رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الثالث 3 – بقلم مريم الشهاوي

رواية لا تخافي عزيزتي – الفصل الثالث

يارا سكتت، بتحاول تستوعب اللي الدكتورة قالته… إزاي تكون حامل وهي أصلًا آنسة؟!
فضلت ساكتة شوية، عقلها تايه ومش قادر يصدق… حامل؟! الكلام كان تقيل عليها ومش داخل دماغها خالص.
قالت وهي بتتلجلج ومش مصدقة: «ح.. حامل؟! إزاي بس يا دكتورة؟! أكيد في… في حاجة غلط… مفيش حد لمسني… إزاي يعني؟!»
الدكتورة بصّت لها بشفقة، وحبت تساعدها: «طب إنتِ تقدري تحكيلي؟… هل اتعرضتي لاغتصاب من أي حد؟… ساعديني عشان أعرف أساعدك.»
يارا هزّت راسها بالنفي، وصوتها علي: «لا… محدش لمسني… أنا آنسة.»
الدكتورة قالت بهدوء: «اهدي لو سمحتي، ووطي صوتك شوية، في مرضى برا… روحي اعملي حالًا تحليل طب شرعي لإثبات الحالة و…»
يارا صرخت في وشها: «حضرتك عارفة إنتِ بتقولي إيه؟! بقولك محدش لمسني… طب شرعي إيه؟! أنا هروح أكشف عند حد تاني، وهعمل تحاليل تانية… أنا آنسة… محدش لمسني… أكيد في حاجة غلط في التحاليل.»
الدكتورة ردّت: «ممكن تهدي؟… تحاليل الدم مفيهاش هزار، ونتايجها دقيقة وصحيحة مية في المية.»
باب الأوضة اتفتح، وكان عمر اللي سمع صريخ يارا، جري بسرعة يشوف في إيه، ولما شافها مش فاهم حاجة.
قرب منها وقال بقلق: «إيه يا يارا؟! بتصرخي كده ليه؟! إنتِ كويسة؟»
يارا بصّت له، وعيونها كانت بتستنجد بيه. عمر فهمها، ومسك إيديها وطلعوا برا العيادة. ركبوا العربية، ويارا فضلت ساكتة، ولا نطقت ولا قالت أي حاجة. عمر ساق بالعربية ووقف في مكان هادي.
عمر قال: «احكيلي… الدكتورة قالتلك إيه؟»
يارا قالت ودموعها مالية عينيها: «لا… مفيش… أنا حاسة إن العيادة دي مش قد كده، وهروح أكشف عند دكتورة تانية… شكلها مش شاطرة و…»
عمر قاطعها: «يارا… أنا عمر… مش لسه عارفك إمبارح ولا النهارده. أنا أعرفك من سنين، وعارف النظرة دي كويس… أكيد في حاجة. وشك مخطوف كده ليه؟! احكي.»
نبرة صوتها اتغيرت، وبقى فيها بكا مكتوم، وبتحاول تمسك أعصابها وتحبس دموعها: «بجد يا عمر، مفيش حاجة… ودّيني البيت دلوقتي لو سمحت… أنا مش قادرة أتكلم دلوقتي.»
عمر سكت وبصّ لها، ومش فاهم ليه بتخبي عنه، وهو أقرب واحد لها. هو عمره ما كان بينهم أسرار… ولا الموضوع كبير أوي؟ ولا حاجة تخصها كبنت ومكسوفة تتكلم فيها؟
ساق بالعربية لحد بيت يارا. نزلت بسرعة، ودخلت البيت من غير ما تكلمه، ولا حتى ودعته. جريت بسرعة عشان ما يشوفش دموعها اللي غرقت وشها.
دخلت أوضتها وقفلت الباب وراها، وانهارت في العياط. مش مصدقة اللي حصل من شوية… إزاي ده حصل؟! ومين اللي عمل كده؟!
ضربت راسها بإيديها كذا مرة، وصرخت وهي بتعيط: «لا… لا… محصلش… ده كدب… الدكتورة بتكدب.»
وقعدت تكلم نفسها: «هروح لدكاترة تانيين… لازم أتأكد. في اختبارات حمل، هشتريها وأعملها… أكيد في سوء فهم. أنا مش حامل… إزاي أكون حامل وأنا لسه آنسة؟! ومحدش لمسني أصلًا؟!»
__________________________
عيون مصطفى وسِعت وقال بذهول: «نصّاب؟!»
