رواية سيد الكبرياء الفصل الثالث والعشرون 23 – بقلم ميفو سلطان

رواية سيد الكبرياء الفصل الثالث والعشرون 23 – بقلم ميفو سلطان

23

فتحت فلك هاتفها فتدفقت الرسائل كأنها رصاصات طائشة تخترق قلبها . صدمتها الكلمات التي كانت تنساب أمام عينيها بوقاحة غريبة. عماد يتحدث وكأن الزمن توقف وكأن خيانته لم ……….فلك وحشتيني وحشني وجودك مش هسيبك وقريب هتكوني في حضني.

كان يتحدث عن حياته والجيم الجديد وكأنها ما زالت شريكة أحلامه. شعرت بتقزز ينهش روحها ولم تستوعب كيف يجرؤ على نسج هذه الأوهام وهي التي بدأت تتنفس الحياة من جديد بعيدا عن سمومه.

اشتعل الغضب في عروقها وخرجت إلى الشرفة وصدرها يضيق بهواء المكان. ضغطت على زر الاتصال وهي تشعر أن صوتها سيخرج كالنار. ما إن رد حتى انفجرت فيه بحرقة لم تعرفها من قبل………..

هيا مين اللي هتبقي في حضنك حضنك قطر يا بعيد. انت ليك عين تكلمني يا زباله. مالك انت اقعد اولع مالك. كنت قولتلك خرجني الاهي تخرج عينك ربنا ينتقم منك. انت ازبل واحد شفته في حياتي. صهيب دا انضف منك ومن شكلك. بكره هشوف الخير كله لانك خرجت من حياتي ودخل حياتى راجل يملا العين. غور في داهيه. ايه هترجعني اللي هو ازاي ارجع لحيوان زيك. انت ايه مافيش فايده شر قراضه احفظ كرامتك احسنلك. ولو راماني ماتبقاش تبص يا سيدي مالكش دعوه. هقعد في الشارع احن وارحم منك ومن صنفك. بكره اشوف وارجعلك. احلم احلم الحلم للي زيك كويس. دانا اموت روحي يلا غور واياك تكلمني تاني.

أغلقت الهاتف بعنف والدموع تلمع في عينيها من فرط القهر والاشمئزاز. ظلت واقفة تلملم شتات نفسها وهي تشعر ببرودة الماضي تحاول سرقة دفء اللحظات التي عاشتها مع صهيب. تنهدت بوجع وهي تنظر للسماء وتدعو بقلب مرتجف أن ينجيها من هذا الكابوس الذي أبى أن ينتهي. كانت تخشى أن تهتز صورتها أمام صهيب وهي لا تعلم أن القدر يخبئ لها ما هو أصعب من مجرد رسائل عابرة.

دخلت الحجره متنهده ثم نفضت أفكارها.. التي تنهشها………. افرحي يا فلك افرحي ما تفكريش في الزباله ده.

تنهدت و اتجهت تري صهيب تناديه بنعومه … هوبا بتعمل ليه. وريني كده عملت إيه في الشنطة.

سحبها من يدها نحو السرير حيث وضع الشنطة وقال بزهو مصطنع

أنا صهيب الشامي مفيش حاجة مبعرفش أعملها.

نظرت فلك للشنطة وانفجرت في الضحك فقد وضع الفساتين فوق الأحذية بعشوائية تامة. فقالت بمشاكسة……….

يا عيني على الشطارة ده أنت عكيت الدنيا.. ابعد كده وريني ده أنت هتبوظ لي الهدوم.

انحنت لترتب الشنطة فاستغل هو الفرصة وجلس خلفها، وراح يفك رباط شعرها لتنسدل خصلاته على ظهرها وهمس بجانب أذنها……….

سيبك من الهدوم دلوقتي مسكها واجلسها وقبل يديها . عارفة يا لوكا أنا كنت فاكر إن السعادة في الصفقات والفلوس بس اكتشفت إن السعادة الحقيقية هي إني أقعد أتفرج عليكي وأنت بتصلحي ورايا عكي

.بتعدلي حياتي بالاصح

التفتت له فلك وعيونها تلمع وقالت بنبرة حالمة……….

يعني مش هتزهق مني يا صهيب مش هتيجي في يوم وتقول دي غلبانة ومش من مقامي؟

تغيرت ملامحه للجدية المختلطه بالهيام وأمسك وجهها بكفيه

أنتِ اللي مقامك عالي أوي يا فلك.. أنا اللي كنت تحت وطلعتيني للنور.. عارفة؟ لو في يوم فكرت أزعلك اضربيني باللي في إيدك بس أوعي تبعدي.

ضحكت فلك وقالت بدلال……….

أضربك ده أنت تموتني فيها ده أنت الوحش برضه.

غمز لها بمكر وقال……….

وحش بس وقع في إيد أميرة حنينة.. وبعدين تعالي هنا أنتِ لسه ما قولتيش عايزاك وهتتجنن عليك يا صاصا .. أنا قولت كلام يهد جبال وأنتِ لسه صامدة.

خجلت وأشاحت بنظرها قائلة……….

بطل بقه.. همس بعشق ………. لا قولي بينيلي.

ضحكت فلك بدلال وهي تبتعد عنه قليلا وقالت بمكر………. ابينلك ليه مش شايف عموما هيا

بالأفعال يا سي صهيب.. الكلام سهل.

اتسعت ابتسامة صهيب وظهرت في عينيه لمعة شيطانية جريئة وقال بصوت وهادئ……….

أفعال طيب يا روحي طالما دخلنا في لغة الأفعال يبقى نستعين بربنا.

وفجأة وبدون مقدمات اقترب منها بخطوة واحدة حبست أنفاسها ومد يده ببطء وثبات نحو أول زرار في قميصها. شهقت فلك واتسعت عيناها بذهول وهي ترى أصابعه تفتح الزرار الأول برقة مفرطة ثم انتقل للثاني وهو يهمس أمام شفتيها……….

مش أنتِ اللي طلبتي الأفعال صهيب الشامي مبيحبش يكرر طلبه قلبه مرتين.. والنهاردة بقه هنبدأ أول حصة في الأفعال.

تجمدت فلك مكانها لثوان من فرط الصدمة. لكن حين شعرت ببرودة أنامله تلمس بشرتها عند فتحة عنقها. انتفض جسدها كعصفور بلله المطر. ودفعت يده بسرعة وهي تتراجع للخلف حتى اصطدمت بحافة السرير وهتفت بصوت مرتجف وخجل شديد

أنت.. أنت بتعمل إيه يا مجنون ابعد.. أنا مكنتش قصدي كده خالص والله.

انفجر صهيب في الضحك ضحكة صافية رجت أركان الغرفة ووضع يده في جيوبه وهو ينظر إليها بانتصار ومشاكسة….

