رواية بعدسة مكسورة الفصل التاسع 9 – بقلم ميرنا ناصر

رواية بعدسة مكسورة – الفصل التاسع

وفات أسبوع كامل…نفس الجدول.
نفس التمارين.
نفس التزام “تيّام”، بس بروح فيها نَبض مختلف.

الضحكة اللي كانت بتتخبّى بين تجاعيد التعب، بقت تطلّ من بين ملامحه على استحياء… ساعات تظهر غصب عنه، كأنها بتختبر قدرته على الفرح.
وعينه؟
اللي كانت بتهرب من المرايات كأنها بتخاف تواجه حقيقتها، بقت تبُصّ لها بخجل… وكأنّه بيقول لنفسه: “أنا لسه هنا.

وأنا؟كنت بمشي على حبل مشدود بين ثلاث دقّات: شغلي في المركز، ورسالتي، وقلب بيكبر جواه شخص اسمه “تيّام”

كان يوم عادي… جلسة في التاسعة صباحًا.
هو بيحرّك عضلات رجلةه الشمال بتكرار حافظه، وأنا براقبه بعين المدربة… والقلب؟ كان بيخوني.

لمح صورة قديمة في النوتة — كنت طبعتها من أرشيف الجرايد كمرجع لحالته.
صورة مبكسلة شوية، بس وشّه فيها واضح… واضح لدرجة مزعجة.

= الصورة دي من إمتى؟

_من سنة ونص.

= شكلي… غريب. مش فاكرني كده.

ضحكت، رغم إن الضحكة خرجت وهي شايلة ارتباكي:
_كنت شاطر في الهروب من نفسك، بس كان باين إنك بتدور عليها… حتى في الصور.

“سَكت شوية… بس السكون كان مختلف، تقيل. وبعدين قال:
= تفتكري… ممكن أتصوّر من تاني؟ مش بالكاميرا… بالحضور؟
يعني… أرجع أصور ، أبان، أكون جزء من الصورة؟”

بصيت له. قلبي اتشدّ قبل لساني.

_ده سؤال؟ ولا اعتراف؟

= يمكن الاتنين.

“لحظة سكتنا كانت مليانة إحساس مش لاقي كلام يوصفه.
حاولت أترجمها بطريقتي:

_فيه معرض تصوير قريب… لذوي الإرادة.
هيمثّل فيه مصورين مرّوا بتجارب صعبة… بس خرجوا منها واقفين.
فكّرت إنك… تشارك..هي على مستوى الجمهورية..
حاجة بالنسبة للشطارتك وموهبتك قليلة أكيد..

” وشّه اتشدّ، ملامحه تقفلت كأنّي ضغطت على زر ما كانش مستعد له.”

= أنا؟ أشارك؟

_أيوه، ليه لأ؟
أنت كنت مصوّر أصلاً… ولو الصور كانت سبب في وقوفك، المعرض ده ممكن يبقى أول خطوة تمشي بيها تاني.

= نورين… مش يمكن ده استعجال؟
أنا لسه مش جاهز…

_ومين فينا بيكون جاهز بجد؟
الجاهزية وهم… المهم إنك تكون موجود.
مش لازم تكسب… المهم تقول للعالم: “أنا لسه هنا، ولسه بعافر”.

ابتسم، بس البسمة كانت مترددة… كأنها بتجرب نفسها:

= خايف.

_وأنا معاك.

= طب… لو وقعت؟

_هنقوم سوا.

قالها بهمس، بحذر:

= أنا عمري ما وقعت قدّام ناس…

_يمكن المرة دي تقع، وتقوم… قدّام نفسك.
بس وانت شايفها.

” مرّ اليوم وهو ساكت.
بتمرّن، وبيسمع، وبيسأل، لكن عينه… دايمًا بتزوغ.
كأنّه بيتفاوض مع روحه في صمت.

وفي يوم تاني… بعد تمرين خلّى النفس يتقطّع، وأنا بفُك الجهاز من على دراعه، قال فجأة:

= المعرض ده… فين؟

_في جاليري في الزمالك.

= كبير؟

_كبير كفاية علشان الناس تشوف شغلك… وتسمع قصتك.

سكت، كتير.
ولما بصلي، قال بهدوء:

= لو شاركت… هتيجي معايا؟

_أكيد.

= حتى لو الناس بصّولي كأني “قضية”؟
أو “حالة خاصة”؟

_أنا هكون واقفة جنبك… لأنك “تيّام”، مش أي عنوان تاني ممكن يحطوه لك.

ضحك، وبعدين قال:

= إنتِ بتزنّي كتير… بس بتعرفي تخلّي الزنّ طَبطبة.

