رواية سيد الكبرياء الفصل الخامس والعشرون 25 – بقلم ميفو سلطان

رواية سيد الكبرياء الفصل الخامس والعشرون 25 – بقلم ميفو سلطان

كان صهيب يجلس وقلبه يرجف تحت تلك العصابة السوداء وعيناه معصوبتان عن الدنيا ومن فيها. لكن بصيرته كانت مفتوحة على آخرها. وكأن الظلام صار مرآة تعكس له أدق تفاصيلها.

في تلك اللحظة انفصل صهيب عن صخب القاعة ليغرق في حضرة روحها التي استدعاها من غيابات قلبه.

بدأ شريط ذكرياتهما يمر أمام عينيه كفيلم سينمائي صامت منغرزا في وجدانه بحده وقوته.

استعاد اللمحة الأولى تلك التي كانت بمثابة الزلزال الذي هز حصونه القديمة تذكر نظراتها المتمردة وخوفها الذي حاولت مداراته بكبرياء جريح. مرت بذاكرته تفاصيل أيامهما معا منذ أن دخلت حياته إلا منها… تذكر العنفوان الذي أسره.. الكبرياء الذي عشقه بتفاصيله. تذكر حواء التي زلزلت عرش ابن الشامي.

تذكر رائحة قهوتها في الصباح ونبرة صوتها وهي تعاتبه . استعرض كل مشادة كل نظرة تملك وكل لحظة ضعف انكسر فيها أمامها. أحس وكأن فلك لم تعد مجرد امرأة سكنت بيته بل صارت تاريخا منقوشا في دمه وجزءا من روحه لا يتحرك إلا بها.رفع يده لمس موضع الوشم وابتسم.

كان يستحضرها بكل حواسه ظل ينتظر والكون حوله يتلاشى لم يعد يسمع تصفيقا ولا تهليلا. بل كان يسمع فقط صدى ضحكتها في أروقة عقله. وكأن روحه قد غادرت جسده لتجوب المكان بحثا عن النبض الذي يخصها هي دون سواها.

لقد صار في حالة غياب كامله متأهبا لتلك الرجفة التي تسري في جسده كلما اقتربت موقنا أن قلبه سيهديه إليها حتى لو كان في عتمة القبر. ففلك لم تكن عابرة سبيل بل كانت القدر الذي انتظره عمرا كاملاًليعلمه كيف يحب.

في كل مرة كانت تقترب منه أنثى كان يسكن تماما لا دقة قلب تضطرب ولا شعور يتحرك وكأنه تمثال من رخام لا يحس اصلا بأحد . كان يتذكر المرات التي أخذ فيها فلك في أحضانه ليلا يغمض عينيه ويغيب عن الوجود ليحس بأنثاه بحق لذا ظل صامدا ينتظر الإشارة.

مرت فتيات كثيرات بعطور فرنسية نفاذة لعلها تخدع حواسه وهو ساكن كأنه ينتظر نداءا سماويا. إلى أن جاء الدور الخامس عشر..

صعدت فلك كانت تشد قدميها وركبتاها ترتجفان. اقتربت منه وبيد مرتعشة أمسكت شعرها وأزاحته جانبا ثم قربت عنقها من وجهه.

فجأة وبدون مقدمات استنشق صهيب عبيرها فاهتز كيانه وكأن صاعقة من النور ضربت منتصف قلبه. لم يشمها بأنفه بل أحس بها تتوغل في مسامه. هنا صرخ قلبه قبل لسانه.

شهقت فلك بذهول عندما وجدت يداه تنقضان على خصرها بجنون وسحبها لسطح المنصة ثم رفعها إلى أحضانه بقوة كادت تحطم ضلوعها. كان يدور بها وهو يهتف بيقين هز أركان القاعة……فلـــــك روحي والله.

نزع العصابة بحركة سريعة لتلتقي نظراته بنظراتها المذهولة التي تلمع بالدموع وسط عاصفة من التصفيق والصفير. وقف الجميع في صمتٍ مهيب يراقبون تلك العيون التي تصرخ بالعشق.

اقترب المنظم بذهول وسأله…. انت عرفتها إزاي بسرعه كده العطر بتاعها مش نفاذ قوي .

ابتسم صهيب وهو ينظر لعيونها وأخذ الميكروفون ليقول كلماته التي زلزلت المكان…. العطر بيتششم بالانف. لكن فلك بتتحس بالروح.. ريحتها مش عطر ريحتها أنا ريحتها هي النبض اللي بيعرف قلبي إنه لسه عايش. أنا مش محتاج أشوفها أنا بعرفها من دقة قلبي اللي بتنتفض أول ما تقرب..

انفجرت القاعة بالتصفيق وارتجفت فلك بالبكاء وهي ترتمي في حضنه أمام العالم تدرك الآن أن هذا المجنون صار يسكن في أدق تفاصيلها وهي تهمسأنت مش طبيعي يا صهيب.. أنا بقيت حتة مني.حته من روحي.

صهيب الذي ملك العالم في تلك اللحظة لم يستطع لجم مشاعره أكثر وأمام الجميع ونزولا عند رغبة قلبه الهائم انحنى عليها يقبلها بهيام أذاب خجلها في قبلة لخصت تاريخا من القسوة انتهى بين يديها بينما كانت هي تشعر بضعف لذيذ وكأن روحها تلاشت داخل روحه.

تعالت الصيحات وارتجف فضاء القاعة بالتصفيق الحاد والتهليل بينما كانت فلك قد فقدت القدرة على الثبات فاندست في أحضانه كعصفور وجد عشه أخيرا. تداري خجلها الذي صبغ وجهها بحمرة الخجل.

لم ينتظر صهيب أكثر بل جذبها من يدها وركض بها وسط جموع المهنئين والضحكات تلاحقهما كأنها زفة هائجه. حتى صعد بها إلى جناحهما بالأعلى.

