رواية سيد الكبرياء الفصل الخامس والثلاثون 35 – بقلم ميفو سلطان

رواية سيد الكبرياء الفصل الخامس والثلاثون 35 – بقلم ميفو سلطان

كان يمسك يدها يقبلها برقه ويهمس لها…… اسكت ازاي طيب عشان يعني مش فاكر عملت فيكي ايه .

هنا سمعا صوتا مغلولا…… لو مش فاكر عملت فيها ايه افكرك انا.

انتفض صهيب من مكانه فوجد عماد يقف امامه وينظر اليهما بغل شديد.

نظرت اليه بذهول وقالت….. عماد انت بتعمل ايه هنا.

ابتسم عماد بغل وقال بصوت يملؤه الحقد…..

اعمل ايه يا بنت عمتي جاي اشوف البيه السعيد اللي خد كل حاجه واتهني.

خافت عليه من الحقيقه فجذبت يده بقوه وقالت….. بس يا عماد صهيب تعبان عشان خاطري هو مش فاكر حاجه والدكتور محذرنا مانقولوش حاجه تضايقه.

انفجر عماد ضاحكا بسخريه واستدار وهو يضرب كفا بكف….. يا نهار ابوك اسود انت فاجر ليه كده.

ثم نظر اليها بشفقه وقال….. انت كمان بتضحك عليها يا دي الحزن اللي انت فيه يا بنت عمتي.

صرخ صهيب بصوت هز جدران المكان وكأن بركانا قد انفجر داخل صدره ….. اخرج بره بدل ما اخرج روحك في إيدي.

رد عماد بحقد وغل وهو يتراجع للخلف لكن لسانه ينفث السموم …..

تطلع روحي ما انت طلعتها من زمان من ساعة ما خدتها وإدتني فلوس وأنا زبالة وطمعت واتخليت عن أنظف حاجة في حياتي ورجعت تاني طلعتها لما جيت خدت فلوسي وخدت فلك وهي رمتني بسببك.

ضحك عماد بهستيرية وأكمل وهو يشير لصهيب باحتقار ….. وآخرتها جاي تضحك عليها وتقولها ناسي عشان انت مش راجل ومش قادر تقف قدامها وتقولها إنك غدرت بيها وعارف ومتأكد إنك صدقت إنها خاينة ومزعت فيها.

هجم عليه صهيب بجنون وقبض على تلابيبه يضربه بكل قوته وهو يصرخ ….. أخرس والله أموتك بره ما أشوفش وشك انكتم.

لكن عماد استجمع قوته وهو يصرخ بفلك التي كانت تقف كالمشلولة ….. عايزني انكتم يا بنت عمي قبل ما تعرفي اللي حبتيه بالقوي وسيبتيني عشانه غدر بيكي إزاي. اللي بيحب ما بيغدرش أنا حبي ليكي ماكنش قوي وغدرت وهو كمان مافرقش عني.

اللي سيبتيني عشانه حبه غدر برضه صدق فيكي إنك بتخونيه بلعبة لعبتها منار وفهمته بالمكالمات وحيلة عملتها إنك خاينة.

بدأ عماد يحكي لها كل تفصيلة بوضوح مقزز ….. حكى لها كيف استدرجتها وكيف كان صهيب يراقب بوجعه كيف صدق كذبة رخيصة وهانت عليه في لحظة.

فلك كانت واقفة في مكانها جسد بلا روح وعينيها مثبتة على صهيب الذي توقف عن الضرب وأحنى رأسه في صمت مميت تثبت كل كلمة قيلت.

كانت تستمع لتفاصيل طعناتهم المجتمعة في ظهرها وهي غير قادرة حتى على الصراخ وكأن الكلمات قد تجمدت في عروقها بدلا من الدماء.

صهيب كان يرتجف وهو يرى عالمها ينهار أمام عينيه للمرة الثانية وبيده هو هذه المرة لأنه أخفى الحقيقة.

كانت تقف مقهورة تضع يدها على قلبها الذي كاد أن يتوقف من فرط النبضات المتلاحقة ….. شعرت بدوار عنيف يغزو رأسها والأرض تميد تحت قدميها.ساد صمت رهيب في المكان بعدما ألقى عماد قنابله الموقوتة …..

صمت لم يقطعه إلا صوت أنفاس صهيب اللاهثة وصوت تمزق روح فلك التي كانت تنازع أمام عينيه.وقف صهيب متجمدا في مكانه كأنما تحجر دمه في عروقه ….. كان ينظر إلى فلك برعب حقيقي لم يذقه من قبل ….. رعب الرجل الذي يرى جنته تحترق بفعل يده.

تخيل في تلك اللحظة كل ثانية مرت عليهما وهو يدعي النسيان ….. تخيل كيف كانت تلمس وجهه بحنان وكيف كان هو يمتص ذلك الحنان وهو يعلم أنه الجلاد الذي جلد ظهرها يوما بلا رحمة.

بدأت الصور تهاجم عقله ككوابيس حية ….. رأى نفسه وهو يرميها سمع صدى صوته وهو ينعتها بأبشع الصفات ….. رأى نظرة الانكسار في عينيها يوم أن صدق أنها خائنة.

أحس ببرودة مرعبة تجتاح جسده وهو يدرك أن فلك التي كانت بين يديه قبل دقائق ….. تلك الرقيقة التي كانت ترسم وتضحك بعفوية ….. قد ماتت للتو ….. ولن تعود أبدا.

اقترب منها بخطوات ثقيلة كأنما يجر سلاسل من حديد ….. كانت عيناه جاحظتين من عدم التصديق ….. هل حقا انتهى كل شيء ….. .

مد يده المرتجفة ليلمس كتفها لكنه تراجع برعب وكأن نارا ستلتهمه ….. كان يخشى حتى من نظرتها ….. يخشى أن تفتح عينيها لترى فيه المسخ الذي أخفاه وراء قناع المرض والنسيان.

همس بصوت مشروخ كأنه خارج من قبر ….. فلك ….. أنا ….. أنا كنت خايف أخسرك.

لكن كلماته ماتت قبل أن تصل إليها ….. كانت هي قد غادرت العالم بالفعل مقتوله…

في تلك اللحظه اقترب عماد بنبرة شامتة مسمومة ….. إحنا الاتنين زي بعض زبالة يا فلك ….. أنا جبتك هنا الأوضة بالفستان وهو إداني بالفستان برضه ماتعملش فيها شريف.

