رواية النغم الحزين الفصل الثامن 8 – بقلم فاطيما يوسف
بسم الله الرحمن الرحيم
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.
أخبروني عن شعورِ عاشقٍ مبتدئٍ في الهوى،
حين يطرق الحبُّ قلبه لأول مرةٍ فيرتجف ولا يدري أفرحٌ هذا أم ابتلاء،
ثم حدّثوني عن عاشقٍ ذاب في عشق محبوبٍ لم ينله، ويسهر الليل شوقاً علَّهُ يحظى باللقاء،
يكتوي بالشوق ويحيَا على وعدٍ لا يجيء، ملتاعًا بصبرٍ موجِع، وقلبه يدق نبضاته وهو ينتظر نجمه اللامع في السماء،
يرتشف مرارة الحرمان كأنها قدره الوحيد،
ومع ذلك يجد في وجعه لذّةً خفيّة لا يفهم سرّها ولكنه يتمنى اقترابها كالماء والهواء ،
فما الحب إلا للحبيب الأولِ وإن أضنى القلب واكتوى ومن الهجر والشوق التوى إلا أن له حلاوةٌ تُنسيه كلَّ عناء.
ـ إنت بتحاول تخفّف عنّي علشان تخلّيني أهدى، لكن مين داي اللي هيرضى في يوم من الأيام يتجوز واحدة زيّي؟ وخصوصًا إن عمري ما هخبي عليه شغلانتي واصل، ولا هخبي عنيه حياتي وظروف أهلي، وأي حاجة تخصّني، مين داي اللي هيرضى بواحدة زيّي يا “نُعمان”؟ ممكن تجاوبني ؟
جاوبها بمنتهى البساطة والوضوح :
ـ ايه اللي ميخلكيش حلم شاب يا “مهرة”؟!
بل ويتمنوكي كمان.
وكمل كلامه وهو بيوصفها بعيونه اللي شايفاها:
ـ انتي بنت بميت راجل، جميلة جمال مش طبيعي، قوية، يعتمد عليكي، وشيلتي حمل جبال على اكتافك محدش يقدر يشيله غيرك، إنتي حلم لأي راجل يا “مهرة”، ولازمن يكون عندك ثقة في نفسك، أما بخصوص شغلك فده مش عيب خالص على فكرة، ومن هنا بقول لك … وكمل كلامه وهو بيبص لها بعيون بتلمع بالإعجاب بيها اللي ملهوش حدود:
ـ انا لو ظروفي كويسة وتسمح إني أرتبط وأختار إنسانة بجد، بنت جميلة ، ناجحة، طموحة، ومتعلمة ومثقفة مش هتكون إلا إنتي يا “مهرة”، بس أنا مقدرش أطلب منك إنك تستني واحد زيي قدامي سنين وسنين على ما اخلص وأبني مستقبلي، مش عايز أظلمك جنبي وتقعدي مرهونة سنين ملهاش عدد .
وبدل نظرته اللي مليانة شقى وهو بيحكي ظروفه لنظرة مليانة حب كبير وهو بيعترف لها :
ـ انا جوايا مشاعر ليكي كبيرة قوي، مشاعر كل يوم بحاول اتحكم فيها وأكبتها جوايا علشان متحسيش بيها وفي الآخر العيون فضاحة هتكشف المستخبي جوايا وأكيد إنتي حاسة بكدة، إنتي متتصوريش الاسبوعين اللي فاتو دول وانتي بعيدة عني ومكناش بنتكلم مع بعض كنت هتجنن، حاسس إني ناقصني حاجة كبيرة قوي، ناقصني روحك وضحكتك الحلوة ، وتلقائيتك معايا في الكلام ، كان ناقصني طلتك يا “مهرة” .
“مهرة” جواها كان بيرقص من الفرحة وهي بتسمع الكلام ده من “نعمان” بالذات، بالرغم من إنها في الجامعة اتعرض عليها من أصحابها عروض جواز وحب الا إنها مكانتش بتدي فرصة لحد يقرب منها، مكنتش بتحس مع ولا واحد فيهم أي إحساس، إلا “نعمان” له طريقة بتخليها تنجذب له غصب عنها، تشتاق لقعدتها وياه زي ماهو بيشتاق، بتتلكك إنها ترجع وتتحجج في كوباية الشاي اللي متعودين يشربوها مع بعض علشان بس تقعد وترغي معاه، ولما سمعت اعترافه سألته :
ـ معاناته ايه كلامك دي يا “نعمان” ممكن تفهمني بشكل أوضح ؟
جاوبها بكل صراحة ووضوح:
ـ ايوه يا “مهرة” اللي انتي فهمتيه صح جداً ، أنا بحبك يا “مهرة” من أول يوم عيني جت في عينيكي، واول مرة أحب بنت وأتعلق بيها بالشكل ده هو انتي يا “مهرة” ، مكنتش قادر اعترف علشان مش عايز أظلمك معايا لكن لما شفتك قدامي بالشكل ده دلوقتي وبالانهيار ده وثقتك في نفسك اهتزت مقدرتش اكتمها جوايا يا حبيبتي ، مقدرتش مقولش انك تتحبي وانك مرغوبة، وانك أجمل بنت شفتها في حياتي،
وكمل كلامه وهو بيتحمحم وبيداري عيونه بعيد عنها :
ـ وفي نفس الوقت مقدرش اكون أناني وأظلمك معايا علشان مليش مستقبل وطريقي طويل .
“مهرة” شجاعة جداً واعترفت له هي كمان باللي هي حاسة بيه تجاهه، وهي جواها نفسها تكون زيها زي أي بنت تحب وتتحب وتبقى مرغوبة، نفسها تخرج من قالب البنت الراجل اللي حياتها كلها مسؤوليات وتتنفس الحب اللي ياما بتسمع عنه :
ـ من القلب للقلب يا “نعمان” ، بس ليه الإحباط دي، ليه مستقبلك مش مضمون كيف ماهتقول ؟!
انت هتُبقى باشمهندس والمستقبل قدامك مش وراك، هتعب وياك وهنعافر وهنكون يد واحدة لحد ما نكون حاجة نفتخر بيها قدام نفسنا.
ـ ياه يا “مهرة” لسة بعد المعافرة دي كلها مع أهلك ونفسك ومستقبلك هتعافري معايا أنا كمان ؟!
إنتي متستحقيش كدة يا “مهرة”، إنتي تستحقي حد يتقلك بالدهب، تستاهلي واحد يخليكي ملكة مش واحد تعافري معاه تاني، وانا مقدرش أظلمك معايا ابدا ولا أرضى لك كدة .