وما إن انغلق خلفهما الباب حتى ركنها إلى الجدار وانهال عليها بفيض من القبلات والمشاعر التي احتبست طويلا لم تكن مجرد قبلات بل كانت اعتذارا طويلا وعهدا جديدا. استسلمت له فلك تماما ذابت بين يديه من فرط ما مرت به من سحر وصدق ومن فرط تلك اللحظة التي شعرت فيها أنها مرئية بروحه قبل عيينه.

ظل يهيم بها في عالم خاص يرتشف من عشقها ما يطفئ نيرانه حتى هدأ أخيرا وقلبه يكاد ينخلع من مكانه من شدة الخفقان. ابتعد قليلا واحتضنها بقوة فشعر بجسدها يرتجف بين ذراعيه وهي تتشبث به بكل ما أوتيت من قوة ودموعها تنهمر بصمت كزخات المطر فوق صدره.

أحست في تلك اللحظة أن خيوط عشقها له قد اكتملت رفعت عينيها الدامعة إليه فمسح دموعها بإبهامه وهمس بصوت متهدج….. طب ليه الدموع دي بس يا قلبي أنا زعلتك في حاجة تاني؟

لم تتركه يكمل بل لفت يديها حول عنقه وهمست بكلمة شقت طريقها من أعماق روحها لتدخل كالسهم الحارق في قلب الوحش اذابته….. صهيب.. أنا بحبـك.

تجمد صهيب للحظة صمت كل شيء حوله إلا صدى كلمتها الذي تردد في جنبات روحه أحس وكأن قلبه سيفارق ضلوعه من فرط الجمال. أغمض عينيه بقوة يستشعر لذة الكلمة وهمس كأنه لا يصدق….. إيه.. بتقولي إيه يا فلك… قوليها تاني.

اقتربت منه وابتسمت بحالميه وأمسكت بيده ووضعتها فوق قلبها النابض بعنف وقالت بعينين يملؤهما الهيام…. أنا بعشقك يا عشق فلك.. أنت مش متخيل أنت حسستني بإيه تحت.. حسيت إنك حاسس بيا و بوجودي. قلبي اتخطف لما عرفت إن روحك هي اللي شافتني.

اعتصرها صهيب بين ذراعيه وكأنه يريد إدخالها بين ضلوعه وهتف بنبرة مخنوقة من الفرحة… أنا اللي قلبي انخطف من جمال اللي قلتيه.. أنا مش مصدق إني أخيرا سمعتها. مش مصدق عيونك اللي بتضحك وفرحانة دي.. يعني خلاص يا قلبي؟ ماعتيش خايفة مني؟

ابتسمت فلك بحب جارف واقتربت من وجهه لتنفث أنفاسها الدافئة فوق بشرته…..

هتفت بحب وهي تغوص في أعماق صدره وكأنها تغرس نفسها بداخله..أخاف إزاي وأنا حاسة إن أبويا رجعلي وخدني في حضنه.أنت مليت عليا دنيتي وماعدتش شايفة غيرك.راجلي وحبيبي وسندي لو عملت إيه هفضل أحبك.. بعصبيتك بغرورك حتى بتملكك.بديك ضهري وقلبي وكل حتة فيا وأنا مطمنة قلبي دق ليك وهيفضل يدق عشق يا قلب فلك.

فلك بتعشق صهيب ولقيت فيك نصها اللي ربنا قسمه لها. وعارفة إنك هتحافظ عليا.. عارف يا صهيب أنا معاك نسيت يعني إيه يتم.. نسيت طعم الوحدة اللي كان بياكل في روحي طول سنين. زمان كنت بخاف من خيالي. كنت بحس إني غصن ضعيف أي ريح تكسره. لكن دلوقتي أنا حاسة إني قوية بيك حاسة إن حضنك ده هو الحصن اللي العالم كله ما يقدرش يهده.

رفعت عينيها إليه وكان يلمع فيهما ضياء ثقة عمياء وتابعت بهمس يرتجف صدقا…. أنا سلمتك قلبي وأنا مغمضة وخليت حضنك هو أرضي وسمايا.. أنت الأب اللي فقدته والحبيب اللي اتمنيته.

النهاردة بس أقدر أقول إني ماعدتش يتيمة لأنك بقيت لي الكل.. بقيت الأهل والعزوة. أنا مطمنة لدرجة إني حاسة إن لو الدنيا كلها غدرت بيا أنت الوحيد اللي هتفضل فاتح لي دراعاتك.. مستحيل تكسرني يا صهيب صح؟ مستحيل تهون عليك فلك اللي ملقتش أمانها غير فيك.

أمسكت يده ووضعتها على وجهها تستمد منها الدفء وهي تكمل بجنون عشق…. أنا بديك ضهري وأنا عارفة إنك سندي اللي مش هيميل. وبديك قلبي وأنا متأكدة إنه في أيد أمينة.. أنت الحلم اللي عوضني عن كل وجع شفته وعارفة إنك عمرك ما هتخليني أحس باليتم تاني طول ما أنا في حماك أنا ملكة متوجة.

أمسكت وجهه بكفيها الرقيقتين وأغمضت عينيها وهي تقترب لتقبل جفونه بحنان أذاب ما بقي من حصونه وهمست…. أنت الحلو اللي ملا حياتي أنت الحتة اللي نورت قلبي وكسرت الخوف والفراغ اللي جوايا.. هتفضل الحتة الحلوة في قلبي لحد ما أموت. عشت خايفة يتيمة ماليش حد.. بس دلوقتي.. وقبلت عينه الأخرى وتابعت بهمس يقطر هياما…. دلوقتي بقيت بتاعت صهيب.. صهيب وبس.

كان صهيب مغمض العينين يستشعر تراتيل عشقها التي نزلت على روحه الغيث. فتح عينيه وعجز لسانه عن النطق أمام هذا السيل من المشاعر فشدها إليه يعتصرها بجنون وهتف بصوتٍ أجشّ مخنوق….. فلك.. ماعدتش قادر أنا عايزك ومحتاجلك قوي.. هموت عليكي دلوقتي.