كانت تشهق بوجع يمزق صدرها وكأن خناجر عماد وصهيب تجتمع في نصل واحد يذبحها.

اقترب صهيب منها بخطوات مهتزة وعيونه تفيض بالندم والرعب من ضياعها ….. طب اسمعيني هفهمك هما والله رسموها عليا أنا عارف إني زبالة و.. و.. وماليش عين انطق.

نظرت إليه بنظرة قهر أحرقت ما تبقى من كبريائه ….. أنت إزاي كده ….. تمثل عليا إنك تعبان وراجع تحب وتقولي بحبك وأنا زي الهبلة أخاف عليك وأكتم روحي وقهرتي.

صرخت فيه بمرارة ….. إيه مش راجل تتحمل غلطك كنت هتفضل تمثل لإمتى قولي عملتلك إيه.

رد بصوت مبحوح يملؤه القهر ….. والله مالاقي حاجة أقولها بس بحبك وبعشقك.

قالت بضحكة هستيرية جرحت حبالها الصوتية ….. تحبني لا يا راجل اللي هو إزاي قول.

استدارت واقتربت منه ….. أنت بتحبني أنت مابتعرفش تحب قول قول وسمعني ياللي بتحبني جايب لمراتك راجل يا جاحد.

كانت الكلمات تخرج من فم فلك كأنها طلقات رصاص تصيب صهيب في مقتل وجسدها يرتجف بعنف……

جايب ده ياخدني من قوضة نومك يا قهرتي . بتحبني اللي هو ازاي قلي قول للعالم كده صهيب حبه شكله ايه.ايه جبروت مش قادر تواجه خالص ضعيف قوي كده. بس عماد انضف منك اه والله عماد سلمني ليك مستوره انت سلمتني مكشوفه.

التفتت فجأة لعماد وعيناها تلمعان ببريق مرعب ونظراتها تخترق روحه وقالت بمرارة …..

ايه يا عماد عجبك القميص كان لونه ايه ….. اه كان لونه اسود زي ايامنا السوده . عجبك القميص اللي كنت نايمه وجوزي حاصني بيه حلو شفته ….. شفت مرات صهيب الشامي بالقميص.

صرخ صهيب بوجع وهو يضع يديه على أذنيه وكأنه يحاول منع صوتها من اختراق رأسه ….. ارحميني والله ما قادر.

ضحكت فلك ضحكة هستيرية جرحت حنجرتها وقالت بسخرية تقطر سما …..

مش قااااادر ….. لا يا شيخ دانت قادر وقادر وفوقهم رخيص وفاجر .مش متخيله بتحب ايه الكلمه دي امال لو مكنتش كنت خرجتني بملايه مانا ممسوكه معاك ماهي مش جوازه دا بيعه وشروه.

اقتربت منه أكثر وصدرها يعلو ويهبط بأنفاس محترقة ….

لك عين تقول بتحبني . دا حبك قهر وفضيحه. حبك عار انت لوحدك وحله وحبك وحله . عملت ايه دانا حبيتك ووثقت فيك تصدق.

ضاعت الكلمات على شفتيها وهي تصرخ في وجهه بقهر …..

فين رجولتك واجهني اضربني قلي انك زباله وخاينه وتستحقي تتسابي مش تمزعني وترميني مكشوفه. اديني حقي يا أخي انطق.

ثم القت بكلماتها الأخيرة وهي تراه ينهار أمامها ….. بس ازاي تواجه ….. سيد الناس اله الكون يقف قدام واحده جربوعه يحط نفسه في مقارنه ليه سيبتيني. لا ماينفعش صهيب يستساب ازاي لا دا يغرز غرزته بس اعرف وانت بتغرز فيا كنت بتبيع شرفك كرامتك.

اطلق صهيب صرخة عالية هزت جدران الفيلا الملعونة ….. بس بقه أعمل إيه والله كنت هقول والله ورحمة أبويا كنت هقول .وهقولك بعشقك وهعمل…..

اندفعت فلك تصرخ فيه بجنون وهي تلطم وجهه بكفيها ….. اخرس أخرس تعمل ايه أخرس انت ايه ماكفكش وجع منك لله جاي تضحك عليا تاني ليه ليه.

ظلت تضربه بقبضتيها على صدره وتصرخ بمرارة ذبحت صمته ….. جايبلي راجل ليه يا جاحد وتقلي بتحبني.

كانت تهزه وتضربه وهو يشهق ويبكي كطفل ضائع بين يديها لتدفعه بغل أطاح به خلفا …..

ايه اللي انا فيه ده ….. لا ومش مكفيه جاي يكمل يحب ويسبل البيه يغدر ويجي يحضن.

أكملت بصوت يقطر سما وقرفا ….. عايزني اقعد اطبطب مالبيه عيان…. ايه ايه ليه حد كان قلك اني ممسحه يابن الشامي . تدعكني بجزمتك وترجع تدخلني دنيتك.

رمت الكلمات في وجهه الشاحب ….. انت واحد غدار مالكش أمان. ايوه مالكش امان انا خوفت منك اقسم بالله اللي مايسترش مراته يتساب ولا يتبكيش عليه.

اقترب منها بهستيرية وكلبش في ذراعيها بقوة أرعبتها ….. انتِ ماهتروحيش في حته انتِ بتاعتي روحي افهمي انا هصلح كل ده انا هعملك اللي تعوزيه خدي روحي اطلبي هديكي والله.

صرخت فلك وهي تحاول التملص من قبضته الحديدية ….. تديني ايه تديني ايه انا خدت لما شبعت خدت غدر وقهر وكسره خدت فضايح ودبح خدت قلة قيمة وجحود.

بح صوتها وهي تدفعه بعيدا عن جسدها ….. عندك ايه لسه يقهر تدهوني اوعي اوعي انا بكرهك انا بكرهك اوعي.

كان يكلبش بها بجنون وعيناه تفيضان بالدموع والرعب وهي تصرخ وتتلوى بين يديه كطير يرفض أن يموت في قبضة صائده.

كان صهيب يرتجف رعبا من هيئتها ومن صدق وجعها وهو يرى ملامحها تشحب فجأة وتتحول للون الموت.

لم يستطع تحمل نظرة عينيها التي كانت تودعه كانت تلك الكلمات هي الرصاصة الأخيرة التي أطلقتها فلك على ما تبقى من روح صهيب .

