رواية سيد الكبرياء الفصل السادس والثلاثون 36 – بقلم ميفو سلطان

رواية سيد الكبرياء الفصل السادس والثلاثون 36 – بقلم ميفو سلطان

كانت فلك تقف في ركنها البعيد والأسى يغلف ملامحها ….. فزوجها لم يعرض أيا من رسوماتها بجوار رسوماته كما كانت تأمل ….. كانت تعلم يقينا أن تكوينه النفسي يتهاون بأي شيء إلا اسمه وقدره ….. أحنت رأسها بمرارة وانكسار وهمست لنفسها بصوت ميت ….. هو خلقته كده يا فلك استحالة دا في الدم ابعدي عنه هو هيفضل كبره معاه مش هيسيبه.

كانت الأفكار السوداء تنهش بروحها نهشا وتغرس في قلبها خناجر اليأس

وبينما هي غارقة في وجعها سمعت صوت زوجها وهو يقف على المسرح وسط هالة من الأضواء الساطعة التي تخطف الأبصار …..

نظرت إليه بحزن دفين لتسمعه يقول كلمات جعلت دماءها تضخ بعنف داخل عروقها وكأنها صدمة كهربائية أحيت قلبها المذبوح….

كلكو عارفين صهيب الشامي واسم صهيب الشامي براند لامع علي مستوي مصر والوطن العربي وأوروبا ….. براند حط اسمه بين وحوش البراندات من سن صغير صهيب الشامي بيتحاكو لاسمه طول عمري بفخر باسمي وماتحملش حد يفوق عليا دايما اصمم وابقي سوبر وابقي الاول دايما كان صهيب لوحده مكتفي بنفسه أنا اللي كان راسه عاليه بالسما طاووس الكون الأوحد واسمه والباقي وراه.

توقف للحظة والكل في القاعة يحبس أنفاسه تحت تأثير كبريائه الطاغي ليمهد للمفاجأة التي زلزلت كيان فلك وأعادت رسم خارطة مشاعرها من جديد.

إتسعت ابتسامته ولانت ملامحه…. بس دلوقتي البراند مش بالاسم البراند بالاحساس. احساس انك مش كامل احساس انك ناقص نص يكملك. احساس ادم لما نزل الارض وهام لوحده احساس ضياع الونس ضلع آدم إللي بيلمع ويدفي قلبو ويحاوط عليه.. وعشان آدم يكمل لازمله حوا آدم كان محتاج حوا مش بس عشان تعمر الأرض ….. لا ….. كان محتاجها عشان تسكن روحه وتطفي نار وحدته ….. آدم من غير حوا جسم من غير روح وكلمة بلا معنى وعمر ضايع ….. حوا هي اللي خلت لآدم وجود وهي اللي بتديله القوة عشان يواجه الدنيا وهي الستر اللي بيغطيه من برد الأيام …..

ودلوقتي وبعلو صوتي وبقلبي وعقلي ….. وبقولها بفخر وأنا بتشرف بصدور براند جديد دخل شركة الشامي ….. براند صمم بعناية ورقي. الشامي ماعتش فيه براند لوحده لا دلوقتي بقه فيه سوبر براند.

استدار صهيب ونزل من فوق المنصة بخطوات يملؤها الخضوع والانوار تلاحقه أينما ذهب وهو يتكلم بصوت يرتجف بالعشق ….. براند لازم أنزله وانحني قدامه براند بطلب إنه يقف جنبي بروحه لأن الشامي ناقصه روح.

مد يده ببطء وأخذ يد فلك المذهولة التي تجمدت الدماء في عروقها من فرط المفاجأة ….. براند باسم فلك الجيار أول إصدار ليه في الشامي جروب.

أمسك يدها بقوة وكأنما يستمد منها الحياة ثم لثمها بشفتيه وهو يغمرها بنظراته العاشقه. وصعد بها إلى المنصة أمام عيون العالم وهتف بكل قوته …..

رحبوا معايا بأول براند يقف ويتحط جنب اسم الشامي.

