رواية النغم الحزين الفصل السابع 7 – بقلم فاطيما يوسف
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.
أنا امرأةٌ وضعني القدرُ في طريقِ الشوكِ، فمَدَدْتُ قَدَمَيَّ دونَ وَهَنٍ،
تَعَلَّمْتُ أن أَمْشِي على الجِرَاحِ بثباتٍ، وأن أُخْفِي أَلَمِي خَلْفَ صَمْتٍ شَامِخٍ،
لَمْ أَنْحَنِ لِرِيحٍ، وَلَمْ أَسْقُطْ أَمَامَ عَاصِفَةٍ، بَلْ ازْدَدْتُ صَلَابَةً كُلَّمَا اشْتَدَّ الْوَجَع والألمِ،
صَهَرَتْنِي المِحَنُ فَخَرَجْتُ مِنْهَا أَقْوَى، لَا أَشْكُو وَلا أَسْتَجْدِي أحداً مهما طال الزمنِ،
حَتَّى لَقَّبُونِي بالمرأة الْحَدِيدِيَّةِ، لَا لِقَسْوَةٍ قَلْبِي، بَلْ لِأَنَّنِي لَمْ أَنْكَسِر أبداً وأسير خطواتي بأملِ،
أَحْمِلُ أُنُوثَتِي كَرَايَةٍ، وَقُوَّتِي كَسَيْفٍ، وَكِبْرِيَائِي كَدِرْعٍ ولم أنظر ورائي بعزمِ الهممِ،
وَأَمْضِي فِي دَرْبِي وَرَأْسِي مَرْفُوعٌ، أَعْلَمُ أَنَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ رحمِ الْأَلَمِ، لَن يَهْزِمُهُ شَيْءٌ أبدا .
#بقلمي_فاطيما_يوسف✍️✍️✍️
كانت قاعدة ببجامة بنص كم وشعرها مفرود على ضهرها ووشها متزين بالميكب وكانت طلتها ولا طلة القمر وريحتها الحلوة سابقاها،
سمعت جرس الباب بيرن ، قامت تفتح بصت لقت “رابحة” في وشها، إحساس الخوف اتملك منها وحاسة إن رجليها مش شايلاها وخصوصاً لما سمعتها بتتكلم بتريقة وهي بتبص لها من فوقها لتحتها بنظرتها الكريهة:
ـ والله ونضفتي وبقيتي تلمعي ولا نجوم السيما يا بت حناوي بعد ما كنتي مقشفة والجلابية السودا ما هتتقلعش من على جتتك.
وكملت كلامها وهي بتزق الباب وهي واقفة وراه:
ـ ايه هتفضلي واقفة متنحة لي كَتير ومش هتقولي لي اتفضلي والله، وبقى ليكي مكان قافله عليه بابك ليل ونهار، وما هتساليش على اللي قاعدين وياكي في البيت؟
“نغم” بلعت ريقها بصعوبة وجواها مرعوب وقلبها بيدق من بقى لها كتير مستريحة من طلة “رابحة” ومن كلامها اللي بيسمم بدنها لأن “سند” مانعها إن هي تنزل وتروح لامه علشان مش عايز مشاكل ما بينهم هم الاتنين ولا عايز حد يسمع بيهم زي ما كانت عايشة مع “سمير” والدنيا كلها كانت بتسمع بيها كل يوم وفتحت الباب ورحبت بيها:
ـ لااه طبعا كيف؟ اتفضلي يا حاجة البيت بيتك ومحدش يقدر يمنعك تاجي بالليل أو في نص الليل.
دخلت “رابحة” وعلى وشها علامات النفور من “نغم” وأول ما قعدت طلبت منها بكبر وهي حاطة رجل على رجل في وشها:
ـ ايه هتفضلي واقفه متنحة لي كَتير ومش هتقولي لي اتفضلي والله، وبقى ليكي مكان قافله عليه بابك ليل ونهار، وما هتساليش على اللي قاعدين وياكي في البيت؟
“نغم” حركت راسها بموافقة وجواها بيدق بخوف ورعب من طريقة “رابحة” وكلامها ونظراتها ليها ولكل مكان في الشقة شكل ما تكون مستكترة عليها الراحة والنعمه اللي “سند” عيشها فيها ودخلت تعمل لها فنجان القهوة وهي بتدعي إن ربنا ينجيها من “رابحة” ودماغها وشرها وعملته لها وخرجت ناولته لها:
ـ اتفضلي يا حاجة فنجان القهوة كيف ما هتحبي مظبوطة على الشعرة.
أخدت منها القهوة وبدأت تستطعمها وبعد ما لقيتها عجبتها وطلبت من “نغم” إنها تقعد وهدت نبرة الكلام بتاعها شويه لدرجة إن “نغم” استغربت من طريقتها اللي أول مرة تتكلمها معاها بهدوء كده:
ـ تسلم يدك يا “أم محمد” اقعدي جاري عايزاكي في كلمتين على الماشي اكده .
قعدت “نغم” وهي مرعوبة من الكلام اللي هتسمعه واللي هي عارفاه وبدات “رابحة” كلامها بنبرة هادية خالص علشان هي مش عايزه مشاكل مع “سند” بسببها:
ـ قولي لي بقى هسالك سؤال وتردي علي طوالي من غير لف ولا دوران يا بت حناوي، انتِ رايدة ايه من ولادي ولا هتسحري لهم فين علشان اروح المكان داي ينجدنا منيكِ ومن عمايلك، أني جبت اخري خلاص وياكِ.
اتلجلجت “نغم” والخوف والرعب اتملكو منها بسبب نظرات حماتها القوية وبسبب كلامها الشديد وحست إنها هتعيط وهي قاعدة قدامها لكن حاولت تتماسك أعصابها وردت عليها بهدوء:
ـ هو أني كنت عِملت ايه لدي كلاته يا حاجة علشان خاطر تقولي لي الكلمتين دول، هو اني بتاعت اسحار ولا الكلام الفاضي داي، أني من ساعة ما جوزتوني الجوازة داي وأني ما هخرجش من الشقة ولا هروح يَمين ولا شمال ولا هكلم حد ولا هتحدت مع صنف مخلوق واصل.
زمت “رابحة” شفايفها بتهكم وهي بترفع حاجبها باستنكار لكلام “نغم” وجابتها بنظرة من عينيها من فوقها لتحتها وهي بتسألها:
ـ الا قولي لي يا بت حناوي هو ولدي “سند” هيشوفك بهيئتك داي، اصل احنا متفقين إن الجوازة على الورق وبس، ولا انتي ليكي رأي تاني رايدة اسمع منيكِ.
حركت “نغم” راسها برفض وهي بتحاول تلم شعرها ولقت تحجيبه جنبها لبستها على راسها:
ـ لاه، يا حاجة هلبس حجابي وعبايتي وقت ما يكون حدانا اهنه، وبعدين اني ما فهماش حاجة انتي تقصدي ايه بكلامك دي؟
ـ اصل شايفاكِ ما هتنزليش من شقتك، وطلعت عليكي لقيتك متزيَنة كيف العرايس على سنجه عشرة، فأني حابة اقصر الطريق عليكي وافهمك إن اللي في دماغك مش هيحصُل، ما هتقدريش تفرقي بين ولادي ولا تقيدي حبل الدم بيناتهم، وتفضلي على ذمة “سند” وتتحامي فيه، أني اللي هقفلك لو اللي في دماغك داي هو اللي انتِ رايداه.