اما هيا شعرت فجأة بأن ثقل الجبال قد فوق صدرها . الهواء أصبح شحيحا وكأن المكان يضيق عليها .

ترنحت فلك في مكانها تلاشت الرؤية أمام عينيها وبدأ وجه صهيب يبتعد ويتلاشى. .

رفعت يدها المرتجفة تحاول إبعاد خياله عنها وهي تهمس بصوت لا يكاد يسمع ….. ابعد عني ما تلمسنيش.

وفي لحظة خانتها قدماها وسقطت كفراشة دُهست أجنحتها قبل أن ترتطم بالأرض و يد صهيب تمتد بذعر لتلتقطها.

صرخ باسمها صرخة مرعبه ….. فلك ….. لا يا فلك ردي عليا.

حملها بين ذراعيه بجنون وهو يشعر بجسدها باردا كالثلج. كانت غائبة عن الوعي تمام. لكن حتى وهي في غيابها ….. كانت يداها المضمومتان فوق صدرها تنفر من لمسته .وكأن جسدها يرفض الغفران.

القي صهيب عماد بنظرة كانت كفيلة بقتله في مكانه كأنها نصل مسموم من الوعيد المكتوم.

مبسوط انت كده….. منك لله.

هتف عماد بمرارة وانكسار وهو يغادر …..

أنا وأنت واحد وخدنا جزاتنا….. أنا هتسجن واتشرد وأنت هي هتخرج من حياتك لأنك بجد ماتستحقهاش.

حملها صهيب بين ذراعيه كمن يحمل روحه وهرع بها إلى المشفى . وضعت تحت الملاحظة الدقيقة حتى خرج الطبيب بملامح متجهمه ليعلن عن انهيارها العصبي التام.

جلس صهيب بجوارها والقهر ينهش قلبه نهشا.

أنا آسف….. آسف يا قلبي والله العظيم آسف….. يا رب ارحمني أعمل إيه بس….. ماقدرتش اواجهك يا قمري كنت عاملك مفاجأة وهقول والله كنت هقول.

ظلت غارقة في عالمها بعيدا يومين حتى استفاقت وراته بجوارها فأشاحت بوجهها بعيدا كأن رؤيته تطعنها. حاول الحديث فنطقت بهمس واهن مزق أوتار قلبه….

اخرج مش عايزة أسمعك.. صوتك بيوجعني….. اخرج.

تنهد بوجع وجلس بعيدا يراقبها بعينين يصرخان بالندم حتى دخل العم فكري وما إن رأته حتى تفجر بركان وجعها مرة أخرى. احتضنها العم محاولا تهدئتها……

اهدي يا حبيبتي كل حاجة هتتصلح.

هتفت بمرارة وقهر ……

خرجه يا عم فكري….. مش عايزة أشوفه.

خرج صهيب يجر قهره و انكساره وجلس فكري يواسيها……

إيه يا حبيبتي….. دا ندمان وقاعد مقهور.

نظرت إليه بعينين تملؤهما خيبة الأمل ……

ندم ومقهور….. ده حتى مادانيش فرصة إني أزعق وآخد حق رميتي.صدق فيا وهان وحكم ومادانيش فرصة أرد وآخد حقي وجاي دلوقتي يضحك عليا بكلامه.كنت هفضل زي الهبلة أقعد له يحب ويحسس وأنا أفرح ما أنا واقعة في البيه وماعنديش كرامة. خايفة عليه يتوجع وماخافش عليا في عز قهرتي خفت عليه.متخيل اللي عمله فيا يا عمي….. متخيل.

تنهد فكري بأسى محاولا إيجاد ثغرة للغفران.

طب برضه التمسي له عذر….. الملعوب كان جامد أوي.

صرخت بصوت مخنوق بالدموع……

يقتلني….. يقتلني وياخد حقه مني مش يجيب لي راجل غريب .

تنهد فكري محاولا إعمال لغة العقل……

طب اهدي وفكري بعقلك شوية….. واحد بشخصيته يشوف رسائل منك لعماد وتروحي شقة والبواب يقول له عرسان يا بنتي أي راجل مكانه هيتجنن.

صرخت بوجع زلزل كيانها……

آه يتجنن بس ذنبي إيه….. يموتني….. أنا مقهورة يا عمي مقهورة….. ليه ماقالش….. كنت واجهته وكان ساعتها الموضوع هيبقى غير إنما يدبحني كده….. لا لا حرام والله حرام.

هز فكري رأسه بيأس وهو يربت على يدها.

هاه اهدي يا حبيبتي….. الزمن كفيل إنه يداوي كل ده.

تجمدت نظراتها فجأة وسكنت ملامحها برهبة مخيفة.

عندك حق يا عمي….. يداوي.

مرت الأيام وتعافت فلك جسديا وحان وقت خروجها من المشفى. كانت تبعد نفسها بصمت لا تكلم صهيب ولا تنظر إليه وهو يشعر بظلام الدنيا يطبق على صدره. يعلم يقينا أنه يستحق هذا النفي .

خرجت فلك وطلبت منه في صمت مطبق أن تذهب إلى المقابر فارتجف قلبه بعنف وشعر بروحها تان.

توقف صهيب بالسيارة أمام بوابة المقابر كان الصمت بينهما أثقل من الجبال. نزلت فلك بهدوء غريب كأنها جسد بلا روح بينما كان هو يتبعها بخطوات متعثرة.

وقفت فلك أمام قبر والديها سكنت ملامحها تماما ثم انهمرت دموعها بصمت شديد

همست فلك وهي تضع يدها ودموعها تتساقط.

جيتلك يا أمي.. جيتلك مكسورة . جيت أقولك إن اللي استأمنته عليا كان أول واحد يبيعني لأوهامه.

لم يحتمل صهيب الكلمات اقترب منها ودموعه تسبقه…

فلك.. أنا بموت اسمعيني.

قطبت ونظرت اليه.. انت واقف هنا ليه انت مالكش مكان هنا دي عيلتي أتفضل بره..

هنا كانت الطعنه غادره اقسي مايمكن أن يتخيل استدار بقهر صامت وخرج وهيا جلست تتكلم وتبكي وتخرج مابصدرها حتي ارتاحت.. مدت يدها وأخذت حفنه تراب ووضعتها في منديل وخرجت إلي صهيب الواقف المذبوح..اقتربت بجمود ..

