رواية بعدسة مكسورة – الفصل الثامن
قُلت له، ووشّي لسه قريب من وشّه، وصوتي بيترجّف:
_أنا كنت بخاف عليك… مش بخاف منك، صدّقني.
“تيّام رمش رمشة بطيئة،
كأنها رمشة بتاخد وقتها علشان ما تفوّتش ولا لحظة منّي.
وبعدين قال، بصوت متكسّر،
صوت فيه آخر حتة صامدة كانت بتقع:
= أنا تعبان…
” كلمة صغيرة…بس تقيلة،
تقيلة أوي على لسان حد مش متعود يعترف بالوجع.
كأنها أول مرة يسمح لنفسه يختار الضعف،
مش يستخبى وراه.
_عارفة…
وعشان كده أنا هنا.
أنا مش هسيبك، يا تيّام.
“قال، وهو بيحوّل وشه ناحية الجواب اللي في إيده،
واللي بقى جزء من جلده، زي عهد مكتوب ما بينا.
= كنت بحس…إنّي لما بقرأهم…إنك جوّه الكلام.
بس ما كنتش مصدّق…
كنت بقول لنفسي… يمكن دي خيالات…طريقة كلامك، إصرارك روحك اللي باينة في الكتابة.
بس طلعتي إنتِ… فعلاً إنتِ.
” ابتسمت، ابتسامة صغيرة جدًا،
بس دفيانة كأن فيها حضن كان تايه، وتلاقينا.”
_أنا كتبت علشان أخلّي وجودي يوصلك،
حتى لو جسمي مش جنبك.
وكنت مستنيّة…مش اليوم اللي تعرفني فيه،
لكن اليوم اللي تحسّ إنك مش لوحدك.
“لحظة طويلة عدّت بينا،
هو ساكت… بس عنيه بتتنقّل عليّا،
على ملامحي، على التقل اللي ساكن جبيني،
زي طفل بيلمّ طريق الرجوع بعنيه.
وبعدين قال بهمس، صوته بيترعّش:”
= طب ممكن متبعديش؟
قلبي اتوجع مش من الكلمة…
من طريقتها.
من التوسّل اللي فيها، من كونه قالها كأنه بيقول:
_”خلّيني أتنفس بيكِ.”
_مش هبعد. ولا هسيبك… مهما حصل.
حاول يحرّك إيده…يرفع رأسه،
فشل.
لكن المحاولة نفسها كانت إعلان بداية.
باب صغير أوي…
بس نور خفيف بدأ يدخل منه،
زي أوّل شعاع بيمرّق بعد ليالي المطر.
مرّت ساعات…
هو نام، على مخدّة فيها أثر دموع،
وأنا كنت جنبه، على الكرسي،قاعده عيوني ماسكة فيه
كأنّي بسنده من غير ما أقوله: “قوم”.
كنت حاسّة إن فيه حاجة اتغيّرت…مش بس في جسمه…
في روحه.
مش بيشدّني…مش بيدفعني بعيد.
كان ساكت… بس مش غايب.
كان بيصحى أوقات يبص ليّ كأن طفل بيطمن إن أمه موجودة … وبمجرد ما عيونه تلمحها ينام من غير صوت،
لكن بنظرة بتقول: “خليكيِ هنا، زي ما انتِ”.
الصبح دخل علينا من الشباك، ضوؤه ناعم، مش متطفل،
وأنا لسه قاعدة…عينيا ما نامتش، بس قلبي كان هادي…للمرة الأولى من سنين.
دخل سليم بيه بهدوء. ما اتكلمش.
بص ليّ… بصّ لتيّام…
وبعدين سأل:
= نام؟
_آه… نام من بدري.
” سليم بيه قرب، حط إيده على كتفي، وقال بصوت خافت:”
= أنا معرفش إنتِ عملتي إيه…
بس لو فيه أمل يرجع،
فهو بدأ من اللحظة اللي اعترفتي له فيها.