ابتسمت “مهرة” أخيرا وهي بتخرج اللي جواها من مشاعر متضاربة وقلبها العنيد مش شايف غيره:
ـ تعرِف يا “نعمان” البنت منينا هتحس إنها عايزة تكسر الدنيا علشان مين؟
علشان راجل وقت ضعفها يقويها ، وقت ما تحتاج سند بجد تلاقيه ، راجل مجرد ما يحس إنها غابت عنيه كأن روحه بتنسحب منيه ويعمل المستحيل علشان يشيل عنيها تعبها ويبقى بيتقطع من جواه لدموعها، البنت مننا مهتحتاجش راجل بنك يكبش ويديها وتلاقيه معاها من غير روح ، ولما تحس وياه بالأمان وإن في حاجة جواها متعرِفش هتحكيها لمين، ولا سر من أسرار حياتها هتخبيه حتى عن أهلها وتحكيه له هو؛ تُبقى وقتها حست انه الوحيد اللي هترمي حمولها وهمومها على صدره وهو هيشيل، فيه حاجات متُشتراش بكنوز الدنيا كلاتها، واني شفت فيك السند يا “نعمان” وعلشان اكده رميت أسراري وحمولي وهمومي عليك بدون ما أخجل منيك.
حاول يتهرب بعيونه بعيد عنها وهو بيبلع ريقه بصعوبة ورد عليها:
ـ طب ممكن بس تطمنيني عنك الاول وهديتي ولا لا؟ انا مش حابب اشوف ضعفك ده تاني يا “مهرة”، انا اتعودت عليكي أسد واقف شامخ ، جبل ما يهزه ريح .
ابتسمت له وهي بتتنفس الأمل الجديد معاه وجاوبته:
ـ اطمَن يا باشمهندس “نعمان” انت ادتني جرعة ثقة بنفسي تخليني أبلع اللي يقف قصادي ويحطني في دماغه.
خلصت كلامها وقامت علشان تدخل شقتها فلقى نفسه بيمسك ايديها وبيسألها:
ـ انا مشبعتش من قعدتك لسه رايحة فين ، وبعدين عدي بقي انا ليا كام كوباية شاي عندك الايام اللي فاتت دي كلها.
ضغطت على ايده بشدة لدرجة انها وجعته نفس الوجع زي قبل كدة وشدت ايديها من بين ايديه وهي بتقول له بشراسة:
ـ لاااه يا مصراوي انت متقكِرش انك بعد كلامك دي واعترافاتك ليا باللي جواك هسمح لك تمد يدك عادي، لااااه اني “مهرة” بردو و المهرة ميلمسهاش إلا حلالها .
عـ.ـض على شفايفه وهو بيحرك ايديه بسبب حركتها المفاجأة وهو بيقول لها بخفته المعتادة:
ـ تصدقي بالله خرجتيني من الجو الرومانسي والكلمتين الحلوين اللي كنت هروق عليكي فيهم، بالهمس واللمس والنظرات الجريئة ونعيش لحظة حلوة زي بتاعت روميو وجوليت، بس انتي وش فقر يا صعيدية وملكيش في المعاكسة نصيب .
رفعت حاجبها باستمتاع للكلام معاه وردت عليه:
ـ ايوه اني وش فقر والمرة الجاية لو فكرت تمد يدك يا روحي مش هتضمن النتيجة اني غشيمة في ردود أفعالي وخصوصي في الحاجات داي.
ـ لااا وعلى ايه أنا هبقي باشمهندس قد الدنيا وايدي دي هتبقي راس مالي ومش مستغني عنها، هسبل وهعاكسك من بعيد لبعيد يا بطل.
ـ يووه يا دي بطل بتاعتك داي هو في بطل بيعيط بردو انت واخد فيا مقلب على فكرة .
بص لها بنظرة إعجاب مليانة مشاغبة وعبث وهو بيتغزل فيها:
ـ لا بقى من الناحية دي انا البشمهندس وانا اللي اعرف إمكانيات اللي قدامي بالظبط، وإنتي اه بطل وخطيرة جدا.
حدفته بعلبة المناديل اللي كانت جنبها وهي بتهزر معاه:
ـ لاااه بقى دي اسمه تـ.ــحرش لفظي ونظري، تعرف يا “نعمان” انك قليل الأدب .
ـ يعني هيبقى ولا همسات ولا لمسات ولا قلة أدب يا شيخة “مهرة”، ده يبقى عيب في حق نعمانك.
ـ لااااه، اني هدخل انام علشان انت دماغك لحست خالص واني مريقاش لتفكيرك الشمال دي خالص.
شاغبها وهي ماشية بخفته:
ـ متنسيش تاخدي الوسادة الخالية في حضنك علشان جرعة الحنان ونظرات عيوني اللي دوختك يا بطل تسليكي طول الليل .
رمت له نظرة مليانة رضا وابتسامة وهي داخلة شقتها وبعد ما دخلت وقفلت على نفسها الباب وقفت وراه وهي حاطة ايديها على قلبها اللي بيدق دقات سريعة من سعادتها باعتراف “نعمان” إنه بيحبها، وهي بتفتكر كلامه وغزله اللي ميتنسيش وهيفضل معلم في قلبها.
******
صبح الصباح والشمس طلعت تنور الكون بضوئها القوي اللي بيفرض سيطرته في السما وبيجبر النهار إنه يشق طريقه ليوم جديد، كان قاعد مع أمه على السفرة بيفطر معاها وقال لها بمغزى:
ـ جرى ايه يا حاجة “سمير” موحشكيش ولا ايه عاد بقى له شهرين وزيادة غايب عنيكي وانتِ مهتسأليش عنيه خالص، مش مصدِق حالي والله!
دي لما كان يغيب عنيكي سبوع واحد كنتي هتقعدي تبكي وتقولي هات لي خوك اتوحشته مش بعادة يعني ؟!
مطت شفايفها بحزن وهي بترمي اللوم عليه زي عادتها :
ـ ماهو انت السبب يا ولدي ، انت اللي غربت خوك الصغير وبعدته عن حضني وحكمت عليه الحكم الشين دي، كان فيها ايه عاد لما يُحصُل اللي تم ويقعد في دارَه لحد اتفاقكم ما يتم وترجَع لَه مرَته يا “سند” ؟
اتعصب جامد لما سمع منها كلمة مراته ولحد دلوقتي أمه شايفاها مش راجل انه رضي بحاجة زي دي وكانت هي السبب في إنه يوافق بضغطها عليه ، ولقى نفسه غصب عنه رمى اللقمة من ايديه وهو بيقول لها اللي خلاها اترعبت من جواها بدون خوف منها :
ـ مبقتش مرَته هي دلوك مرتي وعلى كتاب الله وسنة رسوله وهو اللي جوزها لي بنفسَه وهو اللي اتحايَل علي وعليها هي كمان، بزياداكي عاد يا حاجة الحديت في الموضوع دي،
وكمل كلامه بعيون مليانة قوة والغضب كاسيها لدرجة إنها اترعبت من حدته معاها:
وبزياداكي كمان تهديد من تحت لتحت لأي حد يخصني يا إما ورب المعبود ولدك الشمام الفاقد اللي هيخليكي تتجبرتي على خلق الله أسجنه لك وأريح الخلق كلاتها منيه وانتي خابرة زين اني أقدِر أعملها، بس لحد دلوك هراعي إنه أخوي وهتحمَل بلاويه.