وديني بيت عمي يا صهيب.

انتفض صهيب وتراجعت ملامح العشق ليحل محلها الرعب والقلق اتسعت عيناه وهو يهتف بلهفة…. بيت عمك ليه يا فلك؟ رايحة هناك ليه في الوقت ده اقطعي رقبتي بس بلاش تروحي للناس دي تاني.

نظرت إليه بجمود لم يعهده منها مؤخرا وقالت بلهجة آمرة لا تقبل الجدل… وديني بقولك.. ومن غير أسئلة.

تحرك صهيب وهو يشعر أن الأرض تسحب من تحت قدميه الخوف ينهش قلبه من أن تكون هذه هي النهاية. قاد السيارة بصمت وعيناه تسرقان النظر إليها وهي شاردة في الطريق كأنها تخطط لشيء ما.

وصلوا إلى البيت نزلت فلك بخطوات ثابتة وواثقة وتبعها صهيب كظلها المرعوب. طرقت الباب بقوة وما هي إلا لحظات حتى فتحت مرات عمها. تجمدت المرأة في مكانها واتسعت عيناها بصدمة وخوف وهي ترى فلك تقف أمامها وبجانبها صهيب بكل هيبته.

تراجعت المرأة للخلف بخطوات مهتزة وهي تتلعثم… فلك بتعملي إيه هنا وجاية ليه دلوقتي؟

دخلت فلك إلى قلب الصالة ونظرت حولها ثم نظرت لمرات عمها بنظرة تقطر قرفا وشماتة وابتسامة ساخرة رسمت على شفتيها وهي تقول ببرود يذبح…. إيه يا مرات عمي اتخضيتي ليه ده بيت عمي.. ولا عيب أدخل بيت أهلي وأنا جاية أتفرج على آخره صنفكم؟

دخلت فلك تتجول في الصالة تتفحص الأثاث والجدران بنظرات ساخرة وكأنها تعيد اكتشاف مكان شهد يوما انكسارها.

صرخت زوجة عمها بغل وهي تضغط على كفيها… إيه؟ جاية تتفرجي على خيبتنا. جاية تشمتي فينا بعد ما الواد ضاع مستقبله واتفضح في المنطقة؟

ضحكت فلك ضحكة رنت في أركان البيت ضحكة باردة خالية من أي وجع قديم وقالت ببرود……

والله يا مرات عمي الشماتة في اللي زيكم قليل.. أنا جاية أشوف العدل وهو بيتحقق.

على صوت الصياح خرج العم بخطوات ثقيلة كان يبدو وكأن الهم قد حنى ظهره عشرات السنين في أيام قليلة. وما إن وقعت عيناه على فلك حتى تسمرت قدماه. لم ينطق بل أنزل رأسه في الأرض بسرعة عاجزا عن النظر في عيني اليتيمة التي فرط في لحمها يوما.

اقتربت منه فلك بخطوات بطيئة والدموع بدأت تترقرق في عينيها لكنها لم تكن دموع ضعف بل دموع عتاب يمزق الصخر. وقفت أمامه مباشرة بينما صهيب يقف في الخلف عيونه تراقب كل حركة وكأنه أسد يتأهب للافتراس إذا ما مس فلك سوء.

قالت فلك بصوت مخنوق بالوجع… إيه يا عمي بص لي.. مش عايز تبص في وشي ليه؟ وحشتكش؟

صمت العم وهو لا يزال يحني رأسه فتابعت بمرارة…. ارفع راسك وبص لي..

دانا حتى جايبالك أبويا باعتني ليك بيسلم عليك بيسألك أخبار أمانته إيه ….. خد يا عمي بابا أخوك ابن أمك وأبوك باعتلك تراب كفنه .

أمسكت يد عمها المرتجفة عنوة ووضعت فيها حفنة من تراب مقبرة أبيها وضعت بكفه التراب وهو بيسأل على بنته …..

والتراب يتسلل بخزي من بين أصابعه وكأنه يهرب من لمسة يد خانت العهد . كانت ذرات التراب تسقط كأنها دموع الميت التي تأبى الاستقرار في كف جاحد ..تراب الكفن كان يصرخ في صمته والعم ينظر ليده بذهول مرعب

كان المنظر مرعبا ….. التراب يسقط والعم يحاول الإمساك به لكنه يتلاشى في العدم ….. تماما كما تلاشت كرامة فلك في ذلك البيت.

نظرت فلك للتراب وهو يطير في الضباب وقالت بصوت ميت ….. شايف يا عمي ….. حتى ريحة أبويا مش طايقة تلمس إيدك هربت منك عشان ماتتوسخش.

بصلي نسيتني أنا بنتك اللي سلمتها بإيدك. أنا اللي هان عليك شرفها عشان خاطر قرشين وعشان خاطر ابنك.. بص وشوف.

وقفت فلك أمام عمها الذي كان لا يزال يحني رأسه في الأرض كطفل مذنب.

قبضت على يده ببرود جعل جسده كله ينتفض بشدة.

اقتربت من أذنه وهمست بصوت مبحوح لكنه يقطع كالنصل الحاد…..

ايه يا عمي ….. نسيتني خالص ….. بعت ….. طب مش تسال الجثه اللي بعتوها كان نصيبها ايه ….. البيعه طيب ….. تطمن على بيعتك.

شددت على يده أكثر وهي تسأله بوجع…. .

قولي طيب وانت بتمضي على بيعي ماجاش في بالك عضم التربه اللي سلمك بنته بتراب الموت . ماجاش خالص….. مضيت عادي ….. طب وانا طالعه من بيتك في ليله غبره ….. ماجاش في بالك اليتيمه يجرالها ايه من جاحد.

سكتت لبرهة والتفتت تنظر لصهيب الذي كان يقف خلفها وعيناه تشتعلان قهرة…

ثم عادت بنظرها لعمها وأكملت بنبرة انكسار تحولت فجأة إلى قوة مباغتة…..

بس عارف ….. هقولك اتعمل ايه يا عمي.

انا حلمت يوم يبقى ليا بيت زي الخلق .اه والله حلمت.وجه ابنك عماد موت حلمي بابشع طريقه . دبحني في شرفي وفي سمعتي . ماكنتش متخيله ان فيه بني ادم ممكن ينهش في لحمه كدة.