في تلك اللحظة تعالت الصيحات ودوى التصفيق في أرجاء القاعة وهي تقف ترتجف بين يديه والأنوار تسلط عليها بقوة كأنها نجمة هبطت من السماء ….. كانت تقف دامعة العينين تنظر إليه بذهول ….. فصهيب الذي لم يكن يرى أحدا بجواره صار الآن يرجو أن تقف هي بجانبه لتعيد لروحه الحياة التي سلبها منها بغروره.وقفت وقلبها يدق وهو سعيد يشعر بالانتشاء والفخر يبدو عليه..

وفجأة بدأت الموسيقى تعلو وتعلو بشكل هستيري وهيا قلبها يدق لتستدير للعرض فإذا بالقاعة تظلم ثم تنار فجأة علامة تجارية باسم فلك الجيار وتنزل قصقصات من العلامات عليها ودموعها تنزل ثم ينير المكان وتبدأ العارضات بالدخول مسرعين وهيا تقف في المنتصف والموسيقى مبهجة والعارضات على أعلى مستوى لينتهي العرض وتقف هيا دامعة والعارضات يحتضنوها ليصعد مرة أخرى ويقبل يدها….

مبروك يا قلبي.

همست بحب والدموع تغلبها ….. أنت عملت ده ليه ….. أنت صهيب الشامي ماينفعش حد يبقى جنب اسمك …..

وضع يده علي شفتيها…. أنت اسمي وحياتي برميه تحت رجلك.

همت أن تنزل فمسك يدها بقوة وهتف بنبرة عاشقة ….. لسه يا قلبي ….. لسه حبيبك اللي حس وبقي آدم ونفسه يبقى ليكي آدم.

استدار وهتف والكل يترقب بشغف ….. آخر مفاجأة معانا وهيا…..

استدار وأشار إلى الشاشة لتنشل فلك مكانها ….. فلوجو الشركة كان يتلاشى بطريقة درامية واسم صهيب يتكسر ويتداعى وهيا تقف تحس أن قلبها سيقفز من مكانه.

كان اللوجو عبارة عن رأس أسد باللون الأسود والذهبي وتحته اسم صهيب الشامي ….. إنكسرت الشاشه تماما ثم أظلمت والكل لا يفهم.. لتسطع مره واحده ما جعل الكل يشهق …..

فهناك علامه تجاريه برزت للنور في تلك اللحظه.. تحول اللوجو تماما الذي أصبح عبارة عن رأس الأسد وحوله دائرة من النجوم اللامعة وفي الوسط علامة الأسد يقف زئرا محاطا بدائرة النجوم واسم فلك وصهيب محفوران جنبا إلى جنب تحت اللوجو الجديد ….. ليعلن للعالم أن الأسد لم يعد وحيدا بل صار محاطا بنجوم الفلك التي تنير عتمته وتشاركه العرش.كان الأسد في اللوجو الجديد لا يبدو مفترسا بل كان يبدو وكأنه يستمد هيبته من النجوم التي تحوطه.. وكأن فلك هي المجرة التي تمنح الأسد مكانه في الكون.

نظرت إليه مشلولة من فرط الصدمة فهتف صهيب والزهو يملأ وجهه كأنه ملك متوج ….. والوقتي بنحتفل باللوجو الجديد لشركة الشامي ….. لوجو براند اتحاد براند الشامي وفلك الجيار ….. اسم اعتز إني أقدمه فخر ليا إن يكون اسمي مرتبط باسم فلك الجيار.

اقترب منها أمام مئات الكاميرات وقبل يدها بخشوع وهتف بصدق ….. شرفتيني باسمك يا روح صهيب.

هنا بدأ الكل بالصراخ والتحية وهي تبكي وهو يحتضنها بحب وبدأ الصراخ والكل سعيد وهي مشلولة دموعها تنزل لا تصدق ما يحدث ….. أهذا صهيب الشامي الذي تنازل عن هيلمانه واسمه ومكانته من أجلها ….. كان غروره في اسمه وقدره يمنعه دائما من أن يقرن نفسه بأحد ….. كان من المستحيل أن يضع اسما بجوار اسمه ….. نظرت إليه دامعة وقد تأثرت كثيرا بفعله وكيف رمى كبرياءه جانبا مقابل أن يعلو اسمها في السماء.