ـ اني ولا رايدة حاجة ولا عايزة أفرق ما بين ولادك، ولا رايدة جواز من الأولاني ولا رايدة أكمَل مع التاني، كل اللي اني رايداه اني اعيش اني وولادي في أمان بَعيد عن ابنك “سمير” واللي في دماغك يا حاجة ما حصـُلش .
ـ شوفي بقى في حاجة فايتاكي، وقلت اطلع ارميها في حجرك نصيحة مني من الحاجة “رابحة” علشان ما تقوليش إني منبهتكيش يوم ما تحصُل، انتِ دلوك اتجوَزتي راجل تاني غير ابو عيالك، ويوم ما تفكِري تغدري وتكملي في الجوازة داي وتغري ولدك الكبير وتعلقيه بيكي وبدلعك الماسخ وبلبسك والحاجات التافهة داي الموجودة في كل ست وتقدر أي ست تعوضها له، هاخد منك ولادك بحكم من المحكمة علشان اتجوَزتي، لأن أمك ست مريضة وعلى فراش الموت، والمحكمة هتحكم ليه بحضانتهم من أول جلسة، وكمان هاخدهم وهعيش ويا “سمير” في المكان اللي هيعيش فيه، وما هتشوفيهمش تاني واصل لو ما نفذتيش اللي هقول لك عليه.
” نغم” اتصدمت من كلام حماتها وآخر حاجة في الدنيا كانت تفكر انها تسمعها هو التهديد ده وعيونها لمعو بالدموع وهي بتترجاها:
ـ أحب على يدك يا حاجة طلعي ولادي من الحوارات داي واني هعمل اللي إنتي رايداه، بس بلاش ولادي ما ليش غيرهم في الدنيا، والله ما عِملت حاجة من اللي في راسك داي واصل.
ابتسمت “رابحة” بانتصار وهي بترد عليها بقوه وجبروت ماليين صوتها ونظراتها وحتى قعدتها:
ـ حلو قوي بعد اكده ترجعي تلبسي عبايتك السمرا وحجابك على راسك تاني، ما هتقلعيهمش واصل، ومهما يحاول ولدي يقرب منك قيراط تبعدي عنيه أربعة وعشرين وتكرهيه فيكي، وما يشوفش منك إلا النكد والهم والغم علشان يطفش من العيشة وياكي بدري بدري ونخلُص منيه الموال دي، وحاجة كمان اوعاكي تقولي له على الاتفاق اللي بيني وما بينك دي، يا إما ما هخلي لك يا “نغم” وهعمل اللي في راسي وهحـ.ــرق قلبك، كله إلا ولادي إنهم يمسكوا في بعض علشان حرمة.
هزت “نغم” راسها بموافقة وهي مغلوبة على أمرها لأنها ما تقدرش تستغنى عن ولادها ولا تقدر تعيش يوم واحد من غيرهم وهي عارفة إن “رابحة” قوية وممكن تنفذ تهديدها لو ما عملتش اللي هي قالت لها عليه:
ـ حاضر يا حاجة هعمل لك اكده، والله ما هقول لـ”سند” حاجة، بس بلاش ولادي وبلاش تاخديهم مني وتروحي تعيشي عند “سمير”، هو دايما كان هيضربهم وما هيعرفش عنهم حاجة وما هيحنش عليهم واصل، صدقيني أني ما ليش غرض في أني أكمل الجوازة داي، كل حاجة عِملتها علشان خاطر ولادي وكل حاجة هعملها علشان خاطر ولادي، وانتو اللي أجبرتوني عليها الجوازة داي .
ابتسمت “رابحة” بخبث وهي بتطبطب عليها بحنية زايفة:
ـ جدعة يا “نغم” وأوعدك إنك لما تطلقي وترجعي لـ”سمير” هخليه كيف الخاتم في صباعك ويعاملك زين، وما هخليش حد يسمع بيكم تاني واصل، بس اسمعي الكلام وامشي وراي وسيبيكي من “سند” والوعود الواهية اللي هيوعدك بيها، كل داي علشان ينولك، وهو الراجل هيعوز ايه من الست غير جسم يتمتع بيه، وبعد ما يزهق هيقول لها أمك في العِشّة ولا طارت، طول ما أنتي هتنفذي اللي هقول لك عليه طول ما أنتي هتُبقي في أمان أنتي وعيالك.
وكملت كلامها وهي بتأمرها تنزل تخدمها وكل ده علشان تفضل تذلها وتبقى تحت ايديها تستعبدها طول النهار لحد ما يجي عليها الليل تنام مهمودة من كتر التعب:
ـ وحاجة كمان ارجعي انزلي تاني للدار وحشتني ريحة وكلك وغسيلك لهدومي ما حدش هيعرف يعملهم غيرك.
بصت لها ” نغم” بحزن وهي بتعرفها أوامر “سند”:
ـ والله إن كان عليا يا حاجة، إنتِ عارفاني ما هحبش القعدة، بس سي “سند” محرج عليا إني أنزل تحت، وقال لي لو جيتي ولقيتك في الدوار تحت هيبقى يومك مش فايت، لو عايزاني أنزل أعمل لك اللي إنتِ رايداه من عيوني، قولي له يديني الإذن، وأني من النجمة هكون تحت رجليكي.
خلصت كلامها وتهديداتها، وسابتها ونزلت، أما “نغم” فضّلت تعيط وتشهق جامد من الظلم اللي هي حاسّة بيه بسبب حماتها وجبروتها وتهديدها، وشكل اللي جاي وأيامها مع “سند” مش هتعدي بالخير، وقررت إنها تنفّذ اللي هي عايزاه بالحرف الواحد.
*******
راجع من شغله وقلبه بيسبقه قبل خطواته وهو حاسس انها وحشاه جداً ، قعدته معاها اليوم اللي كان بايت عندها لسه حافظها بكل تفاصيلها ومعلمة في قلبه قبل عقله، وخصوصاً بعد كلام الشيخ “صالح” معاه، إنه لازم يقرب منها وانها حلاله ، شكل ما يكون ربنا جعله سبب علشان عذاب ضميره وهو كان بيفكر فيها وفي كل تفاصيلها ليل ونهار،
الليلة اللي فاتت قضاها عند “دعاء” كعادته ليلة باردة بيصاحب فيها وحدته،
وصل أخيراً البيت وطبعاً قبل ما يدخل رن الجرس وبعدين دخل ،
كانت لسه خارجة من المطبخ وسمعت الجرس عرفت انه هو اللي جاي لقيته في وشها، استغرب جداً شكلها، لكن رمى عليها السلام ببسمة صافية:
ـ ازيك ياللي اني من غيرك مهعرفش اشرب شاي ولا قهوة ولا عارف احكي الحكاوي اللي حداي لمين؟ بصي أني من غيرك تايه توهان وكل دي في ليلة واحدة بس.