انحدرت دمعة على خدها فمسحتها بسرعة وأكملت بابتسامة من قلب الوجع.

وفجاه ….. رجع حلمي يصحي لما قلبي دق …..

نظرت لصهيب واتجهت اليه وشدته ودموعه تنهال كالسيل. .

وقالت بنبرة يمتزج فيها الغلب بالعتب ….. اهوه يا عمي قلبي دق ليه ….. اه والله حبيته قوي وعشقته ….. وقولت خلاص حياتي هنام مرتاحه من غير يتم ….. ماانت ماكنتش ضهر.

امسكت يد صهيب بقوة وعيناها تلمعان ببريق الانكسار ….. والله حبيته قوي. دموعها تنهمر وصهيب يرتجف ويبكي بقهر.

وضعت يدها في يد عمها ويد صهيب معا وهي ترتجف بمرارة ….. وتصدق كنت هسامحك يمين الله كنت هسامحك مانا ماليش حد وهو بقي ضهري خلاص بقيت قوية وهجيبه يحط ايده في ايدك.

ثم استدارت نحو صهيب بكسرة هزت اركان المكان ….. بس عارف يا عمي ….. عارف هو كمان نتش قلبي وكسر ضهري ….. بس كسرتها كانت موت واتسلمت جثه لابنك.

كانت دموع العم تتساقط بصمت مخزي وصهيب يشهق بوجع كمن ينازع الموت ….. بس ابنك لما باعني كنت بفرفر ….. اه لحقني هو حبيبي ده اللي ايدك في أيده. اه والله زي الدبيحه اللي بيلحقوها وياكلوها ورجع شق قلبي مش رقبتي.

استطردت بصرخة مكتومة تمزق نياط القلوب ….. اهو هو خلع قلبي وكشف ضهري ….. طب ايه اروح لمين بقه رحت لأبويا وأمي ساكتين ماهم ماتو وسابوني ليك. فجيت بقه ليك اهوه. جايه اقولك لما البنت تنكسر تروح لمين مانا ماليش اهل ولا ليا حد عايز حد يضمني ….. هموت ضهري مغروز فيه السكاكين.

اقتربت من عمها كغريقة تتشبث بقشة ….. جايالك يا كبيري تشوفلي حل في وجعي ينفع تشوف هتعرف ….. هتلاقي حل ….. هتقابل ابويا تقولو ايه طيب ….. قول يا عمي يا سندي لما جوزي يغدر بيا اروح لمين.

كان صهيب يشهق بجنون وقلبه يؤلمه كأنما يعتصر بين فكي كماشة.

ابتعدت تنظر اليهم ….. انتو ازاي كده ….. ايه ده ….. اتفقتو تدفنوني كلكم ليه عملت ايه ماعملتش والله ماعملتش غير اني بس بحب وعندي شويه كرامه.

اكملت بقهر ينهش ملامحها الرقيقة ….. انا واقفه مع اكتر ناس خسيسه في الدنيا اه والله جوايا قهر بينهش فيا.

اشارت لعماد باحتقار يقطر مرا ….. ده متحلل من زمان كنت بلصم فيه اعدله عشان اخرج من بيتكو. ودي الغل مالي قلبها بلا سبب وانت ضعيف ومراتك ركباك ماعرفش ليه زي مايكون عمل.

ثم صبت جام غضبها على صهيب بنظرة ذبحت ما بقي من كبريائه ….. وده ….. ده واحد غلبان كان فاكر نفسه سيد الكون طلع اهبل واقل حد من الزباله طلعوه اهبل ….. جاب لمراته راجل مدخل لمراته راجل.

العم لا يزال صامتا من فرط الخزي دموعه تسيل وزوجته تشتعل غيظا.. أما صهيب ….. فقد كان يقف كجبل ينهار ببطء ….. الكلمات لم تكن عتابا بل كانت مسامير تُدق في نعش رجولته ….. تجمدت الدماء في عروقه وهو يسمعها تجرده من هيبته التي عاش يبنيها ….. لم يعد يرى أمامه سوى حطام نفسه.

شهق شهقة مكتومة كأن خنجرا غرس في رئتيه ….. وأحس أن الأرض تميد به …..

نظرت إليها مرات العم بحقد وصرخت بمرارة ….. انتِ معاكي فلوس ومنعمة في العز والدور والباقي على اللي هيتحبس ومستقبله ضاع …. راجل زي الفل وهيتسجن بسببك.

اقتربت منها فلك وضحكت بسخرية مسمومة ….. راجل زي الفل يا زين ما ربيتي ….. هو كل دماغك في الفلوس والمظاهر وبس.

أكملت بجمود يزلزل النفس ….. آه معايا فلوس وابنك هيتحبس واه شمتانة فيه وبدعي عليكوا تعيشوا السواد اللي عيشتهوني طول عمري.

ابنك هيعيش في ضلمة السجن يا مرات عمي ….. جدران باردة وعمر بيضيع مكسور قدام الناس كلها. دي أخره الزباله.

استدارت فلك لتغادر المكان فكلبشت الست في ثيابها وتوسلت إليها بدموع الذل أن تخرجه من محنته.

أبعدت فلك يدها بقرف وقالت ….. البيعة مش معايا أنا ….. أنا ما كنتش موجودة في الحسابات من الأول.

أشارت لصهيب الذي كانت دموعه تنهار بلا توقف وقلبه يتمزق من صدق كلماتها ….. شوفوا صرف أموركم مع الشاري أهوه.

ارتمت الست تحت أقدام صهيب تتوسل إليه بكل ما تملك من ضعف.

نظر صهيب إليها بعيون يملؤها الاحتقار وقال بنبرة وجع هزت البيت ….. اللي زيكم ما يستحقش غير السواد ….. أنتم بعتوا اللحم والدم ودلوقتي بتدفعوا التمن.

خرجت فلك بخطوات ثابتة والتفتت لعمها للمرة الأخيرة بنظرة خالية من الروح ….. ماعتش عايزة أشوف وشك تاني ….. أنا يتيمة ومكملة يتيمة عمري كله.

نظرت فلك حولها نظرة أخيرة وكأن عينيها كاميرا توثق لحظة النهاية.

استرجعت في ثوان معدودة شريطا مميتا مر أمام وجدانها كأنه طعنات متتالية.