لم تستطع فلك أن تمنع نفسها فهذا حلمها الذي صار حقيقة وأكثر ….. اندفعت واحتضنته بقوة فما كان منه إلا أن حملها وظل يدور بها والكل يصرخ والأضواء تدور من حولهم في مشهد أسطوري كأن العالم توقف عند تلك اللحظة ….. ابتعد عنها قليلا وهو لا يزال يمسك بخصرها ونظر إليهم جميعاً وهتف بلهجة حاسمة ….. دلوقتي فيه حاجة أخيرة.

أضاءت الشاشة العملاقة خلفهم فتعالت الهمسات والكل ينظر بذهول ماهذا التحول وكم المفاجآت …. فالشاشة تعرض إعلانا جديدا وصوت صهيب يأتي مسجلا من الشاشة يرج أرجاء القاعة ….. وقف الكل يراقب الشاشة ليظهر كرسي صهيب الشامي الفخم وصدح الصوت بصدى يتغلغل في الروح…..

تعلن شركة الشامي جروب ….. ويتشرف بعد الاندماج مع أجمل مصممة دخلت جروب الشامي ….. أن تتقلد فلك الجيار رئاسة مجلس إدارة الشامي جروب.

شهقت هيا بعنف وأحست أنه سيغمي عليها ….. بدأت ترتجف عندما سحب يدها وابتعد هو عن الأضواء تماما ووقف بعيدا ينظر إليها بعشق والكل مذهول ….

كان صهيب يعشق أن يقف فوق خشبة المسرح والأضواء التي طالما عشقها وسعى لتسليطها على نفسه وحده بدت له في تلك اللحظة باهتة أمام النور المنبعث من فلك.

كان يتأملها بعينين لم يعد فيهما أثر لذاك الكبرياء الزائف كأنه يراها لأول مرة على حقيقتها. كان يراقب وقفتها شموخها الممزوج بالخجل وارتجافة يديها التي كانت تداريها بقوة روحها.

لم يعد يرى فيها مجرد زوجة أو مصممة تعمل في ظله بل رآها الكيان الذي كان يمده بالحياة دون أن يدري.

كان ينظر إليها وكأنه ينظر إلى قطعة فنية نادرة كان سيطمس معالمها ليبقى هو الأوحد فإذا بها تشرق وتخطف الأبصار منه. تلمس في ملامحها حواء التي أتمت نقصه

في كل مرة كانت الأضواء تتقاطع فوق وجهها كان قلبه يرتجف يشعر بانتشاء غريب ليس انتشاء النجاح بل انتشاء الفخر بها. كان يود لو يصرخ في وجه كل الحضور… هذه هي ملكتي.. هذه هي الروح التي لولاها لظل صهيب الشامي جسدا خاويا من الإحساس.

كان يتأملها وهو يبتعد عن المركز ليترك لها الساحة وشعر لأول مرة بلذة التنازل. لذه التواضع واللين الذي لم يعرفه يوما.

كان ينظر إلى فلك الجيار وهي تعلو وتكبر ويشعر بداخله أن علو اسمها هو الشرف الوحيد الذي يستحق أن يحمله الآن. كانت بالنسبة له في تلك اللحظة هي المنارة..

هنا بدأت الصيحات والتهانيء والأضواء تعلو وتعلو وهيا غير مصدقة ترتعش بشدة وتشعر بالخوف فهذا كثير عليها …..

كانت تقف بمفردها مع جمع من الناس وسط هالة من الأضواء دارت بعيونها تبحث عنه فوجدته يقف بعيدا في آخر القاعة في ركن مظلم وحيد دموعه تنزل بشدة وينظر إليها بعشق.

أحست أنها ستموت فهو يقف وليس معه أحد وحيد كل العيون عليها ونظراته سعيدة بها ….. أحست بوجع فهذا ليس صهيب هذا شخص رمى كل شيء من أجلها لم تصدق هيا عالية وسط الأضواء وهو يقف منزويا وراء أحد الأعمدة حتى لا يلفت انتباه أحد عنها …..

لم تحتمل ذلك المنظر نظرت إليه وتاهت الدنيا فابتسم لها ودموعه تتساقط سكت العالم من حولهم وهمس من بعيد بتحريك شفتيه….