وكمل كلامه وهو بيغمز لها بشقاوة وكل ده وهو قاصد يفتح معاها مواضيع:
ـ شكلك ليكي تأثير كَبير وبعد اكده مهقدِرش على بعدك واصل .
قابلت طريقته معاها وغزله ببسمة خالية من الروح ووش متصنم قدامه وهي بتشكره بطريقة ناشفة:
ـ متشكرة لذوقك، ادخل احضر لك العشا ؟
رفع حاجبه باندهاش من طريقتها الناشفة:
ـ الله ، إنتي تعبانة ولا حاجة ؟
وكمل كلامه لما لقاها مبتبصلهوش من الأساس:
ـ وبعدين هو احنا مش كنا بطلنا حوار العباية والطرحة اللي على راسك دي يا “نغم” هانم ولا ايه اللي هيدور في دماغك واصل توعيني ليه ؟
دارت عيونها بعيد عنه وهي بتبلع ريقها بصعوبة ومش عارفة ترد عليه بإيه، وعملت نفسها مشغولة بترتيب المكان وجاوبته بصوت واطي وبكلام مختصر:
ـ عادي يعني داي طبيعتي في البيت ودي اللي المفروض يتم بيناتنا يا “أبو مازن” .
ـ “أبو مازن” ! لااااه بقى إنتي فيكي حاجة متغيرة … قالها بتعجب من طريقتها الناشفة معاه في الكلام ومن اختصارها للإجابة وكمان من وقت ما جه وهي بتداري عيونها عنه لقى نفسه بيشدها من دراعها وبقت محاصرة بين ايديه الاتنين وعيونه بتبص لها بنظرة لوم شديدة وسألها:
ـ انتي مالك فيكي ايه بالظبط وحالك انقلب اكده ليه مرة واحدة يا “نغم” ؟
مكنتش قادرة تتكلم ولا تقول له على القهر اللي سمعته من أمه، مش قادرة تبوح وتكشف عن اللي في قلبها وهي عارفة إنه هيريحها، وكل لما تبص له وتشوف في عينيه نظرة الأمان ليها وأنها متخافش تفتكر تهديد حماتها إنها هتاخد عيالها وتحرمها منهم وهي اتحملت ده كله علشان خاطر عيالها :
ـ أني زينة ومفيش حاجة عاد، صدِقني، المرة اللي فاتت ومكنتش بعبايتي وحجابي كانَت صدفة، واحنا بيناتنا اتفاق وأظن انت عارف .
هزها من كتفها ومن جواه حاسس بنار بتشب بين ضلوعه، كان مفكر ان الليلة اللي قضوها مع بعض وهما بيحكوا كل حاجة عن حياتهم هتقرب منهم اكتر، ودلوقتي بالذات وبعد كلام الشيخ نظرة الإعجاب اللي كانت في عيونه ليها اتبدلت لعشق فضاح عيونه ونبضات قلبه بيصرحوا بيها ، غير كلام الشيخ اللي ثبت إعجابه ليها وبنى ليها جواه برهان قوي إنه يقرب وينهل من رحيقها وهو هادي البال ومطمن، وقرب منها وهو مش قادر ميقربش، ثبت نظراته اللي بتتمناها بشدة، ورغبته فيها كل يوم بتزيد عن اليوم اللي قبله وهو بيحضن وشها بين ايديه، وبيهمس لها برجاء:
ـ أني مفاهمش إيه سبب تغييرك دي يا “نغم”، ولا هفهم ليه رعشة جسمك داي دلوك وانتي بين يدي، أني كنت جاي ملهوف لقعدتنا وسهرتنا سوا كيف أولة امبارح ، كنت هاجي ملهوف اني أطلع لطلتك البهية، آجي الاقاكي مهمومة وملتمة حالك اكده.
وكمل كلامه وهو بيشاور على المكان حواليهم:
ـ انتي اهنه هتعيشي في مملكتك محدش هيعيش وياكي فيها، البسي اللي على كيفك واللي يحلى لك، البسي اللي هيريحك .
وفجأة لقى نفسه بيرفع ايديها وبيبوسها برقة زلزلتها وخلت أعصابها سايبة، وكمل كلامه بصوت مبحوح وهو بيسألها:
ـ طمنيني جرح يدك عامل ايه دلوك، وكمان ليه هتنضفي بنفسك هي البت اللي بعتها لك الصبح علشان تشوف طلباتك مخلتيهاش تعمل اللي انتِ رايداه ليه وانتِ تقعدي كيف البرنسيسة تعملي اللي هتحبيه.
مكانتش قادرة تقف قصاده ولا قادرة تقاوم نظرات عيونه ولا همساته ولمساته الحنينة الناعمة اللي عمرها ما جربتها، جواها صراع كبير ما بين إنها عايزة تقرب ومابين كلام حماتها وعند ما افتكرت كلام حماتها شدت ايديها من ايده برفق، وهي بتحاول تبعد ايديها عنه:
ـ لاه عادي اصلي ممتعوداش على القعدة والمكان حوالي مكركَب.
وحاولت تتهرب منه وهي بتسأله:
ـ اروح اجهز لك العشا واحطه لك على السفرة وهدخل انام لأني مصدعة شوي.
رفع حاجبه وجواه بقى مخنوق ومش طايق نفسه من تجاهلها، كل لما يقرب قيراط هي تبعد عشرة، كل لما يطنش تجاهلها ويحاول يفهم اللي جواها وحالتها اللي مش طبيعية تتهرب ومتحكيش، جاب آخره منها مش متحمل طريقتها ولا متحمل إنها تضيع الليلة اللي بيتمناها معاها وكان ممني نفسه بيها، نبرته الحنينة اتبدلت لصوت عالي ومليان ضيق:
ـ أني لحد دلوك عمال اطبطب وأهنن وأدلع وأطمن الهانم انها متخافش من أي حاجة طول ما أني موجود، هحاول اعمل كل اللي هيقربني منك كل ساعة وكل دَقيقة وانتي بتحاولي بكل قوتك انك تعملي حساب لكل اللي حواليكِ إلا أني، ولآخر مرة هسألك يا “نغم” مالك، وايه اللي بدل أحوالك ؟
مين اللي خوفك وخلاكِ حتى ترتعشي وانتِ بين يدي بالشكل دي ؟
كان ردها عليه الدموع والشهقات اللي صوتها على، كان القهر والضعف اللي ساكن عيونها، كان الصمت اللي قرب ينفـ.ـجر جواها من حكم اتجبر عليها من حماتها وهي مش قادرة تتكلم، واقفة على حفرة من وقدامها نار ووراها بنزين لا قادرة ترجع لورا ولا تقدم لقدام:
ـ لا حول ولا قوة إلا بالله ، هو إنتي العياط عِندك أسلوب حياة، طب اعمل إيه دلوك علشان أفهم حالتك داي سببها ايه؟
ولا المفروض إني أنجم وأشوف الطالع علشان أعرِف سبب حالتك المهببة داي!