هدير اتكلمت بصوت عالي: «أيوة… ناسي يوميها عملت إيه في السوق؟! اسمع، أنا مسكتش على حقي أبدًا، ومش معنى إني معيش راجل تفتكر إني ست ساذجة وتضحك عليّا… لا، أنا ميتضحكش عليّا أبدًا، ده أنا بمليون راجل. اتفضل، هات حق اتنين كيلو الطماطم اللي أخدتهم.»
مصطفى فضل ساكت، مش مصدق ولا فاهم حاجة: «أنا مش فاهم قصدك… حضرتك أكيد ملخبطة بيني وبين حد تاني.»
هدير مصمصت شفايفها بملل وقالت بسخرية: «لا يا أخويا، ده أنا أجيبك من وسط ألف… اتفضل معايا برا المحل عشان منزعجش الزباين لو فيها ضرب ولا حاجة.»
بلع ريقه بعدم تصديق وردد: «ضرب؟!»
طلعت من المحل، ومصطفى مشي وراها. وقفته قدامها.
مصطفى قال: «صدقيني أنا مش فاهم قصدك إيه وليه بتقولي عليّا نصّاب؟»
هدير بصّت له، وبصّت على هدومه من فوق لتحت… مهندم وشيك، بس ده كله ميمنعش إنه راجل محتال.
قالت: «اسمع يا أستاذ… إنت جيتلي الأسبوع اللي فات، وخدت مني اتنين كيلو طماطم، ومدفعتش حقهم، وخدت الشنطة وجريت.»
مصطفى فضل باصص لها حوالي دقيقة، بيحاول يفتكر…
أيوة، اليوم ده.
كان فيه عيل صغير وزن له الطماطم، ومسك كيس الطماطم، وهو طلع المحفظة عشان يدفع. في اللحظة دي سمع هدير بتنادي على الواد باسمه: «ياسين»، وكانت قربت منهم.
أول ما شافها، اتلخبط، واتوتر، ولمن لقاها مش موجودة للحظة، والواد بيسأله هو عايز حاجة تانية ولا لأ، اتكلم عشان يخبي إحراجه ويفسر وقفته الطويلة، وطلب طماطم.
بس هو مكنش يعرف إنه هيبقى جبان المرة دي كمان، ومش هيقدر يكلمها ولا يقف قدامها. هو دايمًا بيتوتر، وبيحس بخجل شديد.
وأول ما سمع صوتها وشافها بتقرب، مفكرش ثانية… جري بأقصى سرعته عشان ما تشوفوش.
فاق على صوت هدير وهي بتقول: «يا أخينا… إيه؟ افتكرت؟»
مصطفى ابتسم وقال بأسف: «أنا آسف بجد… يوميها كنت مستعجل. الحساب كان كام؟»
هدير شبكت دراعاتها على صدرها وقالت بلوم: «تلاتين جنيه.»
مصطفى طلع من محفظته خمسين جنيه وادهملها: «اتفضلي.»
هدير أخدت الفلوس، وطلعت من جيبها ورقة بعشرين جنيه وادتهاله: «خُد الباقي.»
مصطفى اعترض بذوق: «لا لا، خلي الباقي… كواجب اعتذار إني اتأخرت عليكِ، وآسف مرة تـ…»
مسكت إيده، وحطت الفلوس في إيده، وقالت وهي ممدة شفايفها بضيق: «اعتذارك قبلته، ومش محتاجة أكتر من حقي.»
وسابته، ومشيت قدامه، راجعة لشغلها في المحل.
مصطفى فضل متابع خطواتها لحد ما اختفت من قدامه، وابتسم.
أيوة… دي أول مرة يتكلم معاها.
بص في عينيها وهي بتكلمه.
مسكت إيده…
رفع إيده وبص لها وهو مبتسم.
سمع صوت شهاب من وراه: «اتهزقت… اتهزقت يعني.»
مصطفى لفّ له وهو مبتسم: «تصدق؟ أول مرة أحب التهزيق كده! حاسس إني مبسوط أوي… هدير اتكلمت معايا يا شهاب… أنا عمري ما كنت أحلم بكده. الساعة كانت 3:26…»
رفع إيده وبص في ساعته
«دلوقتي 3:38… اتناشر دقيقة بحالهم يا شهاب! أنا حاسس إني عايز أتنطط من السعادة. أخيرًا جاتلي الفرصة إنها تكلمني. تيجي نروح ناكل آيس كريم؟»
جري من قدامه وهو مبسوط وبيضحك جامد، وشهاب جري وراه وهو باصص له باستغراب.
