رواية سيد الكبرياء الفصل السادس والعشرون 26 – بقلم ميفو سلطان
كان صهيب يجلس في عمله فإذا برسالة تأتيه من رقم غريب. فتح الهاتف فتجمد من رهبة الكلام…….
والله صعبان عليا صهيب الشامي بقي قنطرة وآخرتها فضيحة وجرسة ونزفك أصلك مش مالي العين يلا أنت مابتكيفهاش رجعها للي بيكيفها يا عبيط.
هب صهيب وظل واقفا. شعر بوخزة مسمومة في كبريائه لكنه أغمض عينيه بقوة……..
مين ده يا زبالة هو فيه إيه إيه القرف ده شوية زبالة صحيح.
حاول طرد كلمات الرسالة من رأسه وصورة فلك وهي في أحضانه تدافع عنه. مسح الرسالة وعمل بلوك للرقم وقام ليعود إلى بيته وهو يردد في سره إنها مجرد محاولة رخيصة لهز ثقته بها.
دخل صهيب البيت والهدوء يلف أرجاءه. كان يريد أن يرتمي في حضنها ليخرس صوت الشيطان بداخله. فوجد فلك تجلس ممسكة ببعض الأوراق وتقرأها بتركيز. وما إن رأته لاحظ أنها أخفت تلك الأوراق خلفها بارتباك فطري. قطب جبينه وشعر بوخزة أخرى لكنه جاهد ملامحه. دخل عليها وقبل رأسها بحنان يحاول به استعادة طمأنينته وهمس. .
نظر صهيب في عينيها طويلا. رأى فيهما الصدق الذي يعشقه لكن صدى الرسالة كان ينهشه يحاول طرد شيطانه الذي يوسوس له بكلمات الرسالة الرخيصة…..
. طب كنتي بتعملي إيه يا لوكا. ردت فلك بارتباك حاولت إخفاءه. مفيش كنت بتفرج عالتليفزيون وزهقت.
رد صهيب باستغراب وعيناه تجوب المكان…….. بس التليفزيون كان مقفول أول ما دخلت.
هتفتقالت فلك بسرعة…….. هاه. اه مانا قفلته من شوية صغيرة.
تنهد صهيب بحمل ثقيل أومأ صهيب برأسه وابتعد عنها ببطء وهو يشعر بثقل في صدره. كان يبتعد ليحميها من شياطينه التي بدأت تنهش في عقله….. . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. هي بتحبني ومستحيل تعمل كدة. فلك مش كدة يا صهيب.
. قامت هي وأمسكت يده بحنان…….. إيه …..يا قلبي شكلك مهموم فيه حاجة مضايقاك.
تنهد وقال بتعب… . لا مفيش بس مشغول في الشغل شوية.
تنهدت هي وهمست بصدق يزلزل كيانه. بكرة تخلص شغلك وتستريح وساعتها هتفرح والله عالآخر.
أومأ لها بهدوء وقام وهو يبتسم…. . طب هاخد شاور واجيلك. كان صهيب يلمح طرف الورق تحت المسند لكنه قرر تجاهله ليثبت لنفسه أنه يثق بها.
بمجرد دخوله الحمام قامت فلك مسرعة وسحبت الأوراق التي كانت تصمم فيها أزياء جديدة بعبقرية. يا لهوي كان هيشوفني أعمل إيه. حبيبي صعب وبكرة لازم أقنعه إني أروح الشركة وأقدم تصاميمي. بس يخلص شغله وادلعه شوية وساعتها أكيد هيوافق. اعمل إيه متجوزة أحلى متحكم في الدنيا. يا لهوي قمر وبحب قمر. إمتى هقولك بقى على النونة يا رب أسعدنا وفرح قلوبنا بيه.
خرج صهيب من الحمام وعيونه تتجه فورا للمسند. لاحظ بذكائه الفطري أن المسند تحرك من مكانه ولم يعد تحته شيء. صهيب ذو طبيعة خاصة. رجل متحكم ومتملك وصعب المراس وشكاك بالفطرة مهما حاول إظهار العكس.
قال وهو يجفف شعره. حبيبي بتعملي إيه طول النهار في غيابي.
ردت فلك بمشاكسة…….. مابعملش مش سيادتك حابسني.
رفع حاجبيه بحدة مغلفة بالحب…….. برضه بتقولي حابسني. اسمها بيخاف عليا مش حابسني.
تنهدت فلك بضيق مصطنع…….. يا هوبا الناس كلها بتشتغل اشمعنى أنا.
رد صهيب بلهجة حاسمة وهو يقترب منها…….. عشان أنتِ مرات صهيب وروحه. وصهيب بيغير ولو لمح حد جنبك أو عين غريبة جت عليكي ممكن يموته. عايزة تدخليني السجن اتفضلي اطلعي اشتغلي.
