رواية لا تخافي عزيزتي الفصل الرابع 4 – بقلم مريم الشهاوي

رواية لا تخافي عزيزتي – الفصل الرابع

خبطت الخدامة على باب أوضتها، ويارا قامت من على السرير بالعافية… مش قادرة تقف على رجليها، وبتحاول تمشي وهي متلخبطة. مسحت دموعها وفتحت الباب.
عايزين حضرتك تحت.
قالت يارا بفتور: “قوليلهم تعبانة.”
كانت هتقفل الباب، بس سمعت صوت عمر: “لا تعبانة إيه؟!… ده أنا جاي آخدك وأطلعك من المود اللي إنتِ فيه… طنط رحاب بتقول إن نفسيتك متدمرة، وأنا جاي أشحنهالك.”
أول ما شافته قدامها ما فكرتش في حاجة غير إنها تحضنه وتعيط. عمر ابتسم وغمز لها غمزة لطيفة وقال: “يلا بسرعة جهزي نفسك.”
دخلها الأوضة وقفل الباب عليها، ونزل تحت وقابل مصطفى.
عمر: “مصطفى.”
مصطفى لف له ورحب بيه، فعمر سأله: “يارا مش طبيعية!”
مصطفى ضم شفايفه بحيرة وقال: “أيوة لاحظت كده… بس هي مش راضية تتكلم، وحالتها دي أول مرة أشوفها كده.”
عمر: “أنا بفكر آخدها عند علا أختي، تقعد معاها يومين.”
ظهرت رحاب من وراهم وقالت: “أهلا يا عمر يا حبيبي، عامل إيه؟ وإزي علا ووالدتك عاملين إيه؟”
عمر ابتسم: “كلنا كويسين يا طنط والله، وماما بتسلم على حضرتك.”
رحاب بابتسامة متكلفة: “الله يسلمها… كويس إنك كلمتني لما لقيت موبايل يارا مقفول. معلش، هي متضايقة شوية زي ما قلتلك، وبنحاول نطلع منها الكلام بالعافية.”
عمر: “أه… إمبارح لما كانت معايا وروحنا العيادة سوا، ولما خرجنا منها ما كانتش في أحسن حال. أنا خايف تكون اكتشفت إن عندها حاجة وحشة، بعيد الشر، ومخبية علينا، وده اللي مقلقها!”
مصطفى ورحاب وسّعوا عنيهم وقالوا في نفس الوقت: “عيادة؟!”
يارا نزلت في اللحظة دي وسمعت كلام عمر، فاتوترت وقالت بسرعة: “عمر، أنا جاهزة.”
رحاب بصتلها باستفهام وقالت: “عيادة إيه اللي رحتيها يا يارا؟”
يارا اتلخبطت وهي بتتكلم، وردت وهي بتحاول تخبي حاجة: “تعبت كذا مرة في الكلية، فقلت أروح أطمن على نفسي… مفيش حاجة يا ماما.”
رحاب بصت لعمر والقلق باين على وشها، وعمر حس في اللحظة دي إن يارا أكيد مخبية حاجة.
يارا ابتسمت لعمر وقالت: “يلا بينا؟”
مصطفى: “لو حابة تقعدي مع علا شوية مفيش مشكلة، إنتِ بتتبسطي معاها.”
يارا هزت راسها بابتسامة، ورحاب كانت باصة لها والشكوك جواها بتكبر أكتر.
مصطفى حضنها ووطّى صوته في ودنها: “يارا، لو مخبية حاجة قوليلي، عشان لو الموضوع كبير نلحقه من أوله.”
بعدت عنه، وابتسمت له يارا بتوتر، وكان العرق ظاهر على جبينها، فاستعجلت تمشي قبل ما تتكشف: “يلا… مع السلامة.”
راحت مع عمر وركبوا العربية. يارا تنهدت بضيق، وبعدين بصّت له وقالت وهي بتلومه: “إنت ليه تقولهم إني روحت العيادة إمبارح يا عمر؟”
عمر ما ردّش، وشغّل العربية ومشي. يارا فضلت تكلمه، بس هو كان ساكت خالص، سكوته كان مخوّف.
وقفوا بالعربية في مكان هادي شوية، شبه فاضي ومفيهوش ناس. عمر نزل من العربية، ولف وفتح باب يارا. مسكها من دراعها ونزلها، والغضب واضح على وشه.