عقلها بقى يودي يمين وشمال وخافت لا تكون “نغم” حكت على كلامها معاها وتهديدها ليها وقالت له من تحت لتحت :
ـ هو اني كنت قربت منيكم ولا شقتك الجَديدة اللي نقلت المحروسة فيها كنت دخلتها من وقتها ولا هو خدوهم بالصوت قبل ما يغلبوكم عاد يا ولد بطني البكري؟!
ياللي هتعلى صوتك على أمك ومهتراعيش اني أمك ومن حقي عليك وواجب كمان طاعتي ورضاي.
بص لها بنظرات غير مفهومة وهو بيجاوبها الجواب اللي طمنها وخوفها في نفس الوقت لأن “سند” مش سهل ولا بيرضى إن حد يجي ناحية أي حاجة تخصه طالما بيعمل الصح مع الكل، ومهما أمه تحاول تسيطر عليه زي ما هي مسيطرة على “سمير” ما بتقدرش مهما عملت:
ـ وهو انتِ يا أمي ينفع تهدَدي مرتي ولا تقولي لها كلمة عيب وهي مرت “سند الناجي” ؟! ايام ما كانَت على ذمة ولدك “سمير” كنتي هتسيبيه يبهدَلها ومفكِرة اكده انه هيربيها، لكن اني غير مرتي لو غلطت فيكي تشكي لي منيها واني اللي اجيب لك حقك وأخليها تحب على راسك كمان، لكن ما حدش يعلي صوته عليها ولا يزعِلها ولا يحسِسها بالخوف طول ما اني عايش على وش الدنيا، كيفها كيف “دعاء” بالظبط ما هتفرقش حاجة عنيها واظن كلامي واضح.
كلامه ليها بيقول إن “نغم” ما قالتلهوش على مقابلتها وتهديدها، لكن طريقة وعيده وتحذيره ليها خلاها قايدة نار من جواها وهي بتسأله السؤال اللي قالقها وبينهش في قلبها وعقلها ومخليها خايفه من اللي جاي اكتر من اللي راح:
ـ معنى كلامك وتحذيرك دي ايه يا “سند” يا ولدي؟! معناته انك مش هتنفذ وعدك ويا اخوك وهتقيد النـ.ــار بيناتكم؟!
خبرني عاد علشان استعد واعمل حسابي والبس الاسود عليكم انتو التنين عشان حرمة ما تسواش.
اتعصب بشدة وغضب على امه وعلى صوته بسبب طريقتها واستفزازها ليه:
ـ حاسبي على كلامك يا أمي اني اللي بقت مرتي وعلى ذمتي تسوى الدنيا باللي فيها وكرامتها من كرامتي يعني لما هتغلطي فيها يُبقى هتغلطي في ولدك واظن اني ما استحقش منك اكده واصل،
وبعدين حوار الوعود اللي بيني وبين اخوي طلعي حالك منيها هنتحدت فيه الموضوع دي بعدين، الأهم من دي كلاتَه ان ولدك المحروس عِمل مصيبة في البلد اللي هيعيش فيها دلوك وضـ.ــرب واحد لحد ما عدمَه العافية وهو سهران في الكباريهات اللي واخد عليها والواد دي عمل فيه محضر واتقبض عليه، وبعت لَه محامي وخرجَه بكفالة على ذمة القضية، وياريتَه استكفى باللي عِمله وانه دلوك على ذمة قضية، لا دي كمان راح هدَده ان ما كانش يتنازَل عن المحضر هيقـ.ـــتله قدام خلق الله.
اول ما سمعت الخبر قلبها طب في رجليها وبقت تلطم على وشها وهي بتسأله وبرده بترمي اللوم عليه وصوتها علي بغضب شديد:
ـ ولما حُصل لاخوك اكده ما قلتليش من وقتها ليه وهتقعد اهنه تولول على حريمك وسايب خوك في محنته داي يا “سند” لحد ما يدخل السجن تاني ووقتها ما هنعرفش نعمل وياه حاجة.
مط على شفايفه بأسى وهو نفسه يصـ.ــرخ ويقول؛ إنه مش من حقه يتحمل بلاوي غيره حتى لو كان اخوه، وكل مرة امه هتسيبه وهو الغلطان وتمسك فيه هو وترمي ملامها عليه بطريقة صعبة لكن رد عليها:
ـ كيف كل مرة يا أمي هتسيبي ولدك وبلاويه وهتمسكي فيا أني وترمي اللوم علي؟!
بس ميجراش اعملي وقولي ما بدالك وياي واللي يحلى لك وأني المفروض إني كَبير وهتحمَل، بس هحب أعرِفك يا امي ان الحوار بتاع خوي دي حُصل أول ما سافر طوالي وأني لما عرفت سافرت لَه في نفس اليوم ومهديتش إلا لما خرجته ومن وقتها وأني هبعت مراسيل للي عِمل وياه اكده وهحاول وياه علشان يتنازَل ومحبتش اقول لك وقتها وقلت منقصاش قلق من بلاوي اخوي وهشيل الشيلة لوحدي وياه .
وكمل كلامه وهو بيهدي نبرة صوته وبيطلب منها:
ـ بس انتِ المفروض تروحي له وتقعدي وياه قد سبوعين اكده واتحدتي وياه، وادي له في جنابه علشان يتصلح حاله، وكمان تقنعيه إنه يروح يعتذر ويحب على راس اللي كسر له ضلوعه لأنه رافض يتنازل من غير اعتذار ولدك وقدام الخلق اللي أهانَه قدامهم.
ـ مين دي اللي هيعتذر ويوطي راسَه لمخلوق هو اتجن في عقله إياك الواد دي وميعرِفش مين “سمير الناجي”؟!
ضحك “سند” بسخرية على عقل امه وتفكيرها وهو بيجاوبها:
ـ لاااه يا حاجة “رابحة” هو ميعرِفش مين “سمير الناجي”، علشان هو كمان ولد ناس وكمان واصلين في البلد ،وولدك اللي ابتدى بالغلط واعتدى عليه وفيه شهود وكاميرات في الهباب اللي كانوا هيسهروا فيه وكل حاجة متسجلة، ولو ابنك ما عمِلهاش وراح اعتذر هيتسجن كد عشر سنين اكده.
ـ يا مرك يا “رابحة” كل ده بسببك يا “سند” علشان لو كان خوك ما سافرش ولا اتغرب بَعيد عنينا ونفذ حكمك ما كانش حُصل اللي حُصل ولا كنت خليته يتذل للغريب، حرام عليك.
ضـ.ــرب “سند” كف على كف وهو بيرد عليها:
ـ وهو ولدك لما كان هيقعد جارك ما دخلش السجن قبل اكده بسبب اعتدائه على خلق الله بردك يا حاجة وراح وطى راسنا كلاتنا واعتذر وحب على راس اللي بهدله في البلد اهنه علشان خاطر يتنازَل!
انتِ اللي ما شايفاش ان ولدك هيعمل المصايب لو كان عايش جوه برج مشيد، اني بلغتك باللي حُصل، رايدة تروحي لَه براحتك، ما عايزاش انتِ حرة بس اني عِملت اللي علي ولما يتسجن ما تجيش تقولي إني قصرت كعادتك يا امي.