_أهو كده إحنا بنتقدّم خطوة.

= والنيل؟

_النيل هيحضن اللحظة دي كلها…

= مش دا اللي عايزه.

_مش فاهمة.

= لو قدمت، هعزمك تروحي معايا في مركب في النيل.
_ اتفقنا.

ولما وقفت أمشي، سألني:

= لو شاركت… ألبس إيه؟
ضحكت من قلبي، وقلت:

_نفس اللي بتلبسه… لما تحب نفسك.
بس المرة دي، بكاميرا في إيدك.
واللي جاي؟
أقوى من كل التمارين اللي فاتت.

لإن الروح… لما تتعرّض للضوء، بتتوهج.
بس النور الحقيقي؟ ما يبقاش نقي إلا بعد ما يعدّي على الظلال.
وأنت عديت بالظلال..دلوقت مرحلة النور.

بص لي وضحك وتحرك بالكرسي تجاهي:
= لاء.

_ ايـه؟ قولت حاجة غلط.

=آه،أنا دلوقت مش في حالة نور.

_ لسه هتيأس تاني!!.

“غمز ليّ”

= أنا في مرحلة نورين..مش نور واحد.

“قلبي نبضاته عليت قوي، حسيت برعشة في قلبي…
معقول يكون حبني زي ما حبيته؟!..
أكيد لاء”

= أنا عايزة أعترفلك إن.

_ إنك ايـــه.. أنا سمعاك… أنا حساك أصلًا.

= أنا… أنا…..

_ أنجز…أنا بنام بدري.

= أنا معجب بتسريحة شعرك دي، قوي.

_شعري!!.

=آه، وهو مفرود كدا آحلى بكتير.

_ تصبح على خير يا تيام..

= وانتِ من أهله يانورين.

“وقتها، كنت حاسة إن أنا اللي اتشليت مش هو.
وفات أسبوع وتيام لسـه مقررش لحد
يوم الجمعة، آخر الأسبوع ، والمركز أهدى من العادة.
تيّام كان خلص تمرينه بدري، وأنا كنت براجع معاه ملف التقييم قبل ما نخرج.

= أنا فكّرت…

_فكرت في إيه؟

= هشارك.

“سكت، وبعدين كمّل بصوت متردّد، كأن الكلمة دي خارجة من مكان جواه كان مقفول عليه من سنين:

= مش علشان أُثبت حاجة…
بس علشان أواجه نفسي.

“أنا سبت الورق، وبصيت له مباشرة.
قلبه كان واضح في عينيه.

_أنا فخورة بيك.
بجد.

= بس عندي شرط.

_قول.

= عايزك إنتِ اللي تختاري الصورة.
أنا مش عارف أختار حاجة تقول “أنا”، من غير ما ترجعني للماضي.

“ضحكت، وقولت:

_يبقى نختار اللي تقول “إنت راجع”، مش “إنت كنت”.

“كان باصص ليّا بنفس النظرة دي…
نظرة حد مش مصدّق إن فيه حد واقف معاه فعلاً،
من غير ما يستناه يقع.

= طيب… نبدأ إمتى؟
_من دلوقتي.

رجعنا البيت… لأن الفترة اللي فاتت بدأت أقنعه ينزل المركز ونعمل تمرينات هناك.
وسط دكاترة وناس وحياة تشجعه ، بيئة بالكامل شبهه.
وبدأنا نحضّر.
فتّحنا أرشيف صوره القديمة، ودخلنا على جهاز اللاب توب بتاعه، الحاجة الوحيدة السليمة،
اللي سِلمت من أكتئاب تيتم، ومدمرهاش… زي ما دمر داتا تصويره بالكامل ومسحها.
اللاب توب الوحيد اللي سليم بيه كان مخبيه جوّه أوضته.
صور من رحلات، من شوارع، من ناس عابرة…
بس كلها كانت بتقول حاجة واحدة: ” تيام كان بيشوف.. اللي مفيش مصور كان بيشوفه”.

تيّام كان ساكت أغلب الوقت، بس في مرة، وقف على صورة لبنت صغيرة بتضحك قدام عربية فول:

= دي في شبرا…
كنت معدّي بالصدفة، ووقفت أصوّرها.
ضحكتها كانت أعلى من صوت الشارع.

_زيّك.
كان عندك قدرة تسمع الجمال وسط الزحمة.

= كنت.

_لأ… لسه.

“قعدنا نفلتر الصور، واحدة ورا التانية.
وبعدين… لقيناها.

صورة متصوّرة من ورا ستارة، لنور خفيف داخل من شباك، واقع على كرسي خشب فاضي.