نظرت إليه بعيونٍ تلمع بالرضا والحب… وأنا بقولك فلك موجودة عشانك.. بتاعتك وحبيبتك اعمل فيها اللي بدالك.

تجمد الزمان في تلك اللحظة. صهيب الذي كان يظن أنه ملك الدنيا بكلماتها وجد نفسه يرتجف أمام نعم التي نطقت بها عيناها قبل لسانها. نظر إليها بذهول لم يستطع مداراته. أيعقل أن حواء المتمردة التي حاربته طويلا هي نفسها التي تخبره الآن بملء إرادتها أنا كلي ملكك. لم يصدق أذنيه وغلبه ارتباك جميل أمام صدقها. فغاب عنه جبروت ابن الشامي وحل محله عاشق يخشى على معشوقته من نفسه.

همس بصوت متحشرج…. ؟فلك أنت واثقة. يعني خلاص. لو مش جاهزة يا قلبي قوليلي. والله العظيم براحتك ممكن نوقف هنا وأقوم أسيبك تنامي وننسى اللي قلته.

لمحت فلك في عينيه تلك اللهفة المكبوتة التي يحاول لجمها احتراما لها فقررت بمكر أنثوي لذيذ أن تشعل فتيل جنونه. لم تجبه بكلمة بل لمعت شقاوة في عينيها كانت هي الرد. انسلت من بين يديه بخفة وابتعدت بضع خطوات وهي ترتب خصلات شعرها المبعثرة.

ثم نظرت إليه بطرف عينها وهتفت بدلال و شقاوة……. والله يا هوبا أنت اللي قلت براحتك. خلاص بقه شكل النوم كبس عليك نام يا حبيبي وارتاح وأنا كمان هنام بقه عشان تعبانة.

وتصنعت أنها تتجه نحو الجانب الآخر من الفراش لتغط في النوم تاركة إياه يتخبط في ذهوله. تجمد صهيب مكانه لثوان هذه المشاكسة التي تعبث بأعصابه. انفجرت ضحكة رجولية مكتومة من صدره وهو يشاهدها تبتعد. ثم هتف بجنون وعيناه تشتعلان رغبة لا تقهر…….

تنامي. تنامي فين يا روح قلب صهيب. ده أنا ما صدقت قلبي رضي عليا.

.

وفي حركة باغتته بها اندفعت تجري في الجناح وهي تضحك بطفولة أذابت جموده. فانتفض خلفها كغزال يطارد قدره وصوت ضحكاتهما يملأ المكان

. تعالي هنا راحه فين يا قلب صهيب بتهربي مني بعد ما سلمتي وحدتي روحي. هتف بها وهو يطاردها بين أركان الغرفة وهي تتمنع عنه بدلال فاتن تختبئ خلف أريكة تارة وتجري نحو الشرفة تارة أخرى حتى انقض عليها أخيرا فجذبها إليه لتسقط فوق صدره وهي تلهث وتضحك وقد صبغ الخجل وجهها بلون الورد.

طوق خصرها بذراعيه القويتين ورفعها عن الأرض وهي ترفس بقدميها وتضحك نزلني يا صهيب أنت اللي قلت نامي. أدارها إليه ليصبح وجهها في مواجهة وجهه تماما وأنفاسه الحارة تداعب بشرتها وهتف بهيام أنا قلت كدة عشان كنت خايف عليكي من قلبي اللي هيتجنن عليكي. لكن دلوقتي. وحياة جنوني بيكي ما هسيبك ده أنا هوريكي النوم اللي بجد بيبقى إزاي في حضن الغضنفر.

هنا سكن كل شيء. تلاشت الضحكات وحل محلها همس الأنفاس المتسارعة. تطلع صهيب إلى وجهها الذي صار كالقمر في ليلة تمامه ومرر أنامله المرتجفة فوق جبينها مزيحا خصلات شعرها التي تمردت على وجهه. انحنى عليها بهدوء صوفي وكأنه يخشى أن ينكسر هذا السحر إذا تنفس بقوة. استسلمت فلك تماما تلاشت ممانعتها وتحولت لرجفة عشق سرت في جسدها حين شعرت بقربه الشاعري الذي يفيض تقديرا قبل أن يفيض رغبة.

لم يعد صهيب هو الغضنفر الذي يقتنص بل صار عاشقا يرتشف من رحيقها ببطء وكأن كل لمسة هي صلاة شكر لأنها صارت حقيقة بين يديه. في تلك الليلة لم يلمس جسدها فحسب بل لمس روحها اليتيمة وداواها بينما كانت هي تطوق عنقه بذراعيها مغمضة العينين تغرق في وطن لم تجده إلا في حضنه لتكتب في تلك اللحظة شهادة ميلاد جديدة لكليهما بعيدا عن أوجاع الماضي وقبل أن تدركهما عواصف الغدر التي كانت تحاك في الظلام.

جذبها إليه بانفعالٍ صارخ محتضنا إياها بقوة زلزلت كيانه أحس ببراكين العشق تنفجر بداخله ولا سبيل لإطفائها إلا بالقرب منها حملها بين ذراعيه ليدخلا عالم الخصوصية يسقيها من كؤوس عشقه وهو لا يكاد يصدق أن هذا اليوم قد أتى.

نامت فلك هانئة فوق ضلوع آدمها الذي آمنت به وعشقته غافلة عما يخبئه غدر الزمان ولا تدري أن هناك قلوبا تشع سوادا لا تستطيع العيش دون أن تغرز نصل غلها في سعادة الآخرين.