قامت بلهفة قبل ما يخرج وهي بتترجاه:
ـ على فين يا ولدي مش هتخليني اروح لاخوك وكمان ما هتاجيش وياي هتسيبني اروح لحالي اكده؟
حس بانتصار من جواه والتفت لها :
ـ اني كنت حداه من عشر ايام يا امي، رايدة تسافري لَه العربية هتاخدك من الدار للدار، وكمان خدي وياكي البيت “سعدية” علشان تكون تحت يدك هناك آني وراي مشاوير لازمن اعمِلها وشغل ما ينفعش يتعطَل، وكمان انت هتقعدي وياه عشر ايام وما هقدِرش اعطل نفسي واسيب بوي وولادي والبيت لوحدَه.
اول ما شافها طلعت تحضر شنطتها نادى على “سعدية” وهو بيطلب منها :
ـ خدي اهنه يا “سعدية”، اعملي لي كوباية قهوة مظبوطة وتعالي رايدك في كلمتين.
ـ حاضر يا سي “سند” بيه هعملك كوباية قهوة زينة تظبط لك المزاج على الآخر.
ودخلت تحضر له القهوة فطلع موبايله وبعت رسالة لـ”نغم”:
ـ حضري حالك هنسافر الإسكندرية بالليل هنقعد كام يوم هناك ، قدامك اليوم كلاته تشوفي محتاجة ايه وابعتي لي واللي ناقصك إنتي والعيال هبعت لك .
كانت نايمة وصحيت على صوت رسالة فتحت الموبايل لقتها رسالته ولما قرأت محتواها مبقتش مصدقة نفسها لأنها هي اللي قالت له إن هي نفسها تروح اسكندرية وتقضي فيها أسبوع وإن عمرها ما راحتها، مش مصدقة ان هو هينفذ لها رغبتها بالسرعة دي، لكن ملحقتش تفرح وحماتها جت في دماغها فبعتت له فويس بصوت هادي:
ـ أمممم… صباح الخير يا “سند”، طب هنسافر كيف وأمي “رابحة” هتوافق؟
سمع رسالتها وصوتها الرقيق وهي لسه صاحية من النوم واتأثر برقتها جداً لكن اول ماجابت سيرة “رابحة” رد عليها بصرامة:
ـ ملكيش صالح عاد بحد واصل، اني حر أني ومرتي أعمل اللي على كيفي وأروح مكان ما اروح ، بطلي تضييع في الوقت وقومي جهزي حالك وعيالك .
جت “سعدية” بالقهوة أخدها منها وطلب منها:
ـ اعملي حسابك هتسافري ويا الحاجة “رابحة” مصر وهتقعدي وياها عشر أيام.
وكمل كلامه بمغزى وهو بيطلب منها:
ـ تشوفي واحدة مكانك تاجي تراعي الدار علشان أبوي وكمان تشوف طلبات “دعاء” وبعد الحاجة ما ترجع تعرِفيها انها هتاجي دوار “ام محمد” وهتشتِغل فيه علطول وتشوف طلباتها .
سألته بتلقائية:
ـ وه هتجيب واحدة تخدم الست “نغم” من غير علم الحاجة “رابحة” يا سي “سند” بيه ؟!
اتعصب بسبب غبائها هي كمان ورد عليها بسخرية:
ـ ومعيزاش أخد رأيك إنتي كمان في الموضوع دي يا واكلة ناسك ؟!
يمين بعظيم إن ما عملتي اللي قلت لك عليه لا أقطع خبرك يا سخامة انتِ.
وكمل كلامه وهو غضبان بشدة:
ـ قبل ما تمشي تجيبيها وياريت تكون حد موثوق منيه.
وسألها بمغزى وهو له هدف عايز يوصل له:
ـ كنت سامع إن حداكي بت خالتك اللي كانت هتاجي لك الدوار اهنه شوفيها اكده خليها تعمل حسابها وتاجي من النهاردة وتعرِفيها اللي قلت لك عليه .
حركت راسها بطاعة:
ـ أه “جليلة” بت خالتي والله كانت هتحتاج الشغل يا سي “سند” بيه ، اول ما أقول لها لما هتصدق تاجي اهنه.
سألها بخبث وهو واثق انها اللي اتكلمت قبل كدة في سيرة جوازه من “نغم”:
ـ اه معلوم ، مش هي داي اللي كانت عتعيد وتزيد في اللي ميخصهاش مع اهل البلد يا “سعدية”؟!
بس يالا آني قلبي طيب ومهحبش اقطع رزق حد، بس تعرفيها انها لما تاجي ليا قعدة وياها ولو معجبتنيش ماهتلزمنيش واصل .
“سعدية” عيونها زاغت من ذكائه وفطنته عليها وحاولت تدافع عنها:
ـ والله البت “جليلة” داي غلبانة وملهاش ذنب يا سي “سند” بيه وهطلة اكده واللي قالته كان سمع من الناس عاد.
ـ خلاص يا واكلة ناسك روحي شوفي الحاجة “رابحة” هتحتاج ايه وهتمشوا ميتى بس ابعتي للبت داي تاجي قبل ما تسافرو.
خلص كلامه وقهوته وابتسم من جواه بعد ما نفذ اللي هو عايزه وقرر يطلع عند “دعاء” وولاده يقعد معاهم اليوم قبل ما يسافر .
*******
دخل البيت وهو بينده على ولاده ومعاه شنطة في ايديه، حطّها على الكرسي:
ـ يا “مازن”، يا “سما”، إنتوا فين؟ يا “دعاء”؟
“دعاء” كانت قاعدة في أوضتها بتنضّفها، وشايلة السراير ومنزّلة الحاجات اللي فوق الدولاب، وعاملة حملة تنظيف للأوضة بتاعتها، وعارفة إن “سند” هيروح يبات عند “نغم” النهارده، وعلشان اكده استغلت اليوم.
وكانت مشغّلة أغاني جنبها ومش سامعة لحد، لحدّ ما بصّ لقى بنته خارجة من المطبخ وحاطة السماعات في ودانها، مش سامعاه وهو بينادي عليها، كانت خارجة على الصينية كانز وشوكولاتة، فقرب منها وهو بيبتسم:
ـ يا سلام على الروقان بتاعك يا ستّ “سما”، يا ترى الحاجات الحلوة داي لمين؟ أني كنت جايب لكم المكسرات اللي هتحبيها وشوكولاتة، وقلت أجي أقضي معاكم اليوم النهارده قبل ما أسافر.
وبصّ حواليه وهو بيسألها:
ـ أمال ماما فين؟ وأخوكي ما شايفهمش عاد، وبنادي عليهم وما حدّش سامعني ولا ردّ علي؟
اتلجلجت “سما” وهي حاسة بتوتر شديد، لكن حاولت تداري على سؤاله وهي بتسأله:
ـ هتسافر فين يا بابا؟ ما قلتش يعني إنك هتسافر أي مكان؟
شال السماعة من ودانها وهو بيجاوبها:
ـ هسافر الإسكندرية، إيه رأيك لو عايزة تاجي وياي إنتِ وأخوك؟ وتقولي لماما كمان إنّي هاخد ولاد عمّك علشان عمرهم ما خرجوا ولا راحوا مصايف، وطلبوا منّي إنّي أوديهم، فلو حابين تيجوا ويانا ما عنديش مانع، وهو نكون صحبة زينة وكمان تروحوا عن نفسكم شوي.