كتمت شهقاتها وهي بتحضن وشها بين ايديها، قرب منها تاني ومن جواه بيتحسر على حالتها، وشدها لحضنه وبقى يطبطب عليها وحاول يهديها:
ـ طيب ممكن تهدي، أرجوكِ يا “نغم” اني رايد أساعدك، مقادرش اشوف دموعك، ولا قادر اوصل لسبب حزنك وقهرك، ولا عارف اعمل إيه تاني علشان أخليكي تنسي الخوف من اي حد أيا كان، ارمي حمولك كلاتها علي وأني هشيل عنك يا “نغم” ، خليكي واثقة انك بقيتي تهميني قوي، وها قولي لي بقى عاملة لنا عشا ايه النهاردة وهتتعشي وياي.
حاولت إنها متحسسهوش بحاجة وهي عارفة إنه لو عرف ان امه قالت لها حاجه او هددتها هينزل يبهدل الدنيا وساعتها “رابحة” هتنفذ تهديدها وهتاخد منها العيال فمسحت دموعها وجاوبته بابتسامة صافية وقررت إنها تتجاوب مع حنيته عليها ولو بالظاهر وجاوبته:
ـ متقلقش علي اني زينة، وحاضر هتعشى وياك وكمان “محمد” زمانه راجع من درس القرآن ويتعشى ويانا،
أني عاملة كفتة ومكرونة وسلطات، الوكلة اللي هتحبها.
ابتسم لها وهو بيخلع حجابها من على راسها وشعرها البني اللامع ساب على ضهرها فاستغل الفرصة وقرب منها وهو بيمسك خصلات شعرها بين ايديه وبيتغزل فيهم بعد ما رمى حجابها بعيد عنهم:
ـ تعرِفي إنك قمر قوي وانتِ بشعرك وعلى حريتك، ياريت بلاش تلبسيه تاني واني موجود، وكمان بلاش العباية السودا داي ، هتُبقى زينة قوي في البجامات.
وكمل كلامه وهو بيغمز لها بعبث خلاها بقت مش على بعضها:
وخصوصاً اللوك الأخير اللي شفتك بيه آخر مرة .
وشها احمر وبقت واقفة قدامه بأعصاب سايبة ومش قادرة تبص جوة عيونه، أول مرة تقابل في حياتها البطل الحقيقي اللي كان بيزورها في أحلامها، أول مرة تقابل راجل بجد لدرجة انه بيمهد لبوسة ايديها ببسمة وغمزة وطبطبة وحنية، “سمير” كان كل يوم يجرها لحضنه بالضرب والإهانة والغصب على عشرته:
ـ انت ربنا وهبك قلب حنين وطيب قوي، انت كمان تقريباً نسخة واحدة ومفيش منك اتنين في الدنيا كلاتها.
شاغبها وهو بيسحب ايديها الاتنين وبيحضنهم جوة ايديه برغبة:
ـ هو انتِ محداكيش كلام حلو تقوليه لي غير اني طيب وحنين وجدع؟!
وغمز لها وهو بيكمل بمكر:
ـ مفيش انت وحشتني قهوتك، وحشني ريحة أنفاسك وسهرة كيف المرة اللي فاتت، وحشني قربك مني ونقضي ليلة نحكي فيها لبعض يومنا كان عامل كيف وخصوصاً إني كنت هبات امبارح بعيد عنك، الحاجات داي اللي بتقولها كل ست لجوزها كان هيغيب عنها ليلة بحالها؟!
ـ جوزها… كلمة خرجت منها بدهشة وجواها مهزوز جدا ومتوتر ومكسوف من همساته ونظراته، فخطف هو الكلمة من لسانها وهو بيقطب جبينه بدهشة من تردد الكلمة على لسانها بطريقة غريبة:
ـ آه جوزك ولا المأذون اللي كتب الكتاب والناس اللي حضرت وباركت وهللت للعروسة وعقد الجواز اللي مطبوع عليه صورتي وصورتك والحاجات داي كلاتها متدلش إني جوزك ولا ايه يا أستاذة ؟!
وقرب منها وهو بيمسك دراعها لأول مرة بغضب شديد ونظرته ليها ألف معنى ومعنى بسبب إحساس الغيرة اللي شب بين ضلوعه بسبب استنكارها لكونه جوزها:
ـ واعملي حسابك يا “نغم” ماضيكي القديم تنسيه واصل وحكاية الجواز الصوري داي مهتدومش ورجوع لـ”سمير” مهيحصُلش، والكلام دي تحطيه حلقة في ودانك متنسيهوش واصل، وصبري وياكي الشهرين دول على إتمام جوازنا ماهو إلا تمهيد علشان تاخدي على وجودي وطبعي وأعرِفك زين وتعرفيني زين لأني مهحبش الغشم في علاقتي بين وبين مرتي.
وكمل كلامه وهو بيأكد عليها كلمة إنه جوزها:
ـ وانتِ مأمورة انك تطيعي جوزك فهماني زين جوزك.
شهقت بصدمة من كلامه ونظرات الرغبة اللي في عيونه ليها وخصوصاً إنها بقت صريحة قولاً وفعلاً ولسانها نطق وهو بيرجف ونظرات الهلع اللي في عيونها بتحكي حكاوي :
ـ كيف الكلام دي يا “سند” انت اكده هتفتح باب نار علينا اني وانتِ مهينسدش واصل ، نار هتـ.ـحرقنا كلاتنا ومهنعرفش نطفيها ابدا، لازمن تتراجع عن اللي في راسك دي وننفذ الاتفاق، أني مهقدرش لا على “سمير” ولا الحاجة واصل هيبهدلوني .
نظرات الغضب قادت عيونه ولمعت بضيق شديد وغيرة وإحساس الرجولة والكرامة وإحساس إنه بيهينهم وياه بسبب كلامها خلاه زاد في غضبه أكتر وعلى صوته :
ـ كانك متجوَزة عيل اياك ممتجوزاش راجل يا هانم؟!
هو أني في وجهة مش راجل كفاية علشان مقدرش ادافع عن أهل بيتي ؟!
ولا انتِ مفكرة إني هرضى اكون شرابة خرج في يد الحريم و”سمير” تلعبوا بيا الكورة على حسب راحتكم ؟!
لازمن تحطي في اعتبارك إني مش هعمل غير اللي قلت لك عليه دلوك، وللمرة المَليون هقول لك بلاش اسلوب المسكنة والضعف اللي هتعيشي فيه دي انتي بقيتي مرت “سند الناجي” اللي طليقك اللي هتترعبي منيه دي كان هيخاف ويكش بمجرد ما يسمع صوتي ويحس بوجودي، كان هيفر من مكانه بمجرد ما يعرِف إني وصلت .
بكت بشدة ودموعها الحبيسة نزلوا على وشها وهي جواها نفسها تعيش وتكمل وياه، نفسها في قربه وحضنه وضمته وعيشته كلها هي امنياتها، حتى أحلامها وهي نايمة مش عايزة حد يزورها فيهم إلا هو، لكن المكتوب مفيش منه مهرب ولا مفر ، وردت عليه باللي زاد غضبه أكتر :
ـ اللي في دماغك مينفعش يحصُل أبدا ولازمن تعرِف ان طليقي دي يُبقى أخوك ابن أمك وأبوك، لازمن قبل ما تفكِر تقرب ناحيتي تفكِر وقتها انك هتبعد مسافة الحب والأخوة بينك وبينَه وهتقرب مسافات من الدم مهتنتهيش يا “سند” .
