رواية سيد الكبرياء الفصل الرابع والعشرون 24 – بقلم ميفو سلطان

رواية سيد الكبرياء الفصل الرابع والعشرون 24 – بقلم ميفو سلطان

كانت هي مصدومة من كلامه وشكه كانت تعلم أن صهيب مختلف متملك ولكن الشك شيء آخر ….. مسكها بعنف.

فصرخت ودفعته.. فمسكها بعنف أكبر وصرخ بهياج ….. أنت سيباني ورايحة فين .

هنا نفضت يده وهي دامعة ….. رايحة في مصيبة ربنا ياخدني .

اندفعت تجري بعيدا وكأنها تهرب من قدرها بينما وقف هو مقهورا يراقب طيفها. ثم اندفع خلفها وصعد للحجرة ظنا منه أنها احتمت بها لكنه تفاجأ أنها ليست موجودة …..

مرت ساعة ثم ساعتان وصهيب يخطو في الغرفة كوحش جريح خرج يبحث عنها في الفندق سأل النادل سأل الأمن لكن لا أثر لها ….. فقلبه الذي كان يرقص طربا منذ قليل بدأ ينقبض بعنف وكأن يدا غليظة تعتصره .

بحث عنها في كل زاوية على الشاطئ صرخ باسمها حتى جف حلقه والليل بدأ يسدل ستاره البارد ….. وفجأة تحول الخوف إلى رعب حقيقي حين لمح تجمعا من الناس عند صخور بعيدة وصوت صفارات الإسعاف يمزق سكون المكان .

تجمدت الدماء في عروقه ركض كالمجنون يزيح الناس بيده يمينا ويسارا وهو يهمس برعب ….. لا يا رب ….. فلك لا .

وصل إلى قلب التجمع فوجد شالها الذي كانت ترتديه ملقى على الأرض غارقا في ماء البحر وبجانبه فردة حذاء واحدة تخصها ….. سقط صهيب على ركبتيه أمسك الشال وضمه إلى صدره بقوة واستنشق عطرها المختلط برائحة الملح وبكى صهيب الشامي لأول مرة في حياته بكاء مرا مزق نياط قلبه .

هتف بجنون وهو ينظر للبحر الهائج ….. فلك ارجعي يا فلك ….. أنا اللي زبالة أنا اللي ما استاهلكيش ….. خدي روحي بس ارجعي .

في هذه اللحظة وبينما كان يودع روحه مع الأمواج شعر بلمسة باردة على كتفه وصوت واهن يهمس من خلفه ….. صهيب ؟

توقف قلبه وتوقف الزمن على همسها ظن أنه يهذي فالتفت بسرعة البرق ليرى فلك تقف خلفه بوجه شاحب وملابس مبتلة من رذاذ الموج وعينين مليئتين بالدموع ….. كانت قد انزوت بعيدا لتبكي وسقط منها شالها وجذبته الأمواج دون أن تشعر .

لم ينطق بكلمة بل اندفع نحوها وحطم ضلوعها بين ذراعيه في عناق يائس وكأنه يحاول إدخالها بين ضلوعه ليخفيها عن العالم وعن نفسه. كان يرتجف بعنف وصوت نحيبه يعلو وهو يدفن وجهه في عنقها ….. كنت هتموتيني يا فلك ….. أنا عرفت دلوقتي إني ماليش عيش من غيرك ….. أنا بموت فيكي يا روحي سامحيني .

كانت فلك مستكينة بين يديه تشعر بنبض قلبه الذي يكاد يتوقف من الرعب إلا أنها كانت مقهورة لا تفهم كيف يجمع بين هذا الحب وهذا القهر ولا تفهم حالته وخوفه علي فقدها فدفعته عنها بقوة غريبة .

التفت إليها صهيب والدموع تغرق وجهه كان يرتجف وكأنه طفل وجد أمه بعد ضياع لكن فلك لم تكن فلك التي يعرفها كانت جسدا باردا بلا روح. وبكل ما أوتيت من قهر دفعت صدره العاري بعنف حتى ترنح للخلف وهتفت بصوت يقطر مرارة ….. جاي ليه يا صهيب جاي تتأكد إن البحر خدني فترتاح من شكي وقرفي ؟ ولا جاي تشوفني واقفة مع مين المرة دي ؟

مسحت دموعها بظهر يدها بعنف وتابعت وهي تصرخ في وجهه ….. بص كويس يا صهيب بيه الشامي ….. بص للبحر يمكن تلاقي فيه حد كنت ببتسم له أو حد كنت مبينة له كتفي ومبسوطة بيه ….. أنت مش محتاج بحر يغرقني أنت غرقتني في شكك ووسوستك .

تجمد صهيب مكانه الكلمات كانت تخرق صدره كأنها رصاص حاول الاقتراب منها وهو يمد يده المرتعشة ….. فلك ….. أنا كنت غبي .

صرخت بحرقة ….. أنت جاي ليه انت ؟ بتسأل مبيناه لمين ومبسوطة ؟ مبيناه ليك أنت أنا اللي كنت واثقة فيك وماشية جنبك كأني شايلة حتة من السما ….. أنت مش بس ضربت الراجل أنت ضربتني أنا يا صهيب أنت خوفتني منك .

تابعت وهي تتراجع عنه بقرف ….. ايدك عن اللي بتبين نفسها للناس وروح دورلك على واحدة مابتقفش للرجالة وتنبسط بقلة أدبهم هاه.

استدارت لترحل فمسكها فصرخت ….. ابعد مالكش دعوة بيا امشي امشي مش طايقاك .

أحس بهياجها فقال بقهر ….. طب أحضنك أنا هموت أنا افتكرتك رحتي .

صرخت ودفعت يده ….. يا ريت أموت وأخلص أنا تعبت تعبت امشي امشي أنت بتوجعني …..والله أموت نفسي لو قربت مني.

فاستدار مرغما لعلها تهدأ تاركا إياها لمصير اختارته بعيدا عنه في تلك اللحظة .

كانت تنظر خلفه لظهره العريض الذي كان منذ دقائق سكنها وأمانها والآن تراه جبلا من نار كانت تشعر بالظلم فكيف يحاسبها وكيف يغدر بها لسانه وهو الذي وشم قلبه بدمها منذ ساعات. وكانت الخرزة الزرقاء المصبوغة بدمائهم تضرب صدرها مع كل خطوة كأنها تذكرها بأن هذا العشق ثمنه غال جدا .