تنهدت فلك وحاوطته بذراعيها وهي تذوب في قربه…….. أنت فظيع والله بس بحبك موووت.
ابتسم صهيب وضمها إليه بقوة وكأنه يخفيها عن عيون الدنيا. وبدأ الشيطان يهدأ قليلاً داخل صدره. همس في أذنها وهو يرتشف من عبيرها…….. بتحبيني يا فلك. حتى بعد ما قضينا فترة وأنا عارف إني متحكم وصعب وعصبي. وتملكي ممكن يخنق.
رفعت فلك عينيها إليه بلمعة شقية وقالت بمشاكسة وهي تلمس ياقة قميصه الغالي…….. وأكرهك ليه يا صهيب. ده أنا متجوزة أحلى وأغنى راجل في الدنيا. كفاية إنك مغرقني في خيرك وفلوسك وأي حاجة بتمناها بتيجي لحد عندي قبل ما أنطق. يعني حماية وعز ودلع. حد يكره العز ده برضه يا هوبا.
تجمدت ابتسامة صهيب قليلا. وشعر بوخزة غريبة في صدره. . تذكر الرسالة التي قالت إنه مجرد قنطرة. هتف وهو ينظر في عينيها بتركيز…….. يعني أنتِ بتحبي عزي وفلوسي يا فلك. لو صهيب مابقاش الغني اللي بيغرقك بالألماظ واللبس هتفضلي تحبيه.
ضحكت فلك بدلال وهي لا تدرك الصراع الذي يدور داخله…….. يا حبيبي حد يكره النعمة. أنت صهيب الشامي بكل ما فيك. بفلوسك وبقوتك وبتحكمك. أنا عجبني الوضع كدة وعايزة أفضل كدة طول العمر تحت جناحك وأنت بتدلعني.
تنهد صهيب بضيق خفي وأبعدها عنه ببطء. وقام وقف بعيد وهو حاسس إن الشيطان بدأ يضحك في ودنه.
تنهد صهيب بضيق خفي وهو حاسس إن الشيطان بدأ يضحك في ودنه…… نظرت إليه فضحكت ولعبت في أنفه. يا لهوي عالتكشيرة أنت صدقت يا روح فلك.
نظر إليها وقلبه يخفق. قبلت عيونه وقالت بنظرات عاشقة أرجعت له النفس.
ابتسمت وقالت…….. أنا مبسوطة معاك يا قلب فلك وعارفة إن كل ده حب وعارفة إن حبيبي غير الناس غيار موت مع إني مابشوفش غيره أعمل إيه في عقله الأهبل.
رد صهيب مشاكسا……. بقي أنا أهبل طب تعالي بقه. وظل يدغدغها ويجتاحها وهي تضحك بصوت عال ملأ أركان الغرفة. حتى استسلما في عشقهما الذي لا ينضب أبدا.
غرقا معا في عالم لا يوجد فيه غيرهما.
.مرت الأيام وتناسى صهيب الرسائل أو هكذا أوهم نفسه. لتأتي رسالة له مرة أخرى كان محتواها…..
السر في التليفون يا أهبل……
قطب جبينه وهب مرة واحدة والدم يغلي في عروقه…… تليفون إيه مش فاهم ومين اللي بيبعتلي كده. طب إيه أنا قلبي بيغلي مش قادر.
ضاق عليه مكتبه واتسعت في رأسه هوة الشك. قام مسرعا وعاد إلى بيته صعد إلى الحجرة فوجدها نائمة كالملاك غارقة في سكينة لا يعكرها سوى صوت أنفاسها الهادئة.
اقترب بهدوء وجلس بجوارها يتأملها ويتنهد بصدر مثقل. نظر إلى الوشم الذي يزين جسده ذلك الرمز الذي اختاره ليكون رباطا أبديا بينهما. مد يده ببطء ووضعها فوق الوشم. يلمسه بضغطات مرتعشة وكأنه يستمد منه قوة المقاومة ضد الشياطين التي تنهش عقله. كان يتلمس الحبر تحت جلده ليذكر نفسه أن هذه المرأة ملكه، وأنها روحه التي تسكن جسده، فكيف لروحه أن تخونه؟
نظر إلى تليفونها الملقى بجانبها، ودار صراع مرير بين صهيب العاشق وصهيب الشكاك……….. إيه أبص بس بصة عادي يعني مراتي أطمن عليها إن ماحدش بياذيها.
كان يمد يده ثم يتراجع بشدة وكأن الهاتف قطعة جمر……….. إيه يا صهيب عيب دي قالتلك الثقة هي اللي أساس للحب.
تنهد وركن بجوارها إلا أن شيطانه لم يتركه بل ظل يهمس في أذنه أن خلف هذه الشاشة الصغيرة تكمن الحقيقة التي يخشاها. هب مرة أخرى……….