يارا بلعت ريقها بتوتر وقالت: “عمر… إحنا ليه جينا هنا؟”
قرب منها، وهي فضلت ترجع لورا خطوة ورا خطوة، وهو يقرب أكتر. كلمته وصوتها باين عليه العياط: “عمر… خليني أمشي… أرجوك.”
عمر اتكلم بنبرة غضب متلخبط بالقلق: “لا يا يارا، مش هتمشي غير لما تقوليلي مالِك… أنا متأكد إن في حاجة، وإنتِ مخبياها… ريحيني وقوليلي، عشان أنا مش ماشي من هنا غير لما أعرف.”
الدموع لمّت في عنيها، وبصّت له بنظرة مكسورة. كانت خايفة تقوله إنها بتحبه، ودلوقتي بقت خايفة أكتر تقوله إنها حامل.
دمعة نزلت على خدها، وعمر شافها. ما عرفش ليه حس بغُصّة جامدة في قلبه أول ما شاف دمعتها. مسحها بصباعه، وحط إيده الاتنين على وشها، وبص لها بوجع وقال: “يارا أرجوكِ اتكلمي… أنا أول مرة أشوفك كده. في إيه؟ يارا قوليلي مالِك وأنا هساعدك، صدقيني. إحنا صحاب بقالنا سنين، وفاهمين بعض كويس. صارحيني، ومتخبيش عليا.”
فضلت ساكتة، لحد ما عمر قال: “كفاية تدمير في نفسك… حرام عليكِ اللي بتعمليه في نفسك ده. مفيش حاجة تستاهل إنك تعملي في نفسك كده، والأسوأ إنك تخبي وتكتمي جواكِ.”
بصّت له، والدموع مالية عنيها، وقالت: “صدقني أنا كويسة… أنا بس تعبانة شوية وعايزة أروح.”
بعد إيده عن وشها، ومشيت من قدامه، بس هو مسك دراعها ورجّعها قصاده تاني: “بلاش تعاني لوحدك… ممكن تتكئي عليا في مشاكلك. مانا ياما حكيتلك عن مشاكل كتير في حياتي، وتقاسمنا الحزن سوا. إنتِ كده أنانية… إحنا اتعودنا إن محدش يزعل لوحده، مش كده؟”
بصّت لقدّام بعيد، والدموع محبوسة في عنيها، وقالت بالعافية: “يا عمر… الموضوع مش بسيط زي ما إنت فاكر.”
رد عليها بهدوء: “أيًّا كان إيه… كوني متأكدة إني هحاول أساعدك فيه. ويا ستي لو… لو معرفتش أتصرف، نفكر أنا وإنتِ في حل، ومحدش في الدنيا دي هيعرف السر ده. ياما أسرار بينا محدش يعرفها غيري وغيرك، صح ولا لأ؟”
ميلت راسها لتحت بتعب، وزفرت بضيق.
عمر مسك دقنها ورفع وشها لفوق، وبص في عنيها وقال: “متمليش راسك كده يا أميرة… أصل تاجك هيقع.”
الكلمة دي فتّحت زهور قلبها، وعمر كان عارف كويس قوي إزاي يسقي زهور قلبها. ابتسمت، والدموع مليت عنيها.
ما استحملش يشوفها بالحالة دي، شدّها على صدره وحضنها، وفضل يمسح على راسها بحب وهو بيقول: “متحبسيش دموعك… عيطي يا يارا، محدش هنا شايفك، ولا أنا كمان… عيطي وطلعي اللي جواكِ، بس متحبسيش دموعك.”
كأنه معاه مفاتيح سجن دموعها، وفتح الباب وطلقهم. انفجرت في العياط، شهقاتها عليت، والبكا اتحول لصريخ وهي بتكرر: “أنا في مصيبة.”
عيني عمر املت دموع من حالتها، وصوتها المكسور. فضل يمسح على راسها ويحاول يهديها: “باااس… مفيش حاجة تستاهل كده، وربنا كبير… احكيلي إيه المشكلة ونحلها سوا.”
صرخت بوجع، وقالت كلمتين وقفوا قلب عمر كام ثانية: “أنا حامل.”