البنت حرّكت راسها برفض، وهي حاسة إنها فرصة إنها تستريح من أوامر وتحكّمات أبوها عليهم، وخصوصًا لو عرف اللي جوّة:
ـ إحنا مش جاهزين يا بابا، خلّيها مرّة تانية عاد نبقى نتفق ونحدّد ونشوف هناخد إيه ويانا، في حاجات ناقصة كَتير، وما أعتقدش إن ماما حابة تروح، إنت عارف يعني هي ما هتحبّش المصايف.
اتلفّت حواليه يمين وشمال وهو بيسألها:
ـ طب براحتكم، سألتك عن أمّك وأخوك فين؟ والحاجات داي واخداها لمين، ليكي إنتِ وماما؟
البنت حسّت إن ما فيش مفرّ من أسئلة أبوها، فجاوبته وهي بتبصّ بعيونها في الأرض، علشان هي عارفة الزعابيب اللي هتحصل دلوك:
ـ أصل أخوي “مازن” جايب صاحبه قاعدين في البرندة جوّة، وطلب منّي أجيب له حاجة ساقعة وشوكولاتة وأدخلها لهم.
“سند” أوّل ما سمع الكلام اللي قالته اتنفض من مكانه، وفجأة طيّر الصينية اللي في ايديها، وقعتها على الأرض، والكوبايات القزاز اللي عليها وقعت، اتكسرت وعملت صوت جامد، وهو بيسألها بفحيح:
ـ هنسيبنا من اللي جايب صاحبه جوّة دي، وأنّي محرج عليه ما يجيبش شباب في البيت اهنه، حسابي معاه بعدين.
وكمل كلامه وهو بيبصّ على منظرها وبيمسك هدومها اللي هي لابساها وبيحرّكها بعصبية رعبت البنت:
ـ كنتِ هتدخلي تديهم ضيافتهم بشعرك وهدومك اللي هتلبسيها داي؟ ودراعك اللي باين، ورجلك اللي باينة؟!
ما هو العيب مش عليكي، العيب على أمّك، وعلى العِرّة اللي هيتحسب راجل عليّ، حداه ١٦ سنة وما يعرِفش أصول الرجولة، ادخلي على أوضتك، وبعد اكده لما يكون حدّ غريب في البيت ما تخرجيش منها واصل غير بإذن منّي أني بس، وتكوني متحشّمة، إنتِ ما بقيتيش صغيرة، وحسابي معاكي بعدين.
ودخل على “دعاء” وهو بيفتح الأوضة وبينادي عليها بصوت عالي:
ـ دعاااااااااء، إنتِ يا هانم، يا اللي ما لكيش عازة في البيت.
“دعاء” أوّل ما فتح الباب شافت شكله، انتفضت من عصبيته وصوته العالي، لدرجة إن الكرتونة وقعت من ايديها من شدّة خوفها، وخصوصًا إن هو منبّه عليها أصحاب “مازن” ما يجوش البيت، ولا يطلعوا الشقة، ولا يروحوا الاستراحة، ويقعدوا في جنينة البيت قدّام اللي داخل واللي خارج. فردّت عليه وهي بتتلجلج:
ـ في إيه يا “سند”؟ هو إنت جيت ميتى؟
“سند” قرب منها، ومن غير ما يتكلم من شدّة عصبيته وغضبه نزل على وشّها بقلم، ووراه التاني، لدرجة إنها اتصدمت وهي حاطة ايديها الاتنين على وشّها، ونطقت بصدمة وهي مش مستوعبة إن “سند” بعد العمر داي كلّه يمدّ يده عليها:
ـ إنت هتضربني يا “سند” على وشي بالأقلام؟ هتمدّ يدك عليّ؟ شكلك اتجنّيت في دماغك لما تمدّ يدك على “دعاء” هنداوي؟ وهتفكّرني كيف مرتك التانية تضربوها وتسوقوها كيف البَهيمة عادي؟
ما شافش قدّامه، وكمل عليها ضرب وهو بيشدّها من شعرها. “سند” من النوع الحليم، لكن في وقت الغضب بيقلب لشرّ، لدرجة إن اللي قدّامه يخاف من شكله من شدّة العصبية اللي فيه، وردّ عليها:
ـ ما إنتِ لو أمّ نضيفة وهتؤتمني على ولادك اللي إنتِ هتزعمي إنك هتحبيهم، كنتِ حافظتي عليهم، سايبة لي بنتك تروح تدخل عند أخوها وصاحبه، وهي يعتبر ما لابساش هدوم واصل، وكمان شعرها مش متغطّي، وقاعدة في الأوضة وسط كنيسك وغسيلك، وما يهمّكيش إن حداكِ بنت المفروض ما تغفليش عنيها واصل، وكمان منبّه عليكي بدل المرّة ألف، أصحاب “مازن” ما يجوش البيت، ومنبّه عليه هو كمان، وحسابه معاي بعدين لما صاحبه يمشي من البيت.
اتعصّبت بشدّة وهي بتعيّط جامد بسبب شدّ شعره ليها:
ـ إنت بتعمل معانا اكده ليه؟ البنت لساتها صغيرة وقاعدة في البيت براحتها، وكمان ابنك لسه صغير وصاحبه لِساته صغير، عقلهم هيستوعبش الحوارات اللي في دماغك داي،
هيبصّ لها كيف وهو ما يعرفش الكلام داي؟ ولدي متربي، وبتي لِساتها صغيرة، تدلّع في بيت أبوها على كيفها.
وكملت كلامها وهي بتشهق جامد:
ـ وبعدين إيه؟ ما كانش ولدي يقعد قدّام عيني هو وأصحابه؟ أسيبه يخرج برّه يعمل اللي على كيفه وما بدالهوش؟ ولا يقعد قدّام عيني وأشوفه هو بيعمل إيه؟
ردّ عليها بعصبية وهو رايح وجاي في الأوضة، مش طايق نفسه ولا طايق ردودها ولا كلامها ولا أفعالها:
ـ على أساس إنك قاعدة شايفاهم هيعملوا إيه وهم قاعدين ويا بعض وقافلين على نفسهم الباب؟ وإنتِ مسحولة في الخرابيط بتاعتك داي؟ ولا هتراقبي ولا هتشوفي ولا هتتنيلي. اللي أني أقوله يتسمع يا “دعاء”، يمين بعظيم، اللي حُصل داي اتكرر تاني، وولدك جاب أصحابه اهنه مرّة تانية، لا هكون مكسّر له رجليه الاتنين، وما هخلّهوش يخرج الشارع واصل، وإن ما حافظتيش على بتك وراقبتيها وصحّحتي سلوكها البايظ، حسابي معاكي إنتِ. واتفضّلي اتصرّفي وناديه لي دلوك.