لا أنا بس هطمن عليها مش أكتر. قام وأخذ تليفونها بحذر فتحه بقلب يقرع كالطبول وظل يفتش فيه هنا وهناك في الرسائل والمكالمات والصور لم يجد شيئا يريب لم يجد سوى صورا لهما وكلمات رقيقة لم تكتمل.
تنهد وزفر الصعداء وشعر بجبل من الهم ينزاح عن صدره. أعاد الهاتف إلى مكانه ثم عاد ليتلمس الوشم مرة أخرى بامتنان وكأنه يشكره على منحه الصبر. اندفع إلى حبيبته واحتضنها من الخلف بقوة دافنا وجهه في عنقها يستنشق عبيرها الذي هو ترياقه الوحيد، ونام نوما عميقا لأول مرة منذ أيام.
لم يكن يعلم أن الهدوء الذي شعر به هو فخ جديد وأن الرسائل لم تكن في ذاكرة الهاتف بل كانت تحاك في توقيتات مدروسة لتظهر كـ إشعارات في لحظات معينة ليكون هو الشاهد والجلاد في آن واحد.
ظلت الرسائل تنهال على هاتف صهيب كأنها ضربات مطرقة فوق رأسه. لكن هذه المرة لم تكن تلميحات بل كانت حقائق مصورة جعلته يتصلب في مكانه وكأن شللا أصاب أطرافه. صور لمحادثات بين فلك وعماد. كلمات تقطر سما. عماد يحكي لها عن يومه في الجيم وعن اشتياقه للحظة اللقاء. والأنكى من ذلك كانت توصياته لها بأن تجاريه وتستغل نفوذه وأمواله قدر الإمكان. حتى يقوى عود عماد وتعود هي إليه بعد أن تنهب ما تستطيعه من صهيب الشامي.
نظر صهيب للرسائل بعينين جاحظتين. شعر ببركان ينفجر داخل جمجمته. هز رأسه بعنف يمينا ويسارا وهو يتمتم بهذيان…. لا.. لا مش مراتي.. لا مش هي اللي تكتب كدة.. ده مش اسمها.. مستحيل…
شعر أن قلبه يتمزق بين أضلعه. قام ونسخ الرسائل وهو يرتجف من داخله يتمتم.. حبيبتي لا يمكن أن تفعل هذا. لقد فتش هاتفها بنفسه ولم يجد شيئاً. كيف يظهر هذا الآن؟
وقف يهذي في منتصف غرفته. عشقه الجنوني لها كان حائط الصد الأخير. كان يحاول إقناع نفسه أنها خديعة بارعة. لكن الرسالة الأخيرة كانت القاضية….. مهما دورت في تليفونها مش هتلاقي الملعوب متظبط يا أهبل.. خليك نايم في العسل لحد ما تتجنن.
هنا هب صهيب بجنون وقد فقد آخر ذرات تعقله. قرر أن ينهي هذا العذاب بطريقته. وبخبرته التقنية علم كيف يربط هاتفها بهاتفه ليراقب كل نبضة وكل حرف يخرج منه في لحظته.
اتجه لمكتبه في جوف الليل. وجلس هناك والظلام يحيط به إلا من ضوء شاشة هاتفه الذي أصبح الآن نافذته على الجحيم.
ظل يراقب الشاشة بجنون. عروق يده برزت وهو يضغط على الهاتف. شعر أن حياته كلها معلقة على إشعار واحد. كان الجمر يغلي في قلبه بلا رحمة.
كانت فلك تجلس في ركنها الهادئ بالقبو غارقة في عالم الألوان والخطوط ترسم أحلامها التي ظنت أنها ستبني بها مستقبلا مشرقا مع صهيب. وتاركة هاتفها في الأعلى. تسللت الخادمة كالأفعى. وبدأت اللعبة القذرة. ترن على عماد وتتبادل معه رسائل العشق والتخطيط للهروب
تمر الدقائق كأنها سنوات عند صهيب. وصمت الليل يزيده توترا. إلى أن سمع تلك الرنة.. رنة كانت بمثابة سكين انغرس في منتصف قلبه ومزق نياطه.
كانت رسالة تظهر الآن على شاشة هاتفها التي يراقبها من رقم عماد يقول فيها….. وحشتيني يا لولا.. أنا مستنيكي الصبح في المكان بتاعنا عشان تخلصي من سجن الغضنفر ده وتيجي لحضني.
لم تكن الصدمة في الرسالة فحسب. بل كانت في رد فلك الذي ظهر أمام عينيه في تلك اللحظة وهي تكتب…. نفسي بقه نخلص ونبدأ حياتنا سوا.
وصهيب يراقب كل حرف عبر هاتفه المرتبط بهاتفها.