مكانك يا قلبي ….. مكانك عندي بالدنيا.نظر إليها بعينين غارقتين في الدموع وهتف بنبرة مكسورة ….. أنا أنت وأنت الأول ….. أنت اللي هتخلي قلبي يضخ وعايش أنت اللي أتمنى أرمي روحي تحت رجلها ….. مكان إيه واسم إيه ….. مكاني هو قلبك واسمي هو حبك ….. راضي أنزوي راضي ينهال على اسمي التراب بس حبيبي يحس إن صهيب ولا حاجة ….. المهم حبيبه المهم والله حبيبه ….. أنا ولا حاجة والله ولا حاجة.

أحنى رأسه بكسرة واستدار ليتوارى في أظلم مكان في القاعة لتحس فلك بأن أنفاسها تزهق فهي لا ترضى أبدا لحبيبها ذلك الهوان …..

لم تستطع الصمود أكثر فتركت منصة التتويج والأضواء والناس واندفعت نحوه تجري بجنون وقلبها يسبق خطواتها ….. اخترقت الزحام حتى وصلت إلى ركنه المظلم وارتمت في صدره وهي تبكي بحرقة وهمست من بين شهقاتها….

أنت إزاي تعمل كده ….. ده مكانك أنت مش كده ….. أنت إزاي هان عليك اسمك وتاريخك ….. أنت عملت كده ليه يا صهيب.

احتضنها بقوة وكأنه يخبئها داخل ضلوعه وهمس في أذنها بنبرة مكسورة غسلت كل أوجاع الماضي…

عشان كنت واهم يا فلك ….. عشان عرفت إن مكاني الحقيقي مش فوق المسرح ولا تحت الأضواء ….. مكاني هو في رضاكي عني ….. الاسم والشركة والمكانة كلهم تراب لو مكنتيش إنتِ متهنية بيهم ….. أنا النهاردة بقيت صهيب بجد يا فلك ….. بقيت آدم اللي اتخلق عشانك.

لم تحتمل فشدته من يده وهو مذهول وصعدت به مرة أخرى إلى المسرح ودموعه تتساقط وهتفت بقوة أمام الجميع….

ده مكانك واستحالة أي حد مهما كان ياخد مكان صهيب الشامي ….. صهيب هيفضل طول عمره في النور طول عمره.

نظرت إليه نظرة أخيرة وابتعدت مسرعة وخرجت هاربة من المكان لأنها لو بقيت لحظة واحدة ستنهار وترتمي في أحضانه …..

تفاجأ صهيب بما فعلت فترك كل شيء ونزل وراءها كالمجنون وقلبه يكاد يخرج من ضلوعها ….. كان يبحث عنها في كل اتجاه فوجدها تستقل سيارة أجرة وتختفي عن أنظاره ….. ركب سيارته وانطلق بسرعة جنونية إلى البيت فلم يجدها ….. دار في أرجاء القصر كالممسوس يصرخ بصوت مبحوح…..

راحت فين ….. راحت فين ….. سابتني سابتني ليه سابتني ….. أنا عارف أنا حاسس إنها سابتني خلاص كده سابتني ….. طب ليه أعمل إيه والله بقيت كويس والله بقيت إنسان والله.

اندفع للأعلى نحو غرفته ودولابه وبدأ يمزق بدله الفاخرة بجنون وهو يهتف ….. أهوه بقطعهم بإيدي اللي لمتهم سنين وماخليتش حد يلمسهم وكنت بلبس وأنا جوايا عفن …..

أمسك ساعاته الثمينة وبدأ يكسر فيها وجميع إكسسواراته قضي عليها تماما وهو يصرخ ….. مش عايز مش عايزهم خلاص هلبس أي حاجة وهعيش بأي حاجة ….. رحتِ فين تعالي شوفيني والله بقيت بحس ….. فاكرة لما قلتِ لي ما تنفعش تبقى آدم ….. والله بحس والله بحس حبيبي سابني طب أعيش إزاي يا عمري.

اندفع نحو دولابها وأخذ قميصا من ملابسها يعتصره بين يديه ويستنشق عطرها بذهول ….. لا لا مش هتسيبيني والله لا …..

انهار أرضا يبكي على ضياع حبيبته وجلس والدموع تبلل وجهه لا يعلم ماذا يفعل بعد أن فقد بوصلة حياته.

محطما تماما وسط حطام كبريائه وممتلكاته التي دمرها بيديه.