سمعت كلامه وهي بتعترض عليه، لكن على صوته زعق خلاها اتنفضت، وخرجت من مكانها من شدّة غضبه، وخافت لا تنضرب منه تاني، وراحت لابنها وندهت عليه. كان صاحبه سامع صوت زعيق في البيت، واستأذنه إن هو هيمشي، وأوّل ما خرج، أمّه قالت له وهي بتلومه:
ـ أهو، جاك كلامي، قلت لك بلاش تجيب صحابك الشباب اهنه في البيت يا “مازن”، وقلت لك إن لو أبوك عرف أو جه على فجأة هيبهدلنا، ما سمعتش كلامي، روح استلقى، ووعدك منّي، وأي حاجة هيقول لك عليها قول له سمعًا وطاعة من غير ما تردّ عليه.
“مازن” ما رضيش يتحرّك من مكانه، وهو مرعوب من أبوه، وعارف وقت غضبه بيبقى عامل إزاي:
ـ يعني يا ماما هتمنعيني من الخروج مع أصحابي؟ ولا عايزاني أجيبهم في البيت اهنه؟ أموت حالي علشان تستريحي إنتِ وأبوي؟ ما عرفش أعيش على حريتي ولا أخرج مع أصحابي. داي الموت أهون من اللي إنتوا هتعملوه فينا داي. حرام عليكم، إنتوا لا يمكن تكونوا أب وأم عادلين أبدًا.
“سند” لما لقى صاحبه خرج، جاله هو، وسمع كلامه اللي ما ينفعش يتقال، وسمع صوته العالي:
ـ وإيه كمان يا ابن أمّك؟ يا اللي هتقف تعلّي صوتك عليها وتهبّ فيها وتشتمها كمان؟ تسلم اليد اللي ربّتك وخلّتك بعد ما بقيت طولنا، هتعلي صوتك علينا؟ وهي ما هتقول لكش عيب؟ وهتعلفك كيف البهايم؟
ولسّه هينزل بالقلم على وشّه، “دعاء” وقفت قصاده ومسكت يديه وهي بترجاه وبتبوس يده:
ـ أبوس يدك يا “سند”، حقك عليّ، والله هعلّمه الأدب، بس بلاش تضربه، بلاش يا “سند”. “مازن” ما عادش صَغير، وكلاتها كم سنة وهيتمّ العشرين، حقك عليّ إنّي والله لأربّيه وأعلّمه الأدب.
“سند” كان جاب آخره، وأعصابه فلتت منه، وصوته علي:
ـ هم دول تربيتك، كل حاجة وحشة وسيّئة فيهم ما لهمش ذنب فيها، علشان دول نتاجك إنتِ، البنت سلوكها مش سويّ، وكل ما أكلّمك عنها تقولي لي ما لكش صالح، البنت تربيها أمّها، والواد كل ما أجي أؤدّبه تقفي بيني وبينه. أجي أكلّمه بالذوق وأفهمه يهاودني وياخدني على قدّ عقلي ويقول لي حاضر، ومن وراي يعمل اللي في راسه، واللي يخليه يروح في داهية، وياعالم إيه اللي بيحصُل منيه تاني.
وكمل كلامه وهو بيحذّره وبيسمّع بنته اللي واقفة على باب الأوضة:
ـ قسمًا بالله إن اللي أني قلته لو ما تنفّذش منكم إنتوا التنين، بعد اكده لاهتشوفو منّي وشّ عمركم ما شفتوه واصل.
وسابهم وخرجنا على “دعاء” دخلت وراه الأوضة وحاول يهدي أعصابه شوية وبدا يتكلم معاها:
ـ من الواضح انك بتخليني اشوف من العيال حاجه واني موجود ولما باجي على فجاه بشوف حاجات ثانيه شكلك هتسستمي العيال على نظام الصمت في وجود ابوكم ولما يمشي اعملي اللي على كيفكم هي دي الامانه اللي بيناتنا يا “دعاء” ؟
وفضل يديها كلام في جنابها زي السم لدرجة انه هددها بالطلاق إنه هيحرمها من عيالها لأنها ام مش صالحة ليهم، وانه مش قاعد معاهم طول الوقت ولا عارف تصرفاتهم ولا افعالهم زيها وهي فضلت تترجاه انها هتخلي بالها منهم وتسترضيه،
بعد مرور ساعتين من الوقت قرر ان هو يقعد مع اولاده ويتكلم معاهم ويعرفهم الصح والغلط بنفسه ويراضيهم على عصبيته لان ده بسبب دلع امهم ليهم ونتاج تربيتها هي،
قعد معاهم واخدهم في حضنه وبدا يتكلم معاهم ووجه كلامه الاول لابنه:
ـ شوف يا “مازن” يا ولدي، إنت بقيت راجل، والراجل لازم يكون قدّ المسؤولية وقدّ اسم إنه راجل. الرجولة عمرها ما كانت بالعضلات ولا بالجيم ولا بالصوت العالي على أمك ولا أبوك، الرجولة إنك تحافظ على عرضك وشرفك، إنك تغيَر على أختك وتحافظ عليها، وما تخلّيش حد يلمح طرفها، ولا حتى أصحابك اللي إنت هتديهم الثقة زيادة عن اللزوم، وتقول هيعتبروها كيف أختهم، وإنت ما تعرِفش إنهم هيستحلّوا النظرة ليها، والنظرة ممكن تجرّ حاجات كَتير وراها ما نقدرش نسيطر عليها بعد اكده،
وأني لما أكون مانعك من حاجة ما تعملهاش، ما اسمهاش إني هجبرك ولا هحكم عليك، ولا أني هتجبّر عليك وهستخدم سلطتي كأب، لكن اللي هعمله وياك لمُصلحتك، عشان أطلعك راجل تغيَر على أهل بيتك وتحافظ عليهم بعينيك، يا ريت تسمع كلامي زين، وكل حاجة هقولها لك يا “مازن” بتكون في مصلحتك، علشان تُبقى راجل.
وبصّ على بنته وسحبها لحضنه وهو بينصحها هي كمان:
ـ وإنتِ يا بتي، البنت لما هتكبر وتبلغ لازمن تكون زينة وعِندها حياء، وكل حتة فيها تخبيها عن العيون، علشان هي جوهرة تستحق إنها ما تبقاش مباحة لأي حد، والعيون كلاتها ما تفتكرهاش سهلة وتبصّ عليها في الرايحة والجاية، لازمن تعزّي نفسك وتعرفي إن ليكِ رب أمرك بالاحتشام، وإن ما حدش يشوف طرفك غير اللي هيبقى جوزك حلالك في يوم من الأيام، البنت أصلها الحياء والأدب، وإنها تكون صعبة قصاد أي حد يفكّر إنه يستسهلها.