إيه مش قولتلك بلاش لغة الأفعال معايا عشان هتتعبك. وشك بقى زي الطماطم ليه؟ ده أنا لسه في أول زرار يا فلك.. أومال لو كملت بقيت الأفعال هتعملي فيا إيه؟ هترميني من الشباك؟

حاولت فلك لملمة قميصها بيد ترتجف وهي تبرطم بكلمات غير مفهومة من فرط الخجل، وقالت بغيظ……….

أنت سافل ومغرور وقليل الأدب.. أنا غلطانة إني بفتح معاك كلام أصلا. قوم بقه كمل الشنطة وأنا هروح أشوف القهوة اللي دارت عليها الدنيا دي.

غمز لها صهيب وهو يراقب هروبها اللذيذ من أمامه وقال بصوت عالي ليسمعها وهي تخرج……….

الهروب مش هينفع يا فلك.. ورانا سفر وأسبوع طويل وهنشوف بقه مين فينا اللي هيصمد قدام التاني.

شدها واقتنص قبله هائجه واستدوار يرتب الشنط ويدندن بحب.

كانت فلك تراقب حركته في الغرفة صهيب الشامي الذي لم يكن ينحني ليربط حذاءه الآن يطوي ملابسها بيده يختار لها ألوانا تليق بجمالها ويدندن بلحن خفي. شعرت بغصة حلوة في حلقها أهذا هو الحب الذي حكوا عنه. أن يتحول الجبل إلى نهر ينساب تحت قدميكِ؟ تمنت لو توقفت الساعة هنا لو أن الزمن يتجمد ويعيش تلك اللحظات للأبد.

تنهدت فلك بابتسامة صافية وقامت لتركن بجوار عم فكري الذي ما إن رآها حتى تهلل وجهه بجمال ملامحها. سألها بحنان أبوي……….. عملتو إيه يا حبيبي. مبسوط يا حبيبتي وأنا شايفكو بقيتو حلوين مع بعض.

تنهدت فلك بصدق وهي تشعر بدفء يغمر قلبها……….. صهيب اتغير خالص يا عم فكري أنا مبسوطة قوي.

بعد فترة دخل صهيب الغرفة بخطوات واثقة وحيوية لم يعهدها أحد فيه من قبل……….. أنا جهزت كل حاجة وأي حاجة هنكملها من هناك. نسيبك بقه يا حبيبي نفك عن نفسنا شوية.

هتف فكري بمكر وهو يراقب ارتباك صهيب. كنت حابب أجي معاكو والا إيه………..

هنا قطب صهيب حاجبيه بارتباك مضحك وتعثرت الكلمات على لسانه………. . هاه تيجي.

بينما هتفت فلك بنعومة وطيبة قلب……….. حبيبي تنور يا عم فكري.

استشاط صهيب غيرة ومشاكسة فمسك يد فلك وعصرها بخفة كأنه يحذرها………. . إيه يا حاج أنت تعبان والا إيه. مرة تانية بقه.

شدها من يدها وخرج بها بسرعة وهي تحاول الإفلات منه بخجل……….. بطل يا مجنون عيب كده الراجل يقول إيه.

هتف صهيب بإصرار عاشق لا يرى أمامه سواها……….. والله لو نطقتي أنتِ حرة أنا مسافر انبسط.

هتفت بقلة حيلة……….. هو يعني عم فكري اللي هيزعلك.

رد بصوت انخفضت نبرته لتصبح أكثر عمقا……….. لا بس أنا عايز أبقى معاكي لوحدنا. عايزك ليا لوحدي وبس.

تنهدت فلك باستسلام وهي تشعر بقلبها يرقص طربا………. . والله أنت مجنون.

ركبا العربة وانطلق بها صهيب وكأنه يسابق الريح ليصل إلى جنتهما الخاصة. وطول الطريق لم يكف عن الحديث معها أو المزاح وكأن لسان صهيب الصامت طوال سنين انطلق أخيرا ليحكي لها كل تفاصيله. كانت ضحكاتهما تملأ السيارة وتمحو آثار تلك الرسائل اللعينة التي حاولت تعكير صفوهما وكأن الطريق لم يكن مجرد مسافة بل كان رحلة عبور من الوجع إلى الحياة.

بينما كان صهيب يقود السيارة في طريقهما إلى الفندق التفتت إليه فلك بخجل وقالت بصوت خفيض………. صهيب.. أنا بجد جعت قوي حاسة إني هبطت.

لم يتردد ثانية واحدة انحرف بالسيارة نحو أكبر متجر على الطريق وهبط بسرعة البرق. عاد بعد دقائق وهو يحمل أكياسا كثيرة ممتلئة… عصائر شطائر مقرمشات وشوكولاتة. ركب بجوارها وبدأ يفتح الأكياس بصبر لم تعهده فيه من قبل أخذ يقطع الشطائر ويضعها في فمها بيده ويمسح آثار الطعام عن طرف فمها برقة وهو يبتسم لهيامها في الأكل.

همست بسعادة………. خلاص يا هوبا والله شبعت كل أنت بقه.

قال وهو ينظر إليها بعينين تلمعان حبا………. بالهنا والشفا على قلبك.. أنا شبعان بمنظرك وأنت مبسوطة كده.

بينما كان الجو يملؤه الروقان لمح صهيب بطرف عينه سيارة شباب تقف بجوارهم وكانوا يتاملون في فلك بإعجاب . في ثانية واحدة تبدلت ملامحه وضغط على زر إغلاق النوافذ وأغلق الستائر الجانبية، ليعم السكون والظلام داخل السيارة.

تنفست فلك بضيق وقالت………. في إيه يا صهيب قفلت ليه فجأة خنقتني والجو بقى كتمة.

رد بصوت خشن وعروقه بارزة من الغضب………. الزفت اللي جنبك ده مش منزل عينه من عليكي.. وأنا مش هسمح لحيوان يشوف لمحه واحدة منك ولا يشوف ضحكتك دي.

سكتت فلك بحزن وشعرت أن غيرته بدأت تتحول لسجن يضيق أنفاسها. لاحظ صهيب صمتها المفاجئ وانقباض ملامحها فلم يتحمل أن يرى خنقتها بسببه. أدار المحرك وانطلق بسرعة حتى ابتعد عن الزحام وتوقف في مكان هادئ يطل على مساحات خضراء واسعة.

فتح النوافذ دخل الهواء العليل ثم أدار جسده نحوها وأمسك يدها ضاغطا عليها برفق واعتذار………. فلك.. متبوزيش بقه أنا آسف لو خنقتك.

قالت بعتاب رقيق………. يا صهيب دي عربيات واقفة وجنبنا ناس عادي يعني مش مستاهلة القفلة دي كلها.

تنهد ورفع يدها ليقبل باطنها بهيام……… مش عادي عندي يا فلك.. أنا مش بتحمل حتى الهوا يلمسك، ومش بتحمل حد يبصلك أو يلمح طرف شعرك.. أنا بغير عليكي غيرة بتموتني اعذريني.. مش عارف أتحكم في ناري.