= دي…
دي أنا.
أنا اللي اتصورت فيها من غير ما أكون فيها.

_هي دي اللي نبدأ بيها.

قرب يوم المعرض.
وساعات التوتر زادت.
مش في مواعيد الجلسات… لكن في تيّام نفسه.

= نورين…

_أيوه.

= لو حد سألني… عن كل اللي فات، أقول إيه؟
أقول إني كنت ضحية؟
ولا متمرد؟

ولا مختفي؟

“بصيت له، وسكت ثواني قبل ما أرد:

_قول إنك كنت ساكت… بس بتصرّخ جواك.
وقول إنك مشيت خطوات جوّه قبل ما تمشي برّه.

= طب لو سألوا عنك؟
أقول إيه؟

“قربت منه، ولمحت انعكاسي في عينه، وقلبي بيرتجف،
بس نطقت:

_قول إنك لقيت حد ما سابكش… لما أنت كنت ناوي تسيب نفسك.

|اليوم المنتظر…|

” كان الجو صحو، والسماء ناعمة، والشوارع رايقة على غير العادة.

لبس تيّام قميص أبيض بسيط، وبنطلون رمادي واسع شوية، وشعره متسرّح بنظرة خفيفة.
بس عنيه… كانت هي اللبس الحقيقي.

وصلنا الجاليري.
الناس بدأت تدخل، والصور محطوطة على الحيطان بلطف، في إطار بسيط، بس متين.

صورة تيّام كانت واقفة لوحدها…
كرسي فاضي، وشباك، ونور.

جنبها بطاقة تعريفية صغيرة:
“تيّام عزّام – الصورة اللي كنت بدوّر فيها عليّا.”

والناس؟
وقفت.
واتآثرت وأعجبت .
وتكرم تيام بأفضل صورة على مستوى الجمهورية.
وخدنا الجائزة

وفي آخر القاعة، صحفي شاب قرب منه، وسأله:

= حضرتك المصوّر؟
تيّام بصّ ليّ، وبعدين بص للكاميرا المعلّقة على رقبته.

= أيوه.
أنا اللي كنت مستخبي ورا الكادر… وقررت أرجع قدّامه.

= شايف نفسك إزاي دلوقتي؟
= صورة تحت الإعداد.

“ضحكت وأنا واقفة جنبه… وكنت عارفة،
إن دي مش بس بداية جديدة،
لكنها كمان… شهادة ميلاد لحب، ولسكة طويلة… محتاجة شجاعة.
المفروض إنه هيعزمني زي ما وعدته على النيل.
لكن لقيت تيام مخنوق..زعلان..
مكنتش فاهمة ليـه؟!!. وطلب إننا نروح فورًا.
بعدين عرفت من ثروت إن قرأ كومنتات سيئة على فيس بوك..
أحيانًا تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحة”اغتيـ ـال معنوي” ، حيث يصبح مجرد استخدام الشخص لحقه في التعبير عن حبه لشيء، أو لممارسة هوايات “ذريعة للهجوم عليه” … وكأن الفضاء الرقمي أصبح قاعة محاكمة بلا دفاع!. “

|عدّت شهور.|

مش أسبوع. مش شهر. شهور بتنقط من عمرنا زي ميّاه باردة بتحفر في الحجارة.
والتقدُّم؟
واقف. واقف بصبر، كأنه مش مستني شيء.

تيّام بيتحرّك… بيشتغل على عضلاته زي ما بنقول.
بس رجله؟
لسّه واقفة عند أول خوف.
ما بتسندوش. ما بتكمّلش الخطوة… حتى بعكّاز واحد.

والأغرب؟ تيّام… ساكت.

ما بيصرخش، ما بينفجرش، ما بيهربش زي زمان.
لكن السكون؟
أحيانًا بيبقى الصوت الأعلى… بس محدش بيسمعه.

وأنا؟ كنت بشوف.

كل مرة بعد التمرين، وهو بيشيل الحزام من رجله…
بيبُصّ له كأنه بيتفاوض:
“إنت السبب؟ ولا أنا؟”
كنت بحاول أكون القوية اللي مكانه.
أمدّ له دفعة، أبتسم، أضحّك عليه وعليّا.
بس قلبي؟
كان بيقولّي بصوت واضح:
“هو مش لازم يقوم… بس لازم يفضل عايش.”

جات لحظة… لحظة أشبه بالجفاف.
النوع اللي بيجي من جُوَّه، مش من برا.
اللحظة اللي الواحد يقف فيها قدّام المراية، ويسأل:
“أنا لسه ماشي؟ ولا واقف من زمان؟”

يوم طويل، كنا راجعين سوا من المركز.
العربية الصغيرة، صامته زينا.
أنا بس براقب: نظرة تيّام مش شاردة…
كانت “ساكنة”.
بس مش هادية.
كانت مكسورة… ومكسوفة من كسرها.