وخلص كلامه معاهم وهو واخدهم في حضنه وكل ده دعاء عماله تبص لهم بنظرات انهم يقولوا حاضر ونعم ويسمعوا كلام ابوهم من غير ما يعارضوه لكن اللي في القلوب في القلوب سيستم الولاد اتعودوا عليه منها ويا عالم هيروح بيهم لفين،
وفضل قاعد معاهم يتكلم في حاجات كتير علشان ينسيهم عصبيته عليهم وطلع المسليات اللي كان جايبها وبعد ما لقاهم اتراضوا منه، بلغ “دعاء” إنه مسافر مع “نغم” وخيرها لو كانت عايزه تيجي وطبعا رفضت كالمعتاد ومن جواها هتستريح منه ومن تحكماته عليها وعلى عيالها اسبوع بحاله، وبعد ما خرج من البيت حضنت ولادها وقعدت تبوس راسهم وتعتذر لهم على اللي حصل واخدت نفسها وهي بتقول لهم:
ـ خلاص ما تزعلوش ابوكم مش هياجي لمدة أسبوع كل واحد فيكم يعمل اللي نفسَه فيه آني أهم حاجة عِندي أشوف ضحكتكم واني ما احرمكوش من حاجة واصل.
*******
طب خلصتي تجهيز شنطتك وحاجتك اللي هتاخديها وياكي إنتي والعيال ولا لساتك معملتيش حاجة يا “نغم” هانم .
جاوبته بحماس وهي بتراجع الورقة اللي كتبت فيها كل اللي ناقصها ولقت انها حطت كل حاجة ومنسيتهاش وجاوبته بحماس في التليفون:
ـ لاااه ، خلصت والله العظيم، هنسافر ميتى بالظبط علشان تلاقيني جاهزة ولابسة اني والعيال ؟
جاوبها بحماس مماثل :
ـ هنتحرك الساعة تسعة بالليل إن شاء الله هكون خلصت كل الشغل اللي وراي.
وكمل وهو بيسألها :
ـ قولي لي بقى اشمعنا اختارتي الإسكندرية بالذات تقضي فيها الأسبوع دي ممكن أفهم إيه سر حبك للإسكندرية وخصوصي المنتزه؟
جاوبته بنبرة كلها سعادة وراحة:
ـ هحبها قوي، وهشتاق إني أزورها وهشوف الفيديوهات بتاعتها على النت بتُبقى جميلة قوي وكمان هحب اسمها وهشتاق أشم ريحة بحرها من زمان .
كان مستمتع بالكلام معاها وصوتها الرقيق وكان هاين عليه يكسر شاشة التليفون على أمل انها تطلع له منها وغازلها كعادته:
ـ حاسس اني متجوَز طفلة جميلة ورقيقة وأحلامها رغم بساطتها إلا انها بتأثرني.
وكمل كلامه وهو بيتمشى في مكتبه وهو حاسس انه رجع مراهق من أول وجديد وهو بيطلب منها بعبث :
ـ اه نسيت حاجة مِهمة أوصيكي عليها تحطيها في شنطتك، متنسيش البجامة التايجر حطيها في الشنطة علشان من وقت ما شفتك بيها وهي خطـ.ـفاني وروشاني ومجنناني .
ابتسمت بخجل وهي بتتنفس في التليفون بأنفاس بطيئة لدرجة إن سمعها ويكاد يكون حس بحرارة أنفاسها وكأنه شايفها قدامه وهو حاسس إن أثر كلامه عليها خلاها تتكسف ووشها يخجل، وأخيراً خرج صوتها بالعافية:
ـ طب هقفل بقى علشان ألحق ألبس أنى والعيال.
نطق اسمها بشجن زلزل كيانها:
ـ “نغم”، هتوحشيني على ما أشوفك ونتوكل على الله.
ردت عليه بكلمة سريعة قبل ما تقفل بسرعة من شدة خجلها :
ـ وانت كمان .
قالتها وقفلت بسرعة قبل ماهو يستوعبها وهي بتحضن التليفون وكأنها بتحضن هواها الضايع واللي ما صدقت لقته، أما هو بعد ما قفلت وسمع منها الكلمة اللي أسعدته وخلته هو كمان يطلع صورتها اللي صورها لها وهي نايمة بطبيعتها على صدره وهي حاضناه ببراءة في الليلة اليتيمة اللي سهرو فيها مع بعض، كان بيقرب الصورة ويبعدها وهو بيشوفها من جميع الجوانب وجواها بقى ملتهب بعشقها ويتمنى قربها، وقرر يبعت لها رسالة بعد ما قفلت:
ـ على فكرة بقى أني سمعتك زين قوي، وفيها إيه لو كنتي كملتيها عادي وقلتي لي انت كمان هتوحشني على ما أشوفك ، على فكرة مش عيب خالص.
استلمت رسالته وقلبها بينبض جواها بدقات سريعة، إحساس خجل على راحة على بداية عشق على مشاعر أول حب يدق قلبها كلها حاجات مخلياها تقرأ رسالته وعيونها بتلمع وفي الآخر كان ردها بإيموشن عيون جواها قلوب، اول ما استلم رسالتها بعت لها ايموشن قبلة بدون ما يخجل، “سند” بيضرب بمشاعرها الحقيقية ناحيته من غير ما يبالي إنها أول مرة تجرب المشاعر دي، واقف لها على باب قلبها بالمرصاد وخالف من جواه لا يقتحم حصونه من غير رحمة بيها علشان عقلها وقلبها ميلحقوش يستوعبوا غير انها تروح منه إليه،
خلاص استعدوا للسفر ووصل لعندها علشان ياخد الشنط ويمشوا ، أول ما طلع كان في ايديه شنطه فيها شويه احتياجات ليها وهو عارف ومتاكد انها مش عندها الحاجات دي فطلب منها انها تحصله على الاوضه بتاعتها،
استغربت جدا من طلبه وبقيت خايفه ومكسوفه ومش عارفه هو عايز ايه لانه اول مره يدخل عندها جوه اوضتها دخلت وراه وهي قلبها بيدق، واللي خلاها تتوتر اكتر ان اول ما هي دخلت قفل الباب وراها ،وهو كالعاده قرا على وشها مشاعرها المتوتره والخجل وعلامات الاستفهام فقرب منها وهو بيحضن اكتافها وبدا كلامه معاها وهو بيلعب باعصابها شويه:
ـ ايه مالك وشك اتلوَن بميت لون اكده ليه وكاني هخطُـ.ـفك مثلاً ؟
وكمل كلامه وهو بيقرب منها أكتر وبيلعب بأعصابها لدرجة انه حس بجسمها المهزوز وهو قدامه وحرارة أنفاسها المتوترة من قربه، ومكره معاها:
ـ لما داي حالتك وأني جاي اقول لك كلمتين عاديين، امال حالتك هتُبقى كيف لو قلت لك مثلاً انك شكلك كيف القمر وانتِ خجلانة؟
أو مثلاً هطلب منك حضن أو بوسة لجوزك علشان لساتي راجع من برة .