نظرت في عينيه فرأت صدقا يذيب أي عتاب فابتسمت له بهدوء ليعود الصفو بينهما من جديد ويكمل طريقه وهو يشدد قبضته على يدها وكأنها كنز يخشى ضياعه.

وصلا في المساء ترجلا من السيارة وصعدا إلى الفندق . دخلت فلك الغرفة وهي تشعر بتعب الرحلة فقالت بارهاق ………. . أنا مابحبش السفر بحس إني هلكانة هموت وأنام.

شدها صهيب إليه بمشاكسة ترفض الاستسلام للإرهاق………. . لا ننام إيه السهرة لسه بدري.

همست فلك برجاء طفولي……….. نريح طيب شوية يا هوبا.

رفع وجهها بين يديه ونظر في أعماق عينيها……….. عيون هوبا لو ريحنا هنام ونصحي الصبح وأنا عايز أقعد عالبحر معاكي.

تنهدت فلك واستسلمت لرغبته فقد كان قلبها يريد أن يسعده بأي ثمن.

نزلا معا وظلا يسيران على شاطئ البحر ويداهما متشابكة والصمت حليفهما إلا من صوت الأمواج . تنهدت فلك بفضول أنثى بدأت تكتشف وطنها الجديد وهمست……….. أنا على فكرة ماعرفش حاجة عنك خالص.

ابتسم صهيب وهو ينظر للأفق وهتف بمكر……….. مش قلتيلي مش عايزة أعرف عنك حاجة خلاص مش هقول.

ضحكت فلك وضربته بخفة في ذراعه………. . بطل رخامة دا لما كنا كنا.

ضمها إليه أكثر وهتف………. . كنا هنسيب بعض ماكتيش عايزة تعرفي عني حاجة خالص.

تنهدت فلك وهي تسترجع مرارة الماضي وقسوة البدايات……….. لا ماكتش عايزة كنت خايفة أعرف عنك حاجة كنت بخاف منك ومن جواك أنت كنت صعب قوي.

تنهد صهيب بعمق وكأنه يزيح غبار السنين عن روحه………. . أنا ماكتش كده. أنا أبويا توفي وسابلي شركة ملابس عادية يعني اه معايا فلوس بس واحد زي أي واحد وعم فكري ماسابنيش بصراحة كنت بايظ.

ضحكت فلك برقة………. . كنت.

قرصها من خدها بمحبة………. . يا بت اتلمي.

استمرت في ضحكها وهي تذكره بجبروته……….. مانت كنت بايظ يا هوبا يا لهوي عليك بهدلتني.

ضحك صهيب وضمها إلى صدره وكأنه يعتذر لها بدون كلمات………. . بس بعد البهدلة جه أحلى طبطبة نفسي أخبيكي جوايا العمر كله.

تنهدت فلك وهي تنظر لملامحه التي لانت تحت سحر الحب……….. أنت اتغيرت خالص مش مصدقة دا كلامك.

تنهد هو بصدق أذاب ما بقي من حصونها……….. وأنا كمان مش مصدق روحي والله كان جوايا حاجات تانية خالص ليكي ما كتش استحالة أتخيل إني أطب كده فيكي كنت فاكر إني هاخد قلبك وأفضل كده سليم جيتي أنتِ وخدتي عقلي مش قلبي.

تنهدت فلك ونظرت إليه بعيون تلمع بالهيام وسألت بنبرة رقيقة هزت كيانه……….. مبسوط بيا يا هوبا.

نظر إليها بملامح لينه. مسك وجهها بين كفيه بحنان وقال بصوت يرتجف بالصدق……….. أنا لقيت نصي التاني خلاص يا فلك. لقيت المرسى اللي هحط عليه سفينتي بعد طول توهان.

ساد الصمت لحظة قبل أن يفتح قلبه لها عائدا لسنوات لم يفصح عنها لأحد………. . عارفة يا فلك؟ عيلتي ماتت وأنا طفل. اتعين محامي العيلة وصي عليا وكانت أيام بشعة. حبس وضرب ومنع من الأكل. وعم فكري كان بيشتغل عندهم وشافني بتعذب. كانوا بيحبسوني أيام مربوط ولو اتكلمت أنضرب وأتعلق بسلاسل.

تنهد بمرارة وهو يسترجع صورا مؤلمة من طفولته المنهوبة. اقتربت فلك منه ومسكت يده بضغطات حانية تواسيه. فاسترسل بحرقة………. . كنت طفل مش فاهم بيعملوا فيا كده ليه. لحد ما عم فكري قدر ينقذني منهم وبلغ عنهم واتكفل بتربيتي لحد ما كبرت. كنت ضعيف وهو اللي عملني وهو اللي قواني. كان بيقعد يتكلم معايا بالساعات إزاي أنا قوي ولازم أقف للدنيا.

أكمل وهو ينظر لعينيها………. . وفعلا وقفت. لما مسكت الشركة كانت عادية. نحت في الصخر لحد ما لمعت وصيتي طلع. تخيلي بعد عذاب وطفولة بالشكل ده يجيلي كل حاجة في الدنيا. نفوذ وسلطة ومركز وهيلمان تخلي الدنيا تهتز. اتغريت ومابقتش عايز ألين لحد عشان ماحدش يوجعني أو يضعفني. أنا أه كنت ناويلك على أذية كبيرة بس ربنا نور بصيرتي. لحد ما جيتي نورتي حياتي.

ظلت فلك تنظر إليه بحب غامر. بكت عيناها من أجل الطفل الذي كانه وفرح قلبها بالرجل الذي صار عليه.

شدها صهيب إليه بقوة فحاوطته بذراعيها وكأنها تخبره أنها ستكون حصنه الجديد. ذهب بها وجلسا معا على رمال الشاطئ. فاستلقت برأسها على صدره وهو يحيطها بأمانه.

كان نبض قلبيهما يتوحد في سكون الليل. تنهدت فلك بعمق وهي تشعر أنها ملكت الدنيا. فرفع صهيب يده يداعب شعرها وهمس بيقين سكن نبراته……….. بحلم إني أسعدك العمر كله يا فلك.

رفعت وجهها إليه وتنهدت ثم احتضنته بقوة وهي تهمس………… أنا حاسة إن ربنا بيحبني إنه أدالي أخيرا العوض. هوبا بطل كلام ممكن تسكت. عايزة أحس بيك وبس وبدراعاتك حواليا. عايزة حضن وبس إنت حضني مش عايزة غيره.

تنهد صهيب وحاوطها بذراعيه اللذين صارا لها وطنا. وظل يمسد على ظهرها برقة حتى وجدها ارتخت تماما بين يديه واستسلمت لدفئه. تنهد صهيب وحدث نفسه بصوت خفيض………… قلبي والله بقيتي قلبي. أنت حبيتها يا صهيب خلاص كده. أنت وقعت لشوشتك فيها. لا عاد تقدر تبعد ولا توجعها لحظة. أنت عايز تسعدها وبس وتشوف لمعة عيونها وبس. افرح بقه إن ربنا ماخلاكش تأذيها عشان كنت هتخسر حب مالوش وجود. فلك لوحدها دنيا. خدها وافرح وفرحها. اسعدها وخليك أمانها. قالتلك أنا يتيمة يا صهيب. اعملها بنتك.

