رواية اذا أراد النصيب الفصل الثاني والعشرون 22 – بقلم بتول عبد الرحمن
أول ما فارس دخل وقف مكانه، اتجمد في مكانه، أنفاسه اتسحبت فجأة، وعقله احتاج ثواني يستوعب اللي شايفه.
لارا واقفة قدامه لابسة حجاب، حجاب بسيط، لونه هادي، ملفوف بنعومة حوالين وشها، كانت هادية جدا وملامحها هادية وصافية.
لارا كانت متوترة، باصّة للأرض، صوابعها بتفرك في بعض بعصبية واضحة، أكتافها مشدودة كأنها مستنية حكم أو رد فعل.
فارس حس بقلبه بيدق جامد، خطى خطوة لقدام وبص لسلمى اللي ابتسمت وهزت راسها.
فارس أخد نفس، قرب خطوة واحدة بس، صوته طلع واطي لكنه ثابت
“الحجاب بيتلبس أصلًا عشان يقلل الجمال… مش يزوده.”
سلمى ابتسمت أكتر وقالت بثقة
“هيا لارا أصلًا حلوة.”
لارا رفعت عينيها ببطء لأول مرة وبصت لفارس، عيونها كانت مليانة قلق وسؤال واحد واضح، صوتها طلع خافت
“شكلي حلو؟”
فارس مترددش، بصلها بنظرة فيها إعجاب حقيقي وفيها خوف في نفس الوقت وقال
“ودي المشكلة أصلًا.”
شاورت على سلمى وقالت
“سلمى اللي قالتلي ألبسه… بس أنا معنديش لبس، فهيا ادتني.”
فارس اتحرك فجأة كأنه أخد قرار
“ننزل دلوقتي مخصوص نشتري.”
لارا فتحت عينيها بدهشة
“بجد؟”
“طبعًا بجد.”
لف ناحية سلمى وقال بصوت واطي شوية بالعربي
“بس اختاري يا سلمى طقم ألوانه أغمق شوية… مش عايزها تبقى ملفتة.”
سلمى هزت راسها ولارا استغربت وسألت
“في إيه؟”
فارس رد بهدوء
“مفيش، غيري هدومك وأنا مستنيكي بره.”
“ألبس هدومي التانية يعني؟”
بصلها بجدية
“لا طبعًا، هدومك التانية دي تنسيها خلاص، سلمى هتديكي طقم تاني ألوانه أغمق علشان ده ملفت.”
لارا ابتسمت ابتسامة صغيرة وهزت راسها
“أوكي.”
فارس خرج وأول ما قفل الباب وراه سلمى بصت للارا وقالت بنبرة انتصار خفيفة
“قولتلك هينبهر.”
لارا ضحكت بهدوء
“أخدت بالي… بس هو كان بيقولك إيه؟”
“كان بيقولي اللي قالهولك، أختارلك طقم أهدى.”
لارا هزت راسها بتفهم، وسلمى فتحت الدولاب وابتدت تقلب فيه.
لارا خرجت من الأوضة بخطوات مترددة، الاستايل كان بسيط، ألوانه أغمق فعلًا، بس الغريب إن بساطته كانت مخلّياه أجمل، الحجاب كان مظبوط عليها ووشها باين هادي، فارس أول ما شافها، سكت، سكت أطول من اللازم وبعدين زفر نفس طويل وقال بنبرة فيها استسلام أكتر ما فيها اعتراض
“وبعدين بقا…”
لارا وقفت قدامه، بصتله باستغراب خفيف
“في إيه؟”
قرب خطوة، لف حوالين نفسه وبعدين قال وهو بيهز راسه
“ده كمان ملفت.”
لارا رفعت حواجبها، نبرتها بقت بين الضحك والضيق
“طب أعمل إيه؟”
فارس رد بسرعة وكأنه حسم الموضوع
“ولا حاجة… أنا اللي هعمل.”
سكت لحظة، وبص لسلمى بنظرة جانبية، وبعدين قال بهزار نصه جد
“هنقّبك.”
لارا سألت بعدم فهم
“قولت إيه؟!”
سلمى ضحكت وهيا بتضربه بخفة على دراعه
“حرام عليك يا فارس مره واحده كده.”