ضرب الكنبة برجله والعصبية والغضب قلبوا معاه لجحيم وهو خلاص وصل معاهم كلهم لطريق مسدود:
ـ اخوي ، اخوي! ملعون ابو الإخوة اللي هتنقص من رجولتي وتخليني شخشيخة في يده ويضحك الخلق علي كمان،
ملعون ابو الدم اللي هيجري في عروق الجبان دي اللي هيفضحنا كل يوم والتاني وسط الخلق وأني اللي المفروض أتحمَل بلاويه شرق وغرب وليل ونهار تحت مسمى اني الكَبير،
خلاص وقت الدلع والمسايسة والتنازل عن الكرامة والرجولة ليه انتهى عاد، لازمن يتعلَم إن فيه عقاب لقلة أدبه، لازمن يتحرم من أي نعمة ادهاله ربنا ومهيحافظش عليها علشان يُبقى كيف الرجالة صُح، لازمن يسيبه من الأنانية اللي هيعيش فيها ويفكِر في اللي حواليه قبل ما يفكِر في حالَه ، من الآخر انسي اللي في دماغك دي يُحصُل يا “نغم” ، خلاص اسمك بقى مرتبط باسمي لحد ما اموت .
شهقت بصدمة والخوف من اللي جاي زلزل كيانها والخوف على عيالها قبل نفسها خلاها نطقت باللي جواها:
ـ فكرت في حالك وفي كرامتك وفي رجولتك ويا اخوك، وفكرت في شكلك ومنظرك قدام الخلق، ونسيت اهم شي، نسيت إني حداي عيلين منيه هيطولهم أذاه وظلمه وجبروته، نسيت إني مهملكش في حياتي ثمرة حب وخير غيرهم يا “سند” ، كانك مواعيش خوك هيعمل فيهم إيه، وهيستغلني ويذلني بيهم كيف؟! انت اكده هتفتح بيبان نار علي اني وعيالي من اخوك وامك وحتى مرتك واني أضعف مما تتخيل إني أسدها .
ـ بطلي بقى تعيشي في الخوف والرعب ، بطلي تخافي وانتي بقى معاكِ السند الحقيقي اللي كان هيسندك صُح وإنتي حتى على ذمته ، فكري في نفسك وسعادتك واختاري “نغم” ولو مرة واحدة في حياتك علشان لو اختارتي نفسك وسعادتها وجربتي تعيشي معنى السعادة وراحة البال صدقيني هتستقوي وطالما استقويتي يُبقى هتدافعي عن وجودك وكرامتك كست بيدك وسنانك، ووقتها اللي هيفكِر يضرك ولا يقرب من عيالك هتاكليه بسنانك وكل، عيالك ممحتاجينش أم ضعيفة كانوا هيكبروا ويشوفوها بتتهان وبتنضرب وبتتبهدل كل يوم وهتسكت، اكده هيورثوا الضعف وقلة الحيلة منك ومهيعرفوش يدافعو عن حالهم أبداً.
ـ طب ولما ياخدوهم مني علشان اتجوَزت وبردوا هيتبهدلوا وهيتذلوا اكتر ما هيعيشوا وياي وقتها اعمل ايه قل لي ؟
ـ محدش هيقدر يقرِب منك ولا منيهم طول ما أني عايش وفيا الروح ، محدش هيقدر يمسك ولا بكلمة طول ما انتي على ذمتي واصل .
وكمل كلامه وهو بيحاول يهدى ونبرة الغضب اتبدلت لنبرة حنان وهو بيسقيها من جرعات الأمان وبيزرعها جواها علشان تطمن وهو بيمسح دموع عينيها:
ـ اتعودي دايما تتمسكي بحقك في انك تعيشي وتتنفسي بحرية، اتعودي انك تقفشي قفش في اليد اللي هتمسح دموعك وتحن عليكي، اطمعي في حقوقك اللي ربنا ادهالك بشراهة وامسكي في سعادتك بقبضة من حديد، اتعودي يا “نغم” انك تتنفسي الحب الحقيقي بدل الغصبانية، اتعودي تقولي في وش اللي هيخلي حياتك جحيم أني مهخافش بكل قوة ولسان متشبس وقتها هتحسي انك في مركز قوة وعيالك كمان .
اتململت بضعف بين ايديه اللي حاضنه وشها وعيونها الاتنين مغمضين، كانت في اللحظة دي بالذات أشبه بالقمر من براءة وشها بين ايديه، حالة الضعف والاستكانة اللي هي فيها بين ايديه خلت قلبه بدق يدق من تلاها برغبة ومبقاش قادر يسيطر على أعصابه، ولقى نفسه بيهمس لها بصوت رجولي خشن من فرط إحساسه بيها وقربه منها وحالة الضعف اللي هي فيها:
ـ “نغم” اني محتاجك قوي ، محتاج قربك ورقتك ونعومتك، محتاج نكون واحد ونقرب من بعض، محتاج أحس اني جوزك وأسكن حضنك ووقتها هتطمني اكتر واني كمان هطمن اني لقيت نعيمي بين ايديكي .
جسمها اتفكك من كلامه وريحة أنفاسه، وتصريحه من رغبته بيها، مشاعر جديدة عليها عمرها ما جربتها ومش عارفة تقرب ولا تبعد، تجاريه وتسرق من الزمن وياه سعادتها وهناها وتنسى كل الضغوط اللي حواليها وعند الكلمة دي افتكرت نظرات “رابحة” القوية وتهديداتها ، واللي كانوا أقوى بكتير من جيوش العاطفة اللي هيصبها عليها،ولقت نفسها بتحاول تفك جسمها من قبضة ايده وهي بتترجاه بضعف زلزل كيانه اكتر :
ـ طب ممكن تديني فرصة استوعب وافكر وأخد عليك يا “سند”، اديني فرصة ادواي فيها ضعفي وأقوي قلبي وأمهد لنفسي الخطوة الكبيرة دي علشان أقدر أكون معاك كيف ما تتمنى؟
ابتسم لها برجولة وهو بيحضن وشها بين ايديه وبيبوسها من عيونها اللي بيلمعوا بالدموع وقال لها بنظرة أرجفتها :
ـ من عيوني يا “نغمي” اني أصلا مهحبش الاستعجال في أمور القرب، هحب لحظات البدايات اللي هتخليني أبنى جواي ليكي أنهار من العشق اللي هسقيكي منها وقت ما تكوني جاهزة، بس اوعديني إنك مهتتأخريش علي .
دارت عيونها بعيد عنه وهي بتوعده:
ـ حاضر يا “سند” حاضر هوعدك، ممكن بقى أدخل اشوف الوكل .
