأنها أذرع نساء واقفات في دائرة حماية، الغابة لم تفتح فمها لاستقباله، بل وقفت ككيان واحد يراقب القادمين
توقف يامان عند الحد الفاصل، هناك حيث ينتهي الحجر المتجمد وتبدأ التربة الداكنة، خفض رأسه قليلا لا خضوعا بل اعترافا، هذه ليست أرض عشيرة، وليست أرض ملوك، هذه أرض اختارتها نساء محاربات رفضن الانحناء، نساء تخلين عن الدفء السهل واخترن العيش على حافة العالم.
اعتقد إن تولين تقودهن بعقل لا يرحم وقلب لا يتردد، وإن جماعتها لا تؤمن بالعروش ولا بالتحالفات القديمة، بل تؤمن بالقوة المصقولة بالانضباط، وبأن الذئب لا يولد سيدا بل يصير كذلك،خطا يامان خطوة داخل حدود الغابة،فورا تغير كل شيء.
الهواء صار أدفأ رغم البرد، العيون وإن لم يرها أحاطت به، والظل تحرك في أطراف بصره، لم تكن حركة عشوائية، بل تموضع حراسة، يعرف هذا الإيقاع، يعرف كيف تتحرك المحاربات حين لا يردن أن يُرَين.
لم يمد يده لسلاح، ولم يعلن اسمه، وقف فقط، منتظرا، لأن من يدخل أرض تولين دون دعوة لا يقطع مترا إضافيا قبل أن يُسمح له.
ومن بين عمق الأشجار، في مكان لا تحدده العين بل تحدده الغريزة، شعر بأنفاس تعرفه، أنفاس ليست عدوا ولا صديقة، بل ماضٍ لم يُحسم.
رفع بصره إلى الظلال وقال بصوت ثابت، وصلت يا تولين
ولم يجب أحد، لم تتواصل معه تولين
لم تمر لحظات على وقوفه داخل حدود الغابة حتى تبدلت الرطوبة في الهواء، وصار للصمت وزن يمكن لمسه، ومن بين الجذوع الداكنة انزلقت ظلال رشيقة، لم تكن خطواتهن تُسمع بل كانت تُحس، نساء يتحركن بانضباط عسكري لا تشوبه فوضى.
لم تمتد يد إلى سيف، ولم يُطلق عواء إنذار، بل انطلق سهم صغير من جهة لا تُرى، لا يحمل نصلًا بل حفنة مسحوق أخضر، ارتطم قرب وجه يامان وتفتت في الهواء، تسلل العشب المسحوق إلى أنفه قبل أن يلتفت، عرف الرائحة.
عشب إغماد الحواس، نادر، لا يُستخدم إلا في الأسر، يبطئ العضلات ويثقل الدم دون أن يطفئ الوعي تمامًا.
كان يستطيع أن يقاوم لثوان، أن يقفز، أن يتحول، أن يختبر حظهن، لكنه لم يفعل، ترك جسده يلين قليلًا، ركبتاه لامستا الأرض ببطء، لم يكن سقوطًا بل اختيارًا، ورفعت عيناه آخر مرة نحو الأشجار قبل أن تُحاط به الدوائر الضيقة.
ثبتت القيود حول معصميه، قيود من جلد قاسٍ مخلوط بشيء معدني بارد، لم تكن لإهانة بل لضبط كائن غير معروف القوة، وسُحب بين صفين من المحاربات عبر ممر لا يُرى إلا لمن يُقاد إليه.
الغابة في عمقها لم تكن كما تخيلها، لم تكن فوضى أشجار، بل مدينة مخفية بين الجذوع، منصات خشبية مرتفعة، حبال تمتد من شجرة إلى أخرى، نار مشتعلة داخل تجاويف لا يطفئها المطر، وكل شيء يتحرك في إيقاع محسوب.
أُلقي به داخل قفص من قضبان سوداء سميكة، ليس ضيقًا بما يكفي للإذلال ولا واسعًا بما يكفي للحركة، وُضع القفص في ساحة دائرية تتوسط الغابة، الأرض هناك مضغوطة وكأن أقدامًا كثيرة وقفت فيها لسنوات،ثم ارتفعت الطبول
لم تكن طبولا صاخبة، بل عميقة، بطيئة، تضرب بإيقاع يشبه نبضًا جماعيًا، ومع كل ضربة كانت المشاعل تُرفع أعلى، فتشتعل الوجوه حوله بلهب برتقالي يكشف القوة لا الزينة، وجوه نساء لا يعرفن التردد، عيون ثابتة، أكتاف مستقيمة، ندوب لا يوارينها.
في منتصف الدائرة، على منصة من خشب داكن، جلست زعيمة العشيرة،
لم تكن كبيرة في السن كما قد يتخيل غريب، بل شابة، شعرها طويل مربوط بعقد محكمة، في عينيها زرقة باردة لا تتزحزح، جسدها يحمل أثر التدريب لا المظهر، وسكونها كان أخطر من صراخ ألف محارب.
وقفت حين وُضع القفص أمامها، لم تصعد إلى مستوى أعلى، لم تحتج إلى عرش، مجرد وقوفها جعل الحلقة كلها تضيق،
ضربت الطبول ثلاث مرات متتابعة، فسكتت الأصوات فورًا،
اقتربت خطوة، عينان بعينين، لم تنظر إليه كغريب فقط، بل كمخالفة، كاختراق لنظام لم يُكسر من قبل، لأنه الرجل الأول الذي يعبر حدود غابتهم حيًا.