رأى صهيب الكلمات تتدفق كالحمم البركانية على شاشته. عماد يرسل وهي في ظنه ترد. كان يرى حبيبته تسخر من رجولته تخطط لنهب أمواله والعودة لعماد بمجرد أن يقوى عوده. تجمدت الدماء في عروقه وشعر أن روحه تسيل من عينيه التي لا تصدق ما ترى.
كيف استهانت بحبه لتقتله؟ كيف تسخر منه ومن تملكه وهي التي كانت تتظاهر بالذوبان فيه؟
جلس يشعر أنه فقد الحياة يرى أبشع لحظات عمره تُعرض أمامه . اتصالات بينهم تمتد للساعات فبركتها الخادمة ببراعة. أحس أن قلبه ينخلع من مكانه. وضع الهاتف بيده المرتجفة وشعر بآلاف السكاكين تمزق أحشاءه، ثم أطلق صرخة هزت أرجاء المكتب، صرخة رجل ذُبح في أغلى ما يملك.
وضع يده على قلبه ودموعه تنهمر بغزارة فهو العاشق الذي غُدر به في ذروة استسلامه. همس بصوت متحشرج بالوجع……
فلك.. فلك بتخوني أنا بتضحكي عليا ومعيشاني الوهم مستنياه يكبر وترجعله وتسيبيني… تسيبيني أنا ده أنا هموت على طرفها ده أنا عشقتها.
كانت دموعه تسيل بحرقة وهو يتساءل ليه تعملي فيا كده بتنتقمي مني بتاخدي قلبي زي ما كنت هعمل معاكي زمان. بتعلمي عليا وتروحي ليه معايا حرباية وعاملة فيها ملاك؟ إيه القرف ده.. بطني قلبت.. بتتلوني كيف الحية.
بدأ يدور في المكتب كوحش جريح…… أعمل إيه أموتها وأموت روحي ولا أرميها زي الكلابة وأطردها. لا.. أنا لازم أشفي غليلي بس إزاي. البت عايزة تروح للزبالة ويفرحوا ويبقوا علموا عليا.. أنا يتعلم عليا ده أنا أعلم على بلد! أنا آخرتها صهيب الشامي يتعلم فيه كده من شوية زبالة؟
توقف فجأة وهو يمسك برأسه الذي كاد ينفجر…… قلبي يا عالم.. آه يا رب.. ليه كده؟ كان قلبي حجر يوم ما يحس ويحب ربنا يبعتله زبالة تخونه وتنتقم منه؟
تذكر كلمات عقله القديمة التي كان يتجاهلها…. قالتلك كتير أنت استحالة تكون ليها راجل. بس أنت حبيت وما شفتش كره عيونها ليك. أنت وهمت نفسك وجت واحدة زبالة علمت عليك.
شعر بتمزق داخلي فكر في الذهاب لتمزيقها لكنه تجمد مكانه ومسح دموعه بعنف وتحولت نظرة الانكسار إلى نظرة شيطانية مخيفة….اهدي وفكر.. لازم تنتقم منهم الاتنين.
ثم توقف لحظة، وهتف بضعف أخير….. بس أزاي حسيت إنها بتحبني.. اروح أوجها… إلا أنه نهر نفسه وناي كبرياءه أن يري نفسه امامها في موضع خداع ؟
انفجر بالبكاء وكأن حصون عقله قد تهاوت أمام طوفان الخيبة. إلا أنه نهر نفسه بمرارة على هذا الضعف. فصهيب سيد الكبرياء لن يسمح بأن تُراق كرامته على أعتاب امرأة اتخذت من الغدر سبيلاً.
كان في أصعب اختبار بشري حيث يتصارع اليقين المسموم في عينيه مع نبض الحب الصادق في عروقه.انحبست الأنفاس في صدر صهيب. وتجمدت الدموع في عينيه قبل أن تتحول إلى شرار من نار. في تلك اللحظة مات صهيب العاشق.. وولد غضنفر لا يعرف الرحمة.
أحس بغليان في دمائه فقام مسرعا ونادى لعصام بصوت يشبه الرعود.
تعالي يا عصام. أنت وصلت الست فلك في حتة اليومين دول. خرجت يعني من البيت .
كان عصام قد تشرب سموم منار فهتف بتمثيل متقن وصوت يرتجف خوفا مصطنعا……. .
إيه خرجت يا صهيب بيه.
اندفع صهيب نحوه كإعصار وأمسك بتلابيبه.
لا بقولك إيه هتنطق والا إطلع روحك .
قال عصام مسرعا والخبث يكسو نبرته……..
أيوة ليها فترة تنزل تروح عند واحدة صاحبتها بوصلها بس وبترجع على طول والله وقالتلي ماقولش عشان عارفة إنك وبتزعل.