فارس ابتسم ابتسامة مهزومة وبص تاني على لارا وقال بنبرة فيها غيرة خفية
“دي حلوة في كله… ده لون عينيها بان أكتر في الحجاب.”
لارا كانت واقفة تايهة، مش فاهمة السياق ولا الكلام وقالت بصوت واطي
“أنا مش فاهمة.”
سلمى قربت منها وربتت على كتفها وقالت بابتسامة
“كويس إنك مفهمتيش.”
فارس بصلها وقال بهدوء مصطنع
“مش مهم يا لارا… يلا.”
لارا هزت راسها، مسكت شنطتها ومشيت وراه بهدوء.
سلمى دخلت أوضة شيري بهدوء لقتها قاعدة على طرف السرير وسرحانة لدرجة انها مخدتش بالها من وجودها، سلمي حركت ايديها قدام وشها وشيري بصتلها وقالت بنبرة مهزوزة
“آسر كلّمني.”
سلمي قعدت جنبها وقالت
“بجد؟! قالك إيه؟!”
شيري بلعت ريقها وقالت بتوتر
“ده… ده عايز ياخد معاد مع فارس.”
سلمى صاحت بفرحة
“ياااه! أخيرًا! عندنا عروسة”
شيري كشّرت، مدت إيدها تزقها بخفة
“اسكتي بقا، أنا متوترة!”
سلمى ضحكت
“طب قوليلي، انتي قولتيله إيه؟”
شيري بصت في الأرض وقالت بصوت واطي
“هقول إيه يعني… قفلت السكة في وشه طبعًا.”
سلمى فتحت بوقها بصدمة
“يخربيتك! ليه كده؟!”
شيري رفعت أكتافها بحيرة
“مش عارفة… اعمل إيه يا سلمى؟! أنا حاسة ان الدنيا داخلة في بعض.”
سلمى مسكت إيديها بحنية
“بصي، هو أكيد هيكلمك تاني، الراجل واضح إنه جد.”
شيري بصتلها بقلق
“تفتكري؟”
سلمى هزت راسها بثقة
“طبعًا، وساعتها انتي تعملي إيه؟ تديه رقم فارس وبس، ولا كأنك تعرفي حاجة”
شيري سكتت لحظة، وبعدين هزت راسها ببطء وهيا بتقول
“يمكن… يمكن عندك حق.”
سلمى ابتسمت، قامت من جنبها وقالت وهي بتغمز
“ثقي في اللي جاي يا شيري… المرادي الموضوع مختلف.”
خميس جديد والكل متجمع، السفرة واخدة شكلها المعتاد، الكل ساكت تقريبا والجو هادي، حنان بصت لزيزو وقالت بنبرة فيها عتاب خفيف
“يعني ينفع كل دي غيبة؟”
زيزو اتنهد وهو بيعدل قعدته وحاول يخفف الجو شوية
“غصب عني والله، هو أنا عمري طنشت؟”
حنان هزت راسها وكملت وهيا بصاله بتركيز
“ده أنا كنت هكلمك الخميس اللي فات في موضوع.”
زيزو ابتسم ابتسامة جانبية وقال
“كلميني فيه النهارده يا ست الكل.”
حنان وطت صوتها شوية كأنها بتقول سر
“شوفتلك عروسة.”
زيزو رفع حواجبه بسرعة وقال بفضول مصطنع
“حلوة؟!”
حنان ردت بسرعة
“زي القمر.”
قبل ما زيزو يلحق يعلّق، فارس دخل على الخط وقال بسخرية
“ده اللي بيهمه… سطحي مووت.”
زيزو لف وشه لفارس ورد بثقة
“أومال انت اللي هتهمني يسطا؟ ما هو عايزين نشوف بنات حلوة بقا ونعيش.”
فارس ضحك
“يا حبيبي اللي قدّك خلاص جابوا بنات حلوة، مش بيدوّروا عليهم.”
حنان اتدخلت بسرعة
“قول لنفسك.”
فارس لف راسه وبص على لارا اللي كانت قاعدة جنبه وقال
“ما خلاص، دخلنا الطريق.”