سار صهيب لفترة لا يعرف مدتها يشعر بضياع لم يذقه قط جلس متهالكا على الرمال والسيناريوهات السوداء تنهش رأسه همس لنفسه بمرارة ….. أنا كنت هموت عليكي أنا أسف يا عمري أسف والله قلبي مش حمل الوجع ده أنا حيوان .

اشتعل غضبا من نفسه يجلد روحه بسياط الندم ….. أنت إيه زبالة هو ده التغيير اللي وعدتها بيه. جايبها عشان تحس بالأمان معاك تقوم تقهرها وتكسرها بشكك منك لله يا صهيب قهرتها بسفالتك وكلامك السم .

ثم تنهد بضعف عاشق ….. بس مأتحملتش مأتحملتش حد يبص لجمالك كنت هموت من الغيرة ….. لكنه سرعان ما نهر نفسه بقسوة ….. يا شكاك يا مريض ده كلام برضه يتقال لحبيبتك ؟

صعد إلى الحجرة يجر أذيال خيبته وحين لم يجدها انقبض قلبه بشدة. نزل يفتش عنها والجنون ينهش عقله.

أما فلك فقد كانت تسير على الشاطئ والوحدة تنهش روحها ….. هو ده اللي اتغير. أنا قلبي بيوجعني قوي حبيته وصدقت إنه اتولد من جديد ليه يذبحني بشكه ؟

تنهدت بوجع وهي تحدث نفسها ….. أنا عارفة إنه متملك وصعب بس الوجع المرة دي سكن قلبي …..

انزوت داخل إحدى الخيام المنصوبة على الشاطئ انكمشت على نفسها في ركن مظلم وغلبها النوم من فرط الإرهاق والدموع .

في الجانب الآخر كان صهيب كالمجذوب يطوف الجزيرة ذهابا وإيابا حتى قادته قدماه لغرفة المراقبة. طلب مراجعة الكاميرات حتى رآها تدخل تلك الخيمة ….. ركض إليها وكأن حياته معلقة بها .

فتح الستار ببطء فارتجف قلبه لمشهدها

كانت نائمة متكورة على روحها كطفل يتيم طرده العالم ….. تنهد بغضب من نفسه ….. شفت يا زبالة شفت الأمان اللي قدمتهولها منك لله .

اقترب منها بهدوء يلامس الخوف وحملها بين ذراعيه برقة بالغة.

فتحت عينيها الثقيلتين وما إن أبصرت وجهه حتى انتفضت تململمت بعنف ودفعته عن صدرها بصرخة مخنوقة ….. ماتقربش مني قولتلك ابعد عني .

تنهد صهيب ووقف أمامها بصلابة منكسرة ثم أمسك يدها بقوة ناعمة لا تسمح بالهرب وهتف برجاء ….. كلميني يا فلك عاقبيني اضربيني بس كلميني خلينا نتكلم .

انهارت دموعها وهي تكمل ….. أنا مش هرد عليك لأن الوجع اللي فيا دلوقتي أهون بكتير من الوجع اللي في قلبي بسبب كلامك ….. أنت مش عاشق أنت سجان .

استدارت بقهر لترحل فاندفع خلفها ومسك ذراعها. لكنه حين رأى دماء بسيطة تلوث أصابعها من أثر خبطة رأسها أثناء تململها سكن تماما ….. سحبها لصدره بعنف حان ودفن وجهه في عنقها وهو يهمس بصوت محطم .

أنا آسف ….. والله العظيم آسف ….. أنا دمي غلي لما لمسك مابقتش شايف قدامي ….. خفت تضيعي مني خفت حد يشاركني فيكي ولو بالنظرة ….. اقطعي لساني يا فلك بس ماتبصيليش البصة دي ….. أنا قوتي كلها بتنهار قدام دمعتك .

استسلمت بين يديه وهي تشهق بالبكاء تدرك أن هذا الرجل المجنون هو في الحقيقة طفل تائه يدافع عن حبه بطريقة الوحوش لأنه لا يعرف لغة أخرى للأمان ….. عادوا للغرفة طهر لها جرحها بصمت وهو يقبل يدها بعد كل لمسة قطن حتى استسلمت للنوم من فرط الإرهاق .

خرج هو إلى الشرفة أشعل سيجارته ونظر للأفق بجحود استبدله بحزن عميق تحدث لنفسه بهمس ….. مكنتش أعرف إنك القدر اللي بعته ربنا عشان يكسر الوحش اللي جوايا ويخليني إنسان ….. نامي يا قدري ….. نامي وأنا هحمي أمانك حتى من جنون قلبي اللي مش عارف يحبك بهدوء .

اندس بجوارها وشدها إليه وكأنه يخشى أن تتسرب من بين يديه ….. نام وهو يصارع فكرة واحدة كيف سيصلح ما أفسده تهوره ولسانه الذي لا يعرف سوى لغة النيران .

في الصباح استيقظت فلك لتجد نفسها سجينة أحضانه الدافئة ….. انسحبت بهدوء مر من بين ذراعيه ودخلت الحمام وأخذت شاور باردا لعلها تغسل أثر كلماته الجارحة من روحها .تركته غارقا في نومه ونزلت البحر .

استيقظ صهيب ووجد الفراش باردا من دونها فزفر بضيق يمزق صدره ….. هو أنا هقضي الأسبوع لوحدي ده إيه المرار ده ….. أنت تستاهل يا صهيب …..ثم قام يقتفي أثرها بقلب يرتجف .

وجدها جالسة شاردة تنظر للصخر وكأنها تستمد منه القوة لتصمد أمام جبروته ….. أحس بوجع في قلبه فاقترب منها بخطوات حذرة وقبل رأسها ثم أمسك يدها وقبلها بهمس يقطر حنانا .

….. أسف أنا أسف .

شدت يدها منه بقوة وقالت ببرود جمد الدماء في عروقه .

….. هنمشي إمتى .

انصعق صهيب من برودها وابتلع ريقه بصعوبة .

….. إيه يا فلوكة إحنا لسه جايين ….. مش قولنا هنقعد أسبوع ننسى فيه الدنيا .

قالت وهي تنظر للأفق البعيد بعيون لا ترى سواه …

….. ما عادش ليه لزوم الوجود هنا ….. شوف هنرجع إمتى عشان ألم الشنط .

شعر بالقهر ينهش روحه فهي ترفض حتى النظر في عينيه فمسك يدها برجاء .