تجمد صهيب لبرهة وكأن صقيع الموت قد لمس قلبه.
طب معلش عشان أنا بخاف عليها ممكن لما تروح المرة الجاية تقولي وتعرفني.
هتف عصام بامتثال خبيث …….حاضر يا صهيب بيه.
رجع صهيب وفي صدره جمرة تحرقه.
إيه بتروحله فجرت خلاص.
كان يدور هائجا كوحش . جلس يأكل في نفسه بضراوة حتى ضاقت به الجدران. اندفع هاربا بسيارته يشعر بخناجر الغدر تمزق نياط قلبه.
قامت فلك في الصباح والسكينة تملأ وجهها المشرق فلم تجد زوجها وسكن روحها فاتصلت به إلا أنه لم يرد . وإذا بهاتف يأتياها يحمل في . فتحت تليفونها لتسمع صوتا نسائيا غريبا……..
فلك الجيار.
ردت هيا …….
أيوة يا فندم أنا فلك.
استرس ت الفتاه تختبرها بجديه …….
جالنا معلومات من شركات تصاميم إنك بتصممي ببراعة وحابين نشوف فنك النهاردة في مقر شركتنا.
هتفت فلك والفرحة تراقص عينيها كطفلة وجدت ضالتها……..
أه طبعا وجاهزة في أي وقت.
قامت سعيدة تزينها أحلام الطموح ولبست أجمل ثيابها وكأنها في موعد مع القدر.تدعو بداخلها …….
يا رب يوفقني وأرجع أجبر خاطر حبيبي وأعرفه إن مراته بقيت نجمة في سما الفن وبقي ليها اسم يشرفه.
نزلت واقتربت من عصام بقلب أبيض لا يعرف السواد……..
عصام ممكن توديني العنوان ده.
رد عصام مبتسما…….
أه طبعا تحت أمرك يا فلك.
أنتِ بقالك فترة مابتخرجيش ولا بشوف الضحكة دي دانا والله بتمنالك الخير من كل قلبي.
ابتسمت له ببراءة اليتامى……. تسلم يا عصام أنت حد طيب ربنا يخليك ادعيلي أموري تتم والنهاردة يكون يوم السعد.
بكرة تفرحي يا فلك والله هتفرحي فرحة عمرك.
صعدت السيارة وأعطته العنوان ليقوم هو في لحظتها بإرسال موقعها إلى صهيب المتربص. ما إن وصل العنوان لصهيب حتى هب مشتعلا كأنما لمس بنار الجحيم. طار بسيارته وسبقها إلى هناك لينتظرها والشرر يتطاير من عينيه والدمار يسكن روحه.
.ظلت فلك بالداخل لفترة تمت فيه مقابلتها وهي تظن أنها تضع قدمها على أول طريق النجاح.
كان عماد يقف متخفيا يراقب خيوط اللعبة وهي تلتف حول عنق ضحيته. وما إن وجد اللحظة المناسبة حتى نزل من المبنى بخطى واثقة. في تلك اللحظة كان صهيب يقف بسيارته يراقب الباب. وفجأة شعر بروحه تنسحب من جلده وعظامه تتفتت من الألم حين وقعت عيناه على عماد يخرج من نفس الباب.
ظل صهيب جالسا يمسك مقود السيارة بغل وصدره يعلو ويهبط كبركان على وشك الانفجار……..
بقي دي آخرتها. إيه الوساخة دي تضحكوا عليا وتقرطسوني. مانا أهبل وعامل حبيب وبحب. آدي آخرتها لما تدخل الجرابيع حياتك وتفتح لهم باب قلبي.
مد يده بآلية مرعبة وفتح أحد أدراج السيارة وأخرج مسدسه. لمعه المعدن البارد في يده أيقظت فيه وحشا كاسرا يطالب بدم يغسل عار الخيانة وينتقم لشرفه الذي داسه هذا الزبالة تحت قدميه. كان صراعه الداخلي مريرا. جزء منه يود اقتحام المبنى وإفراغ الرصاص في رأسيهما ليطفيء نيران صدره. وجزء آخر يمنعه كبرياؤه من أن ينهي حياته خلف القضبان لأجل حثالة.
فتح الباب بعنف وهو يقبض على المسدس بجنون لكنه تجمد مرة أخرى ورزع الباب بقوة زلزلت أركان السيارة. ظل يخبط على المقود بيده الحرة ويصرخ صمتا وهو يشعر بغليان يذيب أحشاءه. أغمض عينيه يحاول تهدئة روحه الثائرة……..
لا يا صهيب هتضيع حياتك ومستقبلك عشان زبالة لا لا.