__________________________
هدير خلّصت شغلها في السوق، وراحت على شغلها التاني اللي هو محل طلبات منزلية. فجأة سمعت رنة موبايلها، طلّعت موبايلها البسيط وبصّت على الرقم، وملامح وشها اتغيرت للحزن. أخدت نفس طويل وردّت.
ألو… إزي حضرتك يا أستاذ فريد؟ يا رب تكون بخير.
فريد اتكلم بصوت عالي، الغضب باين فيه: “خير إيه بس يا هدير؟! هو الخير ده بييجي كده؟ ما إنتِ قولتيلي اصبر عليا في الإيجار أول الشهر، وقلت ماشي، بنت غلبانة ومعاها طفلين. أهو الشهر خلص، وبقى عليكِ شهرين! وإنتِ عاملالي فيها عبيطة ومستغلة طيبتي؟! أنا اتعاملت معاكي بالذوق، بس الظاهر إن الطيبة مبتنفعش مع اللي زيك!”
هدير غمضت عنيها بانكسار وقالت: “حاضر… هخلص شغلي وهعدّي على حضرتك أديك إيجار شهرين، وحقك عليا يا أستاذ فريد. حضرتك عارف ظروفي، وربنا يفك كروبنا.”
قفلت المكالمة وقلبها واجعها. مش عارفة هتجيب منين الفلوس دي كلها؟ وكمان النهارده!
نفسها ما استحملتش تسمع إهانات تاني، فاستعجلت في قرارها إنها تديه فلوسه النهارده وخلاص.
بعد ما خلصت شغلها في المحل، راحت لصاحب المحل، مع إنها دايمًا بتتجنب إنها تقابله، بس مفيش في الإيد حيلة.
صاحب المحل بصّ لها بنظرة شهوانية زي عادته، وفضل يفحص جسمها بعنيه، كأن عينيه هتقطع هدومها من كتر التحديق.
هدير ما كانتش لابسة لبس يبين جسمها، كانت لابسة عباية سودا وحاطة طرحة على راسها، وده بالذات اللي كان بيزيد فضول صاحب المحل، ويشغّل دماغه، ويفضل يفكر: يا ترى إيه اللي مستخبي تحت الهدوم دي؟
هدير بصّت له باشمئزاز، وكلمته وهي مكسوفة وباصّة في الأرض: “إزي حضرتك يا أستاذ وليد؟”
وليد ابتسم وقال: “أهلا أهلا يا هدير… تؤمري بإيه؟”
هدير: “الأمر لله وحده. أنا كنت عايزة أطلب من حضرتك سُلفة بس الشهر ده، تديني نص المرتب، لأني مزنوقة في شوية فلوس. أنا آسفة بجد، بس للأسف معنديش حل تاني، ومفيش حد أعرفه ممكن يساعدني في المبلغ ده.”
قام من مكانه وقرّب منها، وبقى باصصلها ومنزل عينه على كل تفصيلة في جسمها: “عايزة كام؟”
هدير اتلخبطت وهي بتتكلم بإحراج: “أنا عارفة والله إن المحل مش ناقص، وإن الفترة دي صعبة أطلب طلب زي ده، بس أنا بجد…”
وليد قاطعها: “مفيش بينا الكلام ده يا هدير… إحنا أهل برضو. عايزة كام؟ قولي الرقم وأنا أديهولِك.”
هدير: “ألفين.”
وليد ابتسم، وطلع المحفظة من جيبه، وكانت مليانة فلوس. عدّ الفلوس واداها لها في إيديها: “خدي، اعتبريهم سُلفة مني، ومرتبك هتاخديه كامل زي ما هو. سدديهم بقى زي ما تحبي، ولو احتاجتي أي حاجة تانية قوليلي. إنتِ تؤمري يا جميلة، لو طلبتي عيني أديهالك يا قمر.”
كانت مقروفة من طريقته ونظراته الوقحة اللي من غير أي كسوف، بس كانت مجبورة تستحمل. خدت الفلوس وشكرته، ولفّت تمشي وتروح بيتها.
وهي ماشية في طريقها للبيت، حست بظل ماشي وراها. لفت وبصّت، لقت وليد وراها، بيشرب سيجارة وبيبتسم لها. أول ما شافته القلق دخل قلبها. هو قرب منها أكتر، وكان حاسس بخوفها، وده كان مبسوطه.