على الجانب الآخر وفي مكانٍ يسكنه الحقد دخل عماد على منار بوجه يحمل ملامح الشياطين وهتف بصوت يملؤه السم….. تعالي اتفضلي.. البيه خلاص الهانم اللي كان بيكرهها دخلت عينيه وقلبه. والمصيبة إن بنت عمي شكلها مبسوطة وراضية.. أنا هموت من القهر نفسي أروح أقتله

هتفت منار بغل أعمى… وأنت عرفت الكلام ده منين؟

رد عماد وهو يضرب قبضة يده في الجدار…. كلمته وكلمتها.. هزأوني الاتنين بقوا يد واحدة وشبكو مع بعض فعلا واللعب دلوقتي بقى على المكشوف. البيه خد البت بتاعتي.

:

ظلت منار جالسة تسمع بغل لعماد وللمكالمه التي دارت منه لصهيب وفلك و ينسج عقلها خيوط الحقد كما تنسج الحيه شباكها ثم هتفت ببرود…. أنت بعتلها الرسايل زي ما قلتلك؟

رد عماد والغل يغلي في صدره… بعت زفت.

سألته بخبث… طب هي ردت شتمتك في الرسايل؟

صاح غاضبا…… لا.. الهانم اتصلت وفرّجت عليا خلق الله وهزأتني.

اتسعت ابتسامة منار بمكر وقالت… حلو قوي..

رد مستنكرا….. حلو إنها هزأتني؟

ضحكت بسخريه……. لا.. حلو إنها مابعتاش رسايل طب اسمع بقى.. هتفضل تبعت رسايل ليها كأنكم مع بعض وإنك مستنيها وكأنها بترد عليك وتكلمك ماشي وكأنك كل شويه بتكمل اخبارك عندها وتبين أنها بتكلمك فون. وكل شويه ترن عليها.. تمام؟

رد قاطبا… ايه الهبل ده هيا مش معبراني احكي إيه..

ابتسمت بخبث… أنا بقى هتصرف في الباقي.

سألها بتوجس…. هتعملي إيه؟

غمزت بعينيها وقالت….. هعمل كتير.. مالكش دعوة.

لم تكتف منار بعماد بل مدت حبال مكيدتها لتطول عصام الذي كان قلبه يفيض بحسن النية ولم يكن يعلم أن منار تستخدمه كخنجر مسموم. وكل همه إنقاذ فلك وعدم اذيتها.

اتصلت به تحيك عليه مكيدتها….. اسمع يا عصام.. هديك نمرة عايزك تخلي حد يكلمها من تليفون فلك ويفتح الخط بالليل كتير.

رد عصام بحيره….. نمرة إيه دي. أنا اتمنعت من دخول الفيلا وصهيب ماعتش طايقني.اخري البوابه منه لله مبشوفهاش.

قالت بإقناع كاذب….. تمام.. خلي الخدامة اديها فلوس وخليها تساعدنا. مش أنت عايز تنقذ الغلبانة دي؟ صهيب ممكن يقتلها في أي لحظة وأنت عارفه.

سألها بقلق….. طب نمرة مين دي؟

أجابت بنبرة واثقة….. دي نمرة واحد محامي كبير قوي وبتاع فضايح كمان غول كبير اتفقت معاه . هنوهم صهيب إن المحامي ده بيكلمها عشان ينقذها. وإنه هيعمل لصهيب مشاكل ويشوه سمعته. أنت عارف صهيب بيخاف على شغله فهيريح دماغه ويطردها من سكات.

هتف عصام بتردد…. بس مش عايزها تتأذي.. دي غلبانة وطيبة.

طمأنته بغدر…. تتأذى إيه؟ صهيب مغرور وكبرياؤه فوق كل شيء ولما يحس إن اسمه هيتمس هيبعدها فورا انا حفظاه تمام وهاتلي نمره الخدامه أنا اكلمها أحسن افهمها ماشي. .. صدقني دي الطريقة الوحيدة لنجاتها.

تنهد عصام وقا…… عندك حق.. هعمل كل اللي بتقولي عليه عشان أنجدها من اللي هي فيه.

على الضفة الأخرى من العالم حيث يغفو النور في أحضان الهيام.. كان صهيب قد قضى ليلة كاملة يصب فيها رحيق عشقه على حواء قلبه. وكأنه يعيد كتابة تاريخه بين يديها.

في الصباح استيقظ ليجدها غافية فوق صدره كحمامة وديعة ملامحها لانت وتلاشت منها آثار الخوف.

تأملها بقلب يرتجف حبا وهمس لنفسه……. أنا مش مصدق.. أنا كان عقلي فين وأنا بفكر أذيكي؟ ده أنتِ نور عيني.. فكرت آخد قلبك، فلقيتك خدتي قلبي وعقلي وروحي يا عمري.

بدأ يداعب وجنتيها وشعرها برقة مفرطة فبدأت تفيق وتتململ في حضنه كطفلة تستقبل الشمس. فتحت عينيها لتجد أمامها عينين تشعان عشقا خالصا. فنظرت إليه بذهول رقيق ثم سرعان ما غمرها الخجل من وضعهما وقربهما الذي أصبح بلا حواجز.

همس صهيب بصوت يملؤه الدفء… يا أحلى صباح على أحلى عيون.. صباح حبيبي اللي خد عقلي وطار

تنهدت فلك وأحنت رأسها بخجل فطري فرفع وجهها بكفيه وقال بهيام…. وحشتيني.

همست برقة…

وحشتك إيه ما أنا جنبك أهو.

رد بعشقٍ لا ينتهي…. مش نمتي وسيبتيني صاحي أتحسر إن حبيبي سابني؟

أغمضت عينيها من فرط خجلها وقالت…. بطل بقى.. أنت تعبتني.

بدأ يداعبها بمشاكسة فشهقت وهتف بضحكة رجولية…. لا يا قلبي.. ده إحنا راقدين هنا بقية الأسبوع.

كلبشت في يده وهي تذوب خجلا….. صهيب بطل والنبي.. أنت إيه ده.

ضحك بصوته كله…. صهيب يبطل إزاي؟ جوزك غضنفر أنتِ هبلة ولا إيه؟

همست بدلال… هزعل منك والله.. وقوم بقى عشان نلحق نتفسح.