لم يصرخ أحد، لم يُشهر سيف، لم تُعلن إهانة، بل ساد ذلك الجو الثقيل الذي يسبق الكلمة الأخيرة
النار اشتعلت أعلى، المطر في الخارج توقف عند حدود الساحة، والقبضات المتوترة حول الرماح لم ترتعش،
وقف يامان داخل القفص، ظهره مستقيم رغم القيود، ونظر إليها بثبات لا تحدٍ فيه ولا اعتذار.
وفي تلك اللحظة، قبل أن تُنطق أي كلمة، كان واضحًا أن هذه الليلة لن تكون مجرد محاكمة غريب، بل مواجهة بين تاريخين، بين غابة لم تسمح لرجل أن يحكمها، وذئب اختار أن يدخلها دون سيف.
المشاعل تترنّح مع نَفَس الريح القادمة من فم الجبل، والطبول تُدق بإيقاع بطيء يشبه نبضًا متحفظًا لا يريد أن يفلت من صدر الغابة.
كان القفص الحديدي قائمًا في قلب المجلس، ويامان داخله واقف، ساكنًا كجذع شجرة أصابه المطر ولم يُحنِه.
الزعيمة الشابة جلست على عرش منحوت من خشب أسود، خلفها رموز القبيلة محفورة كأنها تاريخ محفور في العظم، عيناها ثابتتان لا تفضحان ميلًا ولا رفضًا. حولها دائرة المحاربات، سيوفهن مغروسة في الأرض، وأرديتهن الجلدية تلتصق بأكتافهن من أثر المطر الصقيع،أول صوت خرج كان حادًا كحدّ النصل.
محاربة عريضة الكتفين تقدمت خطوة، وقالت إن الأرض لفظته قبل أن يعترف بذنبه،أشارت نحو الجبل البعيد، حيث فم الحمم يضيء السماء بلونٍ أحمر خافت، وقالت إن النار أعدل من البشر، تحرق ولا تجادل، وإن مصيره يجب أن يُلقى إلى الحمم البركانية ليعود رمادًا كما يعود كل غازٍ،لم يكن في نبرتها غضب، بل يقين قديم، كأنها تنفّذ قانونًا مكتوبًا قبل أن تُولد.
صوت آخر ارتفع، أكثر هدوءًا لكنه أشد قسوة،محاربة نحيلة ذات ضفائر طويلة اقترحت الشنق بين شجرتي السدر العتيقتين عند مدخل الغابة، ليبقى جسده معلّقًا علامة لا تُخطئها عين.
قالت إن الموت السريع رحمة لا يستحقها، وإن الاختناق البطيء يُذكّره بكل نَفَس أخذه من أرض ليست له،
ثم انحنت ثالثة، أصابعها تمسّ مقبض رمحها كما لو كانت تمسّ فكرة،اقترحت تقطيعه أربعة أجزاء، يُدفن كل جزء في جهة من جهات الغابة الأربع، ليصير جسده حارسًا صامتًا للحدود التي انتهكها،كان اقتراحها يُغذّي الطبول إيقاعًا أعلى، كأن الخشب تجاوب مع قسوة الفكرة.
لكن الهمس الذي تسرّب من الخلف لم يكن من حديد، بل من طين ورغبة في البقاء
محاربة أكبر سنًا، وشعرها الأبيض مربوط بخيط أحمر، رفعت يدها ببطء،قالت إن الغابة لا تنقصها الجثث، بل تنقصها الدماء الجديدة، أكدت أن النساء هنا ورثن الشجاعة، لكنهن ورثن أيضًا العزلة،وهذا أول رجل يعبر الحدود حيًّا، نظرت نحو القفص، لا بشهوة ولا برأفة، بل بحساب،قالت إن استخدامه لإعادة النسل ليس ضعفًا، بل استثمار في بقاء القبيلة،
ساد صمت قصير، ثقيل. حتى المطر بدا كأنه يخفّ وقعُه ليستمع.
تبادلت المحاربات نظرات متوترة، بعضهن قبِلن الفكرة كحاجة قاسية تفرضها الطبيعة، وأخريات شددن قبضاتهن على السيوف كأن الاقتراح إهانة مستترة لكبرياء السلالة التي لم تحتج يومًا إلى رجل كي تحكم أرضها.
ويامان داخل القفص لم يتحرك لم يدفع القضبان، لم يحتج، لم يرفع صوته. كان واقفًا فقط، عيناه تتجولان في دائرة الوجوه،لم يبدُ عليه خوف من الحمم، ولا اكتراث بحبل، ولا نفور من فكرة تحويله إلى أداة، كأنه يعرف أن المجلس، رغم صخبه، لم يصل بعد إلى جوهر المسألة،الطبول هدأت تدريجيًا
المشاعل تصاعد منها دخان أزرق، واختلط في الهواء برائحة المطر والرماد،والزعيمة ما زالت صامتة،لم تصدر حكمًا
لكن في عينيها كان شيء يتشكل… ليس رحمة، ولا قسوة
بل قرار ينتظر لحظة مناسبة كي يولد.
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية ملك بلا مملكة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.