….. والله أسف أنا عارف إني طور بس ما أتحملت الغيرة ….. عشان خاطري سامحيني أنا قلت كلام زبالة بس كنت هموت عليكي من فكرة إن حد يلمحك ….. طب بصيلي طيب أعمل إيه عشان أكفر عن ذنب لساني ….. فلك أنا عارف إني صعب وشكاك بس والله هتغير عشانك وعشان نعيش و…. .

قاطعته بيأس .

….. ما أعتقدش إنك هتتغير يا صهيب ومن فضلك عايزة أرجع أنا مخنوقة عايزه ارجع. .

وقامت وتركته وحيدا …..

تنهد صهيب بحرقة وحدث نفسه ….. أهه السعادة رشقت في وشك يا زبالة ….. البت مش طيقاك قال إيه كنت ناوي تحسسها بالأمان ….. قام مسرعا ولحق بها ووقف بجوارها يحاول لمس روحها بكلماته .

….. طب أنا أسف والله خلاص بقى بلاش القسوة دي .

استدارت إليه بعيون تشتعل قهرا وهتفت .

….. خلاص إيه بالضبط ….. لا بجد ما أرضاش ليك بواحدة بتتبسط بالرجالة وتبين جسمها للناس ….. مش دي كلماتك يا صهيب بيه .

صرخ صهيب بصوت مبحوح .

….. بطلي بقى والله كان كلام ساعة شيطان أنا أسف ….. بصي أنا عارف إني طايح وماليش رادع بس خلاص من هنا ورايح هبقى زي ما أنتِ عايزة ….. .

نظرت إليه والدموع بدأت تحفر طريقها على وجنتيها .

….. زي ما أنا عايزة ….. أنت عارف أنا عايزة إيه يا صهيب ….. أنا عايزة تحسني من جوا تعرف نبض قلبي بيقول إيه وتعرف أنت إيه ليا بس أنت مش عارف ….. مش عارف إن ولا ميت راجل يملوا عينيا ….. مش عارف إن رجالة الكون مجرد سراب مابشوفهمش .

تابعت بمرارة هزت كيانه .

….. أنت شكيت فيا وأنا ما عملتش حاجة ….. أمال لو شفتني في وضع وحش واتحطيت فيه غصب عني هتعمل إيه ….. هتموتني مش هتثق فيا ….. أنت يا صهيب بتثق في شكك أكتر ما بتثق في حبي وده استحالة يكون حب .

انفجرت في البكاء وهي تذكره بماضيها النقي .

….. أنت جايبني هنا وتقول لي هتبطلي خوف ….. أنا امبارح كان حضنك هو مصدر الخوف ليا ….. كنت خايفة منك ومن غدر لسانك ….. ليه عملت إيه عشان توجعني كدة وتوهمني إني بخونك بمجرد نظرة من غريب .

شهقت بالوجع وتابعت .

….. ده أنا قعدت في بيت خالي سنين ….. عماد كان هيموت ويلمس طرفي وعمري ما فرطت في روحي ولا كرامتي ….. جاي أنت دلوقتي تقول لي مبسوطة بيهم ….. أنا قبل ما أخاف على اسمك بخاف من ربنا اللي قدام عيني في كل خطوة .

اقتربت منه خطوة واحدة بكسرة تذبح القلب .

….. أنت الراجل الوحيد اللي سمحتله يقرب مني ولا هسمح لغيره ….. بس أنت مش حاسس ده عشان مفيش ثقة بيننا ….. مفيش علاقة بتتبني على الشك يا صهيب ….. الشك ده بيجي منه الغدر وأنت خوفتني منك لدرجة إني حاسة إنك ممكن تغدر بيا في أي لحظة .

اندفع بلهفة وهو يحاول ضمها .

….. لا والله أغدر إيه ده أنتِ روحي ونفسي ….. بطلي الوجع ده أنا أسف ووعد مش هتتكرر .

نظرت إليه بعيون منكسرة وقالت جملتها التي نزلت عليه كالصاعقة .

….. وأنا مابقتش مصدقاك يا صهيب .

تراجعت فلك عنه خطوات وكانت نظراتها غارقة في وجع لم يلمحه من قبل. رفعت يدها المرتعشة إلى عنقها وبحركة سريعة ومفاجئة خلعت الخرزة الزرقاء التي كان قد أهداها لها في لحظة صفاء سابقة ونظرت إليها بمرارة ثم أطبقت يدها عليها بشدة.

وقالت بصوت يخنقه البكاء…..

..الخرزة دي اللي كنت فاكراها أمان طلعت هي اللي بتخنقني. أنت كل ما بتلمس قلبي بترجع تكسره تاني بيدك.

تسمر صهيب مكانه وكأن صاعقة ضربت كيانه وهو يرى تميمة حبه تُنزع من عنقها بهذا الغضب. لكن الصدمة الكبرى كانت حين رفعت عينيها المليئتين بالخوف الحقيقي وقالت بنبرة قطعت نياط قلبه…..

أنا عايزة أشيل الوشم ده يا صهيب.. الوشم اللي أتحط بصدري عشان تعلمني بيه كأنني ملكية خاصة.. أنا عايزة أمحيه عايزة أقطعه من جسمي حتى لو جلدي طلع معاه. أنا خايفة منك وبقيت بحس إن كل علامة منك هي قيد بيخنقني مش حب بيسعدني..

أكملت بقهر ووجع….

تفرق إيه عن صهيب الاولاني صهيب اللي سجني يوجعني. ايه بتحدفلي شويه مشاعر عشان اصبر علي وجعي واكمل.. انا بقيت خايفه منك. خايفه والله خايفه.

كلمة أنا خايفة منك كانت كسكين بارد انغرس في صدر صهيب. شعر للحظة أن قلبه توقف عن النبض فعليا وأن أنفاسه هربت منه. تراجع للوراء وهو يضع يده على صدره ملامحه انخطفت وصار شاحبا كالموتى.

أحس أن الدنيا تدور به فكرة أنها تريد محو أثره من على جسدها وأن عشق التملك الذي كان يفتخر به تحول في نظرها إلى رعب يهدد روحها جعله يشعر بانهيار كبريائه تماما.

خرج صوته كحطاما يائسا……..