ظل يمسد عليها وعينيه تلمع بعهد جديد………… هشيلك جوا عيوني وماهسيب حد بس يفكر يقرب منك. أنتِ اتملكتي من صهيب خلاص ونسي كبره وغروره وعايز يبقى تحت رجلك بس تؤمري وأنا أنفذ.

قام وحملها فجأة بين يديه فشهقت فلك وهمست بتعب………… إيه هنرجع.

هتف صهيب وهو يسير بها بخطوات ثابتة………… عشان قلبي خلاص هيقع مني.

ضحكت فلك بخجل وقالت………… نزلني يا مجنون الناس هتقول إيه.

هتف بزهو عاشق………… هيقولوا عاشق لقمراية ماحدش ليه عندنا حاجة.

تنهدت وحاوطت عنقه بيديها حتى وصلا إلى الحجرة. وضعها برقة وهتف………… خشي خدي شاور عشان ترتاحي. ابتسمت له ودخلت أخذت شاور دافئا أعاد لها هدوءها. وارتدت برنسها وخرجت لتجده قد أحضر طعاما ومشروبات منعشة وجهز جلسة هادئة. هتف صهيب بحنان وهو يشير لها بالجلوس………… تعالي يلا كلي حاجة.

هتفت فلك بتعب وإرهاق شديد………… لا هلكانة هلبس وأنام.

اقترب منها صهيب وشدها من يدها بإصرار ………… لا هتاكلي الأول.

تنهدت وجلست بجواره فبدأ يطعمها بيده ويشاكسها بكلماته حتى انتهت من طعامها.

هتفت فلك وهي تحاول الوقوف………… هقوم ألبس وأنام مش قادرة.

ذهبت إلى الحقيبة وفتحتها وبدأت تفتش في محتوياتها فشهقت فجأة واتسعت عيناها بذهول………… إيه ده. هو محضر إيه. إيه قلة الأدب دي.

كانت الحقيبة لا تحتوي إلا على ملابس نوم حريرية جريئة وملابس خروج قليلة جدا. كانت تتلمس القمصان الحريرية بخجل وارتباك وهي لا تصدق ما تراه. رمسكتهم.. ايه دول إيه جابهم هنا في تلك اللحظة أتى صهيب من خلفها فارتعبت وأخفت ما بيدها بسرعة خلف ظهرها.

قال صهيب بنبرة هادئة وماكرة………… إيه يا قلبي مالبستيش ليه.

هتفت بتهتهة وارتباك واضح………… هاه ألبس. آه هلبس. آه أمال هلبس كل الحاجات حاضر.

كتم ضحكته و هتف هو بابتسامة خطفت أنفاسها………… إيه أساعدك.

ومد يده ليفتح الحقيبة فارتعبت فلك وحاولت منعه بجسدها…………لا لا لا ماتفتحهاش أصل أصل.

قال صهيب بخبث وهو يراقب توترها………… إيه مالك مش على بعضك ليه. فيها إيه الشنطة. أنا ماعرفتش أحضرها لما نزلتي فقلت للبنت تحضرها تكونش نسيت حاجة.

اقترب منها أكثر حتى شعرت بأنفاسه تداعب وجهها وهمس بمكر………… ولا تكون البنت جابت حاجات تعجبني أنا وما تعجبكيش أنتِ.

فتحت فلك عينيها بذعر وهي ترى صهيب يفتح الحقيبة، لتنطلق منه صفارة إعجاب ماكرة جعلت وجهها يشتعل حمرة. هتفت بخجل وهي تحاول إغلاق الحقيبة………..دي.. دي الزفتة اللي حاطة الحاجات دي.. دي قلة أدب.

ضحك صهيب وهو يتذكر أنه هو من أمر الخادمة بتنسيق الحقيبة بهذا الشكل اقترب منها وهمس………..إيه.. مكسوفة مني؟

ردت فلك بصوت مخنوق من الخجل……….بطل بقه.. أنا مش عارفة أنطق.

احتضنها صهيب برقة وقال………..البسي طيب.. ما أنتِ هتنامي إزاي؟

هتفت وهي تقطب جبينها………..لا عيب.. بطل بقه بتكسف.

داعب أنفها بطرف إصبعه وقال ضاحكا……….. “حد يتكسف من جوزو حبيبو.. ؟ ده حتى المز هيبقى جامد وليلته مش هتعدي.

ارتجفت فلك من جراءته ………..صهيب عيب بقه الله بتكسف.

تنهد وقال محاولا طمأنتها………..بصي.. البسي وعندك روب البسيه فوقهم مش هيبان يا ستي.

رفعت حاجباها بشك……….. وأنت عرفت منين إن فيه روب؟

ارتبك قليلا ثم قال ببراءة مصطنعة………..

هاه.. عرفت إزاي أكيد يعني فيه أرواب

قالت بشك محب………..صهيب مش مرتاحة لك.

هتف بصوت ضاحك………..أنا؟ اخص عليكي.. ده أنا قدامك أهو طيب وكيوت ومؤدب عالآخر.

استسلمت فلك وأخذت قميصا وروبا واتجهت للحمام بينما انفجر صهيب ضاحكا من وراء ظهرها……….. ده أدب من العالي.. بس اصبري يا مزتي.. قمر يا ناس بحب قمر.

خرجت فلك بعد قليل وهي تفرك يدها بارتباك فاقترب منها واحتضنها بهيام ………..قمر.. أنا متجوز قمر.

همست وهي تخفي وجهها في صدره……….. بطل تبص لي كده.. مكسوفة.

شدد من احتضانها وزاد م نظراته اشتعالا وقال………..إيه.. ببص إزاي طيب؟

كانت تشع حمرة وصدرها يعلو ويهبط وهي تهمس ……….. هوبا بطل

ضحك من قلبه………..يعني تقولي لي كده وأبطل إزاي ده أنا كاتم كتير والله.

همست بخجل………..هوبا..

رفع وجهها ليلتقي بعينيه………..عيون هوبا.

قالت بحنان:………..أنت بقيت حلو خالص.

شدها إليه وهمس بشغف ………..لا كده كتير أروح فين فيه حريقة جوايا.

نظرت إليه ببراءة………..حريقة إيه؟

بدأ يداعب الروب بأصابعه فشهقت فقال بمكر ………..حريقة عايزة القمر يطفيها.

ارتعشت ………. إيدك.. عيب

قال ضاحكا ………..ليه بس؟ ما تيجي نلعب عريس وعروسة.