تذكرت يوم أن كانت طفلة ترتمي في حضن أبيها قبل أن يغادر الدنيا ويتركها لنهش الذئاب.

مرت أمامها صورة عمها وهو يوقع على أوراق بيعها بدم بارد مقابل حفنة من المال.

تخيلت وجه عماد وهو يحاول تدنيس طهرها وكلماته القذرة التي كانت تنهش في سمعتها.

رأت خيال نفسها وهي تطرد لا تجد مأوى ولا ظهرا يحميها.

ثم توقف الشريط عند صهيب وهو يكسر كبرياءها ويجعلها مجرد بضاعة اشتراها بماله.

كل .

خرجت من الباب بخطوات ثقيلة لم تلتفت خلفها كانت عيناها تحكي قصة يتيمة ذبحها الأهل قبل الغرباء وقرروا دفنها وهي على قيد الحياة.

التفتت لصهيب وقالت بنبرة خالية من الروح ….. وديني الفيلا اللي خدتني فيها.

الكلمة شقت قلبه زي الخنجر المسموم والرعب اجتاحه وكأن الأرض انشقت تحت رجليه.

فهم إنها هي عايزة ترجع لنقطة الذبح.

ركبت العربية بصمت رهيب كأنها جثة بتتحرك وحطت راسها على الزجاج.كانت بتشوف على إزاز العربية شريط قهرها من أول يوم دخلت فيه القصر ده وهي مهانة.

صهيب كان بيسوق وإيده بتترعش على الدريكسيون وبصات الرعب والندم مابتفارقش وشها.كان بيبص لها وكأنه بيودع روحه اللي بتتسحب منه مع كل متر بيقربهم من الفيلا المشؤومة.

الصمت جوه العربية كان له صوت صراخ بيقطع في قلب صهيب اللي كان بيتمنى الموت ولا إنه يسمع الكلمة دي منها.

وصلوا قدام البوابة الحديدية الضخمة وفلك لسه ساندة راسها ومغمضة عينيها كأنها بتستعد لمواجهة شيطانها القديم.

دخلت فلك بخطوات موجعه وجلست تتأمل أرجاء المكان بعينين جامدتين تستعيد في صمتها صرخات ذلك اليوم المشؤوم وتفاصيل القهر التي نقشت على الجدران. فجأة انتفضت كأن نارا مستها وهتفت بمرارة…..

أنا جيت بس عشان حاجة واحدة وجيت هنا بالذات في المكان اللي أنت موتني فيه عارف ليه يا صهيب . عشان لما أقف قدامك ماحنّش ليك عشان لما أبص في عينك وأشوف حبك أفتكر اللحظة اللي رمتني فيها لغيرك وكشفت ستري.

انفجر صهيب بصرخة مزقت سكون المكان ورد عليها بانهيار…..

ارحميني والله غلطت والله اتلعب علينا وكنت بموت من الغيرة.

ردت عليه بنبرة حادة كالنصل وهي تنظر في عينيه بقسوة…..

ومارحمتش مراتك ليه ….. قلي مارحمتهاش ليه ….. ذنبي إيه يشوفوني عريانة عشان ماليش راجل بيغير على عرضه وشرفه . عايزني أقعد عشان المرة الجاية تخرجني بأنهي طريقة . أنا خفت والله خفت . عارف لو كنت بتكرهني كان هيبقى عذر مع إنه برضه ما يشفعلكش بس القهر الحقيقي إنك كنت بتحبني . إزاي قدرت تعملها .قول إزاي هان عليك حبي.

هتف صهيب وصوته يرتجف من الوجع…..

كنت بموت والله كنت بموت من كتر الوجع اللي شفته.

ابتسمت بسخرية لاذعة هزت كيانه واكملت بجمود…..

صحيح فعلا كنت بتموت ….. عموما أنت فعلا مت يا ابن الناس ومن هنا ورايح اللي بينا انتهى وخلصت القصة.

صرخ بجنون وهو يقترب …..

قصة إيه اللي خلصت ….. لا ماخلصتش ….. فلك حبيبتي اهدي ….. والله هنحل كل حاجة أنا أهو تحت رجلك بس نقعد ونهدي نفسنا ماتنهيش اللي بينا . أنا بعشقك وأنت كمان بتحبيني.

نظرت إليه باشمئزاز ومرارة وأبعدت يده عنها بقرف…..

بتعشقني ….. واللي بينا مانتهاش ….. أنت اللي نهيت كل حاجة بكبرك وجحودك . ستر الولايا متعرفوش يا صهيب وأنا لو حتى بموت عليك أخلع قلبي بإيدي وأرميه لأنك يتخاف منك يا ابن الناس .غدرك ملوش أمان.

بكى صهيب بهستيرية وعرض عليها كل ما يملك في لحظة يأس…..

إيه اللي يرضيكي وهعمله . والله يا قلبي هعمله . شوفي هكتب لك الشركة باسمك وكل ما أملك تتحكمي فيا وفي مالي أنا مش عايز من الدنيا حاجة إلا أنت.

هتفت بصرخة مكتومة والدموع تلمع في عينيها كشظايا الزجاج…..

أنا ….. هو فين أنا ….. أنا مت هنا يا صهيب ….. مت يوم ما سبت راجل تاني ينهش فيا وأنت واقف تتفرج.

صرخ صهيب بصوت يمزقه الندم وهو يهوي على ركبتيه أمامها ….. خلاص بقه والله كنت زبالة وعندي كبر وجحود وأنت جيتي قضيتي عليه والله من وقتها أنت عالجتيني.

هتفت فلك وهي تنظر إلى الفراغ وكأنها تستحضر آلامها السابقة ….. أنا ساعتها قعدت مش مصدقة إزاي واحد ممكن يعمل في حد كده حتى لو بيكرهها بس اللي مش قادرة استوعبه إنك كنت بتحبني.

صرخ بوعيد لنفسه وهو يحاول الإمساك بيديها ….. ولسه والله لسه يا قلبي وهموت عليكي أنا أهوه اتربيت وهعيش زي ماتقولي راجلك وحبيبك.

نظرت إليه فلك وهتفت بقهر يقطر مرارة من بين شفتيها ….. إزاي وأنت نزلت من نظري شايفاك قليل قوي ….. هتتحمل يا صهيب تعيش مع واحدة شايفاك قليل.