بلعت ريقها بصعوبة وبقت واقفة قدامه مش قادرة تصلب طولها كعادتها كل لما يقرب منها بالشكل ده، حاولت تفك نفسها من حصاره لكن مقدرتش، فنزلت عيونها في الأرض وهمست :
ـ طب في ايه هتحتاجه مني عاد علشان العيال واقفين برة، وبعدين انت قفلت الباب ليه ؟
جاوبها باستمتاع وهو بيشيل حجابها من على راسها خلاها اتوترت زيادة وحطت ايديها على شعرها ظن منها إنها كدة بتداريه، لأنها صبغته وغيرت لونه وقصته بسبب سعادتها لسفرية اسكندرية وأول ماشافه برق عيونه بانبهار لـلمعانه وشكلها متغير تماماً للأجمل فلمسه وهو متأثر من جمالها :
ـ وه! دي انتِ منوياش على خير ابدا وياي يا بت حناوي عاد ؟
اندهشت من كلامه ومن اندهاشه وسألته :
ـ وه! هي بت حناوي كان عِملت ايه يعني يا “سند”؟!
لف خصلات شعرها على ايديه وهو بيجاوبها :
ـ عِملت كَتير ولساتها هتعمل في “سند” المغلوب على أمرَه قدامها بلاوي، لما هي داي البدايات بتاعتك امال النهايات كيفها عاد؟
فهمت مقصده وهي شايفة في عيونه رغبته فيها فحاولت تبعد وهي بتترجاه:
ـ وه هترجع في كلامك عاد؟!
إحنا متفقين تديني فرصة أستوعب وجودك في حياتي، تديني فرصة أعرِفك وتعرفني وناخد على بعض، وانت بطريقتك داي هتعمل كيف الغزو على مشاعري ومهتخلنيش أعرِف استوعب ولا أفكِر حتى .
ـ طب بقول لك انتِ ملعون ابو الوعود اللي الإنسان هيوعدها بسببك يا بت حناوي وهطلع فيها عيل ومش كد كلمتي اياك، كيف انتِ عيونك ورقتك هيسحروني عاد واني مقادرش على الصبر عاد .
هربت بعيونها بعيد عن عيونه اللي محاصراها وهتاكلها وهي بتعرفه:
ـ طب دلوك احنا ورانا سفر وبالليل كمان والطريق طويل، والعيال واقفة برة متلهفين هما كمان للسفر وانت هتضيع الوقت اكده، وكمان قدامنا أسبوع بحالَه نقول ونستوعب على كيفنا، قل لي بقى في ايه لوقفتنا داي؟
ابتسم لها وهو واعي وفاهم تهربها منه، ومن جواه عارف إنها هتفضل تتهرب منه، فقرر يلاعبها لعبة الشوق واللهفة على مزاجه وهو أصلا مستمتع وياها باللحظات دي جداً،
ساب ايديها وطلع اللي في الشنط وفرجهم عليها وطلب منها:
ـ أولا العباية السمرا داي غيريها والبسي الطقم دي أشيك ومناسب للسفر وفي الشنط داي جبت لك كذا طقم علشان خروجاتنا هناك.
وطلع من شنطة تانية حاجة أول ما شافتها شهقت بفرحة وهي بتحضن الشنطة بسعادة واتكلمت بدهشة:
ـ ايه دي! معقولة جبتي لي مايوه إسلامي اللي كنت هشوفه في الفيديوهات وكنت هتجنن عليه، طب عرفت كيف اني نفسي فيه ؟
رفع ايده باستسلام وجاوبها وهو سعيد لسعادتها:
ـ أني هحس باللي هتحبيه وهجيبه لك ، وكمان اني من يوم ما بقيت مسؤولة مني وأني وعدت حالي اني مخليش نَفسك في اي حاجة كيف “دعاء” بالظبط .
سألته بتلقائية:
ـ هو انت جبت لـ”دعاء” مايوه قبل سابق؟
ابتسم وجواه مبسوط بنبرتها المليانة غيرة من غير ما تشعر وجاوبها وهو بيحرك راسه برفض:
ـ “دعاء” مهتحبش المصايف ولا البحر ولما كنت هاخدها هي والعيال كانت هتقعد قدام البحر ومهتحبش نزوله واصل .
وكمل كلامه وهو بيسألها بمغزى:
ـ بس معارفش هي الستات كلها اكده ولا هي بس اللي مهتحبش البحر؟!
طب انتِ هتحبي نزول البحر ؟
جاوبته بحماس وهي بتسقف على ايديها زي الطفلة الصغيرة:
ـ وه! أني هعشق نزول البحر وكمان هعرِف أعوم زين، خالي الله يرحمه كان هياخذني وياه على المركب اللي هيصطاد بيها وكان هيعلَمني العوم، واتعلَمته زين كمان ومن يوم ما مات خالي واني ما شفتش البحر تاني.
غمز لها بشقاوة وهو بيقول لها:
ـ دي عال قوي ، شكلها هتُبقى سفرية عال والبحر هيشهد عليكي وهعرِف نفسك هيجيب لحد فين في العوم وياي، يا أغرقك يا تغرقيني.
لاول مرة تفتخر بنفسها في حاجة وردت عليه:
ـ لااااه، بقي، في السباحة بالذات اني كنت هتسابق وياهم كلاتهم وكنت هغلبهم حكم انت متعرِفنيش زين أني كنت واني عيلة صغيرة شقية مووت.
وكملت كلامها ونبرة صوتها السعيدة اتبدلت لحزن وبأس:
ـ بس لما كبرت الدنيا ادتني على راسي ومرمطتني لدرجة اني نسيت يعني ايه مراحل طفولة ومراهقة كيف البنات، يالا الحمد لله على قضائه وقدره وحكمته في حياتي اكده.
قرب منها وسحبها لحضنه وهو بيبوسها من راسها وجواه حاسس بالقهر والوجع علشان وجعها، لما كانت مرات أخوه كان بينتفض من القهر عشانها من باب الأخوة علشان ظلم أخوه ليها وجبروته عليها، وما كانش بيسكت له ولا بيسكت لأمه على ظلمها، ودلوقتي بقت مراته وعلى اسمه مش قادر يشوف حزنها، ومن جواه عايز يمحي كل ذرة حزن علمت جوه قلبها وعقلها:
ـ خلاص بقى عاد يا “نغم” بطلي تفكِري في الماضي، اللي راح من العمر راح، بس لساتك هتعيشي بصحة وعافية ربنا وهبها لك، لازمن تنسي علشان ولادك يشوفوا على وشك البسمة بدل الدمعة اللي علطول هيشوفوها على وشك ، ويالا بقى البسي علشان نتوكل على الله .
ابتسمت ومن جواها كان نفسها تشدد على حضنه وتشكره على كل حاجة حلوة بيعملها علشانها، سابها وخرج وهي فتحت الشنط لقت جايب لها طقم شيك جدااا بجميع احتياجاته ، حتى الشنطة والنضارة والشوز والحجاب، حضتتهم زي الطفلة الصغيرة اللي جاي لها لبس العيد، وبدأت تلبس بسعادة مدخلتش قلبها غير لما اتجوزت “سند” اللي واقف معاها وكان السند فعلاً.
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية النغم الحزين) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.