شهقت وحاولت الابتعاد، لكنه أمسكها من الخلف واحتضنها بقوة………..رايحة فين وسيباني والع كده؟

همست بارتباك………..أنت بتقل أدبك عيب.. إحنا مش كده

ضحك وهو يديرها إليه………..أومال إحنا إيه؟ ده إحنا كده وهيبقى أبو كده

بينما كانت تحاول الهرب بخجل سحب صهيب طرف حزام الروب ببراعة ومكر. وهو يبتسم بنظرة خطفت أنفاسها. بدأ يلف طرف الحزام حول يديه ببطء وهو يجذبها إليه تدريجيا. لتجد نفسها تنجذب نحو صدره وكأنها مقيدة بسلاسل من الحرير.

كلبشت فلك في أطراف الروب بكل قوتها وضمت يديها فوق صدرها وهي تحاول جاهدة أن تمنع انفراج.

فضحك صهيب وهو يفك عقدة الحزام تماما بلمسة واحدة خاطفة. شعرت ببرودة الهواء تلامس بشرتها مع انفتاح الروب فارتجفت بعنف لكن يدي صهيب الدافئتين كانتا أسرع منها حيث بدأت أنامله تلمسها جعلت كل دفاعاتها تنهار.

تلاشت قوتها فجأة وانحلت قبضتها المشدودة على الروب لتنساب يداها بجانبها باستسلام تام. ذابت بين يديه كقطعة سكر في ماء مغلي وتركت رأسها يميل على كتفه وهي تتنفس بصعوبة

بينما كانت لمساته تسرى في جسدها كتيار كهربائي محولة خوفها إلى استكانة تحت سطوة حنانه وجراءته التي لم تترك لها مجالا للعقل.

نزل وحملها فجأة وشدها لصدره بقوه فشهقت وتعلقت برقبته فهمس بحب ………..اهدي وما تخافيش.. حضن صهيب مفيش جواه أي خوف.. نامي وما تحمليش هم.

أراحها على الفراش وظل يتأمل ملامحها وهي تستكين بجانبه حتى غلبهما الوقت.

وفجأة صدح صوت هاتفه في هدوء الغرفة. قطب جبينه بضيق ونظر للشاشة………..وده عايز إيه دلوقتي؟

قام وخرج من الحجرة بهدوء كي لا يوقظها وفتح الخط ليجد المتصل هو عماد فهتف بحدة مكتومة………..خير يا رب.. بتتصل ليه؟

هتف عماد بنبرة مستفزة….. لا ده أنا بس بشوف الحالة وصلت لإيه.

هتف صهيب بحده….. حالة إيه يا بتاع أنت.

ضحك عماد بسخرية….. إيه هما الشهرين ماعدوش.

اشتعل صهيب غضبا….. أنت عايز إيه يا زبالة شهرين ولا زفت مالك بينا.

ضحك عماد بمكر….. لا والله وطلعت شاطرة بنت عمي عموما ربنا معاك كمل كمل بكرة نقعد ع الحيط ونسمع الزيطه.

رد صهيب مشتعلا….. أنت بتقول إيه يا زبالة.

ضحك عماد باستفزاز….. ما بقولش كنت بس بطمن على صهيب بيه الشامي بس بصراحة طلعت خفيف قوي.

كتم صهيب صرخته ثم قال توعدا….. ولا لم نفسك.

تنهد عماد بخبث….. عيوني هلمها حاضر بس بنصحك تخاف على روحك مش كل اللي تشوفه تصدقه وكل حاجة قريب هترجع مكانها يا غلبان.

اهتاح صهيب….. مين اللي غلبان يا حيوان أنت مش عارف أنا مين.

ضحك عماد….. عارف وعرفت واتقالي عليك كلام يضحك ده أنت طلعت مسخرة يا راجل قال إيه صهيب الشامي يلا هفرح بيك قريب يلا سلام يا كبير يا جامد.

أغلق الخط وجلس صهيب يصارع أفكاره وشعر برهبة غامضة لا يفهم مداها….. إيه اللي بيقوله ده ومعناه إيه وايه اللي ماصدقوش.

ثم نفض هواجسه ونحى شيطانه جانبا ودخل ليغير ملابسه واندس بجوار حبيبته ليرتمي في حضن نوم عميق.

في الصباح استيقظ صهيب فكان نومه خفيفا. فوجدها تغفو كالنسمة بالقرب من وجهه فاقترب أكثر وبدأ يداعب ثغرها بلمسات رقيقة وظل يراقب سكونها حتى استيقظت.

وما إن فتحت عينيها حتى أهدته ابتسامة نورت قلبه فقبل وجهها قبلات حانية جعلتها تغمض عينيها استسلاما لدفئه.

همس بصوت دايب….. صباح الجمال على قلب صهيب من جوه.

تنهدت بعمق وابتسمت….. صباح النور يا.

صمتت فجاه فهمس بلهفة….. يا إيه قولي.

ابتسمت برقة….. يا هوبا.

هز راسه وقال بعشق….. لا مش دي أنا عايز واحدة تانية هموت وأسمعها.

ابتسمت بخجل وقالت بنعومه ….. إيه هي.

هتف بنبرة تفيض حبا….. حبيبي مثلا.

خجلت منه فهتف وهو يتأمل ارتباكها….. إيه لسه مش حاساها.

تنهدت وهمست بنعومة….. لا حاساها بس بس؟

مسك يدها بحنان….. بس بس خايفه صح.

ارتبكت وبان عليها التوتر….. لا مش كده بس أصل.

هتف مقاطعا جملتها بهدوء واثق….. وأنا مش عايز أسمعها وجواكي ذرة خوف.. أنا عايز أسمعها وجواكي أمان صهيب وبس.

تنهدت بعمق وهمست بنظرة كلها إعجاب….. أنت جميل قوي يا هوبا.

اقترب منها ونظراته تشع رغبة وعشق….. طب مافيش مكافأة بقه لهوبا الجميل ده.

شعرت بخجل شديد وقامت مندفعة من مكانها….. يلا يا بابا ننزل مش هنفضل قاعدين هنا.

هربت من أمامه وذهبت للحمام وهي تشعر بسعادة طاغية.

اغتسلت وخرجت فلم تجده.. لكنها وجدت اهتمامه يسبقه فقد حضر لها ملابسها بعناية.. ابتسمت من رقة قلبه ولبست ووقفت أمام المرآة تتزين.

دخل هو بهدوء يراقب فتنة جمالها في صمت.. اقترب وحاوطها بذراعيه ودفن رأسه في خصلات شعرها….. مش عايز حد يشوف الجمال ده.. عايز أخبكي جوه قلبي.

ابتسمت له وهي تراقبه من خلال المرآة….. إيه.. عايزني أتحجب؟

خفق قلبه بشدة وهتف بصدق….. عارفة.. أنا صحيح مش متدين قوي بس فعلا حابب أشوفك بيه.. لأني مش متحمل حد يقرب منك أو حتى يلمحك.

نظرت إليه بحب وهتفت بدهشة….. مش مصدقة تغيرك ده.