لسه هتمشي شدها من ايديها وهو بيبص لهيئتها بعدم رضا :
ـ قبل ما تدخلي المطبخ ادخلي أوضتك واخلعي العباية داي والبسي اللبس اللي هتحبيه واللي أني عحب أشوفك بيه ، ولازمن تتعوَدي تلبسيه قدامي وقدام عيالك علشان ميتعودوش إني في وجودي هتتلتمي اكده، لازمن ياخدو على وجودي في حياتك اني جوزك مش مجرد عمهم.
حاولت تتهرب منه وهي داخلة على المطبخ:
ـ حاضر ، بعدين هدخل اغير .
نفخ بضيق من تصميمها:
ـ وبعدين وياكي يا “نغم” أني مهحبش اسلوب التطنيش وتكبير الدماغ دي، ولا هحب كمان إنك تاخديني على كد عقلي، واللي خلق الخلق اجي أخلعها لك اني العباية اللي شكلها يسد النفس داي ، هكرها عليكي يا شيخة، مهحبهاش واصل ومهحبش اشوفك إلا وانتي في أبهى صورة وشعرك مفرود على ضهرك .
وقرب منها وهي بيشدها لحضنه وبين ايديه :
ـ ها، هتدخلي دلوك تظبطي حالك ولا أظبطه لك أني بطريقتي اللي مش هتضمني اللي هيحصُل بعديها .
بعدت عنه بسرعة وهي بتجري على أوضتها قبل ما يتهور وخلعت العباية السودا اللي هي ذات نفسها بتكرهها ورميتها بطول دراعها وهي بتبص لها بكره وغيرت هدومها ولبست بجامة تايجر بأكمام وفردت شعرها على ضهرها وبصت لنفسها في المراية وهي مرعوبة لا حماتها تعرف، لكن حاولت تهدي أعصابها وتشحن جواها قدر الإمكان من كلام “سند” علشان تتقوى بيه ، وخرجت وهي مكسوفة منه ومن شكلها الملفت للنظر، لدرجة انه لما شافها وجه أنظاره ليها وتنح قصادها ونبضات قلبه وعروق رقبته برزت وهو بيحاول يمسك نفسه إنه ميقومش يقرب منها ويشيلها ويدخل بيها جنته ويدوق من جنة عيونها وخجلها وجمالها اللي دوبوه،
ولقى نفسه بيبعت لها غمزة وبسمة ونظرة دوبتها وبوسة في الهوا وكلمتين غزل :
ـ كيف القمر في ليلة تمامه، أني اكده هضيع منك ومهقدرش على الصبر ولا هقدر على المقاومة يا نغمة عمري .
اتكسفت من غزله واكتفت بابتسامة حالمة رقيقة اترسمت على وشها الجميل وسابته ودخلت على المطبخ تكمل الأكل ومفيش دقايق وابنها جه لقى عمه قاعد بيتفرج على التلفزيون، جري عليه وهو بيحضنه:
ـ عمي “سند” اهنه، اني هحبك قوي يا عمي.
حضنه “سند” بحنان وهو بيرد عليه :
ـ وأني كمان هحبك قوي يا قلب عمك، ها قل لي سمعت القرآن النهاردة زين ولا كسفتنا؟
ابتسم له الطفل بسعادة وهو بيحكي له بحماس:
ـ سمعت زين قوي يا عمي والشيخ خلى العيال يسقفو لي جامد وقال لي إن صوتي حلو قوي في التلاوة واني لازمن أروح مكان اكده هيعلمني أصول التلاوة صُح لاني حداي موهبة لازمن تُستغل صُح، وكمان طلب مني اني لازمن اجيب امي وياي الحصة الجاية لأمر ضروري .
نطق “سند” بغيرة وهو بيردد باستنكار:
ـ امك مين داي اللي تاجي وياك؟!
لاااه اني اللي هروح وياك وهشوف الشيخ دي رايد ايه واللي فيه الصالح اني هعمله لك يا حبيبي .
ونادى على “نغم” وهو بيقول لها :
ـ احنا هندخل البراندا هاتي لنا الوكل هناك وابقي صحي “سما” تاكل ويانا هي كمان .
واخده ودخل على البراندة وقعد يسأله أسئلة كتير والولد يجاوب بحماس لحد ما سأله السؤال اللي قعد يلف ويدور لحد ما وصل له :
ـ تعرِف انك بقيت راجل وهتخلي بالك من والدتك واختك في غيابي واي حد هيزعلهم هتقول لي طوالي ومهتخبيش عني واصل حتى لو امك قالت لك متقوليش لازمن تعرِفني كل اللي هيزعلوها حتى لو كانت ستك “رابحة” بنفسها.
كان عايز يوصل لحاجة معينة في دماغه متأكد إنها حصلت و”نغم” مرضيتش تحكي له ومفيش غير الولاد هما اللي هيعرفوه، ولقى “محمد” وشه حزن فسأله:
ـ مالك يا “محمد” قلبت وشك اكده ليه هو في حد مزعلك ولا حاجة؟
جاوبه الطفل ببراءة وحزن:
ـ احنا يا عمي ما صدقنا استريحنا من ابوي وبهدلته لامنا وبهدلته لينا وضربه عمال على بطال لينا ، تاجي ستي “رابحة” تشندل عيشتنا اهنه كمان وتبهدل امي وعلت صوتها عليها جامد النهاردة، هي ليه ستي “رابحة” هتكره أمي قوي اكده يا عمي ؟!
“سند” نظراته اتبدلت واللي كان شاكك فيه بذكائه عرفه وسأل “محمد” بلهفة:
ـ بهدلتها كيف يعني يا “محمد” احكي لي يا حبيبي متخافش.
زاغت نظرات الطفل بخوف وهو ببجاوبه:
ـ مهقدرش افتن يا عمي امي علمتني إن الفتنة حرام وأشد من القتل ، وهي نَبهت علي منقلش كلام الكبار ولا اركز فيه ، وكمان أول ما ستي جت خلتني ادخل الأوضة أقعد أحفظ وردي ونبهت علي كمان مرميش ودني معاهم، وكل اللي كنت هسمعه هو صوت ستي العالي على امي وهي غضبانة وبعد ما مشيت خرجت لقيت امي مفلوقة من العياط.
اخده “سند” لحضنه وباسه من راسه بعد ما لمح لمعة الدمع في عينيه وطبطب عليه بحنان ودماغه بتودي يمين وشمال ودلوقتي عرف ايه سبب قلبة “نغم” وتغيرها واتأكد من اللي كان شاكك فيه وقرر انه يلاعب امه بهدوء زي ماهي بتلاعبه.
******
كان قاعد مستنيها زيّ كل يوم علشان تخرج تقعد معاه، من بقالها أسبوع وهي بترجع وبتخرج بترمي السلام عليه بطريقة ناشفة، وما بقتش تخرج تشرب كوباية الشاي معاه زيّ ما هي متعودة كل يوم، وبقى مش قادر يعرف إيه السبب، ولا قادر ما يسألش عنها ولا عن أحوالها، وكمان حاسس إنها وحشته، اتعود على وجودها في المكان، واتعود على قعدتهم مع بعض، وكان قاعد مستنيها، وأوّل ما وصلت رمت عليه السلام بجمود زيّ عادتها الأسبوع دي، وقبل ما تدخل شقتها نادى عليها:
ـ بعد إذنك يا “مهرة”، عايز أتكلم معاكي في كلمتين، ممكن ترجعي؟
ردّت عليه من ضهرها من غير ما تبصّ له:
ـ ما فاضيـاش، وراي مذاكرة وامتحانات، عايزة أخلصها بعدين.