الكلمة دي خبطت فيّا، مش جديدة… بس كنت محتاجاها تتقال…بصوت مش جوايا.
“هزّيت راسي، وأنا ببصّ على تيّام،
نَفَسي بيطلع على مهل، وفي قلبي يقين:”
_هو اللي رجّع نفسه.
أنا بس كنت هناك…
علشان أمسكه وهو بيرجع.
“عَدت ساعة، والوصف الوحيد للمشهد اللي شوفته هو أنه: عمري ما شُفت عيون بتفوق بالحجم ده من الحياة.
كأنّ الصدمة كانت لازمة…علشان “تيّام” يتولّد من جديد.
أول رمشة كانت خفيفة… شبه صدفة.
التانية؟
كانت مقصودة…كأنّه بيرجع بالعافية… بس بيرجع بإرادته.
أنا كنت قدّامه،وحاسّة بجسمي كله بيتشدّ ما بين دمعة من الخوف،ونبضة من الفرح اللي مش مصدّقة نفسها.
الفرح اللي بيخاف من تيام…من كتر تمسكه بالحزن .
بس “تيّام”؟كان في وادي تاني بعيد عنّي، بس راجع ليّا.
وشُّه ما كانش بيتكلّم،بس جسمه؟جسمه كان بيصرّخ: “أنا راجع.
وفجأة، ومن غير أي تمهيد… رفع إيده.
كانت الحدّ الفاصل بينه وبين الحياة.
الإيد اللي سِكّتها كانت مقطوعة بعد تحليلات دكتور هاشم وطاقم العمل من عدم تحركيها إن ممكن حصله جلطة.
رَفَعها…ومَسِك إيدي.
أنا اتشدّيت،اتجمّدت، ولقيت نفسي بفلت إيدي من إيده بخجل واضح…مش من لمسه فقط ،من اللحظة.
بس فضلت باصة له…
كأنّي بشوف قدّامي لحظة خارقة،لحظة أول نفس بعد غرق.
سألته، وصوتي راجع من مكان بعيد:
_فـي إيه…؟
عينه كانت فيها نظرة…جديدة تمامًا.
مش شبه نظراته،ولا حتى شبهه هو.
نظرة إنسان اتخلق من جديد.
واختار يكون مختلف.
= أنا عمري ما وثقت فـي حد…
إلّا وغدَر بيا.
كل مرة…
كل مرة كنت أفتح باب، ألاقي طعنة.
بس المرة دي…
أنا واثق.
واثق إنك هتخليني أمشي…حتى لو زي ما قلتِ ليّ،
بنص خطوة، على رجل واحدة.
أنا قلبي دقّ من اليقين اللي في كلامه.
من الرجولة اللي طلعت من جُوَّاه، مش في صوته،
في انكساره اللي اختار ما يخبِّيهوش.”
= أنا عايز أمشي… بسرعة.
عايز أعيش، يا “نورين”.
أعوض السنين اللي ضاعت،
اللحظات اللي اتفرّجت فيها على روحي وهي بتموت.
” كأن كل حرف بيقوله، بيصحّيني أنا كمان.”
عايز يتوب عن كل مرة استسلم فيها للموت… وهو حي.
بيتحرّك جوّا بكلامه، وكلّ جملة خارجة منه زي وعد…
وعد لبكرة”
= هقوم، حتى لو على إيدي.
هتمرّن طول اليوم… كل يوم.
مافيش نوم…مافيش راحة.
هتعب؟ آه.
بس هعيش.
نورين… أنا…
“سكت.
بس أنا كنت عارفة هو عايز يقول إيه.
كان عايز يقول “أنا جاهز
كان عايز يقول ساعديني.
وأنا؟ كان عندي ألف ردّ.
بس ما فيش جملة فيهم كانت تكفي.
قمت… لبست الجوانتي، ومديت له النوتة اللي كتب فيها سنين التعب..كلي حماس وبهجة وحسيت إن عندي طاقة تكفي لسنين قدام.