أدارها إليه ونظر في عينيها مباشرة ولم يخفِ نظرة العشق الجارفة التي سكنت ملامحه….. والله ولا أنا.. أنا حاسس إني بتولد من جديد.. كل حاجة فيكي بقت تخصني وتخصني وبس.. ومش عايز إلا إنك تكوني بتاعتي.

أكمل بنبرة تملك واضحة….. عارفة.. أنا عارف إني متملك وصعب وعارف إن حبي هيبقى صعب.. بس دي خلقتي.. الحاجة اللي تخصني أموت ولا إن حد ياخدها مني أو حتى يقرب منها.

ضحكت بدلال وهتفت تذكره بالماضي….. مش كنت هتديني لعماد بعد شهرين؟

هنا انفعل وتذكر مكالمة عماد المسمومة فاحتضنها بقوة كأنه يثبت ملكيته لها….. آخد روحه قبل ما ياخدك.. أنت اتخلقتي عشان صهيب وبس.. اتخلقتي تكوني بتاعته.. عارفة حتى لما ماكنش لسه جوايا حاجة واضحة كنت بنحرق من الكلمة وكنت ناوي إنك استحالة ترجعيله.

هتفت بدلال وهي تختبر غيرته….. يعني لو حد خدني منك أو قرب مني بتحس بإيه؟

هتف وعروقه تبرز من شدة الغيرة….. أولا اللي ياخدك يبقى بيلعب في عداد عمره.. أما بقه لما بشوف حد بيقرب منك بحس بهياج مابتحملش.. عروقي بتلسعني وببقى عايز أموت أي حد يبصلك.. وأنت لما كنتي بتتساهلي مع الزفت الدكتور كنت عايز أقتلك وأقتله.. عبوشكله كل ما أفتكر.

ضحكت فلك برقة وحاولت تهدئة ثورته قائلة………..

مازن.. حرام عليك ده مازن طيب تخيل فتحت التليفون لقيته باعت لي رسايل يطمن عليا.

هنا اشتعل صهيب وتحولت نظراته لشرر غاضب، وضغط على يديها بانفعال………..

وأنتِ إزاي ماتهزقيهوش ولا تعملي له بلوك؟ أنت إزاي سيباه عندك أصلا ويبعت رسايل ويطمن براحته كده؟

تنهدت فلك بعمق واقتربت منه أكثر مسكت يده المشتعلة وحاولت امتصاص غضبه بلمساتها الحانية وقالت بهدوء………..

أنا مارديتش خالص ولا يهمني أصلا المهم أنا عيني فيها مين دلوقتي؟

لانت ملامحه تدريجيا أمام سحر كلماتها وانطفأت نيران غضبه ليحل محلها رجاء عاشق يريد الاطمئنان ابتسم بهدوء وسألها بصوت خفيض:

فيها مين ماتقولي أي حاجة.. أنا ماببطلش قوالة وأنت لسه ساكتة لسه خايفة يا فلك؟

اندست في احضانه …………الخوف بيروح وانا متاكده انه هيروح وهقولك احلي كلام .

تنهد بغلب ………..امتي بس عايز اسمع وداني شققت .ضحكت هيا ..طب يلا بقه اتأخرنا برغيك ده وشدته وخرجت وهما يضحكان

قرر صهيب أن يأخذ فلك في جولة حرة بعيدا عن الفنادق. أراد أن يرى ضحكتها العفوية في وسط المدينة المزدحمة. كانت فلك تشعر بسعادة غامرة وهي تسير بجواره تتأمل البضائع الملونة والحياة النابضة في كل ركن.

لكن الوحش لم ينس طباعه فكان يسير بجانبها كالسد المنيع يشبك أصابعه في أصابعها بقوة وعيناه كالصقر تمسحان المكان وأي شاب يطيل النظر إليها كان يجد أمامه نظرة من صهيب تجعله يغير طريقه فورا.

توقفا أمام فرش لبيع القبعات والإكسسوارات الغريبة التفتت فلك بمكر وقررت أن تكسر وقاره وتشاكسه….. بقولك إيه يا سي صهيب.. مش أنت قولت إنك ملكي النهاردة؟

رفع حاجبه بابتسامة متوجسة………..أيوة.. ناوية على إيه يا بنت الجيار؟

سحبت قبعة ضخمة من الخوص مزينة بريش ملون مضحك ووضعتها فوق رأسه فجأة………..ناوية نشوف صهيب الشامي وهو لابس دي.

انفجرت في الضحك وهي تراه يحاول الحفاظ على هيبته والقبعة تتمايل فوق رأسه.

كشر صهيب باصطناع………..أنا يلبسوني دي ده أنا هيبة السوق اتهزت من حته بتاعه شبر ونص.

لم تكتف بذلك، بل سحبت نظارة شمسية بلاستيكية ضخمة وردية اللون ووضعتها له ليتحول وقار صهيب الشامي إلى مشهد كوميدي صارخ. ضحك الباعة من حولهم

فاشتعل صهيب خجلا وقرر الرد… ماشي يا فلك.. بقى كده طيب تعالي بقه.

أمسك بوشاح بدوي مزركش ولفه حول وجهها بطريقة مضحكة حتى لم يظهر منها سوى عينيها ووضع فوق رأسها قبعة ميكي ماوس كانت معروضة بجانبهم. وقف ينظر إليها بانتصار………..أهو.. كده بقيتي شبه الكرتون ومحدش هيعرف يعاكسك خالص.

ظلا يضحكان وسط المارة وصهيب الذي كان يرفض التفاهة وجد نفسه يشتري زمارة ورقية ويصفر بها خلف أذنها لتشدها وتجري أمامه وهو يلاحقها بجنون طفولي.

وفجأة توقفا أمام بائع يبيع عقودا من الودع والخرز اليدوي. أمسك صهيب عقدا بسيطا أزرق اللون واقترب منها بهدوء . رفع يده وأزاح خصلة متمردة من شعرها وألبسها العقد برقة بالغة وهو يهمس أمام وجهها………..الخرزة الزرقا دي عشان تحميكي من عيوني أنا قبل عيون الناس.. لأني بجد بدأت أحس إن وجودك معايا ده معجزة مش عايزها تخلص.

لمعت عيناها بحب فقبل جبينها أمام الجميع بجرأة ثم سحبها من يدها………..يلا بينا بقه قبل ما أتهور وأشتري السوق كله عشان نفضل لوحدنا.

بينما كانا يخطوان وسط زحام المشاعر وروائح البخور الغامضة استوقفهما محل غامض في زاوية الشارع عليه لافته….

_________وشم الحب____________

.لم تكن مجرد لافتة بل كانت دعوة من القدر.. قرأت فلك الاسم بهمس علي أحد المحلات العتيق. فاندفع صهيب بفضوله نحو الداخل، ليجدا أنفسهما في حضرة امرأة غجرية تفوح منها رائحة غريبه عيناها كجمرتين تشتعلان في ظلمه المكان.

سألها صهيب بابتسامه… ماذا تبيع .