تشيلي الوشم يا فلك للدرجة دي بقيت وحش في عينيكي؟

اندفع وشدها بعنف و انفجر في بكاء مرير لم يعرفه صهيب الشامي طوال عمره……. بهتت فلك من انفجاره اهتز له قلبها همس بنحيب…

والله أنا بموت فيكي.. . اقطعي رحي اقطعي لساني اللي غلط فيكي. بس بلاش تقطعي علاقتك بيا. أنا من غير العلامات اللي علمتها فيكي ومن غير وجودك في حضني ماليش وجود.. أنا بموت يا فلك قلبي مش مستحمل فكرة إنك عايزة تتخلصي مني.

كان ينظر إليها بعينين زائغتين وشعرت فلك لأول مرة أن هذا الرجل القوي الجبل الذي لا يهتز ينهار حرفيا تحت قدميها وأن قلبه قد يتوقف في أي لحظة من فرط الخوف من ضياعها.

اقترب صهيب منها بسرعة البرق وشدها إليه بقوة زلزلت كيانها ….. مسك وجهها بين كفيه ونظر إلى أعماق عينيها وقال بصوت أجش يرتجف من الصدق .

….. فلك ….. أنا أول مرة أقولها لحد في حياتي ….. فلك أنا بحبك وبموت عليكي بجد ….. أنتِ خوفتيني عليكي أكتر ما خوفتي مني .

اقترب أكثر وأمسك يدها ونظر إليها بعشق لم تره من قبل في عينيه .

….. أنا أسف وهفضل أقولك أسف ….. مش متحمل نظرة الخوف دي لأنها بتموتني بجد ….. رفع وجهها بسبابة يده وقال ….. ….. كنت حايش الكلمة دي للحظة اللي تكوني فيها في حضني وبقيتي ليا ….. بس أنا أهوه بقولها ….. أنا بحبك وبعشقك ….. بعشقك .

اندفع صهيب يقبل عيونها ووجهها بجنون ويصرخ بعشقه المكبوت في صمت والبحر ….. ارتجف قلب فلك وذاب صمودها أمام هذا السيل من المشاعر ….. فهمس وهو يدفن وجهه في عنقها .

….. حبك اتملك مني وبقى جوايا بيسري في دمي ….. بتقوليلي مش حب ؟ لا والله أنا اللي جوايا ليكي كتير قوي ….. عارف إني متهور ولساني زالف بس والله ما قصدت حاجة وحشة ولا فكرت فيكي حاجة وحشة يا عمري ….. ده أنتِ روحي ….. يتقطع لساني لو كنت أقصد أهينك .

دمعت عيناها من قوة مشاعره التي هزت أركانها فضمها إليه بقوة أكبر وكأنه يريد أن يخبئها داخل ضلوعه .

….. ده أنت اللي بتمنى تبقى ليا العمر كله ….. أتمنى تكوني مراتي وحبيبتي وأم ولادي ….. عايز أجيب منك عيال كتير أعمل بيهم أحلى عيلة في الدنيا .

استرسل وهو يقبل يدها بخشوع .

….. هعشقهم لأنهم منك ولأنهم حتة من قلب حبيبي مش بس عشان ولادي ….. هفتخر إن حبيبي معايا راضي وإداني منه جزء يتسموا باسمي ….. بتقوليلي مش حب

إزاي وأنا جوايا غليان ….. كنت هموت امبارح وأنت بعيدة وزعلانة مقهور إني زعلتك .

تابع بصوت يملؤه الندم .

….. أغدر إيه أنا ماقدرش أبعد عنك ثانية واحدة أموت ….. فلك أنت اتملكتيني يا قلبي والله ….. أه غيور ومتملك بس هتربى وأتعلم أسيطر على طباعي الزفت ….. فلك أنا ليا سنين جاحد ماليش رادع جه حبك نظف حاجات كتير جوايا ….. أنا بقولك أهوه ….. خديني وعلميني اللي أنتِ عايزاه وهبقى ليكي زي ما تحبي يا عمري .

تنهدت فلك بصوت مسموع فأمسك يدها وأجلسها برقة ونزل على قدمه أمامها في وضعية لم يكن يتخيلها أشد أعدائه .

….. لو قالولي إن صهيب الشامي يركع لواحدة كنت قلت ده مجنون ….. أنا أهوه تحت رجلك أطلبي وأنا أقطعلك روحي والله ….. أنا أسف وبأكل في نفسي من امبارح ….. بدعي على روحي ربنا ياخدني ولا إني أزعلك .

همست فلك بصوت يرتجف من الوجع ….. بطل تقول كده .

تنهد صهيب بصدق أوجع قلبه ….. مانا مأتربيتش يا فلك ….. نظرت إليه بعينين دامعتين فأكمل والحزن يكسو ملامحه الرجولية ….. والله يا فلك ما حد رباني ….. الدنيا هرست فيا وربيت نفسي بدماغي ….. نجاحي وقوتي خلوني مغرور وطايح في الكل لحد ما قلبي دق ….. والله دق وعشق وعايز يتربى من أول وجديد زي ما حبيبه يعوز .

هتفت بوجع ممزوجة بلين ….. حبيبه .

قبل يدها بخشوع عاشق ….. يالهوي حبيبه بس ؟ ده روحه وقلبه والله قلبه يا عمري ….. أسف وهفضل أقولها لحد ما قلبك يعفو عني ….. سامحيني .

أطرقت بوجهها للأرض فقام وأمسك وجهها وهمس بعشق يذيب الصخر ….. بحبك ….. أعمل إيه تاني عشان تصدقي .

تنهدت بخوف لا يزال يسكنها فرفع وجهها لتنظر إليه ….. حبيبي قمر وهيسامحني صح .

قالت فلك بعتاب رقيق ….. أسامحك وترجع تزعلني تاني وتقول حاجات وحشة .

هتف مسرعا وكأنه يقسم يمينا غليظا ….. ولا عشت لو رجعت أزعلها ….. ده أنا أتربيت صح ليلة بعد موت قلبي ….. وريني ابتسامتك بقى ونوريلي قلبي يا عمري .

تنهدت بدلال جريح ….. لا أنت وجعتني وأنا هخاصمك شوية .

اقترب وجلس بجوارها يحاول استجداء رضاها ….. طب أهون عليكي. هو أنا مابصوصلي في أجازتي .

هتفت بطفولة انتصرت على قهرها ….. عشان أنت وحش وقلت هخاصمك شوية .

تنهد وقام بتمثيلية يائسة ….. طب اروح أموت بقى طالما حبيبي يخاصمني .