تنهد وهو يغرق في ملامحها…. ما خلينا هنا أحلى فسحة.. أنا ماشبعتش من قمري.

حاولت فلك الإفلات بخجل شدت الملاءة حولها وقامت وهو يراقبها بضحكة منتصرة….. رايحة فين وسيباني أنا مانمتش من امبارح.

هتفت وهي تبتعد… هاخد شاور وأنت نام بقى.

لم تكد تستدير حتى قام مسرعا وحملها كأنها ريشة وأعادها إلى الفراش فصرخت بضحك…. أنت مجنون أوعى.

هتف بجدية مصطنعة… بقولك عايز أنام.. ما نمتش.

همست…. صهيب بطل.

تنهد بعمق…. طب هاخدك في حضني وبس.

استسلمت بين ذراعيه فاحتواها بجسده وأراح رأسها على ذراعه وظل ينظر إليها بصمتٍ أبلغ من أي كلام. عيونه تصرخ بما يجول في صدره من لوعة واحتياج. رفع يده يداعب وجهها ورقبتها برقة وأنفاسهما تعلو وتتسارع في سكون الغرفة.

ثم همس بعشقٍ حارق…. شايفة صهيب وفرح صهيب في عيونك؟ شايفة حتة مني فرحانة إزاي؟ عايزك ألف مرة.. مراتي وحبيبتي. وعايز أجيب منك أحلى عيال ولاد فلك.. حتة منك تنورلي حياتي. هحبه عشان أنتِ أمهم وبس.

تابع وعيناه تلمعان بالأمل… عايز عيلة كبيرة.. ولد أسميه فارس صهيب يبقى فارس العيلة، وبنوته أسميها جميلة عشان تبقى جميلتي.. يبقى عندي الفارس والجميلة ومعاهم اللي خطفت قلبي. فلك اللي بتنور في دنيايا زي المنارة. نجمة عالية طلتها بتسحرني. أنا حاسس إن اللي جوايا هيجنني.. عايزك ماتبعديش عن عيني لحظة. عارف إني هبقى غيور ومتملك ومتعب بس ماعرفش أعمل غير كدة فكرة إن حد يبصلك بس بتجنني.

فلك أنا عايزك تستحمليني وأنا بوعدك إني هحاول أتغير.. بس أنا من دلوقتي حاسس إني هتعب من غيرتي عليكي.

ابتسمت فلك بعشق غامر ونظرت في عينيه بصدقٍ زلزل كيانه…… أنا بقى مبسوطة إنك كدة.. أنا حابة أبقى بتاعتك وبس. تعوزني أنا وبس وماتسمحش لمخلوق يقرب.. تملكك ده أنا حياه ومش زعلانه منه عشان عارفة إنك بتحبني وأنا طول ما قلبي ده بيدق اعمل ما بدالك.. من إيدك دي لإيدك دي أنا كلي ملكك.

همس صهيب بعشق جارف وهو يطوق خصرها بجنون…. طب وحياة أبوكي في تربته لترضي عني وتسيبيني أغرق فيكي..

شدها إليه بقوة أذابت آخر ذرات اعتراضها لتستسلم له هادئة طائعة لا ترفض له طلبا ولا ترد له رغبة وكأنها وجدت في حضنه الوطن الذي كانت تبحث عنه.

مرت الأيام كالحلم الجميل وعادا إلى الفيلا يغلفهما وهج الحب. سعد العم فكري برؤيتهما هكذا وقرر بذكاء الأب أن يترك لهما الفيلا ليعيشا حريتهما. رغم محاولات فلك لإثنائه عن ذلك.

تحول صهيب الشامي الرجل الذي كان يضرب به المثل في الرزانة والجمود إلى مراهق عاشق لا يكتفي من النظر إليها أو لمسها. أصبح يقتنص اللحظات اقتناصا. فما إن تتوارى فلك عن الأنظار في ركن من أركان القصر حتى يظهر خلفها كظلها يطبق بذراعيه على خصرها ويجذبها إليه بعنف محبب.

في الممرات المظلمة خلف الستائر المخملية وحتى في أطراف الحديقة بعيدا عن أعين الخدم. كان يباغتها بجنون لم تعهده. كانت فلك تهمس بذعر لذيذ وهي تحاول الإفلات….. صهيب ابعد حد يشوفنا عيب والله شكلك قدام الناس..

لكنه كان يضحك بلامبالاة غريبة ويدفن وجهه في عنقها مستنشقا عبيرها كأنما يسرق منها الحياة قائلا…. خليهم يشوفوا.. أنا بقيت مراهق في حبك يا بنت الجيار ونفسي العالم كله يعرف إنك ملكي وممنوعة على غيري.

كانت الرغبة تتوهج في عينيه كلما تحركت أمامه يراقبها وهي تسير وهي تتحدث حتى أصبح يختلق الحجج لطلبها إلى مكتبه وما إن تغلق الباب خلفها حتى يحاصرها بين يديه والباب يسرق منها قبلات طويلة تذهب بعقلها تاركا إياها ترتجف خجلا وهو يبتسم بزهو كأنه يكتشف الرجولة لأول مرة بين يديها.

كان صهيب يقدس تفاصيلها يراقبها وهي تعد القهوة يبتسم لمجرد رؤيتها تمشط شعرها الطويل أمام المرآة وحين كانت تلمح نظراته الهائمة كانت تخجل وتندفع لأحضانه فيرفعها عن الأرض ويدور بها وهو يهتف…. أنتِ الحتة اللي نورت قلبي وكسرت الخوف والفراغ اللي جوايا.. هتفضلي الحتة الحلوة لحد ما أموت.

لقد غرس صهيب في روعها أنها أصبحت آمرة ناهية في قلبه فبنت هي قصورا من. الثقة فوق رمال متحركة لم تعلم أن الرياح الشيطانية بدأت تهب عليها.