ردت بنبره بعيده كأنها اتيه بئر سحيق…..أنا ببيع الأبدية.. ببيع وشم الحب الذي ما يمحيه زمن. لم يفهم صهيب لكنه استسلم لجاذبيتها الساحرة .

أجلستهم الغجرية والسكينة تلف المكان حول منضده بارجل صغيره ليتربعو علي الارض ثلاثتهم. ثم أطفأت الأنوار لتبقى الشموع وحدها هي من يرسم ملامح وجوههم. أخرجت وعاء فخاريا عتيق ومشرطا صغيرا ووضعتهم عالمنضده وسكبت مسحوقا غامقة بقلب الوعاء وفلك وصهيب يراقبانها برهبه.

مدت يدها وأمسكت يد صهيب الخشنة وبحركة سريعة وخزت إبهام صهيب لينتفض بلين. لتسقط قطرة من دمه في قلب الوعاء ثم فعلت المثل بفلك.

امتزج القطرتان في مسحوق بودرة غامضة قرمزية لتتحول في لحظة إلى صبغة غريبه ونزلت السيده وهمست بداخل الوعاء. ؟الأبديه.

.

كان صهيب ينظر لقطرة دمه وهي تذوب في دم فلك. وشعر لأول مرة أن السلاسل التي قيدته في طفولته قد انكسرت. ليحل محلها قيد من نوع آخر.. قيد اختاره هو بروح راضية قيد يربط نبضه بنبض هذه اليتيمة التي جعلت من الوحش رجلا يرتجف شوقا

أشارت الغجريه لصهيب بأصابع مرتعشة.

غمس صهيب إبهامه في الصبغة. ثم أشارت لموضع قلب فلك. ارتحفت فلك وأزاحت طرف فستانها عن كتفها ليطبع هو وسمه فوق نبضها.

مسكت الغجريه يد فلك لتضعها فوق يده علي صدرها وتصغط بكل قوتها ثم نزلت ونفخت بين يديهم وابتعدت.

ثم غمزت فلك إبهامها في دمهما وأشارت الغجرية لصهيب أن يفتح قميصه واقتربت من صدره العاري. كانت يدها ترتجف وهي تلمس جلده العاري فوق موضع قلبه مباشرة. وضعت بصمة إبهامها هناك فشعرت بنبضه يقرع تحت أصبعها كأنه يستنجد بها

في تلك اللحظة تدلت الخرزة الزرقاء من عنق فلك فمسكتها الغجرية بأصابعها المجعدة وقالت بصوت أجش انت اللي جايبه الها.

فهز راسه بصمت ابتسمت وقالت…..الخرزة تحمي الجمال.. لكنها لا تحمي الروح إلا بعهد الدم.

نظرت فلك لصهيب بعينين غائمتين فمدت الغجريه يدها للوعاء وأخذت مسحة من دمائهما الممتزجة ووضعتها فوق الخرزة لتصبغها باللون القرمزي الدافئ وقالت بوهن…..وده وشام روحك في روحه.. خليه يحميك من أي وجع بعيد عني

قربت راسيهما وهمست… ده رباط الروح بينكم لحد الممات. هنا رفع صهيب شفتيه وقبل جبين فلك وضغط عليها بحب.

قامت الغجري أخذتهما لغرفة جانبيه من كانت غرفه تصوير ضيق بشكل كبير. مكان لا يتسع إلا لنفسين فعلا يشتعلان حبا. أظلمت الغرفه. ولم يبق إلا هو وهي. أزاح صهيب قميصه ليظهر وشم إصبعها على قلبه ووقف خلفها يزيح فستانها برقة سلب عقلها ليظهر وسمه عليها. وقفوا أمام المرآة كل يشير لنبض الآخر، .

وفي تلك اللحظة التي أضاء فيها فلاش الكاميرا تجمد العالم. لم ينته المشهد عند الصورة بل اشتعل. نظر صهيب إلى الوشم فوق قلب فلك فغرق في سحر المكان.

انحنى برأسه ببطء يقبل ذلك الموضع بقدسية وهوس قبلة طبعت دمه في مسامها.

وكأنما أراد أن يختم ملكيته عليها للأبد.

ارتجفت فلك وشعرت بجسدها يذوب كالشمع تحت حرارة أنفاسه فالتفتت إليه في عتمة الغرفة. لتلتقي الأعين في نظرة كافية لتمزيق آخر حصون الصبر.

فكانت نظرة صهيب كافية لتمزيق آخر حصون صبرها. لم ينطق بكلمة بل جذبها إليه بعنف واختلطت أنفاسهما في في وصله من تلامس محموم ورغبه عاتيه اهلكتهم.

كانت هي لغة الأفعال التي طلبتها لغة لا تحتاج لحروف بل لقلبين قررا أن يتوحدا تحت وشم الدم والروح

كانت هي الميثاق الحقيقي قبلة لم تكن للشوق فقط بل كانت إعلانا بأن الروح قد سكنت الروح وأن دمائهما التي امتزجت في الخارج، قد توحدت الآن في الداخل إلى الأبد.

خرجت فلك تترنح من سحر المكان بينما سار صهيب خلفها كظلها يحمل في صدره وشمها وفي عينيه وعدا بأنه لن يتركها أبدا.

بين النبض كان عقدا مكتوبا بقطرات القلوب. وبيده تلك الصور التي التقطت في لحظة صدق ستبقى ذكرى جميلة في ألبوم حياتهما.

وهما خارجين من المكان اللي ريحته بخور وغموض الغجرية مسكت إيد صهيب فجأة وقبضت عليها بقوة خلت جسمه يقشعر. بصت في عينه بنظرة غريبة كأنها شايفة اللي مستخبي ورا ملامحه الجامدة ومالت على ودنه وهمست بصوت مبحوح….

يا صاحب القلب الموشوم.. خاف على قلبك من قسوته. الوشم اللي سكن جلدك النهاردة ده ماتكتبش بحبر ده اتكتب بعهد الروح. اعرف يا ابني إن العلامة دي مابيمسحهاش لا مية ولا زمن ومش هتزول غير عند صاحبة الروح اللي شاركتك نقطة دمك.. هي لوحدها اللي معاها المحاية.

صهيب قلبه دق بعنف بس الغجرية كملت بكلمات خلت ريقه ينشف

اسمعني كويس.. الوشم ده حكم مؤبد عليكوا إنتوا الاتنين ومايتمسحش أبدا طول ما طرف واحد بس هو اللي عايز. لازم تكونوا واقفين قدام بعض. نبض قصاد نبض وروح قصاد روح.. لا هي هتعرف تخلعه لوحدها لو جرحتها ولا أنت هتعرف تهرب منه لو غدرت بيها. لو غابت عنك هيفضل الوشم يحرق في جلدك زي الجمر لحد ما تموت ولو غبت عنها هيفضل يئن فوق صدرها كأنه ذنب ملوش غفران.

صهيب كان بيسمع وهو مش مصدق بس هي كملت تحذيرها الأخير….