أما هيا فكانت تنتحب لتلات ساعات متواصله بداخل التاكسي. ظل سائق التاكسي يراقبها في مرآته وهي تنهار من البكاء وصوت رنات هاتفها التي لا تهدأ كأنها صرخات استغاثة بعيدة…

كانت تنظر للرسائل…. حبيبي ماتسبنيش والله بقيت بحس بقيت والله هينفع والله هينفع.. كانت رسايل تتواصلي تخلع القلب وهيا تشهق…

حتى توقف الرجل الوقور ونظر إليها بعين الخبير في الدنيا وهتف….

يا بنتي الدنيا مابتتحلش بالهرب.. اللي كان بيجري وراكي ده حبيبك.

أحنت فلك رأسها بوجع فسألها… بتحبيه؟

فهزت رأسها بقهر أكد له كل شيء فتنهد الرجل وقال بحكمة السنين….

بصي حبيبتي أنا راجل كبير والدنيا هرستني الذنب أي ذنب بيتغفر إلا الكفر بالله. ربنا حلف بالكاظمين الغيظ والعافين عن الناس دول ليهم مكانة.. إنتِ قلبك قدامي أهو محروق، ربك يسامح سامحي مش هتعرفي تعيشي.. الهرب مش حل مش هيسعدك، أنا بقالي تلات ساعات بلف بيكي وإنتِ مقهورة وبتعيطي.. لو كان الوجع مش كبير والبعد صعب كنتِ سكنتِ من شوية.. الزمن بينسي إنما اللي شايفه إنك عمرك ماهتنسي.

هتفت فلك من وسط شهقاتها….

وجعني قوي يا عم الحاج بس بعده مموتني والنهاردة حسيت أد إيه بيحبني بس هموت مش قادرة.. لا قادرة أبعد ولا قادرة أكون ليه.. دا جوزي يا عم الحاج ولو هبعد لقيت نفسي حامل منه وهو مايعرفش.. مكلبشني من رقبتي.

رد الرجل بصوت هادئ….

طب ماتديه فرصة جايز اتغير وإنت بتقولي أهو عمل حاجة حسستك إنه بيحبك.. طب وعيلك ده مش حرام ينفع من غير أبوه وسنده هتقدري تعيشي بطولك؟ الدنيا صعبة فيها كلاب سعرانة ينهشو اللي زيك. إنتِ شكلك طيبة.. ارجعي حبيبتي وطالما غلط وندمان ربنا بيسامح يبقى العبد مش هيسامح آخرنا تربة هنندفن قريب بعيد نعيش ليه حياتنا موجوعين؟

قالت بحرقة… هانني ووجعني وخان ثقتي يا حاج.

فأجابها بيقين… وراجع ندمان صح طب حاسة إنه ندمان؟

أحنت فلك رأسها فما فعله صهيب اليوم غير كل ما بداخلها كانت تريد أن ترتمي في أحضانه وتكلبش فيه ولا تتركه.

فابتسم الرجل وقال….

أهوه سكتي يبقى الحبيب في القلب.. أنا ممكن أخدك مكان محدش يعرفك وتعيشي لو حابة.. تخيلي دنيتك لوحدك بعيل جايز معاكي فلوس بس قفلة الدار على النفس لوحدها تمرض مهما كان مين جنبك.. السند يا حبيبتي ربنا خلق آدم لحوا. ممكن يكون آدم ساعات مش وليف عن حق بس ساعة خلعة القلب بيعرف إن الله حق ويحس إن ضلوعه بتمزعه ماهو ضلع حوا بعيد..

والراجل غلبان من غير الست يبان جبروت بس اقفلي عليه لوحده يبقى زي العيل.. الراجل عايز طبطبة وحنية وتاخديه على قد عقله ولو حكم تدادي هيبقي خاتم في صباعك. إحنا مالناش في اللوع يا بنتي إحنا ساهلين وأه ممكن ننطح بس لما بنفهم ونغرق بنعترف.. لو قلوبنا متعبية حب هتدوس على أي حاجة لأجل توصل لقلب الحبيب.

ظلت فلك ساهمة فتابع السائق… بقالك تلات ساعات سيباه يمين الله أقدر أقولك إنه مموت نفسه شوفي رن عليكي كام مرة شوفي رسايل كل ثانية زي المخبول.. هتروحي تلاقيه فارش الأرض وبينوح زي الحريم.