بين جنون العشق ونذير الغدر

كانت فلك نادرا ما تخرج فصهيب صار هو عالمها. وعصام الذي حرم عليه دخول الفيلا ظل مرابطا عند الباب الخارجي كروح تائهة يظن في قرارة نفسه أن صمتهما وبقاءها بالداخل يعني أنها سجينة ومجبورة لا يدرك أنها تعيش أجمل أيام عمرها.

راعت فلك غيرة زوجها المجنونة فابتعدت عن عصام تماما. لكن خطة تلك الشيطانية كانت تمضي في طريقها المرسوم ببراعة

فعماد يمطرها بالرسائل والاتصالات في غياب صهيب. والخادمة التي باعت ضميرها تسرق الهاتف لتعيد الاتصال به لفترات طويلة لتصنع سجلا من المكالمات يوهم الناظر بأن هناك علاقة خفية تنسج خلف ظهر الغضنفر. كانت تخفي الرسائل وحذرتها منار أن تخبر عصام عن مكنون تلك الرسائل. وفلك من الأساس منشغله إما بصهيب أو برسوماتها فلماذا تمسك الفون فليس لها أحد تتصل به أو يتصل بها.

في مكتب صهيب كان أدهم يراقب صديقه بذهول وابتسامة ساخرة فقد وجد صهيب سارحا. مرتسما على وجهه شبح ابتسامة هائمة غير مدرك لما يدور حوله.

هتف أدهم بضحكة… والله أنت بقيت مسخرة.. فقرة العشق الممنوع دي لايقة عليك قوي. جلس يتأمله وهو يهز رأسه الواد انهبل..دانا ليا ساعه داخل ودا مبلم زي الاهبل. بقى ده صهيب الشامي؟ يا عم النحنوح يا حاج.

انتبه صهيب فجأة وقال بتشتت… هاه؟

ضحك أدهم عاليا…. هاه.. هو فيها هاه؟ آه يا واقع.. ماكنتش أعرف إنك خفيف كدة.

خبطه صهيب ببعض الأوراق بغيظ…. ما تحترم نفسك يا زفت.. فيه إيه؟

رد أدهم وهو يمسح دموع ضحكه…. فيه إيه؟ ده أنت بقيت فرجة. أنت عبيط يا واد؟ إيه اللي لحس عقلك كدة. فاتح بقك وسرحان طول النهار.

سرح صهيب ثانية في ملامح فلك فهز أدهم رأسه بيأ… نهار طيين.. الواد مابقاش نافع. أنت يا هباب البرك.. يا روميو زمانك.. ارحم أمي أنا واحد عيان وعندي المرارة.

صاح صهيب بغضب مصطنع…. فيه إيه يا زفت مالك في إيه؟

هتف أدهم بجدية… لا ماليش يا غضنفر.. نلم نفسنا بقى عندنا شغل وأنت بقيت بتسرح أكتر ما بتشتغل.

تنهد صهيب واستعاد تركيزه فجأة عندما تذكر شيئا هاما فهتف بحدة.. بقولك إيه.. أنت يا بني. فين الزفتة اللي قلت تصميماتها هتبقى من المجموعة. أنا خلاص اعتمدت التصميمات ودخلتها الجدول ولازم تجيبها.. مش قلت هتتصرف؟

تغيرت ملامح أدهم لليأس وقال…. والله يا صهيب بقالي شهر بحاول أوصل وبعت على عنوان البطاقة قالولي سابت البيت من شهر ونص وماحدش يعرف طريقها.

ضرب صهيب المكتب بقبضة يده وهتف بقلق…. طب والحل آخد التصاميم إزاي دلوقتي فاضل شهر واحد على الديفيليه.. والتصاميم ده بالذات هيا اللي هينقل المجموعة في حتة تانية..

هتف أدهم وهو يجمع أوراقه… بص يا صهيب اشتغل عليهم لحد ما نشوف جايز تظهر في أي وقت وتنقذ الموقف.

تنهد صهيب بعمق وقرر في قرارة نفسه أن تخرج تلك التصاميم للنور سواء ظهرت صاحبتها الغامضة أو لم تظهر. فقد سحرته التفاصيل وكأنه يرى فيها روحا تشبهه.

عاد صهيب إلى الفيلا يجر أذيال التعب وما إن فُتح الباب حتى وجد فلك في انتظاره، ارتمت في أحضانه هامسة بعتاب رقيق…. ينفع كده؟ هالك نفسك في الشغل ومضيع يومك كله هناك.

تنهد وهو يدفن وجهه في عنقها مستنشقا عبيرها الذي يزيل الهم… موسم يا قلبي

غصب عني.. الديفيليه قرب والضغط كبير.

ابتعدت قليلا ونظرت إليه ببراءة… أنا مش فاهمة موسم إيه. مش بتخيطوا هدوم وخلاص؟

انفجر صهيب ضاحكا ضحكة رجولية هزت صدره… اه بنخيط أنا ترزي كبير يا ست فلك.. والله أنتِ مسخرة.

سحبت يده وجلست على قدمه أحاطت عنقه بذراعيها وهمست بنبرة جادة…. صهيب.. كنت عايزة أطلب منك طلب.

هتف بهيام وهو يزيح خصلات شعرها… يا نهار أبيض.. طلب واحد؟ دانا أقطع حالي عشان القمر اللي وحشني ده. بدأ يداعب أطراف ملابسها بجرأة.

فشهقت وضربت يده بخفة… بطل بقى إيه مابتشبعش؟

ضحك وهو يشدد من قبضته عليها… لا والله مابشبع. أنتِ بتجننيني يا بت. بقيت قاعد في المكتب ببتسم زي العبيط وبفكر فيكي. وأدهم مخليني مسخرة للشركة كلها

هتفت بدلال واثق… ما هو أنت لو بطلت تفكر فيا أموتك فاهم؟

داعب وجنتها وهمس بصوت أجش…. مانتِ مموتاني من غير حاجة.. تعالي بس، أنا جسمي مكلبش وعايز أفك والقمر بس اللي هيخليني أبقى منساب على بعضي.