لارا بصتله باستغراب، مش فاهمة السياق كله بس ابتسمت ابتسامة بسيطة كأنها بتحاول تواكب الجو من غير ما تسأل ،زيزو رجع يتكلم وهو بيضحك
“ده احنا اللي قدّنا اتجوزوا التانية… لا مؤاخذة يا حاج خالد.”
خالد رفع راسه بهدوء وقال بثبات
“مؤاخذتك معاك.”
الكل ضحك ما عدا تيا اللي كانت باصة لزيزو بحزن وهو مبصلهاش ولا مرة ولا كأنها موجودة حتى.
بعد الغدا وبعد ما الكل اتغدى السفرة كانت بتتلم، تيا كانت واقفة عند طرف السفرة بتلم الأطباق واحدة واحدة على مهل وايديها بطيئة بطريقة مقصودة، عينيها على الأطباق بس ودانها شغّالة على الآخر معاهم، مع زيزو اللي كان قاعد جنب حنان مميل ناحيتها ومركز مع كلامها، حنان كانت فاتحة موبايلها، بتقلب في صور، وكل شوية ترفع الشاشة قدامه
“شايف؟ دي بقا”
“آه… حلوة”
الكلمة طلعت منه هادية بس نزلت على ودنها تقيلة، إيديها وقفت لحظة وبصت عليهم، حنان قربت الموبايل أكتر وقالت
“بقولك زي القمر”
زيزو ابتسم ابتسامة صغيرة وحنان مدحت فيها كتير وفي نهاية مدحها قالت برضا
” وغير كده بنت محترمة وبنت ناس.”
زيزو رد وهو لسه باصص للموبايل
” بس دي بسكوتة مش هتنفع مع امي دي”
الجملة دي تحديدًا حرقتها، بصّت ناحيتهم لا إرادي، نظرة سريعة، جامدة، هو بصلها لثانية بس مهتمش وهيا رجّعت عينيها للأطباق بسرعة.
سلمى جت ومدّت إيديها تاخد طبق وقالت باستغراب خفيف
“انتي بقالك ساعة، في إيه؟”
تيا اتنفضت وكأنها اتفاجئت بالسؤال وردت من غير ما تبصلها
“بلمّ اهو.”
شالت الأطباق ومشيت بخطوات سريعة ناحية المطبخ.
بعد دقايق طويلة زيزو لمح تيا واقفة في البلكونة، ضهرها ليه، بتبص تحت في الشارع وسرحانة شوية، وقف لحظة قبل ما يتحرك ناحية البلكونة، مسك الفون وحطه على ودنه وقال بصوت عالي شوية ومقصود
“أيوه كده سامعك… سامعك أهو”
تيا بصّتله بطرف عينيها ورجعت بصّت لتحت علطول، هو قرب خطوة منها، وقف جنبها شوية وكمل وهو عامل نفسه مش واخد باله منها
“المكان اللي أنا واقف فيه فيه شبكة زي الفل”
سكت ثانية، مستني يدي لنفسه دور، وبعدين قال بنبرة فيها خُبث متغلف باللامبالاة
“شكلي ناوي قريب أدخل دايرة المتجوزين… حنونة جابتلي عروسة قمر، كل حاجة فيها حلوة، شكلها هادي كده، وبسكوته”
تيا قلبها اتقبض، غصب عنها رفعت عينيها وبصّتله، وهو كانت عينيه عليها من الأول، أول ما شافها بتبصله لف وشه في حتة تانية بسرعة وكمل تمثيل
” بس اخاف عليها من امي والله”
سكت شوية، وبعدين كمل ببرود
“البت خيال، ومش لمضة خالص، بفكر أخد رقمها وأكلمها”
تيا كانت واقفة جامدة بس جواها نار، هو كمل
“طيب خلاص، هشوف الموضوع وأقابلها”
وقّف المكالمة الوهمية وحط الفون في جيبه ووقف جنبها بالظبط بس كأنه مش شايفها اصلا، تيا كانت باصة قدامها، عينيها بتلمع بغيظ مكتوم لحد ما انفجرت
“ما هو يا إمّا إنت واحد كداب… يا إمّا أنا اللي غبية”
زيزو بصلها ورجع بصّ قدامه وسكت، وسكوته بالنسبالها كان اقسى رد فقالت بغيظ