سمع نقرا مفاجئا على الزجاج فإذا برجل كبير السن واقفا. فتح الزجاج بصعوبة وسأله الرجل بقلق مصطنع. إيه يا باشا أنت بخير. أنا بواب العمارة دي وكنت براقبك من بعيد ولقيتك مش مظبوط أنت كويس.
نظر إليه صهيب بعينين حمراوين كالجمر وسأله على الفور…….. أنت بواب العمارة دي. مين الشاب اللي كان خارج من شوية أبو قميص كحلي.
ابتسم الرجل بخبث مستتر وقال. مين قصدك العريس الجديد الأستاذ عماد. ده عريس ربنا يباركله بيوضب شقته هنا وعروسته بتيجي كل شوية تشرف على التوضيب.
سقطت الكلمات كالقذائف على قلب صهيب الذي توقف عن النبض للحظة. لم ينتظر سماع كلمة أخرى. قاد سيارته بسرعة جنونية ورحل تاركا خلفه الرجل الذي لم يكن سوى مأجور آخر من طرف عماد يبتعد بدم بارد.
انطلق صهيب في شوارع المدينة بلا هدى إلى أن توقف في منطقة نائية وخالية. هناك شرع يصرخ بأعلى صوته صرخات شقت المكان ويخبط على صدره من الألم وكأنه يحاول إخراج قلبه الذي خانه. كانت لحظات من الجنون المميت ودموع لم تتوقف وهي تغسل كبرياءه المنكسر.
وفجأة تجمد صهيب تماما وتحولت ملامحه من الانكسار إلى الجمود الصخري. مسح دموعه بخشونة ونظر للمسدس بجانبه بنظرة مظلمة……..هي فاكرة إنها خدت قلبي وعلمت عليا وضحكت على صهيب الشامي. طيب يا فلك أنا هعرفك وحياة كل لحظة وجع وكل دقة قلب صدقتك أنا هعرفك مقامك الحقيقي. أنتِ اللي اخترتي النار وصهيب هو اللي هيحرقك بيها.
في تلك اللحظة القاتلة حدث داخل صهيب ما يشبه الكسوف الكلي للروح. انطفأت أنوار العشق التي كانت تلمع في عينيه ليحل محلها ظلام دامس وبرود صخري لا يعرف الرحمة.
توقفت رجفات قلبه التي كانت تثور لمجرد ذكر اسمها. وتحجر ذلك النبض وكأنه استحال إلى مادة صلبة لا تخترقها العواطف. مسح صهيب وجهه بعنف وكأنه يزيل بقايا صهيب العاشق المذبوح ليسترد مكانه سيد الكبرياء الذي لا يهزم.
تحولت عيناه من نظرة الهيام واللوعة إلى نظرة حادة ثاقبة ومجردة من أي ذرة حنان. نظرة لا ترى في فلك إلا حشرة حاولت التطاول على عرشه.
سكنت أطرافه المرتجفة واستقامت قامته كرمح لا ينكسر .لم يعد يشعر بحرارة الدموع بل ببرودة الثلج تسري في عروقه. لقد استعاد صهيب الشامي أصله موجبل من الكبرياء لا يغفر ولا ينسى ولا يرحم.
نظر إلى المسدس بجانبه ثم أبعده ببرود فالموت بالرصاص رحمة لا تستحقها هو سيتفنن في ذبح روحها ببطء تماما كما يليق بسيد الكبرياء حين يغدر.صهيب الآن أصبح وحشا صامتا وهذا هو أخطر أنواع الغضب .
عادت فلك والكون لا يسع فرحتها. كانت تمني نفسها بأن تصبح فخرا لزوجها وسندا لاسمه. دخلت البيت بقلب يرقص أملا وانتظرته. وما إن دلف صهيب من الباب حتى ركضت نحوه بلهفة المحب. ارتمت في أحضانه وهي تهمس بدلال…………… إيه يا هوبا أخص عليك من امبارح وحشتني.
كان صهيب يتجلد بكل ذرة كبرياء فيه لئلا يطبق على عنقها في تلك اللحظة. ابتلع غصته بصعوبة بالغة بينما كانت هي تمسد على صدره وتتلمسه بحنان يقطر براءة. شعر بقهر يمزق أحشاءه. كيف لهذا الوجه الملائكي أن يخفي خلفه كل هذا القبح.
شدها إليه بعنف مفاجئ واعتصرها بين ذراعيه وكأنه يريد تهشيم عظامها. كان يعلم في قرارة نفسه أن هذا قد يكون آخر قرب يجمعهما. فاستسلم لجنون القهر وانهال عليها بحدة لم تعهدها منه.
كانت علاقة مهلكة. ترجمت كل مشاعر العشق المذبوح والكره المتصاعد والغضب المكتوم
. كانت فلك تتلمسه بحنان محاولة تهدئة ثورته التي ظنتها شوقا طاغيا. لكن هيهات. فبداخله نار . غاب في نوبة جنون غير عادية حتى هلكت فلك بين يديه واستسلمت لنوم عميق من فرط التعب وهي لا تفهم ماذا أصابه.