قرب منها بخطوات سريعة قبل ما تدخل، ووقف قصادها وهو بيسألها:
ـ مالك يا “مهرة”؟ شكلك متغيّر، هو أنا زعلتك في حاجة ولا ضايقتك علشان المعاملة الناشفة دي بقالك أسبوع، ممكن أفهم في إيه؟
اتعصّبت عليه، لأنها من ساعة اللي حصل في الجامعة ونفسيتها متدمّرة، ورافضة إنها تتعامل مع أي بشر، حاسّة بالانكسار، حاسّة إنها مش عايزة تتعامل مع أي بني آدمين على وجه الأرض، واختارت العزلة وشغلها ومذاكرتها بعيد عن أي إنسان، لأن دي شخصية “مهرة” لما تحسّ بالانكسار:
ـ جرى إيه يا باشمهندس عاد؟ إنت هتدخل وراي الشقة كمان؟
رفع حاجبه بدهشة وهو مستغرب جدًا طريقتها الناشفة، فردّ عليها:
ـ لا بقى يا “مهرة”، في إيه إنتِ؟ ممكن أفهم بقى حصل مني إيه للمعاملة دي؟ ولا إنتِ بتحبي تخاصمي البني آدمين وتبعدي عنهم من غير أي سبب؟ بصراحة أنا مش هسيبك غير لما أعرف في إيه بالظبط.
ـ لا حول ولا قوّة إلا بالله، هو إنت كنت وليّ أمري ولا جوزي ولا خطيبي حتى علشان خاطر العشم اللي واخدك قوي دي؟ أني ما عايزاش أتكلَم ويا حد، ولا رايدة أتعامل ويا حد، ولا عايزة أشوفك ولا أشوف غيرك، ولا أتحدّت وياك ولا أتحدّت ويا غيرك، أني اكده طريقتي صعبة، فأحسن لك تبَعد عنّي.
ـ على فكرة إحنا بينا عيش وملح وجيران، وكمان أظن إن في الشهور اللي قعدناها مع بعض اتعرفنا على بعض بما فيه الكفاية، وكمان بقى في بينا مشاعر مختلفة، وإنتِ فاهماني كويسة أنا أقصد إيه، فلو سمحتي مش عايزين الناس في العمارة تسمع بينا، وتعالي نقعد نتكلم، قولي لي مالك ومين اللي مزعلك، يمكن تلاقي عندي الحل يا ستّي اللي يريّح بالك وأعصابك ويهدي التوتر اللي أنا شايفه في عينيكي ده، أنا سامع نبضات قلبك وإنتِ واقفة قدّامي من كتر ضغطك على أعصابك مع أي حد، حتى أنا، “مهرة” ، “نعمان” ؟
ـ ثواني بس اكده، مشاعر إيه اللي هتتحدّت عنيها داي إن شاء الله يا باشمهندس؟
ـ ما تحاوليش تداري إحساسي وإحساسك اللي اتولد بيني وبينك يا “مهرة”، ولمّحت لك عنه قبل كده ميت مرة، وكل مرة بتهربي، وكل مرة بقول مش وقته، لكن ما وصلش إنك تتجاهلي كل حاجة مرة واحدة كده، وتعدّي عليّ من غير ما أعرف يومك كان عامل إزاي، ولا أعرف عنك أي حاجة، بعد ما كنتِ بتقعدي معايا وتحكي لي كل حاجة صغيرة وكبيرة عن يومك، وأنا كمان بحكي لك، وفي الآخر عايزاني أتجاهل كل ده، وعادي كأن ما فيش أي حاجة بيني وما بينك.
لأوّل مرة دموعها المحبوسة تنزل، لأوّل مرة تضعف بسبب كلامه، لأوّل مرة حدّ يشوفها وهي بتعيّط ومكسورة، ولأوّل مرة تحسّ إنها عايزة ترمي حمولها واللي جواها على حدّ، دايمًا كانت بتشيل حمول كل اللي حواليها، ودايمًا كانت بتخفّف هموم أي حد بيتعامل معاها، أمّا هي عمرها ما اشتكت ولا كلّت ولا ملّت، لكن “نُعمان” له طريقة معاها خلاها لأوّل مرة تضعف، ولأوّل مرة تبكي، ولأوّل مرة مش قادرة تمسك أعصابها،
أمّا هو اتجنّن لما شاف دموعها وبكاها، مش مصدّق إن دي “مهرة” البنت القوية اللي كل يوم تحكي له على مواقفها، وتحكي له على أصحابها اللي في الجامعة اللي بيضايقوها، وإزاي هي بتردّ عليهم، بقى واقف قلبه بيتقطّع من جواه علشان دموعها، وبقى يبلع أنفاسه بصعوبة وطلب منها:
ـ أنا كنت عارف إنك مش طبيعية، وكنت عارف إن فيكي حاجة، أنا قلبي عمره ما يكذب عليّ أبدًا، ممكن يا “مهرة” تيجي نقعد وأعمل لك كوباية قهوة تظبط دماغك، وتحكي لي فيكي إيه، علشان أنا والله العظيم ما هسيبك غير لما أعرف.
مشيت جنبه وهي حاسّة إنها عايزة تتكلم وترمي حمولها على حدّ، ولأوّل مرة عايزة تحكي عن اللي وجعها، وعن اللي جواها من غير أي قيود، وقلبها بيقول لها إن “نُعمان” أحسن حد ممكن تحكي له، وتخرج له سرّها وتعترف له عن اللي في قلبها من غير ما تخاف،
مسحت دموعها بالمنديل اللي في ايديها، وهو راح لها بالقهوة ومدّ ايده بابتسامة مرسومة على وشّه وقال لها:
ـ أحسن فنجان قهوة من ايد الباشمهندس علشان خاطر ستّ البنات الدكتورة “مهرة”، اللي خلاص على وشك مناقشة الرسالة وهتبقى دكتورة، فهمي رسمي نظمي، ممكن تبتسمي علشان تقولي لي رأيك في القهوة وبعدين نتكلم.
أخدت منه القهوة وابتسمت له ابتسامة عابرة، وبدأت تحكي له عن حياتها من وهي طفلة صغيرة، وعن شغلها اللي حتى أهلها ما يعرفوش عنه حاجة، وعن كفاحها طول عمرها في إنها تبقى حاجة، وكل ده وهو قاعد يسمع ومصدوم من اللي بيسمعه، إن إزاي تكون البنت الرقيقة دي اتبهدلت واتمرمطت بالشكل ده، وكل ده وهي بتحكيه دموعها سابقة كلامها، شكل ما يكون الدموع المحبوسة جوّه عيونها أخيرًا أطلقت سراحها إنها تعبّر عن وجعها، وكمّلت حكاويها اللي توجع أي حدّ عليها وهو بيسمعها:
ـ وفي الآخر، بعد ما صوّروني واستغلّوا اني بسعى لوكل عيشي، وللهمّ اللي هشيله على كتافي، عملوا لي فضيحة في الجامعة بالفيديو، أي نعم أني ما سكتّلهمش، وأخدت حقي منيهم تالت ومتلت، وخلّيت أكترهم ياجي وراي ويعتذر لي، لكن جوّه قلبي حسّيت بالانكسار من المجتمع العقيم اللي إحنا عايشين فيه، اللي هيحاسبوني على عمل شريف من غير ما أمدّ يدي لحدّ، ولا أطلب حاجة من حدّ، ولا عمري رميت نفسي على حدّ، ومن وقتها وأني نفسيتي متدمّرة.