هو معقول يكون مختل؟!
___________________________
في المساء، كان يزن قاعد على الكنبة في أوضته، سارح وبيفكر في أسيل، وبيسأل نفسه: «يا ترى إيه حكايتك يا أسيل؟… وإيه معنى الرسومات الغريبة دي؟… وليه مش راضية تتعالجي؟»
نفخ بضيق، وبعدها مسك موبايله وبعت رسالة لصاحبه مازن.
يزن: «عرفت حاجة عن الصورة؟»
مازن رد عليه في رسالة: «بصراحة أنا مستغرب من الصورة دي قوي… هعرضها على زمايلي ونشوف تفسيرها النفسي إيه. بس اللي باينلي إنها بتتعرض لأذى من حد، ومفيش حد قادر يساعدها. والنمر اللي واقف على جنب وخايف ده خلى عندي شك إن ممكن يكون في حد فعلاً يقدر يساعدها، بس هو كمان خايف من القرد اللي مسبب الرعب لكل اللي حواليه.
بص، الموضوع مريب… سيبني شوية، أنا حاسس إن الحقيقة لسه فيها علامات استفهام. بس قولي، يعني البنت دي عايشة إزاي؟ وأهلها فين؟»
يزن تنهد، وحكاله كل اللي شريف قالهوله عن حالة أسيل.
مازن: «خلاص تمام، اديني شوية وقت أبحث في الموضوع ده، وهكلمك لو لقيت أي حاجة.»
يزن: «ماشي… مستنيك.»
قفل الموبايل، وراح يستحمى عشان يهدّي أعصابه من توتر اليوم.
كان مغمّض عينيه وهو بيغسل شعره بالشامبو، وفجأة صورة أسيل ظهرت قدامه… جمالها وملامحها الهادية. اتفزع من نفسه وفتح عينيه بسرعة، بس الصابون دخل في عينيه وحرقهم.
صرخ من الوجع، وفضل يغسل عينيه بالمية. «مالها البنت دي؟… حتى التفكير فيها بيتعبني!
وليه أنا أصلًا بفكر فيها؟!»
_________________________
«ياسين، دارين… يلا يا حبايبي عالغدا.»
إخواتها الصغيرين جريوا بسرعة على ترابيزة الأكل، وكل واحد فيهم نفسه يعرف هيأكلوا إيه.
ياسين قال بحماس: «طابخالنا إيه النهارده يا ديرو؟»
هدير ابتسمت وقالت: «فول بالطماطم، بس المرة دي حكاية.»
دارين نفخت بضيق، وضمت دراعتها على صدرها: «بس أنا مش عايزة آكل فول… هو كل يوم فول؟!»
هدير اتضايقت من كلامها وقالت: «اسمها الحمد لله… إنتوا عارفين أطفال غزة وأطفال البلاد اللي فيها حروب عايشين إزاي؟»
ياسين ضحك بهزار: «أكيد مش بياكلوا فول كل يوم!»
هدير ابتسمت بوجع: «فعلاً عندك حق… هم مش بياكلوا فول كل يوم، عشان أصلًا مش بيلاقوا أكل. ممكن يقعدوا أيام جعانين ومن غير أي أكل.»
الاتنين سكتوا وبصّوا في الأرض بإحراج، فهدير كملت بصوت عالي وفيه غضب: «إحنا غرقانين في نعم، بس إحنا اللي مش حاسين بيها… ومش بنحس بقيمتها غير لما نفقدها. كفاية نعمة إنك عايش في بلد آمنة، مفيهاش حرب، مش بتصحى على صوت صواريخ، ولا عايش في خيمة بعد ما بيتك اتهد.»
دارين عيطت، فهدير شدّتها في حضنها.
دارين قالت وهي بتبكي: «أنا آسفة يا ديرو… مش هقول كده تاني.»
هدير حضنتها أكتر وباست راسها بحنية: «يا روحي متعيطيش… حقك عليّا إني عليت صوتي.»
دارين وهي بتعيط: «أنا مش بعيط عشان زعقتي… أنا بعيط عشان صعبوا عليّا.»
هدير ابتسمت: «متنسيش بقى تدعيلهم في صلاتك دايمًا.»