“بكرهك يا معاذ”
قالتها وهي بتلف تمشي بس إيده كانت أسرع، مسك دراعها جامد وقفها مكانها، تيا اتنفضت وشدت دراعها بوجع
“دراعي”
مهتمش بوجعها، بصلها بقسوة وصوته طلع بارد، ناشف
“ما تقولي دوغري… إنتي عايزة إيه؟”
بصتله بعيون مليانة نار ووجع
“مش عايزة أشوف وشك تاني، إنت واحد كداب ومنافق”
ضحك ضحكة قصيرة بسخرية ورد بمنتهي البرود والقسوة
“معلش، تعالي على نفسك ساعتين كل أسبوع وشوفيه، أنا مش باجي هنا عشان خاطرك يعني… إنتي ولا تعنيلي أي حاجة أصلًا”
قرّب أكتر، وخبط بإيده خبطه خفيفة على خدها بس كانت مهينة أكتر ما كانت مؤذية
“فوقي يا تيا، إنتي مجرد عيلة لا روحتي ولا جيتي، ويظهر كده إني غلطت لما محطتش حدود من الأول واتماديت مع عيلة”
سكت لحظة وبعدين كمل بقسوة اكتر
“وغلطت مرة كمان لما شوفت العيلة واحدة… بس الحمد لله اني لسه على البر، ولسه أقدر ألحق نفسي”
تيا بعدت خطوة، دموعها لمعت في عينيها وبصتله بكره
“بكرهك… بكرهك… بكرهك”
ومشيت بسرعة قبل ما تنهار قدامه وهو فضل واقف مكانه، صدره بيعلى ويهبط بعنف، الكلمة وجعته أكتر ما كان متوقع، بصّ قدامه بغيظ، شد فكه جامد.
هو مكانش ناوي يوجعها للدرجة دي، بس هيا كمان آخر مرة وجعته.
تيا خرجت بسرعة، حاطة إيديها على بوقها كأنها بتخنق صوتها، خرجت بسرعة من الشقة كلها متجاهلة كل النداءات اللي تخصها، الكل استغرب من منظرها، شيري كانت أول واحدة قامت وقالت بقلق
“هشوف مالها.”
طلعت وراها وسمية كمان قامت بقلق ورا شيري، طلعوا الاتنين وخبطوا على الباب بس مفيش رد، تيا كانت جوه صوتها مكتوم، نحيب بيزيد وأنفاسها بتطلع تقيلة، سامعاهم بينادوا بس مهتمتش، كلامه بيرن في دماغها، مش جملة واحدة بالتحديد… لا، كله.
الاحتقار.
التجاهل.
السخرية.
إنه شايف غيرها.
الوجع مكانش في قلبها بس، كان في كرامتها، قامت من مكانها وهيا تايهة، خطواتها مش ثابتة، دماغها بتلف، دخلت أوضة باباها ومامتها، وقفت لحظة وبصت حواليها لحد ما لقت علاج باباها بتاع الضغط، هيا عارفة كويس أن جرعة زيادة منه بتموت وبرغم كده خدته وإيديها بتترعش وراحت ناحية المطبخ متجاهلة أي نداء أو خبط.
سمية قالت لشيري
” انزلي هاتي المفتاح من تحت”
شيري نزلت بسرعة وسمية فضلت تخبط على الباب بس مفيش اي رد، تيا بصت للدوا في ايديها بتردد ومن غير ما تفكر اكتر حطته في بوقها وشربت الميه بعده علطول وقعدت على الأرض وهيا بتعيط، ثواني وسمية وشيري كانوا في الشقة، راحوا ناحية اوضتها لقوها فاضية فدوروا عليها، شيري دخلت المطبخ وهيا بتدور عليها وأول ما شافتها اتصدمت، وشّها شاحب، عيونها حمرا ومنفوخة، وشكلها باين عليه الإنهاك.
قالت بلهفة وهيا بتقرب منها
“تيا في إيه؟ مالك؟!”
تيا بصتلها، نظرة واحدة كانت كفاية تحكي كل اللي هيا حاسة بيه في اللحظة دي، صوتها طلع مكسور، واطي
“تعبت من كل حاجة… أنا مش حمل كل ده يا شيري… تعبت.”