شعر صهيب بقهر ينهش قلبه فتنهدت هي ببرود قاتل وأكملت حديثها ….. عموما كل حاجة خلصت أنت دلوقتي لوحدك يا ابن الناس وأنا مش جوايا حاجة ليك أنا هنا لحد ما أخلص الدفليه أهو ما عملتش قلة أصل وسيبتك زي ما أنت سيبتني ….. شوف بعد الدفليه همشي.

صرخ صهيب بجنون والذعر يتملكه من ضياعها الأبدي ….. لا مش هيحصل أنت مراتي وهموت وأنت مراتي.

تنهدت فلك بضيق واقتربت منه وهتفت بكلمات هزت ثقته في نفسه ….. أنا مش مراتك يا صهيب ولا اتشرف أبدا إن اسمي يرتبط باسمك أنت مغرور وجاحد شركاتك وهيلمانك واسمك في السوق هبلوك خلوك فوق الكل.

حتى لما جيت أكون معاك في الشركة اتحكمت ودي تعمل ودي تسوي ….. أنا صغيرة في نظرك يا صهيب ماينفعش أقعد جنب المقام ….. صهيب الشامي فلك الجيار ماتنفعش تكون جنبه وجنب اسمه ….. صهيب نجمة عالية بتلمع لنفسها وبس سيد الكون ….. هفضل طول عمري صف تاني ماهو في دمك العلو واسمك ماينفعش اسمك ينزل من فوق. إله الكون خليك في برجك العالي أنا لا عايزة أدخله ولا هدخله.

استدارت فلك عنه ببرود وهتفت بقرار حاسم ….. ومن هنا لحد الدفليه كل واحد في حاله أنا هرجع بيتي وبعدها كل واحد يروح لحاله.

صرخ صهيب بجنون وقد فقد كل ذرات صموده أمام إصرارها على الرحيل ….. لا بقه رجوع وخروج من هنا ماهيحصلش ده بيتك أنا أغور منه إنما أنت لا.

هتفت فلك بتحد لم يعهده فيه من قبل ….. بيتي متأكد طب تمام اتفضل بره أنا مش عايزة أشوف وشك.

أغمض عينيه بألم فكل هذا كان كثيرا على شخصه وكبريائه الذي تفتت أمامها لكنه تجلد وهتف بصوت مكسور ….. أنا هقعد في بيت الجنينة وأنت براحتك اقعدي في البيت.

همت أن تعترض وتقصيه بعيدا عن محيطها تماما فهتف بضعف ورجاء ….. دا آخر آخري وماقدرش أبعد أكتر من كده.

استدار وخرج مقهورا يجر أذيال الهزيمة بعد أن أهانته إهانات يستحقها عن جدارة وما إن توارى عن أنظارها حتى انهارت من البكاء تنعي حبا كان هو كل حياتها …..

كان قلبها يهمس لها بأن الملعوب كان كبيرا ويفوق قدرته على الاحتمال لكن كرامتها كانت تأبى الغفران وترى في غدره جرحاً لا يندمل.

مرت الأيام ثقيلة وهي لا تراه إلا نادرا وكانت تجلس في شرفتها العلوية تراقبه وهو يخرج من مكتبه متجها إلى بيت الجنينة بخطوات مثقلة بالهموم ….. كان يرفع عينيه إليها أحيانا فتشيح بوجهها عنه بجمود مصطنع ….. كانت تراه يجهد نفسه في العمل ليل نهار حتى ينهكه التعب بشدة ويذبل وجهه أمام عينيها وقلبها يان وجعا عليه ومنه.

في اليوم التالي استيقظت فشهقت من فرط المفاجأة فكان الفستان الموضوع في صرح الشركه وسط الهول الكبير قطعة فنية من براند غير قابل للبس العادي ….. خفق قلبها بعنف وتذكرت كلامه عن ذلك الفستان وكيف أنه كان سبب صنع اسم صهيب الشامي في السوق وأنه لا يقبل لأحد أن يلبسه لأنه مرتبط باسمه وكيانه ….. جلست تتلمسه برفق وكان فعلا رهيبا ومميزا يخطف الأبصار …..

رغما عنها بدأت مشاعر حانية تتسلل لقلبها الجريح فالمكيدة كانت مريعة والوجع كان موزعا بينهما بالتساوي.

ابتسمت بمرارة وارتدت الفستان وأعدت نفسها لتكون في أبهى صورها ….. دخل هو عليها فجأة وتسمر في مكانه ينظر إليها بعشق جارف كأنه يراها للمرة الأولى وهتف برفق ….. تسمحي انهارده بس تكوني جنبي بجد محتاجك جنبي.

تنهدت وأشاحت بوجهها بعيدا عنه فهي تكبت روحها وتشتاق إليه من فرط عشقها ولكن كرامتها التي أهينت منه بشكل بشع كانت تقف حائلابينهما …..

أخذها وذهب بها إلى الدفيليه حيث كانت منار تطوف بسعادة وكأنها طاووس يختال بانتصاره الزائف ….. اقترب منها صهيب وهمس في أذنها بنبرة توعد مرعبة ….. أسيبك يا قلبي بس هنضف شركتي من الزبالة اقعدي وحقك بيجي تحت رجلك.

وتركها وذهب ليضع نهاية لتلك المهزلة التي دمرت حياتهما.

اقترب من منار منار أنا عملت لك فستان مخصوص ممكن تساعديني وتلبسيه ….. وافقت منار بزهو وكأن عقلها قد غاب عنها واتجهت فورا وارتدت الفستان الذي كان قطعة خرافية ….. أمسك صهيب يدها وصعد بها إلى المنصة وهتف أمام الحضور بصوت واثق….

حابب بس تشاركوني اللحظة دي منار الجمال وهي في إيديها أجمل حاجة تستحقها.

اقترب منها وهمس بفحيح مرعب ….غمضي عينك

أغمضت منار عينيها في نشوة عارمة ….. واستسلمت لحلم زائف ظنت أنه سيتوجها ملكة على عرش صهيب الشامي ….. كانت أنفاسها تتسارع بزهو وهي تنتظر ملامسة الخاتم لإصبعها …..

وفجأة انطفأت الأنوار وساد صمت مريب قطعته شهقات متتالية دوت في أرجاء القاعة.