وبعد ما دارين هديت، هدير راحت لشنطتها وطلعت كيس فيه حاجة: «أنا جايبة آيس كريم لينا كلنا.»
الاتنين وقفوا بفرح: «هاتيه دلوقتي!»
هدير ضحكت: «لااا… لما تاكلوا الأول. يلا بسم الله الرحمن الرحيم.»
أكلوا كلهم في جو دافي، وفي آخر الليل قعدوا يتفرجوا على التلفزيون، كانوا بيتفرجوا على فيلم كوميدي، وضحكهم كان مالي البيت الصغير البسيط.
هدير نامت وهي حاضنة إخواتها الصغيرين، وبصّت لفوق، وكلمت ربها في سرّها وقالت:
«يا رب… اللهم يا كافل العباد، ويا واهب الأرزاق، ويا موزّع العطايا، ارزقنا نور في القلب، وضي في الوش، وعافية في البدن، وسعة في المال والعلم والعمل، وحسن الصفات، وصلاح الأعمال والنيات.
يا رب سترك، وعفوك، وودّك، وحبك، وقربك، ورضاك، ولذة النظر لوجهك الكريم.»
____________________
رحاب: «يارا، افتحي الباب… إنتِ قافلة على نفسك من الصبح. بقولك افتحي.»
كانت يارا قاعدة على الحمّام، شهقاتها عالية، وممسكة في إيدها جهاز اسمه اختبار حمل، وباين قدامها شرطتين… يعني حامل بجد!
رحاب خبطت على الباب بعصبية: «افتحي يا يارا، وإلا هجيب المفاتيح وأفتح أنا.»
يارا فتحت باب أوضتها، وشها شاحب وعينيها حمرا من العياط، وبصّت لأمها بتعب: «تعبانة شوية يا ماما… أرجوكِ سيبيني لوحدي.»
رحاب دخلت الأوضة وقفلت الباب وراها: «متوقعيش قلبي عليكِ… احكيلي، مالك؟ في إيه؟؟؟»
يارا صرخت بانفجار: «بجد والله؟!… ومن إمتى وإنتِ مهتمية بيا أوي كده؟!… أنا ضيعت بسببك.»
قعدت على السرير، وصوت عياطها علي.
الباب اتفتح، ومصطفى دخل، وبصّ لأخته، وأول ما شافته جريت عليه ورمت نفسها في حضنه، ماسكة فيه جامد ودفنة وشها في صدره وهي بتعيط.
مصطفى حضنها بحب ومسح على شعرها بحنية: «إيه يا يارا؟ مالك؟… اهدي.»
شدّت دراعتها على ضهره وفضلت تعيط بقهر،
ورحاب واقفة مش فاهمة حالة بنتها ولا ليه بتعيط بالشكل ده.
يارا فضلت تكرر: «أنا ضيعت يا مصطفى… أنا ضيعت.»
في نفس الوقت، أسيل كانت في المطبخ بتشرب مية، وسمعت صوت يارا.
هي مش بتكره يارا، وعارفة إن يارا كمان مش بتكرهها، بس رحاب دايمًا بتحاول تزرع الكره بينهم، وتعمل مشاكل، ومش عايزة أي حد في البيت ده يحب أسيل، حتى أبوها!
شريف ظهر قدامها، وبصّ لها بعصبية: «إيه صوت يارا ده؟!… إنتِ زعلتيها في حاجة؟؟»
المية وقفت في بقّها، مش قادرة تبلعها، وبصّت بعيد عنه عشان تخبي دموعها.
شريف طلع فوق، وأول ما شاف يارا بتعيط جري عليها بقلق: «ليه العياط ده؟… في إيه يا رحاب؟»
رحاب بصّت له، وكانت هتتكلم عن يارا بطريقة وحشة، بس لمحت أسيل واقفة تحت، وعينيها على أبوها. ابتسمت بمكر وقالت: «زهقانة… بتقولي يا ماما حياتي بقت مملة. فعلًا يا شريف، يارا مبقتش بتخرج خالص، ومصطفى كمان… وأنا كمان زهقت من الروتين ده. إيه رأيك نسافر؟»
شريف ابتسم: «بس كده؟» ومسك إيد يارا بحب: «ليكِ عليّا يا ستي أسبوع كامل في أي بلد إنتِ تختاريها. فُكي كده.
وإنت يا مصطفى، امتحانات الكلية خلصت مش كده؟»
مصطفى: «أه يا بابا، إمبارح كان آخر يوم.»