قام صهيب من جوارها يشعر بغثيان شديد من نفسه. كيف لم يقو على صدها وكيف استسلم لجسد خان قلبه. اشتعل الغل في صدره فأمسك بهاتفه واتصل بعماد……………
تكون عندي حالا.
جاء عماد إليه مسرعا يشعر بسعاده انه أن اوان النهايه. جلس صهيب في مكتبه ببرود صخري ووضع ساقا فوق ساق. نظر لعماد بنظرة جعلت الدماء تتجمد في عروق الأخير. هتف صهيب بفحيح مرعب……………
أظن إحنا عملنا بدل. أخدت البت بتاعتك وتاخد تلاتة مليون. صح كدة.
ارتبك عماد وتلعثم وهو يحاول استيعاب النبرة الغريبة…………… هاه أيوة. بس مالك مش قولت هترميها بعد شهرين.
.ضحك صهيب وقام ولف حوله فارتعب عماد. أحس بأن صهيب تحول إلى وحش كاسر ينظر اليه ببرود مخيف……………
شوف بقه البت اللي فوق دي ماتلزمنيش بجنيه بس في نفس الوقت فلوسي مش هرميها بالساهل.مش أهبل انا
هتف عماد وهو يرتجف …………..يعني إيه بتقول إيه أنت أنت إدتهملي.
هتف صهيب بنبرة جافة كحجر الصوان………….. شوف عشان قسمة الحق أنت عملت الجيم بنص مليون صح. فاضل اتنين ونص يبقي حقي يرجعولي وتاخد زبالتك من فوق.
هتف عماد بذعر………….. بتقول إيه أنت أنا لسه هعمل حاجات وعليا ملتزمات وحاجات أنا. دا اتفاق.
هتف صهيب بنبره وعيد …………..بص ياما ترجعهم ياما مش هتطلع من هنا سليم.
صرخ عماد والقهر ينهش ملامحه………….. أنت جاحد ليه حرام عليك دول بتوعي.
صهيب في لمحه بصر استدعى بعض الحرس فانهالوا على عماد ضربا حتى هلك بين أيديهم وتلاشت كرامته تحت تحت قدم صهيب الذي يقف منتشيا فصرخ……………
خلاص خلاص هدفع.
شعر عماد بذل يغرق روحه وقام متهالكة ومضى على شيكات بباقي الفلوس.
ابتسم صهيب بابتسامة تشبه لمعة النصل البارد في قلب الذبيحه……………
دلوقتي اطلع خدها أهي عندك.
ابتلع عماد ريقه المر وهتف برهبه………….. إيه اطلع أجيبها أجيبها منين.
ضحك صهيب بسخرية لاذعة …………..إيه خايف ليه هيا فوق كفاية عليها عز لحد كدة ترجع لجربوع زيك.
تراجع عمادمرتجفا…………..طب هاتها نزلها أنا بتطلعني فوق ليه.
ضحك صهيب………….. عشان أنا خدتها منك فوق يبقى أنت تاخدها من فوق.
شعر عماد برهبة تسري في جسده…………..طب طب هيا عارفة.
ضحك صهيب …………..لا ماحنا هنعرفها إحنا الاتنين مش اتفقنا إني أرجعها واديني بنفذ الاتفاق.
هتف عماديرجوه………….. طب تعالي معايا أنا هاخدها عادي كدة مش مراتك.
انطلق صهيب ضاحكا بمرارة هزت أرجان المكان…………… مين الجربوعة. لا فلك مراتي طالق خلاص يلا يلا لم كناستك من فوق.
صعد عماد وهو يشعر بخوف يشل أطرافه وصهيب يقف بالأسفل كصنم من الغضب. دخل عليها فوق وكانت نائمة بعد أن قضى معها زوجها ليلة عنيفة كانت تظنها عشقا. أحست بالباب يفتح. فتحت عيونها ونظرت تجاه الباب فصرخت. فهناك عماد ابن عمها يقف ينظر إليها عند الباب.
كانت شبه عارية تلبس قميص نوم فلفت الفراش حولها بذعر……………
أنت بتعمل إيه هنا يا حيوان وإزاي دخلت هنا أنت مجنون.
ما إن رآها عماد هكذا حتى شعر بخوف حقيقي فهي بلا ملابس وصهيب قد لفظها بالأسفل. شعر بالخوف عليها وما يمكن أن يفعله صهيب بهم وعلم أن فخ المكيدة قد أطبق عليه.
هتف عماد بصوت مهزوز …………..اهدي اهدي.