ابتسمت فلك بمرارة… مين جوزي دا جبروت مهما كان عنده عزة نفس مابقدرش يوريك جواه.

ضحك الرجل بصدق…. الجبروت له وقت وبيقلب عيل صغير عايز ونيسه.. وأنا بقولك أهوه زمانه عامل زي العيل الصغير ومستني .. ها… هتديني العنوان والا أخدك أشوفلك مطرح تربي عيلك؟

احنت راسها كانت فلك تجلس في التاكسي وكأنها تجلس فوق جمر وعقلها ساحة معركة لا تهدأ طبولها.

كان الصراع الأول ينهش كرامتها تلك الكرامة التي سحقها صهيب بكبريائه الطاغي. كانت تشعر بغصة في حلقها كلما تذكرت وجعها منه.

لكن الصراع الثاني كان أشرس وهو صراع حواء التي رأت آدمها ينهار لأول مرة. الذي ألقى باسمه وتاريخه تحت قدميها أمام العالم أجمع.

وزاد الصراع اشتعالا ذلك السر الذي تحمله في أحشائها جنين بريء يربط مصيرها بمصير هذا الرجل بسلاسل من حديد. كانت تضع يدها على بطنها وتشعر الذعر.. هل أظلم هذا الطفل وأحرمه من أب قرر أخيرا أن يكون إنسانا.

كانت تشعر بأنها مشتتة بين فلك التي استردت اعتبارها وبين فلك الأنثى التي تشتاق لحضن الرجل الذي تحبه رغم كل شيء.

همست لنفسها والدموع لا تتوقف… الوجع كبير يا صهيب بس البعد عنك موت بطيء.. أنا مش قادرة أسامحك بس مش قادرة أشوفك بتموت بعيد عني.

كانت معركة بين عقل يرفض الإهانة وقلب يرفض الفقد… إلا أن قلبها ساد بعشقه وتغلب علي عقلها و ابتسمت و احنت راسها.

ابتسم الرجل كان يعلم الرجل ان المراه ليس لها الا بيتها فالمراه بطبعها لا تسعي الي خراب البيت مطلقا حتي لو ارادت. المراه حتي لو تعاني الامرين بداخلها خوف من الفقد والوحده .انها طبع الانثي وهو السكن والونس لا اشرد ولا تجنح. طبع حواء الونس لادمها مهما فعل ادم وبقي في قلب حوا دقه له ستواصل وجودها له وستواصل حياتها وستخطي اي شيء فقط من اجل ان لا تفقد وليفها ولا عشها.

ليعود بها التاكسي حيث السكن الحقيقي. دخلت الفيلا فاستقبلها صمت رهيب يدعو للرهبة صعدت للأعلى فسمعت أنات تخرج من الحجرة.. فتحتها بهدوء وتفاجأت بمنظر عجيب زوجها يجلس على الأرض مفترشا صورهما يحتضنها ويغمض عينيه وينتفض كأنه يبكي منذ دهر.

أهذا جبروت الشامي أين ذهب من كان يخلع قلوب الآخرين ولا يرف له جفن من هذا المتهالك الذي يهذي…. سمعته يأن…

بقيت بحس.. بقيت بحس..

كان صهيب يجلس في منتصف الغرفة محطما كان يمسك بكل صورة لـ فلك يمرر أنامله المرتجفة على وجهها ثم يضم الصورة إلى صدره بقوة تكاد تكسر ضلوع ويجهش ببكاء مر يخرج من أعماق روحه.

كان يمسك صورة لها وهي تبتسم فينفجر بالبكاء لأن تلك الابتسامة لم تعد ملكه ثم يمسك صورة أخرى تجمعهم فيمزق جانب صورته هو ويبقي على صورتها هي وكأنه يعاقب نفسه بمحو وجوده من تاريخها. كان يضع الصور أمام عينيه.