شيري قربت منها فورًا، مسكت وشها بين إيديها وقالت
“لا لا انتي مش لوحدك، فاهمة؟ عمرك ما كنتي لوحدك.”
وضمتها وهيا بتنادي
” تيا في المطبخ يا طنط”
سمية جت بسرعة ولقتها على الأرض وشيري جنبها، نزلت لمستواهم وبصت لتيا بس كانت غابت عن الوعي في اللحظة دي، حاولت تفوقها، تجيبها يمين تجيبها شمال بس مفيش رد.
“عملنا غسيل معدة ولحقناها، أخدت جرعة كبيرة من دوا ضغط وده خطر وبيسبب الوفاة، بس الحمد لله إنكم لحقتوها على طول.”
الكلام وقع عليهم تقيل، سكون غريب سيطر على المكان، سمية حطت إيديها على قلبها بقهر وعيونها مليانة دموع، وتيام قرب خطوة وسأل بصوت مخنوق
“وهيا أخدت دوا ضغط ليه؟!”
أشرف حس بدوخة مفاجئة، جسمه مال وتيام سنده بسرعة وهو ماسكه من دراعه، زيزو كان واقف بعيد شوية، ساكت، بس الكلام كان بيترن في دماغه تاني وتالت… دوا ضغط… جرعة كبيرة… موت.
شيري كانت واقفة جنب سمية، قربت وقالت بقلق واضح
“هيا هتفوق إمتى طيب؟”
الدكتور رد بهدوء
“شوية وهتفوق وتقدر تروح كمان، حمد الله على السلامة.”
وبعدها انسحب وسابهم واقفين مكانهم، كل واحد فيهم حاسس برهبة من اللي حصل
بعد شوية كانوا كلهم متجمعين عندها في الأوضة، فارس وسلمى واقفين جنبها ، حنان قاعدة وعيونها مليانة قلق، سمية، أشرف وتيام جنبها.
تيا كانت فاقت، عيونها مفتوحة بس فاضية، باصة في السقف كأنها مش شايفة حد، كل اللي حواليها كانوا بيتكلموا في نفس الوقت تقريبًا
ليه عملتي كده؟
إيه اللي وصلك لكده؟
مالك يا بنتي؟
بس هي ولا كأنها سامعاهم، ولا كلمة طلعت منها، دموعها بس كانت نازلة في هدوء، دموع تقيلة، صامتة، وكأنها مش قادرة حتى تعيط بصوت، لامبالاة غريبة، مش مهتمة بتفسير، ولا بدفاع، ولا حتى بوجودهم.
برّه الأوضة، زيزو كان واقف لوحده، ضهره للحيطة، راسه لتحت، مش قادر يدخل، قلبه تقيل، الذنب خانقه، وبيفكر كل كلمه قالهالها، فارس خرج من الأوضة وشافه واقف، قرب منه وقال بنبرة هادية بس فيها عتاب
“إنت بتعمل إيه؟ جاي تقف هنا؟”
زيزو رفع عينه بصعوبة وقال
“كان معايا فون… هيا عاملة إيه؟”
فارس رد
“الحمد لله… بس مش راضية ترد على حد ولا تقول عملت كده ليه.”
زيزو بلع ريقه وقال بتردد
“وشيري؟ متعرفش؟ هيا قريبة منها.”
فارس هز راسه
“لاء”
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح وخرج أشرف ومعاه شيري، ملامح أشرف كانت باينة عليها التعب والذعر، صوته طلع مهزوز وهو بيقول
“حاولي يا شيري تعرفي إيه اللي وصلها لكده، انتي عارفة إنها بتقولك كل حاجة، أنا هتجنن من كلام الدكتور… دي لسه عيلة صغيرة لا راحت ولا جت عشان تفكر في الانتحار.”
شيري هزت راسها
“حاضر… لما نروح هقعد معاها واعرف إيه اللي حصل.”
فارس قرب خطوة وقال
“أنا شايف محدش يضغط عليها، سيبوها النهارده ترتاح.”
وبص لشيري تحديدًا وأضاف
“وانتي يا شيري، باتي معاها النهارده، علشان متعملش حاجة تاني.”
أشرف اتنهد تنهيدة طويلة وقال
“عندك حق… يبقى نتوكل على الله.”