قرّب منها ومدّ إيده واداها كيس فيه شوية أكل: “خدي.”
هدير بصّت للكيس باستغراب: “إيه ده؟”
وليد: “دول شوية أكل ليكِ ولإخواتك… ما هو برضو الجسم الصاروخ ده محتاج يتغذى، ولا إيه؟”
عينيها وسعت من الصدمة… إزاي يتكلم معاها بالجرأة دي؟! كلمته بغضب وهي بتحاول تمسك أعصابها: “أستاذ وليد، إلزم حدودك معايا، وإلا…”
قرّب منها أكتر: “وإلا إيه؟ ها؟”
قالت بنبرة تهديد: “هصوّت، ولمّ عليك الشارع كله.”
وليد ضحك بسخرية: “شارع إيه بس؟ الطريق ده مفيهوش حد خالص، وإنتِ دايمًا بتمشي منه عشان بيختصر عليكِ المسافة وبتوصلي أسرع. يعني محدش هيسمعك يا قمورة… تعالي بقى نتفق… إيه رأيك في ليلة، وبالمبلغ اللي إنتِ تحبيه؟”
قد ايه هو حقير!
بصّت له باحتقار وتفت في وشه بإهانة، ولفّت ومشيت من قدامه وهي مسرّعة في خطوتها.
وليد اتصدم من حركتها دي، والغضب ولّع جواه. مسح ريقها من على وشه في هدومه، وجرى وراها وهو بيتوعد، ومسكها من دراعها بعنف:
“بقى دي كلمة شكر على الفلوس اللي خدتيها؟؟؟”
هدير صرخت في وشه:
“اوعااا… سيبني يا حيوان!”
قرب منها وهمس جنب ودنها:
“ما هو لازم تشكريني بالطريقة اللي تعجبني.”
لمس دراعها بشهوة، ونزل بعينيه على شفايفها:
“إنتِ محتاجة اللي يقدّرك يا هدير… إنتِ كنز يا هدير… تعالي معايا وأنا أخليكي ملكة بدل ما إنتِ متبهدلة في تلات شغلانات كده… هتتبسطي صدقيني… لازم بنت جميلة زيك تتقدّر.”
حاولت تفلت منه، بس كان أقوى منها ومسيطر على حركتها. هدير صرخت بأعلى صوتها وهي بتستنجد بأي حد، ووليد فضل يقربها لجسمه ويحاول يبوسها.
دموعها نزلت على خدودها، وكانت بتحاول تزقه وتبعده عنها.
وفجأة ظهر شخص من ورا وليد وضربه على دماغه بخشبة.
وليد ساب هدير وصرخ من الوجع وهو حاطط إيده على راسه، وبص وراه وشاف مصطفى، اللي كان باين عليه الخوف، لأنه عمره ما اتخانق مع حد قبل كده. اتكلم وهو بيتلجلج:
“لو… لو قربت منها تاني… مش هتشوف خير أبداً… ابعد عنها وسيبها.”
وليد بصله بغضب، وراح ضاربه في وشه بإيده، وركله برجله في بطنه. مصطفى وقع على الأرض بيتألم، وحاول يقوم بس مقدرش، وكان باصص لهدير اللي واقفة مرعوبة ومش عارفة تعمل إيه.
وليد مسك الخشبة اللي كانت وقعت من إيد مصطفى وهو واقع، وفضل يضربه بيها بغضب، ومصطفى بيتأوه من شدة الألم.
هدير جريت بسرعة وسبتهم، ومصطفى كان باصص لها من بعيد وهو بيتوجع، بس قلبه اطمن عليها.
هي بخير دلوقتي… أنا مش مهم… هدير بخير، وده كفاية.
___________________________
يزن راح مع أبوه عبد الله بيت شريف عشان يتكلموا في شغلهم ويتناقشوا في أمور العمل.
شريف رحّب بيهم، وقعدوا على الكنبة، ويزن كان باصص حواليه في كل حتة في البيت، عينيه بتدور عليها، نفسه يشوفها، بس أسيل ما ظهرتش.
شريف اتكلم وقال لهم:
“رحاب برا مع صحابها، والولاد مش في البيت. قولت دي أحسن فرصة إننا نتكلم من غير دوشة ونظبط أمورنا في المشروع الجديد، خصوصًا إن محدش يعرف عنه حاجة غيرنا.”