كلبشت في قميصه وهتفت بإصرار.. قلتلك عايزة حاجة يا صهيب.. بطل بقى واسمعني.

تنهد بصبر نافد وهو يحاول كبح رغبته…… حبيبي يؤمر.. قولي يا سيدي.

قالت بنبرة حالمة… كنت عايزة أشتغل.

انتفض صهيب وكأن أفعى لدغته.. كنتِ عايزة إيه يا روح قلبي؟

تنهدت بعمق… أشتغل يا صهيب.. طول عمري بحلم حلم نفسي أحققه أنا كنت روحت شركة وقدمت فيها و…

لم يتركها تكمل بل حملها فجأة بين ذراعيه وسط صرخاتها المندهشه…. أنت بتعمل إيه؟ نزلني.

هتف وهو يتجه بها نحو الداخل بعينين تشعان عشقا وتملكا…… هشغلك.. أصلك شكل الفراغ مأثر عليكي من إمبارح. فلازم نشتغل شغل من العالي.. أنا تقريبا مقصر في شغلي معاكي.

صرخت وهي تحاول الإفلات… صهيب بطل.. عايزة أقولك على الشغل بجد

لكن هيهات، فصهيب عاشق متملك لا يترك أنثاه إلا وقد خضعت لسلطان عشقه راغبة لينة تذوب في أحضانه. كانت تحاول المقاومة بكلماتها لكن قلبها كان يخذلها في كل مرة فهي عاشقة حتى النخاع وصهيب هو الإعصار الذي لا تستطيع ولا تريد الوقوف في وجهه.

صهيب أغلق باب النقاش بقبلةمحمومه وجموح مشاعر هالك. لكن طموح فلك لن ينتهي هنا .

مرت الأيام متوالية والعشق بينهما يزداد جنونا وضراوة حتى تملكت فلك من كيانه تماما. وسلبت لبه وأصبحت هي المركز الذي تدور حوله حياته. في أحد الصباحات كانت جالسة تشعر بهدوء غريب يسكن جسدها وشعور لم تعهده من قبل يهمس لها بسر خفي. أرسلت الخادمة في عجل لتشتري لها اختبارا للحمل وما هي إلا دقائق حتى تجسدت المعجزة في خطين أحمرين.

أغمضت فلك عينيها ويدها ترتجف فوق بطنها أحست أنها ملكت الدنيا وما فيها.

لقد تحقق الحلم وصار فارس صهيب أو جميلة فلك حقيقة تنبض داخلها. قررت بقلب يرقص فرحا أن تعد لزوجها مفاجأة تليق بحجم هذا الخبر خاصة وأنه في الآونة الأخيرة كان يعود من عمله ووجهه يحمل غيوما من التعب والوجوم. فأرادت أن تنزع عنه هذا الثقل باحتفال كبير تدعو إليه العم فكري ليكون شاهداً على اكتمال عائلتهم الصغيرة.

وفي إحدى الليالي الهادئة وبينما هما جالسان يتأملان النجوم سألها بصوتٍ منخفض يفيض بالحرص…. فلك.. حابة نغير حاجة في الفيلا؟ لو فيه ركن مش عاجبك لو حابة نغير الديكور كله ونخليه على ذوقك.. البيت ده مابقاش بيتي ده بقى مملكتك أنت وأنا مجرد ضيف في قلبك.

ابتسمت له فلك وهي تضع رأسها على كتفه وشعرت أن كل سنوات الحرمان تلاشت في لحظة. لكن المفاجأة الأكبر كانت حين أخرج علبة قطيفة فاخرة فتحها لتلمع تحت الضوء شبكة كاملة من الألماس والذهب الأبيض لم يكن مجرد خاتم بل كان طقما ملكيا يليق بعروس استولت على عرش قلبه. أمسك يدها وبدأ يلبسها الخاتم بقدسية وقال….. أنا ماجبتش ليكي شبكة في الأول لأني كنت أعمى.. لكن دلوقتي

الألماظ ده قليل عليكي أنتِ جوهرة صهيب اللي حافظ عليها بروحه.

دمعت عيونها مبهوره…. صهيب كتير عليا كل اللي بتعمله ده يا قلبي.

قبل عيونها…. لو قعدت عمري كله أعمل مش هوفي لحظه سعاده من إللي بتدهالي ولو قعدت اعتذر عمري كله مش هيشيل غصه وجعك من قلبي.

ابتسمت ولمست خده بحنان وهمست.. بحبك قوي..

أغمض عيونه وقبلها بحب وتنهد عاملك مفاجتين حلوين لم يكتف صهيب بالاعتذار اللفظي عن قسوته الماضية بل أراد أن يمحو أثر الوجع بعمل يبهر فلك. أخذها من يدها وعيناه تلمعان ببريق المفاجأة ونزل بها درجات القبو التي كانت ترتعد منها.الذي شهد يوما قسوته وتعذيبه لها. فارتجفت وتسمرت مكانها. شعر صهيب برعدتها فاقترب منها واحتضنها من الخلف بقوة ودفن رأسه في عنقها وقبله ودفعها بلطف. وما إن فتح الباب حتى شهقت فلك وكادت تسقط من ذهولها.

لقد اختفى الظلام واختفت الرطوبة والجدران الصماء فقد أمر صهيب بفتح جدار كامل من القبو ليصبح واجهة زجاجية عملاقة تطل مباشرة على الحديقة الغناء وصمم أمام الزجاج مصب مياه وشلالات اصطناعية تتساقط برقة فوق صخور مرمرية لتعطي صوتا يبعث السكينة في الروح.