رحاب: «وبرضه يارا خلصت. عايزين نفك بقى يا حبيبي… ونفرفش شوية.»
حضنت رحاب جوزها: «نطلع أنا وإنت ومصطفى ويارا نغيّر جو.»
كانت قاصدة تقول مين اللي هيسافر عشان تحسّس أسيل إنها ملهاش أي قيمة في الكلام ده.
شريف ابتسم وحضنها أكتر: «خلاص، هشوف شغلي وأرتّب أموري، ونسافر كلنا.
يويو، يلا ابتسمي بقى، مفيش حاجة تستاهل دموعك يا غالية.»
يارا بصّت لرحاب، ولقتها باصة لتحت وبتبتسم. بصّت لتحت هي كمان عشان تشوف بتبتسم على إيه، ولقت أسيل واقفة ودموعها نازلة على خدودها بقهر.
كرهت أمها… وفهمت هي مخططة لإيه… قد إيه هي ماكرة!
رحاب قالت وهي موجهة كلامها ليارا: «يارا، ردي على بابا… ومتعيطيش تاني. أهو هنخرج.»
مصطفى فضل باصص لأخته… عمره ما شافها بتعيط بالشكل ده.
الموضوع مش ملل زي ما أمي فاكرة… لا، في حاجة يارا مخبياها.
فضلت ساكتة، لحد ما رحاب اتكلمت بصوت حاسم: «يارا، ابتسمي يا حبيبتي. بابا لما سمع إنك زهقانة هيسفرك أهو. مفيش بنت بتحلم بكده ولا إيه؟… مفيش شكر لبابا؟»
يارا ما اهتمتش بمحاولة رحاب إنها تجبرها تتكلم. ده دايمًا بيحصل.
هي مبتقولش حاجة غير بإذن أمها، ولو مأذنتش بتفضل ساكتة.
ابتسمت، ومسحت دموعها، وبصّت لتحت، وما شافتش أسيل. شكرت شريف، واستأذنت ودخلت أوضتها.
وكل واحد راح أوضته، حتى مصطفى… كان نفسه يتكلم مع أخته، بس فضّل يسيبها لوحدها الليلة، ويكلمها بعدين.
يارا غمّضت عينيها، وحاولت غصب عنها تنام، بس دموعها ما وقفتش.
فضلت تعيط، والدموع نازلة حتى وهي مغمضة.
قلبها كان موجوع بجد… ومش عارفة تفكر إزاي، ولا تعمل إيه.
______________________
أسيل دخلت أوضتها، ومسحت دموعها، وقعدت على الأرض، ولمّت ركَبها على صدرها. قلبها كان تعبان، العياط هدّه وكسره. لياليها بقت ضلمة، ويأسها من الدنيا زاد. قامت على رجليها وراحت على شباك أوضتها، فتحته وبصّت للسماء وهي بتعيّط.
«إنتِ فين يا أمي؟»
«ليه مشيتي وسيبتيني في الدنيا دي؟ الدنيا اللي بقت تقيلة على قلبي ومخنقاني؟»
«الدنيا ضلمة… ضلمة قوي، مش شايفة فيها أي حاجة، غير الضلمة اللي دخلت قلبي.»
«كلهم بيتخانقوا مين هيكسر قلبي الأول، ومحدش عارف إن قلبي أصلًا اتكسر قبل ما يبدأوا.»
«يا أمي… إنتِ فين؟»
«أواجه الدنيا دي إزاي من غيرك؟»
«بجري عليكِ، بدوّر عليكِ في كل حتة، في كل ركن، وإنتِ مش هنا… مشيتي لمكان أنا مش قادرة أوصله.»
«كل ما أحاول أتعلم أعيش من غيرك، أكتشف إني مجرد ضِل للشخص اللي كنت عليه قبل ما تسيبيني.»
«عمري ما عرفت أتعوّد على غيابك… ولا كنت عايزة أتعلم أتعوّد.»
«وحشتيني… وحشتني كلامك، وضحكتك، ووجودك اللي كان منوّر حياتي.»
«مشتاقة لحد كان بيفهمني من غير ما أتكلم، من أول ما أرفع عيني وأبص له.»
«محتاجاكِ دلوقتي أكتر من أي وقت فات، لأني بقيت مش فاهمة نفسي من غيرك، ومش قادرة أستحمل الوجع ده لوحدي.»