ومع تسلط أضواء الخفية ….. تحول الفستان الخرافي إلى لوحة من العار ….. ظهرت عليه كلمات مكتوبة بمادة مشعة تكشف المستور وتفضح المسكوت عنه ….. عبارات مخزية تصف غدرها ووضاعة فعلها وسواد قلبها ….. وكأن الفستان صار مرآة لروحها القبيحة أمام عيون النخبة.

بدأت الهمسات تتصاعد كفحيح الأفاعي . والضحكات الساخرة تنهش في هيبتها المزيفة ….. وهي لا تزال واقفة في ظلامها الاختياري ….. ترسم على وجهها ابتسامة بلهاء وتحلم بالدبلة التي ستزين يدها.

مدت يدها بخيلاء وكبرياء فارغ ….. تظن أن سكوت الجمهور هو انبهار بجمالها ….. في تلك اللحظة ضحك صهيب ضحكة مجلجلة خرجت من أعماق قلبه المقهور ….. ونظر إليها بغل أحرق المسافة بينهما وهتف بفحيح سمعه القاصي والدانى….

فتحي عينك يا منار ….. فتحي وشوفي هديتك اللي تليق بمقامك.مسك يدها فخفق قلب فلك بنار الغيرة لكنها تفاجأت به يخرج من جيبه كلبشات حديدية ويوضعها في رسغ منار بقوة.

فتحت عينيها لتجد نفسها عارية من الستر أمام الجميع ….. كلمات القرف تملأ جسدها ونظرات الاحتقار تصوب نحوها من كل جانب …..

سقطت ابتسامتها وتجمدت الدماء في عروقها وهي ترى صهيب ينظر إليها كحشرة داسها للتو تحت حذائه.نظرت للكلبشات

صرخت منار بذهول ورعب…

إيه ده أنت مجنون ….. أنت بتعمل إيه.

نظرت إلى فستانها فصدمت من هول الكلمات المكتوبة عليه وصرخت بصوت مبحوح ….. إيه القرف ده أنت اتجننت.

هتف صهيب بجمود يزلزل المكان ….. بعمل اللي تستحقيه بغلك وطغيانك وأذيتك لخلق الله.

صرخت فيه بهستيريا ….. إيه مش هتطلبني للجواز.

ضحك صهيب بسخرية لاذعة وهتف ….. أنا أطلبك للجواز ….. أطلبك أنت ….. أنت مين أصلا….. أنت واحدة زبالة خاينة وغدارة اتجوزك ومعايا أميرتي.

نزل صهيب من فوق المنصة واتجه نحو فلك أمام الجميع وانحنى على ركبته تحت قدميها وهتف بصوت مسموع للكل….

فلك الجيار حرم صهيب الشامي ست الناس وستي أنا صهيب الشامي.

كانت فلك ترتعد من كم المشاعر المتضاربة داخلها فصرخت منار بجنون ….. لا كذب دي خاينة كذب.

استدار صهيب ونزل بصفعة عنيفة على وجهها أخرستها تماما وهتف ….. الخاينة دي تبقى أنت يا حرباية يا عقربة ….. هتقولي كلمة كمان هنسى إنك ست وهسمح بيكي المكان.

أشار صهيب لأحد الضباط الذي صعد وقبض عليها فصرخت بمنتهى الغرور ….. أوعى بتمسكني ليه أنا منار الجمال.

هتف صهيب وهو ينظر إليها باحتقار ….. ماسكك عشان تعرفي الخاين الحقيقي . فاكرة شركة الفهد ولا نسيتي.

جحظت عيناها من الصدمة فأكمل صهيب ببرود ….. الخاين اللي يغدر ويسرق ويطفش وياكل حق ناس بيغدر بيا أنا كمان … شركة الفهد اللي سربتي تصاميمها وهربتي وجيتي تعملي عندي مصممة يا جربوعة وأنت شغالة سرقة من كل مكان واخرتها تغدري بيا .. اللي زيك أخرته الحبس ويتحط في مقامه اللي هو الزبالة ..

وفي تلك اللحظات الحاسمة كان صهيب قد أعد كمينا لا يرحم لتلك الخادمة التي باعت أمانتها ….. فاستحضرها أمام الجميع وكال لها من التقريع واللوم ما جعل أوصالها ترتعد حتى انهارت تماما ….. وبدأت تعترف بلسان يرتجف بكل مكيدة شاركت فيها وكل كلمة زور نطقت بها لتشويه صورة فلك ….. ثم استدعى صهيب رجال الشرطة الذين كانوا يراقبون المشهد في صمت ….. ليتم القبض عليها بتهم الابتزاز والتجني والتشهير بالسمعة ….. و من خلفها منار لتزج هي الأخرى بالسجن وتدفع ثمن غدرها ….. وقف صهيب يراقب الخادمة وهي تسحل أمام عينيه بكلمات تقطر سما

كنتي فاكرة إن قرشك الحرام هيسترك ….. أدي مقامك وادي أخرة اللي يعض الإيد اللي اتمدت له بالخير.

صرخ عاليا يشير لمنار … خدوها بنظف شركتي من غلها.

صرخت منار وهي تُسحل خلف الضابط ….. لا لا ماتاخدنيش أنا منار ….. لااااا. وسط ضحكات وشماته الموظفين

توقف صهيب ونظر لفلك كان شيئا لم يكن وهتف برقة ….. حبيبتي جاهزة للديفيليه. وهيا ترتجف من داخلها ومن فعلته التي لامست قلبها.

بدأ العرض ومرت الموديلات تلو الأخرى لكن فلك استغربت لأن موديلاتها لم تُعرض فاعتصر قلبها الحزن وظنت أن صهيب لا يريد لأحد أن يلمع بجواره ….. ترقرقت الدموع في عينيها وهمست لنفسها بقهر ….. كنتِ مستنية إيه ….. واحد جاحد ومغرور وعنده الأنا هتخلص عليه ….. براند الشامي ماينفعش واحدة جربوعة تلمع جنبه.

استدارت لتغادر لكن صوته أوقفها وهو يعلن نهاية عرض براند الشامي ويقول بصوت جهوري….

دلوقتي خلص ديفيليه براند الشامي بس لسه فيه مفاجآت كتيرة ….. أول مفاجأة هي ومد يده وسطعت الأضواء بقوة فتفاجأ الجميع بشيء لا يصدقه عقل ووقفت فلك تنظر إليه وقلبها سيخرج من مكانه عندما……

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية سيد الكبرياء) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!