ناديت على ثروت وأخدت نفس عميق وقولت:
_سمي الله… خد نفسك.
هنبدأ من هنا…ورّيني المقاتل اللي لسه راجع من الموت.
” ومدّ إيده، ومَسِك القلم…وابتسم.
ابتسامة مش كبيرة…بس كانت أكبر من الأيام اللي فاتت كلّها.
وابتدت الجلسة الأغرب في حياتي كـ دكتورة،
والأغرب في حياة “تيّام” حتى طلبه في آخر الجلسة… كان هو الأغرب.
الشاب اللي كنت بشوف فيه عناد،
وتعب وأسوار بيبنيها حوالين قلبه بسرعة تتفوق على أيعلاج دخل عليّ النهارده بشيء مختلف.
مش بيتحدّاني.
مش بيتهكّم.
مش بيهرب من الألم.
كان صامت …لكن صامد.
وهو بيمدّ رجله في بداية التمرين، حسّيت كأنّه بيواجه الحياة من أوّلها.
*كان بيواجه الوجع برجولة،مش رجولة الصوت العالي،
لكن رجولة الاعتراف، والمواجهة، والاستسلام الواعي للمحاولة.
وكأنه بيبص للألم ويقول له ” أنا أقوى منك “
أنا؟كنت ببتسم.
لكن جوايا؟ كنت على الحافة.
كل شدّة عضلة منه،
كل مرة يرفع إيده من غير ما يصرخ
كانت دمعة بتتكوّر في عيني ومش لاقية طريق تنزل.
الناس حوالينا حسّوا بده.
“ثروت” بقى بيجهز الجهاز ووشّه فيه نور.
دادة كريمة وقفت… تهلل وتكبر.
وقتها مابصتش ليّا ولا له…بصّيت للمشهد كأنه معجزة.
وسليم بيه؟كان بيكتفي يدخل،
يبصّ،ويطلع…
وسيب دمعة معلّقة في طرف عينه، مش بيشيلها…
يمكن خايف تقع يُحبط.
عد ساعة كاملة، وأنا بفك الحزام من رجله، قالها.
الجملة اللي خبطتني قبل ما أفهمها:
= عايز أخرج.
بصّيت له،
حرفيًا قلبي وقع خطوة لتحت.
كنت متأكدة إنه مش يقصد يخرج من الجلسة…
لكن من نفسه.
_تخرج؟ يعني برّه الأوضة؟
= برّه البيت كله.
“وقفت… والأرض تحتي اتحرّكت.
كل جزء فيا اتشدّ للورى، مش لأن طلبه مستحيل،لكن لأنّي كنت خايفة عليه …
خايفة ينهار لو استعجل… خايفة أكون أنا السبب لو حصل حاجة.
_”تيّام… لسه بدري على ده…
إحنا بالعافية متقدّمين خطوة واحدة.
” قاطعني، ورد بابتسامة، مش مصطنعة،
ولا حتى شكر، دي كانت ابتسامة واحد صدّق نفسه أخيرًا.”
= أنا مش بقولك نمشي في ماراثون…
أنا بس بقول نخرج…
نشوف الحياة… مع بعض.
_فين؟
= أي مكان…
“قالها وهو بيبصلي بنظرة مش خجلانة،
بس فيها طلب ضعيف نفسه يعيش،أو يحققه .
= أي مكان فيه ناس،فيه حياة
” قالها بصوت مش مرتفع…لكن فيه رجاء نقيّ،
رجاء حدّ بيستنشق الحياة للمرة الأولى بعد غرق طويل:
= خُديني أي مكان…
يكون فيه هوا… نيل… بحر… ناس بتضحك.
أنا مش عايز أتفرّج على نفسي في المراية تاني.
“بصّيت له…وأنا عارفة كويس إن الطلب مش بسيط.
بس ردّي خرج قبل ما عقلي يفكّر.
خرج من حتّة جوايا كانت مستنياه ينادي،
علشان تمدّ إيدها.”