يزن ركّز مع كلامه، وقال بعفوية:
“وبنت حضرتك مش في البيت برضو… أسيل؟”
عبد الله بص له باستغراب من سؤاله… إمتى ويزن يهتم ببنت كده؟
شريف رد وهو بيوضح:
“لا، أسيل في البيت… بس مبتحبش تخرج، زي ما قولتلك، عازلة نفسها، ونادرًا لما تطلع من أوضتها، حتى مبتقعدش معانا على السفرة وقت الأكل.”
يزن اتنهد براحة، وضحكة طفل صغير اتحركت جواه، حس إن خطته ماشية زي ما هو عايز.
حاول يركز معاهم في كلام الشغل، بس باله كان مشغول بيها، زي العادة.
قام من مكانه وقال إنه رايح الحمّام، وهو ماشي كان بيفكر: هيشوفها إزاي؟ وهيفتح معاها كلام إزاي؟
فكّر يا يزن، فكّر… دي الفرصة الوحيدة إنك تكلمها، ولازم تستغلها صح.
يطلع فوق لأوضتها؟ لا، لا… ولو حد شافه؟ هيقول إيه؟ وإيه المبرر إنه يطلع لأوضتها؟
بس أنا عايز أكلمها… زهقت من اللفة دي. كل الفرص اللي كانت تيجي له عشان يكلمها، كانت بتسيبه وتمشي.
لو طلع أوضتها، مش هتعرف تروح فين؟ هتهرب منه إزاي وهو في بيتها؟
بس إزاي هيطلع أوضتها؟
لقيتها… هاختبئ وأطلع فوق من غير ما حد يشوفني.
لأ يا يزن! انت مجنون! دي مش تصرفات شخص كبير… هتتصرف زي الحرامي كده؟
بص لمحبس المية، وفجأة لمعتله فكرة في دماغه.
وبعد كام دقيقة…
طلع من الحمام ونادى على الخدامة وسألها:
“فيه حمام تاني في الأرضي؟ لإن المية مش شغالة في الحمام ده للأسف.”
الخدامة ردّت ورافعه حاجبها بشك:
“المية فيها مشكلة؟”
يزن هز راسه بالموافقة.
الخدامة اعتذرت وقالت:
“بعتذر يا حضرتك… هشوف المشكلة. وحضرتك ممكن تطلع الحمام اللي فوق، لإن للأسف مفيش غير الحمام ده في الأرضي، بس فيه واحد فوق ممكن حضرتك تستخدمه.”
يزن ابتسم ابتسامة انتصار، وطلع فوق، واستغل إن شريف وعبد الله مشغولين بالشغل. وقف نص الطرقة في الطابق العلوي وبص على الأوض بحيرة وقال:
“المهمة التانية… أعرف أنهي واحدة أوضتها… دي… ولا دي… ولا دي… ولا دي؟”
حط إيده على راسه بإرهاق وقال:
“أوف… أنا بتعب إني أوصلك كده ليه!!”
سمع صوت رجلي على السلم، ففر بسرعة، ودخل أوضة عشوائية وقفل الباب بسرعة.
خبّى نفسه جواها، بس اتفاجئ إن حد فتح باب الأوضة اللي هو فيها… لعن حظه، ركض على الشرفة وقفل بابها بهدوء، وشاف شريف هو اللي دخل الأوضة وكان بيدوّر على حاجة. هو كان شايف شريف، بس شريف ما كانش شايفه، ده طبيعي بسبب زجاج الشرفة.
كان خايف، كأنه حرامي بجد وبيختبئ من صاحب البيت عشان ما يشوفوش!
ليه حط نفسه في الموقف المحرج ده؟؟… لما يسيب دماغه تمشيه، بيقع في ورطة.
أطال يزن الانتظار لحد ما يخلص شريف من الأوضة، بس فضل قاعد على مكتبه قدام الأوراق.
يزن قال في نفسه:
“يارب ينزل من الأوضة، وأنا والله هانزل وراه وهابقى بعيد عن موضوع أسيل ده خالص… يارب بس طلّعني من الموقف ده بأي طريقة من غير ما أتحرج وأحرج أبويا.”