قام وصعد فجأة فوق سور المرسى الخشبي وكأنه سيلقي بنفسه في الماء ….. فرجف قلبها وسقطت حصونها ونظرت إليه باستنكار وخوف حقيقي وهتفت ….. بطل غلاسة وانزل حالا .

لوح بيديه و هو قاطبا ….. أنا استاهل أصلا الموت عشان أزعل حبيبي .

هتف بصوت عالي ليسمع كل من على الشاطئ ….. اشهدوا يا ناس أنا زعلت حبيبي وهو مخاصمني يبقى أموت أحسن .

نظر إلى الرصيف والماء المتلاطم ….. شوفي مليانة دوامات ….. ابقي افتكريني يا عمري .

قامت مسرعة والذعر ينهش ملامحها …. صهيب بطل هبل انزل من على المرسى المية غويطة ووحشة وفيها دوامات .

بدأ يخلع قميصه ببرود وتصميم فرجف قلبها وصاحت ….. صهيب بطل أنت مجنون أنت بتضحك عليا .

هنا ابتسم لها ابتسامة ودودة وهتف بعشق ….. بحبك وهفضل أحبك عمري كله .

ثم قفز في قلب المرسى فصرخت فلك صرخة شقت عنان السماء وقلبها كاد أن يتوقف من الرعب ….. تجمهر الرجال حول المنطقة وكانت منطقة دوامات خطرة …..

كانت تصرخ وهي تراه يغوص ويصارع الماء الهائج وكأن روحها هي التي تغرق معه .

أخرجه رجال الإنقاذ بعد دقائق بدت كأنها سنوات …..

اندفعت إليه تحتضنه بقوة مجنونة كانت تنتحب بانهيار وصدرها يعلو ويهبط من فرط الرعب وكأنها تحاول أن تتأكد بيديها أنه عاد حقا من مخالب الموت.

أما هو فكان يمسد على ظهرها ويبتسم برغم إنهاكه وارتجاف جسده لقد أثبت لها بالفعل لا بالقول أنها روحه التي ستفارقه إن هي ابتعدت عنه.

صعد بها إلى الغرفة وهي لا تزال متمسكة بذراعه تقبض على قميصه المبتل وكأنها تخشى أن يختفي إذا أفلتته لثانية واحدة. وبمجرد أن دخلا لم تنتظر فلك أن يتحرك هو كانت يداها المرتعشتان تسبقان تفكيرها وبدأت بفك أزرار قميصه بلهفة غريبة تعثرت أصابعها في الأزرار من فرط قلقها وهي تسابق الزمن لتنزع عنه برودة ذلك البحر .

صرخت عيناه بهيام حارق وهو يراقبها… صهيب الشامي الذي لم يجرؤ أحد على الاقتراب منه بهذا الشكل يقف الآن مستسلما تماما ليدين رقيقتين تنزعان عنه ثيابه. وحين سقط القميص أرضا ألقت بالمنشفة جانبا وارتمت بين أحضانه. أحاطت جسده العاري والبارد بذراعيها وألصقت صدرها بصدره تحاول أن تمنحه كل دفء قلبها المحترق خوفا عليه.

دفنت وجهها في صدره المبتل وهي تشهق……. كنت هتموت يا صهيب.. كنت هتموت وتسبني لوحدي.

كان صهيب يرتجف ليس من البرد بل من حضورها ولهفتها التي أذابت كبرياءه. طوقها بذراعيه القويتين وعيناه تلمعان بوجع لذيذ وهو يشعر بنبضها المتسارع يضرب في جسده. لم تكتف فلك بذلك بل أجلسته برفق وبدأت تدلك كتفيه وعضلات صدره الصلبة بحركات دائرية حنونة تضغط بيديها الصغيرتين وكأنها تحاول سحب البرودة من عظامه وتحويلها إلى دفء وهي تهمس بصوت مخنوق بالدموع… جسمك متلج.. ليه وجعت قلبي للدرجة دي؟

كان صهيب مغمض العينين يطلق زفرات طويلة من الراحة فشعر بيدها تلمس قلبه النابض بقوة تحت كفها. ففتح عينيه ونظر إليها بنظرة تفيض ضعفا لم يظهره لأحد من قبل. وجذبها لتلتصق به تماما ودفن وجهه في عنقها مستنشقا رائحتها التي طردت رائحة الملح والدوامات من ذاكرته.

وهمس بصوت مبحوح.. دفاكي هو اللي رجعني يا فلك.. لمستك دي أحلى من أي عمر عشته.

ظلت تدلكه حتي شعرت انه بداء يستعيد حراره جسده وهو من الاساس بداخله نار مستعاره من رغبته.

همست بصوت مبحوح وهي لا تزال محتضنة لجسده بجنون…. قوم.. قوم خد شاور دافي.. جسمك تلج يا صهيب هطلبلك حاجة دافية تشربها حالا.

امتثل إليها كطفل وجد أمانه المفقود يراقب لهفتها في كل حركة ولأول مرة يشعر أنها امرأته التي تخاف عليه بصدق لا هيبة منه ولا خوفا من سطوته بل عشقا لشخصه. في تلك اللحظة لعن نفسه ألف مرة على قسوته السابقة، وقرر في قرارة نفسه أن يروض ذلك الوحش الجاف بداخلها لأجل تلك العيون التي لا ترى غيره في الكون

أنهى حمامه وخرج وجلس بتعب محبب فأسفت وأعطته مشروبا ساخنا وهتفت بقلق ….. إيه حاسس بإيه .

نظر إليها بعيون تلمع بالحب ….. حاسس إني طاير من السعادة .

تنهدت فلك وكانت لا تزال الغصة في حلقها من تصرفاته الجنونية فهتفت بحدة ….. صهيب قولي حاسس بإيه كويس .

ابتسم وهمس ….. بخير يا قلبي طول ما حبيبي بخير .

هتفت باستجواب ….. يعني أنت كويس مافيكش حاجة خالص ؟

ابتسم بسعادة فوجدها فجأة تبحث حولها فقطب جبينه ….. بتعملي إيه يا عمر صهيب .

انذهل عندما وجدها تأخذ إحدى المخدات وانهالت عليه ضربا بكل قوتها وهو يحاول أن يدافع عن نفسه بضحك ….. صرخت به بمرارة ….. أنت واحد مجنون كنت هتوقف لي قلبي أنت مش طبيعي كنت هتموت نفسك أروح أنا فين بعدها .