تاني يوم، كانت شيري قاعدة مع تيا في الأوضة، الجو هادي بس تقيل، والصمت غالب، تيا كانت قاعدة على السرير ضامة رجليها، عينيها باصة في الولا حاجة، ملامحها شاحبة وتعبانة.
شيري قربت منها وقالت بنبرة هادية فيها رجاء
” تيا بتحايل عليكي من امبارح، قوليلي في ايه”
تيا ردت من غير ما تبصلها بصوت مبحوح
” شيري مش هتكلم، متحاوليش معايا تاني، الموضوع خلص”
شيري اتنهدت وقالت
” لاء مخلصش، انتي مستوعبه انتي عملتي ايه، مستوعبه اللي حصل، ومستكترة تقولي السبب؟!”
تيا شدت الغطا شوية عليها وقالت بعصبية خفيفة
” مش عايزه اتكلم، مش عايزه”
شيري سكتت لحظة، وبعدين قالت وهي مركزة في ملامحها
” تيا انتي طلعتي علطول بعد ما زيزو خرج وراكي البلكونه، انا مرضيتش الفت انتباه حد امبارح وقولت هبقى افهم في ايه بيني وبينك، فقوليلي في ايه؟!”
دموع تيا نزلت فجأة كأن السؤال لمس جرح مفتوح
” مفيش حاجه”
شيري رفعت حواجبها بعدم تصديق
” صح، عشان كده خرجتي من البلكونه بسرعه وطلعتي هنا من غير ما تردي على حد منهم لما نادوا عليكي، وفوق كل ده حاولتي تنتحري، كل ده ومفيش”
تيا بلعت ريقها وقالت وهيا بتبص في الأرض
” مش عمتو جابتلوا عروسة وعجبته، ليه بقا من الأول طلب أنه….، وليه منع العريس اللي كان جايلي، ليه حللها عليه وعليا انا محرمها”
شيري قربت أكتر
” طب هو عمل ايه؟!”
تيا قالت بصوت مكسور
” هيتجوزها يا شيري”
شيري ردت بهدوء متعمد
” هو مش انا قولتلك افتحي موضوعه وأنه مبقاش فارقلي، قولتلك اني مش هبصله تاني عمري كله، انا بقا في حياتي حد تاني”
تيا رفعت راسها بصدمة
” كدابه”
شيري ابتسمت ابتسامة واثقة
” والله”
تيا مسحت دموعها بسرعة
” مين؟!”
شيري ضحكت بخفة
” اسمه آسر، هو صاحب المطعم اللي كنت شغاله فيه، عايز ييجي يتقدم بس انا بسوحه شويه”
تيا قالت باستغراب
” ايه ده ليه؟”
شيري هزت أكتافها
” مش عارفه، بس شويه كده وهبقى اديه رقم فارس”
تيا قربت منها بحماس
” عايزه اشوف شكله، معاكي صوره ليه؟!”
شيري قالت وهيا بتمسك الفون
” اه استنى”
فتحت الفون على صورته وادتهولها، تيا بصت كويس وقالت
” شكله حلو، ده يتسوح؟!”
شيري بصت بعيد
” مش مصدقه يا تيا أنه بصلي اصلا، واحد زي آسر فيه كل حاجه حلوه يبصلي انا ليه؟ في احلى مني كتير معانا وفي ارقي كتير واي واحده تتمنى زيه، اشمعنا انا”
تيا ردت بثقة
” حبك عادي، شخصيتك عجبته مثلا، انتي نفسك عجبتيه، مش شرط خالص يختار احسن، مش فاهمه انتي ليه دايما مستهونه بنفسك”
شيري قالت بشرود
” بحس أن كل حاجه في الحياه لازم يكون ليها سبب، مش عارفه اثق في حد”
تيا بصتلها بحدة
” متعرفيش حاجة اسمها عوض”
شيري اتنهدت
” مش عارفه يا تيا بس دي انا وده تفكيري ومش قادره اغيره”
تيا قالت بإصرار
” لاء حرام عليكي تضيعي واحد زي ده من ايدك، خليه ييجي يلا”
شيري ردت
” اصلا بيتحايل عليا ارجع الشغل تاني”
تيا استغربت
” انا اصلا مش فاهمه انتي ليه سبتي الشغل”
شيري قالت
“مش عارفه، اللي حصل بقا”
تيا سألت بهدوء
” انتي بتحبيه؟!”