قامت ولفت نفسها بجسد يرتجف …………… أنت يا زبالة والله اخرب بيتك صهيب هيموتك أنت دخلت إزاي. أنا هخرب بيتك أنت إيه مفيش فيك ريحة المرجلة خالص واطي جايب نجاستك منين اخرج بره. وإزاي دخلوك هنا.
هتف عماد بيأس ووجع حقيقي عليها لم يتخيل تلك النهايه …………..يلا يا فلك خلاص خلصت القصة يلا نمشي.
هتفت صارخة بذهول وهو وجنون…………..قصة إيه يا مخبول وداخل أوضة نومي أنت عايز تتعالج أنا هعرفك. يا صهييييب.
ظلت تنادي عليه وكأنها تنادي روحها الغارقة.
تنهد عماد بانكسار………….. يلا يا فلك بلاش قلة قيمة يلا خلاص قلنا حكايتنا هنا خلصت ويلا نرجع بيتنا.
اهتاجت فلك وصرخت بجنون …………..أنت لازم تتربى ماشي أنا هربيك يا عماد أنا هعرفك مين هيا فلك مرات صهيب الشامي هاه.
ارتعبت فلك وتجمدت الدماء في عروقها عندما سمعت صوت صهيب القادم من خلفها كفحيح الأفاعي……………
صوتكو عالي ليه.
هنا التفتت واندفعت إلى أحضانه تندس فيه كعصفور جريح يحتمي بجدار آيل للسقوط. كانت تحتمي به من ذلك الحقير وتهتف…………… تعالي شوف الزبالة ده دخل عليا أوضتنا أنا مش مصدقة أهوه عندك اعمل فيه مابدالك دا زبالة وواطي.
كانت تخفي نفسها وتكلبش في الملاية وتبكي بمرارة تفتت الصخر…………… دخل عليا وأنا عريانة أنا مش عارفة إزاي جه أصلا ولا دخل. حبيبي الناس اللي تحت دول لازم يتربو إزاي مراتك يتعمل فيها كدة.
هنا تفاجأت عندما انطلق صهيب ضاحكا ضحكة باردة خاوية من أي رحمة لتشعر برهبة سوداء جمدت عروقها.
في تلك اللحظة لم تكن الرهبة مجرد خوف بل كانت صوت تصدع عالم كامل تحت قدميها. ضحكة صهيب لم تكن إلا النعي الأخير لقلب صدق المكيدة ليعلن بجبروت سيد الكبرياء ذبح الحقيقة على محراب الشك.
وقف العشق عاريا لا تستر براءته ملاءة ولا تشفع له دموع أمام رجل قرر أن يرى بعين كبريائه المسمومة. سقطت الأقنعة وتداخلت الخيوط ليترك الكل معلقا بين صرخة فلك المكتومة وجنون صهيب الذي أحال جنة الحب إلى رماد بانتظار ليلة العشق المغدور
بين صرخة فلك المكتومة وجنون صهيب المسموم. هنا حيث تنتهي الكلمات ويبدأ الوجع يغلق الباب على حطام امرأة وحطيم رجل، تاركا خلفه سؤالا ينهش الروح… هل يمكن لضحكة واحدة أن تحيل جنة الحب إلى رماد وتجعل من الحبيب جلادا يلقي بقلبه في جوف الجحيم؟.
لقد عريت من أحببت وكانت تظن أنك الحضن لتصبح أنت في نظرها أرخص من تلك الملاءة التي سترتها.
أيها الحضن البائس.. أيها الظهر الغادر.. لقد أطفأت نور قلبك بيدك وظننت أنك بالانتقام تسترد كرامة ذبحتها بشكك. لم تكن تدري أنك لا تهدم جميلتك فحسب بل تهدم الحصن الأخير لروحك.
ويأتي الرد موجعا ولكنه بليغ رد يدرس في الوجع وسقوط الأقنعة……
لقد انطفأ النور في قصر صهيب الشامي وبدأت ليلة لن تشرق شمسها إلا بدموع الندم.. ليلة سيطول سوادها ولن يجد فيها سيد الكبرياء أحدا ليواجه كبرياءه إلا جدران قصره الباردة وصدى صرخات امرأة كانت تراه الحياة. فأراها هو الموت بدم بارد.
بهذه الكلمات القاسية والموجعة نغلق الستار على هذا البارت الذي زلزل أركان الحكاية.
ولم يبق إلا ظلال الوهم ووشم راقد فوق صدره يكوي قلبه كلما نبض. ليذكره أن التي نفاها من حياته لا تزال تسكن جلد ثناياه. لقد صار الوشم قيدا وصار الحضن منفى وانطفأ النور في قصر صهيب الشامي وبدأت ليلة لن تشرق شمسها إلا بدموع الندم.
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية سيد الكبرياء) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.