حافظ على الوشم طول ما نبضها بيضرب تحت صباعك فأنت في أمان. بس خد بالك من أي حد يحاول يقطع العهد ده ولو الوشم اتلوث بدم الغدر السكن هيضيع والمرسى هيتوه.. .فالجرح إللي بيجي من جوا لا يشفيه وشم ولا تميمة. الوشم ده أمانة والغدر فيه ندامة مابيمسحهاش ندم

خرج صهيب وهو حاسس بتقل الجبل فوق كتافه لمس مكان قلبها اللي وسمه بإيده. وحس بقلبه هو كمان بيدق ورا الوشم بتاعه. عرف إن اللي حصل ده مكانش مجرد ذكرى ده بقى قيد أبدي مفتاحه في إيد فلك.. وبحضور صهيب نفسه.

أدرك هنا أن

فلك اصبحت هي القفل والمفتاح في حياة صهيب الشامي. جحوده اللي كان بيحمي بيه نفسه من الدنيا انكسر تحت رجليها وبقى عارف إن أي محاولة عشان يرجع صهيب القديم معناها إنه يقطع الوشم ده من جلده.. ويقطع روحه معاه.

ظل ساهما قلبه يرجف ثم استدار واحتضن معشوقته ورحل.

.أكملها اليوم معا وقضيا اليوم كله عالبحر كانت تحس انها حواء في جنان الرحمن وادم خلق ليسعدها .دخلا البار وهتف .. تشربي ايه …

همست مشاكسه…. انت هتشرب ايه انا هشرب زيك .بس خمره اموتك .

ضحك هو ببراءه رافعا يده يقدم فرئض الولاء ..لا والله حرمت خلاص ..مش اسكتي مش فيه واحده دخلت حياتي وسودت عيشتي.

رفعت حاجبيها ولوت شفتيها…. لا والله وبعدين .

قال ضاحكا يتصنع الخوف ينظر يمينا وشمالا…… ..مربيالي الخفيف مابقدرش ابص يمين او شمال متعلم الادب.

خبطته ضاحكه…. ..لا وانت مؤدب قوي دانت جبروت.

نظر اليها ….. بس باجي قدام المز القمر واقلب بطه بلدي .

تنهدت بحب .،،طب انا عايز برتقال وانت ..

هز راسه موافقا. طبعا هاخد برتقال واستدار وذهب كانت تقف تتمايل فاتي اليها احد الشباب متطفلا ..ممكن نتعرف .

نظرت اليه وهتف …اسفه والله عن

وقف الرجل الذي امامها.،ليه بس حد قمر كده وجسمه نار يقف لوحده نبسط بعضينا وإنت قمر بخرزتك دي …ومد يده لخرزتها ومسكها من يدها خافت وارتعبت…

في تلك اللحظات كان صهيب يقف بعيدا…

عنها بضع خطوات ليحضر العصير لكنه لم يغب عنها بعينه كان يراقبها كصقر يحرس ممتلكاته. وفجأة اقترب منها شاب لم يكتفِ بكلمات الإعجاب بل تمادى بجسارة مستفزة ومد يده ليلمس الخرزة المعلقة في عنقها وهو يهمس بوقاحة.

في تلك اللحظة، انقطع الخيط الرفيع الذي يربط صهيب بعقله. لم ير شابا يعاكس امرأة بل رأى دنسا يقترب من عهده مع فلك.تلك الخرزه وبقربها وشمهم المقدس اندفع كالإعصار وبدون مقدمات طار الشاب من مكانه إثر لكمة من صهيب حطمت كل شيء حولهما.

ساد هرج ومرج وصهيب كان يضرب بجنون يضرب وكأنه ينتقم من كل سنوات القهر والجحود التي عاشها وكأن هذا الشاب هو تجسيد لكل من حاولوا سلب روحه قديما.

صرخت فلك برعب….. صهيب كفاية هتموته في إيدك. سيبه يا صهيب.

حاولت سحبه من ذراعه وبسبب نوبة الهياج وفقدانه التام للسيطرة على قوته دفعها بعيدا عنه بعنف ليتخلص من إعاقتها له.. دفعها وهو يصرخ بصوت عنيف…… ابعدي عني.

لم يدرك قوة دفعته إلا حين سمع صوت ارتطام رأسها بحافة كرسي رخامي وصوت أنينها المكتوم. تجمد صهيب في مكانه انطفأت نار الغضب ليحل محلها رعب قاتل. ترك الشاب الغارق في دمائه والتفت إليها ليجدها ملقاة على الأرض تتحسس رأسها بذهول والدموع تغرق وجهها.

سحبها من يدها بعنف وخرج بها من المكان وسط نظرات الناس. وما إن وصلا إلى رمال الشاطئ حتى ترك يدها بعنف واستدارت. كان يتنفس بسرعة وعروقه بارزة وعيناه تشعان جنونا.

صرخ فيها بهيج جنوني…انت وقفاله يقلك ايه انا كت هقتله .

كانت ترتجف برهبه من منظره ….. مانا مالحقتش والله وقلتله اسفه

قاطعها بحرقه جنونيه ملوحا بيديه بعنف ..اسفه… واحد بيقلك جسمك نار تقوليله اسفه والا تديه بالجزمه علي وشه .

كان يحترق فاقترب وأشار فستانها…. والزفت الفستان ده ماعتش يتلبس وبعد كده تلبسي واسع وتقفلي صدرك اللي باين ده مبيناه لمين .

نظرت اليه مذهوله ….. مبيناه لمين انت بتقول ايه انت اتجننت .

صرخ بهياج وغيره أكلت قلبه… .. لا ماتجننتش اغيب خمسه ارجع الاقي مراتي بتتشقط عشان جسمها مفسر. ويلمسك بتاع إيه والله كنت هرتكب جنايه. أكمل بهياج.. اخر مره تلبسي كده واخر مره تقفي لحد .صرخ فيها وهو يرتجف…. ايه مبسوطة؟ وقفتك دي وضحكتك خلت واحد زبالة يتجرأ ويلمسك.

هنا دمعت عيناها وهتفت بصوت مبحوح:

أنا مش هرد عليك… على فكره.

واستدارت بقهر كأنها تهرب من نفسها قبل أن تهرب منه.

وقف صهيب لحظة مشلولا صدره يعلو ويهبط بعنف. لم يحتمل… لم يحتمل أن يقترب منها أحد ولا أن تبتعد هي عنه.اندفع ومسك يدها. فصرخت فيه صرخة ودفعته بعنف تجمد في مكانه. ترك يدها كأنها أحرقت أصابعه وتراجع خطوة.

في تلك اللحظة أدرك أن غيرته لم تكن حبا خالصا… بل خوفا أعمى وأن قبضته التي حسبها حماية كانت قيدا و أن أقسى الخسارات هي تلك التي نصنعها بأيدينا

حين نحب… ولا نعرف كيف نترك مساحة للتنفس.

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية سيد الكبرياء) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!