شيري سكتت ثانية وبعدين قالت
” يمكن بقا ده السبب اللي خلاني اسيب الشغل، انا مش فاهمه نفسي ولا فاهمه انا بحب مين ومش بحب مين اصلا”
تيا قالت بحكمة
” لو حبيتي آسر يبقى اللي قبله كله مكانش حب، دي معلومه قراتها قبل كده، انك لو بتحبي الشخص بجد مفيش حد هيلفت انتباهك غيره”
شيري ابتسمت بخفة
” طب ما تقولي لنفسك، انا اصلا مقررة هعمل ايه في حياتي بس انتي شكلك بتكبري تتجنني”
تيا قالت بندم
” اهي كانت لحظة طيش ندمانة عليها، وربنا سترها الحمد لله”
شيري قربت منها وسألت
” مجاش في بالك مثلا أنه بيستفزك؟”
تيا ردت باستغراب
” يستفزني ليه اصلا؟”
شيري قالت بسخرية
” انا قدام السؤال المباشر الوحيد في الامتحان”
تيا صوتها وطي
” شيري قالي كلام وحش، قالي انتي عيله وكنت غلطان لما فكرت اني ابصلك واني كان لازم احط حدود بينا، هانّي جامد اوي”
شيري اتفاجئت
” وهيعمل كده لوحده؟! انتي اخر مره قبل امبارح شوفتيه امتى وقولتيله ايه”
تيا افتكرت، سكتت شوية وبعدين قالت
” تقريبا نفس الكلام اللي قاله؟ يعني هو بيردها؟! بس هو كان بيكلمني بكُره يا شيري، انا بجد بكرهه، واصلا مش هينفعني، انتي عايزه تفهميني أن الموضوع مش فارقلك”
شيري قالت بثبات
” والله ما فارقلي، دلوقتي خلاص مبقاش يشغلني”
” حتى لو، هو برضو بالنسبالي مبقاش يلزمني، لا صاحب ولا حبيب”
شيري بصتلها بجدية
” هقولهالك تاني، ارجعي ادي فرصه، لانه بجد بيحبك، وامبارح كان بجد مرعوب عليكي”
تيا ردت بعصبية
” خليه يغور في داهيه أنا مش طايقاه اصلا”
شيري ابتسمت
” انا متأكده أن الكلام ده من ورا قلبك وان اكيد هييجي يوم تعترفوا فيه انتوا الاتنين لبعض بمشاعركوا”
تيا هزت راسها
” مستحيل، خليه يشوفله واحده زيه”
شيري ضحكت
” بتقولي الجمله وعينيكي بتطلع غيره”
تيا ردت بسرعة
” اغير علي ده؟ مش فارقلي اصلا”
شيري قالت بهدوء
” صح عشان كده سفيتي دوا ابوكي كله”
تيا زفرت
” قولت لحظة طيش بقا، اقفلي الموضوع”
شيري ختمت الكلام
” شوفي هتقولي ايه لامك وابوكي الاول”
تيا قالت باستسلام
” اي حاجه بقا”
فارس رجع البيت بعد صلاة الجمعة، أول ما دخل لقا لارا واقفة مستنياه، كانت لابسة لبسها الطويل المحتشم الجديد، هادية، ثابتة، وفي عينيها كلام حس انها عايزه تقوله، بصلها شوية قبل ما يسأل بنبرة هادية
“صليتي الضهر؟!”
ردت بابتسامة صغيرة
“الحمد لله”
هز راسه وقال
“تقبل الله”
ردت بسرعة بالعربي المكسر وهيا بتحاول
“ممنا وممكم”
فارس ابتسم غصب عنه وصحح
“منا ومنكم”
حاولت تقلده
“منا وممكم”
ضحك بخفة وقال
“منكم، منا و… منكممم”
كررتها ونجحت
“منا ومنكم”
قال بابتسامة
“شطورة”
ابتسمت هيا كمان وبان في ملامحها شوية حماس
“عايزه احفظ صورة جديده غير اول ٣”
رد فورا
“حاضر، من عنيا، ايه رأيك بالليل احفظك آية؟!”