كانت تخبطه بقلب محروق وهو يتقبل ضرباتها بسعادة المجانين ….. شدها فجأة واحتضنها من الخلف ليقيد حركتها وهمس ….. اهدي يا عمري أنا أهوه كويس وزي الفل .

صرخت وهي تحاول الإفلات ….. ولو كان جرالك حاجة أوعى أنت أنا هموتك بإيدي أنت مابتحرمش .

ضحك صهيب من قلبه وهتف بصوت حنون ….. خلاص يا عمري أنا أسف ….. كنت عايز حبيبي يصالحني وبس .

صرخت فلك وهي تنهج بشدة وكأن أنفاسها كانت تغرق معه في تلك الدوامات ….. تقوم تموت نفسك أنت مجنون ؟ أنت عايز تحرق لي قلبي أنت مش طبيعي ليه بتعمل كدة ؟

انفلتت من بين يديه ووقفت بعيدا وهي ترتجف اقترب منها بخطوات هادئة يحاول تهدئتها فرفعت يدها تحذره وهتفت ….. ما تقربش ها هضربك والله .

ضحك صهيب ضحكة رجولية صافية رغم تعبه وهتف ….. ده أنا بقيت مسخرة ….. صهيب الشامي يتقاله كدة. بس ماشي يا قمر أنا استاهل ….. اضربي براحتك .

نظرت إليه بغيظ مكتوم ….. أنت مش طبيعي وعايز تتعالج .

مد يده فجأة واحتضنها بتملك رقيق غصب عنها ….. إيه خوفتي عليا والله كنت أتقهر لو ما خوفتيش .

دمعت عيناها فجأة وانهار صمودها وهتفت بصوت مخنوق ….. صهيب بطل ….. أنا كنت هموت لو جرالك حاجة ….. أروح فين أنا ماليش حد إلا أنت .

كانت تنظر إليه بعشق فضح عجزها عن العيش بدونه ، فأحس صهيب في تلك اللحظة أنه ملك الدنيا وما فيها ….. هتف بصوت يملؤه الزهو والحب ….. يعني أنا ليكي كتير كدة مش أنا صهيب الوحش ؟

رفعت عينيها الدامعة إليه وقالت بصدق هز كيانه ….. أنا كنت هتجنن عليك ….. عرفت إنك ليا نفسي وماقدرش أبعد عنك ….. كنت عايز تسيبني لمين ؟ أنا يتيمة من غيرك ….. أنت جيت وحطيت حضنك حواليا ….. صهيب أنا ماعدتش خايفة منك لأنك أنت بقيت روحي ….. صهيب أنا ….. أنا .

همس في أذنها وهو يشدد من ضمتها ….. أنتِ إيه يا عمري قوليها عايز أسمعها .

تنهدت بصمت وعجز لسانها عن النطق فاحتضنها بعمق وهمس ….. حاسس بيها يا قلبي ومش مستعجل ….. وعارف إني هسمعها وعارف إني بقيت جواكي زي ما أنتِ جوايا .

نظرت إليه بعشق ممزوج بالرجاء ….. بطل تعمل حاجات وحشة ….. أنا بتوجع جامد وبخاف ….. أنا لوحدي في الدنيا وأنت دنيتي ….. لو اتوجعت دنيتي هتروح وفلك هتروح معاها ….. اليتم صعب يا صهيب وأنا عايزة حضنك ده وبس ….. يتمي مخليني أخاف أفقد حضن لقيته بعد عذاب ….. يوم ما حضنك ده يبعد جسمي يوجعني وروحي تنسحب مني .

حاوط وجهها بكفيه وهمس بوعد مقدس ….. وحضني ده هيفضل بتاعك العمر كله يا قلبي .

تنهدت براحة وهمست له بدلال ….. طب ريح شوية بقى وبكرة ننزل .

قام صهيب فجأة بنشاط غريب وهتف ….. نريح مين الأسبوع هيخلص وأنا مافرحتش ده إيه النكد ده ؟ أنا أكيد فيه حد باصص في حياتي ….. لا يا فلك هغير هدومي وننزل حالا .

ابتسمت فلك رغما عنها ونظرت إليه بعشق وهي تدرك أن هذا المجنون أصبح هو أمانها وخوفها في آن واحد .

اقترب صهيب منها وعيناه تلمعان برغبة هادئة وحاوط خصرها من الخلف وهو يدفن وجهه في عنقه، مستنشقا عطرها الذي يسكر أنفاسه.

لكن فلك التي كانت لا تزال تعيش حالة الدلال المنتصر تملصت من بين يديه بخفة وهي تبتسم بمشاكسة وقالت…..

اوعي بقه هقوم ألبس عشان نلحق العشا.

شعر صهيب بسخونة مفاجئة تسري في جسده وكأن أنفاسها التي ابتعدت تركت خلفها نارا. خلع البرنس وهو يزفر بحرارة وخرج إلى الشرفة عاري الصدر لعل نسيم البحر البارد يطفئ وهجه. وقف هناك بعضلات جسده وشموخه المعتاد، يسند يديه على السور ويراقب الأفق.

بعد دقائق، خرجت فلك من غرفة الملابس وهي تمسك فستانين وتسأل بحيرة….

صهيب.. ألبس الفستان الأسود ولا الكحـ…

توقفت كلماتها فجأة حين رأت فتاة أجنبية في الشرفة المقابلة تنظر إلى صهيب بإعجاب مكشوف وتلوح له بابتسامة جريئة. اشتعلت النيران في صدر فلك وتحول دلالها إلى غيرة عمياء.

اندفعت فلك نحو الشرفة كالإعصار وجهها يشتعل حمرة من فرط الغيظ. وصرخت فيه بصوت اهتزت له جدران الغرفة ….. أنت واقف هنا كدة ليه. ومبسوط قوي وهي بتشاورلك ومن غير هدوم كمان. عاجبك قوي العرض اللي بتقدمه ده ؟

تابعت فلك صراخها وهي تشير للشرفة المجاورة بانهيار ….. مفكر نفسك في عرض أزياء ولا عاجبك إن الكل بيتفرج على جسمك. ادخل جوه يا صهيب حالا وعدي ليلتك

حاول صهيب أن يهدئها ومد يده ليمسك بكتفها لكنها نفضت يده بحدة وهي تتابع صراخها بغيره عمياء ….. ما تلمسنيش روح خلي اللي كانت بتضحكلك تلمسك أنت أصلا متعمد تقف كدة

. صهيب اللي الكل بيجري وراه ….. ادخل بقولك بدل ما أقسم بالله ألم عليك الفندق كله.