مسكت صورة قديمة لأمها، حضنتها في صدرها، ونامت قدّام الشباك، وهي باصة للسماء، وبتكلم أمها عن كل الوجع اللي جواها.
______________________
تاني يوم، يزن راح جامعة أسيل تاني، وكان من بدري قوي. وقف مستنيها، لأنه بقى عارف شكلها دلوقتي ومش هيتعب وهو بيدوّر عليها.
أول ما شافها، جري عليها وقال: «ممكن نتكلم؟… آنسة أسيل، ممكن تديني شوية من وقتك؟… خمس دقايق بس… يا آنسة أسيل.»
أسيل وقفت مكانها، ونفخت بضيق، وطلّعت من شنطتها الدفتر بتاعها، وكتبت فيه: «أنا مش عايزة أتكلم معاك… ممكن تمشي؟»
يزن بصّ في الدفتر وقرا اللي كتبته، وبعدين رفع عينه وبصّ لها: «إنتِ ليه مش عايزة تتعالجي؟… وليه رافضة الناس بالطريقة دي؟!»
آه، هو شايفني مريضة دلوقتي، ومحتاجة علاج زي الباقي… ومش عارف إن علاجي مش عند دكتور!
بصّت له، والدموع لمّت في عينيها.
يزن لاحظ دموعها، وملامحه اتغيرت للقلق: «أسيل، إنتِ كويسة؟… في إيه؟… أنا قلت حاجة غلط؟… طب أنا آسف… آسف يا أسيل.»
سابته ومشيت على كليتها، وهو واقف مكانه، بيسأل نفسه: هو غلط في إيه؟ قال إيه غلط؟
قال بحزن وشفقة: «واضح إنها موجوعة من حاجة كبيرة، وكاتمة جواها، بس عينيها خانتها ومقدرتش تخبي.»
يزن راح شركة والده، وغطّس نفسه في الشغل عشان ما يفكرش فيها. شغل دماغه بأي حاجة تانية. ولما خلص، رجع البيت مع والده.
طلع أوضته، ولسه دماغه عند أسيل: هيتكلم معاها إمتى؟
حاول معاها كتير… وهي مش بتديله فرصة.
أبوها قال له إنها صعبة في التعامل، بس مكنش متخيل إنها بالصعوبة دي كلها!
هيعمل إيه عشان يكلمها؟
يقابلها تاني قدام الجامعة؟
لا… كده كده فشل مرتين.
قطع تفكيره صوت خبط على الباب، كانت مامته يسرى.
فتح الباب، فقالت: «مش هتنزل تاكل يا يزن؟»
يزن: «لا يا ماما، مش جعان. أنا تعبان قوي النهارده ومحتاج أنام.»
يسرى: «طيب، الأكل موجود لو جوعت.»
مشيِت، بس وقفت لما سمعت صوته بينادي: «ماما… هو بابا مش هيروح يزور م/ شريف في بيته تاني؟»
يسرى: «لا، رايحله النهارده عشان شغل. كان عايز ياخدك معاه، بس قال إنك تعبان وإنك اتبهدلت النهارده في الشغل، فمش هتعرف تروح معاه و…»
يزن ابتسم بسرعة، وجري حضنها بفرح: «دقيقة واحدة وأكون جاهز! قولي لبابا إني رايح معاه.»
يسرى رفعت حواجبها باستغراب…
من ثواني كان تعبان وعايز ينام، ودلوقتي بيجري ينزل مع أبوه!
إيه الحكاية دي؟
يزن بصّ لها: «عن إذنك يا ماما.»
يسرى: «طب ما تنزل تاكل الأول؟»
يزن بسرعة: «هغير وأنزل حاضر.»
قفل باب أوضته، وفضل يجري فيها زي طفل صغير.
أخيرًا لقاها… دي الطريقة الوحيدة اللي هيكلم بيها أسيل، ومش هتعرف تهرب منه زي كل مرة.
كان بينط من الفرحة، وغيّر هدومه في دقيقتين. لبس بدلته الشيك، حط ساعته، ورش من برفيومه، ووقف قدام المراية، يبصّ لنفسه ويتخيل وهو بيتكلم مع أسيل.
نزل مع أبوه، ومستعد يقابل أسيل…
والمرة دي مش هتهرب منه، وهيتكلم معاها غصب عنها… أكيد.

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية لا تخافي عزيزتي) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!