_ هخرّجك… وهودّيك مكان هيغيّر جواك حاجة.
وعد بكره إن شاء الله… الساعة عشرة صباحًا.
| صباح يوم جديد|
“الساعة كانت عشرة بالثانية
الشمس بتتمدّد على مهل فوق صفحة ناعمة من النيل،
والسكون حوالينا كأن العالم واقف دقيقة احترام…
لاحتمال نجاة.
كان لابس ترينينج كحلي، بسيط ومرتاح،وشعره مش مترتّب…
بس عينيه؟فيها نور.
مش نور فرح… لأ، نور حد لسه حاسس إنه “موجود” وبيحاول يصدق ده.
ركبنا العربية الصغيرة اللي جهّزها سليم بيه، والمسافة كانت قصيرة.
لكن الجوا كان بيتمدّد…فيه صمت ما بينا، بس الصمت ده كان مليان حكي.
كنت ببص عليه في المراية، ولأول مرة بشوف عينه بتمشي.
بتمشي على الشجر، وعلى وشوش الناس،كأنه بيراجع علاقته بالعالم،وبيسأل نفسه… هل الدنيا لسه فيها مكان له.
دخلنا المركز.
هو دا المكان اللي فعلًا لازم يشوفه.
مكان بيشمّ ريحة التعب… وبيحضنه.
مش بس ناس أصحاب إعاقات،ده مكان مليان أصحاب إرادة.
ناس بتتمرّن، بترسم، بتغني، وبتضحك…مش رغم التعب،
لكن بيه.
واحدة ماشية على رجل صناعية… وبتضحك.
ولد صغير بيشوط كورة تنس من فوق كرسي بعجلات…
بعزيمة بتخلّي الكرسي نفسه يبان عنده جناحات.
المدرب كان بيصرخ ويشجعه ويقول :
= إنت نجم يا عادل! نجم بجد!
“بصّيت على تيّام، ولقيت في وشّه حاجة بتتكسَر…بس ما بتنهزمش.
فيه نَفَس ما بين الدهشة والاحترام، وفي عينه سكون ثقيل…
مش صدمة،دي صحوة.
شاب بيعزف بيانو بإيده اليمين بس،
والتانية غايبة…بس الصوت طالع ناعم، شفيف،
وكأنه بيعتذر عن كل ماضٍ مأساوي… وبيسامح.
بنت بتلوّن بعصاية ممسوكة برجليها،وهي بتضحك.
ضحكة مش بريئة،لكن منتصرة.
كنت عايزة أقوله:
” شايف؟ كل اللي بيوجع ما بيمنعش الحياة تمشي.”
بس سكت.
لأني شفت في عنيه، من غير دمعة…
إزاي الوجع بيتبلع لما تكتشف إنك مش الوَحيد.
وبعد كل ده..قعدنا على النيل قعدنا على طاولة بتطلّ على جماله، والهوا بيعدّي بين الورق اللي في إيدي،وكلّ حاجة حوالينا كانت ساكنة…زي قلب بيهدى بعد زلزلة.
= أنا كنت فاكر إنّي خلاص…
اتقفلت الصفحة.
بس النهارده؟
أنا فهمت إن كل صفحة ليها سطر ناقص،
ممكن يتكتب… لو لسه في نفس.
_تيّام…
“بصلي.
وبصوته الهادي اللي بيرتجف مابين الرجولة والتطهّر:”
= أنا مش عايز أمشي…
أنا عايز أعيش..
أنا تايب من وجع كنت بنام فيه متمنّي ما أصحاش.
بس إنتِ…
خلّيتيني أصدّق إن فيه باب،
وإنّي ممكن أفتحه.
“سكت.
مش عجز…لكن لأنه قال كل حاجة.
وأنا؟ما لقيتش كلمة تليق.
لأن فيه لحظات،المشاعر بتقف على طرف اللسان…
بس بيكون الحضور هو أصدق جواب.
أنا صدقته.