بعد كام دقيقة، شاف أبوه طلع للغرفة هو كمان ووقف قدام مكتب شريف، بيتكلموا في الشغل. عيني يزن اتسعت وقال في نفسه:
“إيه اللي عملته في نفسي ده؟؟… هاطلع من الأوضة إزاي دلوقتي؟؟… آاااخ يا يزن… بطل التصرفات دي المرة الجاية هنروح في داهية… تخيل لو شافوك؟… ونظرة شريف ليك هتبقى عاملة إزاي؟؟… وأبوك هيقول إيه؟… يا مصيبتك السودة… أنا مني لله، دي غلطتي إني بسمع كلام واحد أهطل زيك!”
وقف على سور الشرفة وبص لتحت… المسافة كانت بعيدة، فكر وقال:
“مفيش مواسير أتشبك فيها؟”
صمت شوية، وبعدين ضحك وقال لنفسه:
“بس إيه يا واد يا يزن الأفكار دي؟… ده أنت طلعت حرامي قديم وأنا معرفش!”
ولمح نافذة جنب الشرفة بتاعة أوضة تانية… المسافة بين الشرفة والنافذة كانت صغيرة شوية.
مد إيده بصعوبة لحد ما وصل للزجاج وحاول يفتحه، وفتح بسهولة لأنه ماكنش مقفول من جوه. حمد ربنا وجمع قواه عشان اللي هيعمله بعد كده.
قال لنفسه:
“إيه… بتفكر تنط للشباك؟”
رد على نفسه:
“للأسف ما عنديش حل تاني… لازم أطلع من الورطة اللي حطني فيها الجزمة القديمة اللي في دماغي دي… مهو استحالة يكون دماغي بيفكر كده زي باقي الناس… أنا ليه حاسس إني دخلت هندسة بالواسطة؟”
يا لها من مغامرة… فعلاً يا أسيل، انتِ خلّيتي أذوق طعم وظيفة اللصوص… لما أشوفك هاشكرك على اللي عملتيه بي.
رفع رجله على سور الشرفة، ومسّك الحيطة اللي بين النافذة والشرفة، وحط رجله الأولى جوه النافذة، وبعدين نقل التانية بهدوء، وهو بيوازن نفسه بصعوبة عشان ما يوقعش. دخل رجليه الاتنين جوه النافذة، وقعد على سور النافذة بياخد نفسه بصعوبة… عمره ما تخيل إنه هيعدي بالموقف ده، وده كان تفكيره كله.
قفز من النافذة جوه الأوضة، ولّف وقفل النافذة كأن مفيش حاجة حصلت.
قال لنفسه:
“أنا هاطلع من الأوضة دي، وشريف بيقول مفيش حد في البيت وهما الاتنين في الأوضة التانية، فمحدش هيشوفني وأنا خارج قشطة.”
الأوضة كانت مضلمة… فكر يولع نورها، بس خاف حد يشوفه ويحس بوجود حد جواها، ويتكشف.
فكر يزن يفتح كشاف موبايله الشخصي عشان ينور له الطريق لحد باب الأوضة ويطلع منها بسلام من غير ما يعمل صوت، أو يوقع حاجة، أو رجله تتعلق بحاجة فيقع ويطلع صوت.
ولما فتح الكشاف ووجهه لقدام عشان ينور له الطريق، فجأة صرخ بأعلى صوته من الخوف لما شاف مرة واقفة قدامه، شعرها مغطّي وشها كله، وممسكة بمزهرية في إيدها ومتجهة نحوه… المنظر كان كأنه من أفلام الرعب. وعيني المرة دي كانت مش باينة، أو يمكن أصلاً ماكانتش لها عيون!
قال في نفسه:
“دي نهايتي؟ شبح هي ولا إيه؟ لازم أقول الشهادة ولا أستعيذ من الشيطان؟”
وقع على الأرض ورجع لورا، وبدأ يزيح جسمه برجله عشان يبعد عنها… وهي فضلت تقرب منه. هو كان بيصرخ من الخوف ويردد:
“انصرف… أعوذ بالله من الخبث والخبائث… أعوذ بالله من الشيطان الرجيم… قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس…”
كاد يقرأ القرآن كله في اللحظة دي من شدة الرعب.
الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية لا تخافي عزيزتي) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!