صهيب الذي فوجئ بهجومها نظر إليها بذهول ثم لمح الفتاة الأجنبية التي ارتبكت وانسحبت من الشرفة المقابلة ….. صهيب في البداية تسمر مكانه لكن سرعان ما بدأت ملامحه تتغير ….. لم يغضب بل ارتسمت على وجهه ابتسامة نصرٍ وعشق لم يذق طعمهما من قبل .

كان يرى في عينيها نارا لا تحرق إلا من يحب بصدق ….. وفجأة انفجر صهيب في ضحكة رجولية هزت أركان المكان وهو يراها تنتقم لكرامتها بغيرتها علي .

اقترب منها ببطء وهي تتراجع وتصرخ فيه كقطة برية حتى حاصرها تماما بين صدره العاري وبين جدار الشرفة ….. انحنى لمستواها وهمس بصوت يقطر انتشاء.

….. يا لهوي على الغيرة ….. بتغيري يا قمر ؟ يعني دمي لما غلي امبارح كنت معذور ….. اشربي بقى من نفس الكأس اللي شربتيني منه .

نظرت إليه بغيظ وهي تحاول دفعه ….. ابعد عني يا صهيب ما تضحكش أنت قليل الأدب وواقف قاصدها تستعرض عضلاتك .

ثبت يدها فوق رأسها برقة وهو يضحك ….. والله ما شفتها ولا كانت في بالي ….. أنا كنت واقف بشم هوا عشان أبرد النار اللي قيدتيها فيا انت يا قلبي ….. بس تصدقي بالله ؟ أحلى خناقة في عمري كله ….. .

همس بصوت

رجولي دافئ فيه سعادة غامرة لم يستطع إخفاءها ….. كل ده شتيمة وعصبية عشان واحدة ما تسواش لمحت طرفي .

بدأ يصالحها بكلمات معسولة وقبلات رقيقة على جبينها وهو يقول ….. أنا مبسوط قد إيه باللي بتعمليه ده ….. زعقي كمان ….. قولي كل اللي في قلبك أنا مستعد أقف هنا العمر كله وأتهزأ بس أشوف لمعة الغيرة دي في عينيكي .

بدأ يراضيها برقة مفرطة مال على أذنها وهمس وهو يقبل عنقها قبلات متلاحقة ….. والله العظيم ما شفتها ولا عيني شافت ولا هتشوف غيرك ….. أنا كنت واقف بهدي ناري اللي ولعتيها لما سبتيني ودخلتي تلبسي ….. نارك أنتِ يا فلك هي اللي بتحرقني مش نظرات حد تاني ….. أنتِ عندي بالدنيا وما فيها يا مجنونة .

هدأت فلك تدريجيا وهي محاصرة بين صدره العاري وبين يديه القويتين ….. رفعت عينيها لتجده ينظر إليها بهيام. فتاهت في تفاصيل جسده القوي ….. بدأت تسرح في عضلات صدره الصلبة التي تبرز بقوة ملمس جلده الدافئ والوشم الذي يحمل اسمها والذي يبدو الآن أكثر فتنة .

مدت يدها بهيام وبدأت تلمس صدره بأطراف أصابعها تتحسس نبضه المتسارع تحت يدها ….. تلك اللمسة جعلت صهيب يطلق زفيرا طويلا من المتعة والضعف أمامها .

كان صهيب مستسلما لها تماما مغمض العينين يتنفس بعمق وكأنه يستمد حياته من لمساتها ….. نبضه الذي يقرع بداخل صدره .

ألصقت وجهها بصدره وهمست بصوت مخنوق من العشق ….. العلامات دي والنبض ده وحتى النفس ده ….. لو حد شاركني فيه هموته وهموتك يا صهيب .

لم يحتمل صهيب أكثر انحنى وحملها فجأة بين ذراعيه وهام بها وتعمق فيها في وصله من الاحاسيس لخصت كل وعود الاعتذار والحب ….. واتجه بها نحو الداخل ليغلق باب الشرفة بقدمه تاركا العالم والغيرة والماضي خلفهما وهو لا يفلتها في رغبة مجنونة منهما ….. وكأن الوقت قد توقف تماماً عند حدود عشقهما الثائر .

استعدا للنزول بعد أن رق قلب فلك ووافقت على مسامحته ….. أراد صهيب أن يقدم لها اعتذارا يليق بـ فلك ويمحو صورة صهيب المتكبر من ذاكرتها للأبد .

أخذها إلى مكان هادئ على طرف اليخت حيث كان ضوء القمر ينعكس على صفحة الماء كالفضة ….. أحضر صهيب علبة صغيرة من القطيفة السوداء وجلس تحت قدميها على أرضية المركب بوضعية لم تكن تحلم يوما أن تراه بها .

أخرج من العلبة خلخالا ذهبيا في غاية الرقة يتدلى منه جرس صغير جدا صُنع بحرفية ليكون على شكل قلب صغير ….. وحين دققت فلك النظر وجدت اسمه صهيب محفورا داخل القلب بخط دقيق جدا.

أمسك صهيب قدمها برقة متناهية وبدأ يلبسها الخلخال وهو يهمس بصوت يرتجف من كثرة العشق ….. الخلخال ده جرس قلبي يا فلك ….. الجرس ده وظيفته إنه يفضل يطن في ودني طول ما أنتِ ماشية عشان يفكرني دايما إن روحي ماشية معاكي في كل خطوة وإن صهيب اللي الناس بتخاف منه مكانه الحقيقي هو تحت رجليكي .

ثم مد يده وأمسك وهو ينظر في عينيها بعمق وقال بنبرة جعلت كيانها يهتز ….. أنا النهاردة بقولك انت معايا مش عشان أتملكك لا ….. عشان أقولك إن الوشم ده مابقاش علامة ملكية لصهيب القاسي ده بقى وسام على جسمك بيقول إنك قدرتِ تروضي الوحش اللي جوايا .

تابع وهو يلمس الخلخال برفق ….. الجرس اللي في رجلك ده عكس طبيعتي وعكس كبريائي بس أنا فخور بيه ….. فخور إني بقيت أسير ليكي .