صدقته من أوّل رعشة في صوته،
لحد آخر دمعة كانت بتداري نفسها في رمشه.
وأنا…كنت فخورة بيه.
فخورة قوي.”
= حبيت المكان..وحبيت المركز.
_ يتحب جدًا.
” غمز ليّ”
= هو مين؟
_ ايـه…لا..انت بتكلمني باللهجة دي كدا ليـه؟
=أقصد مين أنا ولا المركز؟
_ انت كويس؟
=أنا كويس وجدًا ولأول مرة..بس ياحرام في دكتورة عنيدة هي وجميلة برضو متوترة..ووجهها لونه أحمر…
أعتقد انتِ محتاجة ليمون.
_ بالنعناع.
= بالنعناع.
“ضِحك وسرح بعيد… كانت الشمس مائلة على سطح الميّة،
نورها ساكن، بيتمشى فوق الموج زي وعد خفيف.
والهوا…كان بيعدّي في شعره، برقة مش متعمدة،
كأنه بيتعامل مع لحظة مقدسة.
شعره البُني الغامق، سايبه على الجنب الغير مرتب،مموّج ببساطة، زي حدّ ناسي شكله وهو غرقان في أفكاره،
لكن المرة دي…كان واخد باله، مش بس من شعره،
من نفسه.
بشرته كانت أفتح من الطبيعي، باهتة…زي حدّ رجع من سفر طويل جوّه.
وعينيه…عينيه كانت بنيه غامقة ،فيها سكون مش مرعب،
ولا مطمّن كمان.
بس النهاردة…فيها لمعة.
مش واضحة قوي…بس موجودة.
زي نقطة نور صغيرة طلعت وسط بحر مطفي.
وشّه مافيهوش تفاصيل كتير،لكن كان باين إنه ضِحك زمان…
ضِحك كتير.
الدنيا خزّنت الضحكة في الخطوط اللي حوالين فمه وسابتها هناك من غير صوت.
أنا مش بتوقّف عادةً عند الملامح،بس ساعتها؟
كنت بتفرّج عليهوكأنّه مش تيّام المريض،ولا الحالة…
لكن بني آدم، راجع لنفسه.
تيام حبيبي.
ولما بَص ليّ،
المشهد كلّه وقف لحظة.
نظرة مش عابرة،نظرة فيها تريّث،زي اللي بيقارن:
هو أنا عارفك… ولا لسه؟
وأنا؟كنت زيّ ما أنا، بلوزة بسيطة، وجيب واسعة،بنت من حارة عادية أبوها راجل بسيط.
كان نفسه تبقى دكتورة علشان يقولوا له يا أبو الدكتورة نورين.
وأم أُمية..كل اللي بتعرفه وحفظاه هو جزء من كتاب الله.
كان شعري مربوط ورا..والنيل بيحرك خصلاته
بس عنيه علّقت عليّ، كأنه شافني بعيدًا عن أي لقب.
وقال، بصوته اللي فيه طبقة شفافة من التعب والصدق:
= شكلك وانتِ نورين أرق بكتير من وانتِ دكتور نورين.
_ شكرًا..نروح؟
= من غير ما تحكي ليّ سر الجوابات؟.
_لا…كل شيء له وقت…يلا نروح.
“عدّت أيّام.
نفس الخط، نفس التمارين ،نفس عدد الساعات،ما بين المركز، والبيت، والكرسي، والجدول.
لكن الحقيقة؟
في حاجة جوايا كانت بتتبدّل، ببطء، بس بصدق.
كل مرة بشوفه بيحاول،بيفوق،بيركّز،بياخد نفس…
وبيفكّر قبل ما يقول “تعبت”،كنت أنا اللي بتعافى.
كنت أنا اللي بتعلّم المعنى الحقيقي لـ”الاستمرار”،مش كروتين شغل،لكن كنوع أرقى من الإيمان.
الرسالة بتتكتب،والمذاكرة ماشية…بس مش زي الأول.