بقى قاعد يسمع كلامها وهو مصدوم من كمّ الظلم والقهر اللي هي عاشته:
ـ ياه يا “مهرة” على اللي إنتِ عشتيه وشوفتيه في حياتك، عمري ما كنت أتخيّل ولا أتصوّر اني أقابل حدّ زيّك في حياتي بكمّية الكفاح والصبر والعزيمة والقوة اللي جواكي، أنا بجدّ مش مصدّق،
أنا كنت مفكّرك بتخرجي الصبح بدري وبتخرجي بالليل تشتغلي مثلًا ورديات في أي مكان علشان خاطر تقدري تدفعي الإيجار وتصرفي على كليتك، لكن عمري ما كنت أتخيّل إنك شايلة الحمل التقيل ده على كتافك، حمل أبوكي اللي بيستنزفك، وحمل مرض والدتك، وحمل تعليم أختك، وحمل البيت اللي هتصرفي عليه أكل وشرب ومعيشة، إنتِ بجدّ يتعمل لك تمثال على اللي إنتِ عايشاه ده.
ـ أني كل اللي أني عايزاه إن الناس تسيبني في حالي، ويرحموني من نظراتهم ومن تنمّرهم عليّ، ناس هتشوفني شحّاتة، وناس هتشوفني بمدّ يدي وبستعطف الناس، وناس شايفاني غنيّة، وكل اللي أني بعمله علشان عايزة فلوس من جيوب الناس، وأني والله عمري ما مدّيت يدي لحدّ وأخدت منه جنيه مش من حقي، أني هشتغل بين الإشارات من وأني عيلة صغيرة، وهكسب منها اللي يكفيني المصاريف اللي ملزومة بيها كل شهر، ربنا هيبعت لي رزقي من بيع الرفايع والمناديل اللي هبيعها.
سألها وهو بيحاول يخفّف عنها:
ـ معلش بس دي شغلانة صعبة جدًا عليكي يا “مهرة”، وكمان مؤذية لنفسك ولأعصابك، وفيها ضرر كبير جداً عليكي، وفعلاً نظرات الناس ما بترحمش، زيّ ما إنتِ ما بتقولي، ليه ما تشتغليش مثلًا في مستشفى ولا في عيادة دكتور، ولا تقفي في محلّ وقت فراغك؟
ضحكت بسخرية على كلامه وقالت له:
ـ لو هشتغل كيف ما إنت هتقول، في عيادة دَكتور أو في مستشفى، يا أمّا هاخد وردية طول الليل وبعدين أروح على كليتي وأرجع على المستشفى تاني، وما هلاقيش وقت أرتاح فيه، وكمان هاخد فلوس قد إيه آخر كل شهر علشان أقدر أسدّ الالتزامات اللي في رقبتي؟ أني واحدة هحتاج كل شهر مبلغ لا يقلّ عن عشرة أو ١٢ ألف جنيه.
أبوي لوحده هياخد مني كل شهر أربع آلاف جنيه علشان يسيب أمّي المريضة في حالها وما يأذيش أختي ويسيبها تكمّل علامها، أختي هتحتاج مصاريف لجامعتها، والبيت هيحتاج مصاريف واحتياجات لا تقلّ عن خمس آلاف جنيه في الشهر، والدنيا بقت غالية، وكل حاجة بنجيبها بطلوع الروح، غير الإيجار بتاع الشقة اللي هعيش فيها، ومصاريف جامعتي كَتير، ربنا الأعلم أني هلفّ حوالين نفسي من المصاريف كل شهر لحدّ ما أخلص وأختي تخلص ونشتغل والمصاريف تقلّ عليّ شوية، ولو فكّرت أروح لمستشفى أشتغل فيها مش هيدّوني أكتر من أربع أو خمس آلاف جنيه، وكمان أني واحدة بخرج أبيع وبسعى على رزقي وبشتغل، وربنا بيكرمني، وما برجعش غير لما أخلص الحاجة اللي معاي كلاتها.
ـ طب إنتِ إيه اللي مزعلك لما إنتِ أخذتي حقك منهم وردّيتي عليهم وأفحمتِهم في وسط الجامعة، وجم اعتذروا لك على اللي هم عملوه؟ ليه حسّيتي بالانكسار؟ وليه تاعبة أعصابك وتاعبة قلبك معاكي؟ وليه الدموع المحبوسة دي كلها يا “مهرة”؟
ـ الدموع والانكسار بسبب نظرة المجتمع ليا، لما هم بيجلدوني علشان بخرج أشتغل وبسعى بالحلال، واقتحموا خصوصيتي وصوّروني علشان يتريقوا ويضحكوا عليّ، أمال ولادي في المستقبل لو عرفوا إن أمّهم كانت بتبيع مناديل بين الإشارات هيبصّوا ليّ بنفس نظرة الناس اللي بتبصّها ليّ داي؟ الموضوع جوّه قلبي أصعب ممّا تتخيّل، أني واقفة على مفترق طريق، لا قادرة أسيبه ولا قادرة أتعايش معاه.
ـ ولادك أصلًا لازم يفتخروا إن أمّهم ستّ عظيمة، عملت اللي ما فيش راجل يقدر عليه، شالت مسؤولية إخواتها وأمّها وأبوها ومستقبلها وحياتها فوق كتافها من وهي طفلة صغيرة، اللي زيّك يا “مهرة” يتعمل له تمثال، واللي زيّك أصلًا الناس تتشرّف تقعد معاها وتتعامل معاها، علشان كده مش لازم تتأثري بكلام الناس، اللي لا بتسيب الصالح ولا الطالح في حاله، الناس بتبقى قاعدة تتريق على اللي قاعد، وعلى اللي شغال، وعلى اللي نايم، وعلى اللي عيان، الناس ما بتسيبش حدّ في حاله مهما كان فاضل، حتى شيخ المسجد بيتريقوا عليه.
ـ إنت بتحاول تخفّف عنّي علشان تخلّيني أهدى، لكن مين داي اللي هيرضى في يوم من الأيام يتجوز واحدة زيّي؟ وخصوصًا إن عمري ما هخبي عليه شغلانتي واصل، ولا هخبي عنيه حياتي وظروف أهلي، وأي حاجة تخصّني، مين داي اللي هيرضى بواحدة زيّي يا “نُعمان”؟ ممكن تجاوبني…
يتبع.. (رواية النغم الحزين) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.