ابتعد قليلا وهو ما زال جالسا أمامها ينظر إلى الخلخال في قدمها الذي يصدر رنينا هادئاً مع كل حركة وقال بابتسامة حزينة وصادقة ….. كل ما تسمعي صوت الجرس ده افتكري إن صهيب الشامي اتنازل عن كبريائه ورمى سلاحه تحت رجلك عشان بس ترضي عنه ….. وعشان يفضل يسمع دقات قلبك في رنة الخلخال ده .

بكت فلك بفرط التأثر ومالت عليه لتسحبه من يده لينهض لكنه أبى إلا أن يقبل قدمها المزدانة بخلخاله أولا في مشهد كسر كل قواعد القسوة التي عاش بها ليحل محلها صهيب العاشق الذي لا يرى في الدنيا سواها .

نهض صهيب ببطء وهو لا يزال ممسكا بيديها وعيناه تلمعان ببريق لم تعهده منه بريق لا يشوبه حب التملك بل يفيض بعشق الاستسلام ….. سحبها إليه برقة حتى تلاقت أنفاسهما وعلى صوت رنين الخلخال الهادئ مع كل حركة منها بدأ يحرك جسده معها في رقصة بطيئة تحت ضوء القمر .

كان صوت الجرس الذي يحمل اسمه في قدمها يعزف لحنا خاصا مع خطواتها فكان صهيب يبتسم بانتصار عاشق كلما سمع الرنين وكأنه يتأكد في كل لحظة أنها لا تزال هنا معه ولأجله .

فجأة أخرج صهيب هاتفه وبدأ يلتقط لها صورا كثيرة صورا وهي تضحك وصورا لعينها وهي تلمع بالدموع وصورا لخلخالها وهو يزين قدمها الرقيقة ….. لم يتوقف عن التصوير وكأنه يريد حبس الزمن داخل شاشة هاتفه .

هتف صهيب بنبرة مليئة بالحياة والوعد ….. عارفة يا فلك أنا من هنا ورايح هصور كل لحظة سعادة بنعيشها ….. مش هسيب ثانية واحدة تعدي وأنتِ بتضحكي فيها إلا وهسجلها. عشان لو الدنيا ضلمت في يوم أفتح الصور دي وأفتكر إنك كنتِ وما زلتي النور اللي أنقذني .

ضحكت فلك بدلال وهي تحاول الابتعاد عن عدسة كاميرته بخجل ….. كفاية يا صهيب ….. شكلي هيبقى غريب في الصور وأنا بعيط وبضحك في نفس الوقت .

جذبها إليه مرة أخرى وأخذ صورة سيلفي لهما معا وهو يقبل رأسها بعمق وقال بصدق هز كيانها ….. بالعكس ….. أنتِ في كل حالاتك أجمل حاجة عيني شافتها ….. الصور دي هتبقى تاريخنا الجديد ….. التاريخ اللي بدأ من اللحظة اللي الجرس ده رن فيها في رجلك وأعلن إن صهيب بقى ملكك بالكامل .

شدها احتضنها وتاهت بينهم الكلمات.

ظلوا يرقصون ويضحكون وصوت الكاميرا يوثق ميلاد صهيب الشامي من جديد رجل نزع ثوب الغرور ليرتدي ثوب الهيام بامرأة جعلت من كبريائه مجرد ذكرى بعيدة .

الآن وقد توثقت أجمل اللحظات بعدسات هاتفه وقلبه.

ظلا يجوبان المكان يغترفان من سعادة الليل ما يروي ظمأ قلوبهما حتى استوقفهما دوشه مسابقة أثارت فضول فلك فقالت بعينين تلمعان… تعال نشوف بيعملوا إيه.

كانت المسابقة اختبارا للارتباط يغمض الرجل عينيه ويستدعي حواسه ليتعرف على نصفه الآخر وسط الزحام. جلس الكل يراقب وبدأت المفارقات رجال يخطئون ونساء يشتعلن غضبا. ومناوشات عتاب تنشب هنا وهناك.

ضحكت فلك بهدوء وهمست… مش معقول يعني هيعرفوا بعض من غير ما يشوفوا بيتخانقوا على إيه بس؟.

نظر إليها صهيب بعينين تحملان تحديا عاشقا وقال… يعني أنا لو ماعرفتكيش مش هتزعلي؟.

تنهدت فلك وهي تشيح بنظرها… مش عارفة.. بس طبيعي مش هتعرفني إحنا لسه بنقول يا هادي. يلا نمشي ملوش لزوم القعدة.

لكنه وبطريقته التي لا تعرف الهزيمة قام فجأة وصعد إلى المنصة. وقفت فلك بذهول تلوح له بيدها أن ينزل والارتباك يغمر وجهها.

لكنه كان يبتسم لها وحدها من بين الحشود. أمسك بعصابة العين السوداء وأشار إليها بتحد صامت فشعرت بالخوف والخجل يمتزجان في صدرها. اقتربت منه وهمست بتوسل… أنت مجنون عايز شكلنا يبقى وحش يلا ننزل من سكات.

لم يرد بل أمال رأسه للمنظم وهمس في أذنه بكلمات جعلت الأخير يبتسم بإعجاب. ربطت العصابة حول عينيه، فأحس صهيب بضيق الظلمة لكنه استدعى طيفها بقلبه.

رجف قلب فلك وهي تراه يقف بصلابة وقررت أن تخوض المغامرة معه وقفت في الصف واندهشت حين وجدت أكثر من عشرين امرأة يشاركن والكل يهتف ويشجع بينما تعالت ضحكات التنمر من بعض الرجال… مستحيل هيعرفها.

بدأت المسابقة.. يقف صهيب كالجبل وتمر عليه النساء الواحدة تلو الأخرى يقتربن من أنفاسه يزحن شعورهن لعل عطرا فرنسيا يخدع حواسه.

كانت فلك في الدور الخامس عشر تراقب الفتيات يصعدن وينزلن وهو ساكن تماما كأنه ينتظر إشارة سماوية.

حين جاء دورها شعرت بأن الأرض تميد بها. صعدت ارتجفت وأزاحت شعرها بيد مرتعشة لتقرب عنقها من أنفاسه. كانت تعلم النتيجة سلفا فلقاؤهما حديث وقربهما لم يكتمل بعد والكل ينتظر لحظة الإخفاق.. ليمر الوقت ببطء قاتل و…..

فجأة وبدون مقدمات……..

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية سيد الكبرياء) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!