منظره كان يبعث على الرهبة والشفقة رجل ملأ الدنيا ضجيجا باسمه يجلس الآن بين حفنة من الأوراق الملونة يبللها بدموع الندم ويناجي طيف امرأة ظن يوما أنها ملك يده ليكتشف أنها كانت هي الحياة.. والحياة لا تُمتلك بل تُعاش.كان يضم الصور وينتفض وفي كل دمعه كان يلفظ جزءا من صهيب القديم

وقفت فلك على أعتاب الغرفة كأنها دخلت عالما موازيا شهقة مكتومة انحبست في صدرها وهي ترى صهيب الشامي في هذه الحالة.

كان المنظر يخلع القلب لم . الصدمة الأولى شلت أطرافها وهي ترى حطام الغرفة والساعات المكسورة والبدل الممزقة التي كانت يوما ما مقدسة عنده. لكن كل هذا تلاشى.

شعرت فلك بوجع يمزق أحشاءها وهي تراه يضم صورها إلى صدره يرتجف بجنون ويُصدر أنينا لا . أحست لثوان بأن كرامتها التي أُهينت قد استُردت لكن الثمن كان باهظا جدا رأت آدمها ينهار تحت قدمي حواءه ولم تحتمل روحها أن ترى كبرياءه الذي عشقته يوما يندثر بهذا الشكل المهين.

تحركت نحوه بخطوات واهنة كانت تشعر بالخوف منه ومن نفسها.

في تلك اللحظة سقطت كل حصونها. أصبحت الونس التي لا تحتمل أن ترى سندها مكسورا حتى وإن كان هو من كسرها.

اقتربت منه فاحس بها ورفع نظره بذهول انتفض راكعا واحتضن وسطها بقوة كأنه وجد أمه يدفن رأسه في صدرها وينتحب فرفعت يدها لا شعوريا وتمسدت عليه بحنان. قام مسرعا وحملها للفرش وضمها إليه بقوة وحين حاولت التململ صرخ بوجع….

أبوس إيدك سيبي قلبي هيموت والله لو بعدتي.

مر وقت وهو يهمس انكسار… تخيلت كل حاجة بشعة.. تخيلت حياتي ميت بلا روح نفسي بالليل لوحدي من غيرك دنيتي سودة.. أنا راضي بوجودك بأي طريقة اكرهيني بس ماتسيبنيش والله ما أقدر. طب موتيني أنا موافق.. عايزاني أموت؟ والله راضي. ابتعد وصرخ بهستيريا:.. قولي عايزة تعملي فيا إيه وأنا موافق سيبتلك شركتي والله يمين الله ماعايزها أنا عيشتي اسودت.. صهيب الجاحد مات وجه مكانه واحد يتمنى حبيبه.

بكت معه وهتفت… طب بطل بقه حالتك دي ماتنفعش أنت مش كده.

رد بنحيب… تلات ساعات وأنا بموت وقاعد بعيط.. أنا من غيرك يتيم والله يتيم.

استكان في حضنها فغلب عليه النوم من فرط الإجهاد وهو متمسك بملابسها. تنهدت بغلب… طب إيه هسيبه إزاي ده دا عامل زي العيل الصغير.. يا رب إيه ده اتغير واتبدل وسابلي شركته واسمه.. ينفع عمايلك دي وجعتلي قلبي عليك.

انسلت من حضنه فانتفض صارخا… رايحة فين؟

فطمأنته… مافيش أنا أهوه.

فعاد ليركن في أحضانها وينام ويعتصر خصرها . لكن يده ظلت قابضة على طرف فستانها يرتجف جسده بين الحين والآخر بشهقات مكتومة حتى وهو في عمق نومه.

ظلت تداعب شعره بأصابع مرتجفة وقلب ممزق وتفكر بعمق في هذا الضعف الذي كشفه لها..

. كانت تتأمل هذا الأسد الذي تهاوى تحت قدميها

ودارت في رأسها معركة أخيرة فهل يكون الفجر إيذانا بشروق شمس آدم وحواء من جديد على أنقاض الماضي…

أم أن ضوء الصباح سيكشف لها أن بعض الجروح لا يداويها حتى الانكسار لتضع نقطة النهاية وترحل قبل أن يستيقظ؟

ظل السؤال معلقا في عتمة الغرفة بينما كان صهيب يشدد قبضته على خصرها في نومه وكأنه يشعر بأن مصيره كله معلق بقرار ستنطق به شفتاها مع أول شعاع للضياء.

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية سيد الكبرياء) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

 

أضف تعليق

error: Content is protected !!