حول القبو إلى قاعة شتوية دافئة فرشها بالسجاد الفارسي والمدفأة الرخامية وجعل فيها ركنا هادئا محاطا بالنباتات المتسلقة التي تدخل من الفتحات العلوية. همس صهيب في أذنها وهي تتأمل الشلال بدموع الفرح

المكان اللي عذبتك فيه يا فلك هو اللي هيشهد على دفاكي.. خليت الشلال ده يغسل ذكريات الوجع وبدلت الضلمة بنور الجنينة عشان كل ما تقعدي هنا تفتكري إن صهيب اتبدل من وحش لإنسان ملوش وطن غيرك.سامحيني يا فلك.. المكان ده بيفكرني بقد إيه كنت وحش وغبي. بس وحياة دموعك اللي نزلت هنا لأخلي الفيلا كلها جنة تعوضك عن كل ثانية وجع شفتيها بسببي

كانت دموعها تسيل لسانها معقود صد مه وراء صدمه اقترب وقبلها لا لا دموعك دي ماشفهاش أنا عايش عشان اشوف نور عنيكي وبس.

نظرت اليه ومسكت وجهه واندفع عليه بهيام حارق تحاول أن تعبر عن عشقها له لم يكن هناك كلمات تعبر بها.

رفع ذقنها وقبل أطراف انفها بهيام ولسه يا قلب صهيب دي بقه ليا وليكي.

أخذها من يدها إلى أقصى نقطة في الحديقة بعيدا عن أعين الحراس وكاميرات المراقبة حيث بنى لها ركنا خاصا محاطا بأشجار الياسمين العالية ووضع فيه أريكة مريحة وقال لها وهو يطوقها بحنان… المكان ده ملكك أنتِ وبس.. هنا مفيش حرس هنا فيه فلك وصهيب اللي بيعشقك خدي راحتك ارسمي. غني كوني زي ما تحبي بعيد عن عيون الكل.كانت الستائر تلف المكان واصبح المكان معزول تماما.

لم تعد الفيلا مجرد جدران صامتة بل

صارت جنة لا تطؤها إلا أقدام السعادة.

تذكر صهيب تحت ضوء القمر. كانت فلك ترتجف من عشقه وليست من نسمات الليل فلفها واحتواها من خلفها ودفن وجهه في عنقها هامسا.. عارفة يا فلك؟ أنا كنت عايش في ضلمة وأنت جيتي نورتي كل ركن ضلم فيا.. أنا بقيت بخاف من السعادة دي لتخلص.

في تلك اللحظة لم تعد فلك هي الأنثى الخجولة المنكسرة بل تحولت إلى عشق ثائر يريد امتلاك الرجل الذي وهبها الأمان. حاوطته بذراعيها وشدته إليها بعنف لم يعهده منها. وهمست أمام شفتيه وأنفاسها تعلو وتتسارع كطبول الحرب… أنا بقى مش هسيب لحظة إلا أما أسعدك فيها.. أنت بقيت دنيتي وأنا ملكك وليك وبس.

جذبته من يده نحو القبو وسط ممرات الضوء الخافت وصوت خرير الشلال الذي يملأ المكان سكينة. ومدت يدها بحركة واثقة وشدت الستائر المخملية الثقيلة لتعزل العالم الخارجي تماما وتجعل من هذا المكان كوكبا لا يسكنه غيرهما.

عندها.. رجف قلب صهيب واتسعت عيناه برغبة جامحة ولهفة حارقة لم يستطع لجمها أكثر من ذلك. نظر إليها وهي تتحدى خجلها لأجله.

فلم يجد نفسه إلا وهو يندفع إليها في عشق جنوني محطما كل قيود الرزانة ليذوب في تفاصيلها ويغرق في بحر حنانها كأنما يودع بروحها كل آلام ماضيهم

غرق صهيب في بحر عشقها وفي ذلك القبو الذي تحول إلى جنة نسي العالم وما فيه خلف تلك الستائر المخملية. قضى ليلته وهو يشعر أنه امتلك الكون يرتشف من حنان فلك ما يطفئ نيران سنينه الماضية وكأن تلك الليلة كانت الميثاق الأخير الذي وقعه قلبه بالدم والروح.

لكن وكما يقال ما قبل العاصفة لا بد من سكون مخادع فبينما كان صهيب يغادر الفيلا في الصباح وهو لا يزال يستشعر لمسة يديها على وجهه ونبضات قلبها التي اعترفت له بالحب فوق صدره. كانت خيوط المؤامرة قد اكتملت تماما حول عنقهما.

كانت فلك في الفيلا تغمرها مشاعر الأمومة الوليدة وتخطط للاحتفال الأكبر بقدوم فارس صهيب.. كانت تتحرك كالفراشة بين أركان قاعة الشلال تضع الورود وتتخيل ملامح طفلها. غير مدركة أن منار وعماد ينسجون كفن هذه السعادة. الخادمة التي صارت عينا للشياطين داخل البيت كانت تنتهز فرص انشغال فلك برسمها أو بانتظار صهيب لتلتقط صورا لهاتف فلك المفتوح بجانب رسائل عماد الوهمية التي يرسلها في أوقات مدروسة لتبدو وكأنها محادثات حقيقية جارية في تلك اللحظة.

في تلك الأثناء كان صهيب جالسا في مكتبه يفرك صدغه من الإرهاق والابتسامة لا تفارق خياله وهو يتذكر تفاصيل ليلتهما الأسطورية في القبو.. وقبل أن يغرق تماما في التفكير في ملامح فلك التي تشتاق إليها عيناه كل ثانية رغم أنه فارقها منذ ساعات فقط صدح رنين رسالة في هاتفه.. رنين كان بمثابة النذير.

فتح الهاتف بلا مبالاة وهو يتوقع رسالة حب منها أو رسالة عمل عادية وما إن وقعت عيناه على الشاشة حتى انتفض بقوة وتجمدت الدماء في عروقه واتسعت عيناه بذهول مرعب ..عندما وجد أمامه

…….

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية سيد الكبرياء) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!