زمان، كان عندي هدف علمي، طبي، أكاديمي.
النهارده؟
بصحى على هدف واحد اسمه: _تيّام_.
هدف أسمى واسمه : _هيمشي… هيعيش… هيتحب._
–اليوم ده كان مختلف.
صحيت على صوت مش غريب…بس جاي من بعيد.
زي نداء قديم من عمق الطفولة،زي صوت أفراح حارتنا اللي كنت بجري وراها وأنا صغيرة…_زغاريط._
فتحت عيني بسرعة.
ركّزت.
الصوت بيقرب.
قُمت من السرير،ومشيت لغاية البلكونة الصغيرة في أوضتي،
رجليّا حافية،بس قلبي بيدقّ بخطوات واسعة.
فتحت الباب…والنسمة سبقت الصورة.
ولما طلّيت… شُفت.
تيّام.
قاعد على الكرسي،بس… مش زي كل مرة.
مفيش ألم.
مفيش انكسار.
ولا حتى ظلّ من الخوف اللي كان باين في كل ملامحه.
كان ماسك الكاميرا،رافعها على وشه،وبيصوّر…
ولأول مرة، هو نفسه الصورة.
ظهره مفرود.
شعره متسرّح.
وابتسامة خفيفة طالعة من مكان أعمق من الضحك—
طالعة من جوه، من وعيه إنه موجود.
ودادة كريمة كانت واقفة وراه، بتزغّرط بإيدها على خدّها،
ونورها سابق صوتها:
=يا واد يا تيّام يا عريس التصوير!
ربنا يخلّي لينا نورين اللي رجّعت الضحكة لوشّك يا ضنايا!
“ضحكت…ضحكت وأنا قلبي بيرقص في جسدي
ضحكت كأن الحياة قالت لي فجأة:
“شوفتِ؟ لسه فيه أمل بيتصوّر.”
جوايا كان في صوت بيقول:
دي لحظة نادرة…لحظة انتصار صغيرة،متخفيّة في شكل بسيط،لكن عظيمة في عمقها.
نزلت بسرعة،أول حاجة مسكتها لبستها،
من غير تفكير.
لما وصلت عنده،كان بصّص لي من عدسة الكاميرا،
وبعدين نزلها،
وبصّلي بعنيه البنّيّة الغامقة،اللي طول عمرها كانت بتخبي أكتر ما بتقول.
= صحّيتك؟
_صحّيتني على أجمل حاجة شُفتها.
= كنت بجرب أرجع أصوّر…بس الموديل مش ظاهر.
شكلي محتاجك تطلعي في الكادر.
_والموديل دي هتشتغل ببلاش، أنا الطب بيديني مبلغ محترم ؟
= لأ طبعًا.
هتقبضي ابتسامة في كل لقطة…وهدية في آخر اليوم.
_عز الطلب..هستقيل من الطب.
“ضحكت.
ضحكة ما فيهاش لعب،
ضحكة نضجت معاه.
قرّبت،ووقفت ورا الكرسي،
والنسمة بتعدّي بينّا كأنها شاهد.”
_طب… خليني أكون المساعدة بتاعتك النهارده.
= لأ.
إنتِ المخرجة.
_ده كتير عليا…
= إنتِ رجّعتيني أصوّر.
مافيش حاجة كتير عليكي.
“لحظة بسيطة…
بس أنا كنت شايفة حاجات كتير بتتغيّر فيها.
كان في شمس.
وكان في نسمة.
وكان في كاميرا بتصوّر صورة مش عادية .
لكن الصورة الحقيقية؟كانت جوايا.
صورة لتيّام الجديد…اللي بيقع وبيقوم،
بس النهارده؟
بيقوم بالكاميرا…مش بالعكّاز.
وحواليه؟زغروطة من دادة كريمة، وصمت جوايا…
بيتلمّس أحلامي،
ويهمسلي:
_ما تستعجليش النهايات… فيه لسه مشاهد كتير جاية.
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية بعدسة مكسورة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.