“اوكي”
سكتت فقرب خطوة وسأل
“في حاجه عايزه تقوليها؟”
بصتله وقالت باستغراب
“عرفت ازاي”
قال بهدوء وصدق
“خلاص بقيت حافظك”
اتنفست بعمق وبعدين قالت
“عايزه ارجع اسبانيا”
ملامحه اتغيرت في لحظة وقال بانفعال
“ايه الجنان ده بقا؟”
ردت بهدوء
“فارس بابا كلمني، قالي ارجع وأنه عايز يتكلم معايا”
شد شعره بإيده وقال بقلق واضح
“اكيد هيقنعك تتراجعي عن اسلامك ولو موافقتيش هيحبسك واحتمال مقدرش اشوفك تاني”
هزت راسها برفض
“لاء يا فارس بابا عمره ما هيحبسني، كان عملها قبل كده، انا فعلا محتاجه اشوف عيلتي، وحشوني وهنا انا حاسه بغربه، وطالما كلمني يبقى صفي شويه”
قال وهو بيحاول يتمالك نفسه
“طب وانا اعمل ايه؟ انتي هتمشي وانا اكون متطمن ازاي انك كويسه، انا مش ضامن اي حاجة”
ردت بصوت واطي فيه ثبات
“مفيش حل يا فارس، انا لازم ارجع واحسن علاقتي بيهم، اكيد بابا تقبل وإلا مكانش طلب ارجع”
قال بقلق أكبر
“بس انا خايف عليكي، ولو هو حبسك أو منعك تيجي تاني او منع أي وسيلة اتصال عنك انتي متخيله انا هكون عامل ازاي”
قالت بثقة
“مش عارفه انت خايف ليه، انا متأكده أن بابا مش هيعمل كده”
قاطعها بصوت مبحوح
“ولو حصل يا لارا، لو حصل ايه هيحصل”
سكتت لحظة وبعدين قالت
“مش عارفه، بس خليك متأكد يا فارس اني حتي لو مليش نصيب اشوفك تاني فأنت جوه قلبي وعمري ما هنساك”
قرب منها وقال وهو مش قادر يهضم الفكرة
“لا لا بطلي جنان، مش هسمح بحاجة زي دي تحصل، فكرة اني مش هشوفك دي تاني انسيها”
“انا نفسي اقضي باقي عمري معاك بس كل حاجه من كل ناحية خربانه، واهلي يا فارس عندي مهمين اوي، مش هقدر اتخلي عنهم”
سكت لحظة وبعدين قال بحسم
“لو هتسافري يبقى نتجوز”
اتصدمت
“ايه؟!”
كمل بنبرة ثابتة حاسمة
“هنكتب كتابنا قبل ما تسافري لو مصممه، وقتها يبقى حقي اخدك من اي مكان مهما كنتي فين”
ردت بتوتر
“بس لو عملت كده من غير بابا ما يعرف هكبر المشكله”
رد بجدية
“ميهمنيش، المهم اني يكون ليا الحق اخدك وارجع هنا لو تطلب الأمر”
“واخسر عيلتي للأبد؟!”
“لارا ده اخر حل ممكن الجأله، انا بس باخد احتياطاتي، وان شاء الله مش هنلجأ لحاجة زي دي، قولتي ايه؟!”
سكتت لحظات وبعدين هزت راسها
“موافقه، انا مش هقدر اكمل من غيرك اصلا”
“تمام، يبقى الجمعة الجايه هنكتب الكتاب وبعد كده سافري”
ابتسمت وقالت
“تمام”
تيا كانت قاعدة لوحدها، شيري خرجت تجيب حاجة من بره وسابتها، وفي وسط الهدوء لمحت ضِل خفيف بيتحرك عند البلكونة، قلبها وقع للحظة، هيا متأكدة ان في حد برة، الدم جمد في عروقها، رعشة باردة جريت في جسمها كله، قامت من مكانها على مهل، كانت ناوية تخرج من الأوضة بهدوء بس قبل ما تفتح الباب باب البلكونة اتفتح قدامها جامد…
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية اذا أراد النصيب) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.