فكّيت حزام الأمان، وبصيت له:

_حاسّة إنك بدأت تبعد تاني.

=أنا؟
” ضحك… بس الضحكة طِلع منها تعب”

=أنا هنا… أكتر من أي وقت.
بس رجلي؟
مش هنا.

_رجلك مش كلّك، يا تيّام.
وإنت مش جسمك بس.

=أنا مصوّر، يا نورين…
المصوّر اللي مش قادر يخرج، ولا يِمشي،
هيصوّر إيه؟ ضِلّه؟

“ما قدرتش أرد.
لإنه كان أول مرة يقولها كده.
واضحة، ناصعة.
دي ماكنتش مجرد شكوى. دي كانت اعتراف بالخسارة…
قدّام حلم واقف على الباب ومش لاقي مفتاحه.

قربت منه… وربت على كتفه اللي فيه رعشة ناعمة يمكن دي أول مرة يكون فيها جراءة مني وقلت :

_بس الكاميرا لسه في إيدك.
والدنيا… لسه فيها لقطات مستنياك.

=ومين هيتفرج عليها؟
أنا؟
أنا حتى مش قادر أخرج أجيب لقطة شارع.

والكلمة خرجت منّي فجأة…
كأنها كانت مربوطة في ضلوعي من شهور:

_إعمل جاليري.
عرض.
جاليري باسمك… وبعينك.

=نورين…

_ما تقوليش “نورين” بالنبرة دي!
أنا بتكلم جد… جدًا.

“وقف… مش بس بجسمه، بعينيه اللي اتفتحت على صدمة.
ما بين استنكار… وذرة من أمل خفيف، مستحي.”

=إنتِ عايزة أعمل معرض…
وأنا مش قادر أتحرّك؟
مين هيحضر؟
ده هيبقى عرض شفقة مش عرض صور.

_لأ!
وماينفعش إنت اللي تقول كده.
أنا عمري ما شوفت حد بيشوف الحياة من عدسة الكاميرا زيك.
وإنت نفسك اللي علّمتني إن الصورة مش محتاجة تمشي…
بس محتاجة “رؤية”.
ورؤيتك… بتردّ الروح.
= كان زمان..أنا عدستي مكسورة دلوقت.

_ فوق بقا من الإحباط واليأس ده.

= فوقي انتِ من إنك عايزة تنجحي الحالة بتاعتك، بأي طريقة..

_ حالة؟!.

= أيوة حالة..عايزة تكسبي مشروع رسالتك..

_ رسالتي…مش مشروع ربحي ياتيام بيه، مشروع إنساني بحت…أنا مش مصدقة وداني بجد.

= وأنا مش عارف أصدق إني هقدر أمشي…أنا ايـه اللي خلاني سمعت كلامك…أنا كنت مرتاح.

_ انت كنت عايز ترتاح…بالطريقة الغلط..كنت عايز تنتـ ـحـر.

= انتِ عايزة ايـه..الحالة بتاعتك تنجح..نجحتي يادكتورة.
وتيام حب الحياة، وعلشان حب الحياة حاسس بعجز إنه مش عارف يطمح فيها ويكون له شغف.
علشان حاسس الكرسي ده حاجز مانعه يطير.. فوق.

” سكتنا.
بس السكون المرة دي كان عامل زي ما حد فتح الشباك…
في هوى دخل، وخلّى الورق يترعش على مكتب النَفَس.
وبعدين، اتنفست وعنيا فيها دموع:”

_بطّل تقول إنك مش قادر… وحاجز وعاجز.
لو مشيت على رجل واحدة، مشيت على إتنين…ربنا إداك أربع رجول حتى.
الناس جاية تشوف موهبة تيام..مش تعد صوابع ولا رجليه.
الناس مش جاية تشوف العكاز.
الناس جاية تدور على ضوء…
وأنا شُفت الضوء ده في صورك.

” عينه هربت.
زي طفل في امتحان، مش حافظ ولا سطر… وبيتحاشى عينيّ المعلّمة.

قلت وأنا بنفخ:
_إنت بتهرب، تيّام.
كل مرة نقرب من باب… تهرب.
بس المرّة دي… أنا مش هسيب الباب يتقفل.

=طب ولو فشلنا؟

بصيت له.
قلبه كان واقف على حرف الجملة.

_إنت بتسأل السؤال الغلط.
السؤال الحقيقي هو:
_”طب ولو نجحنا؟”

“وسبته.
وسبت جوا قلبه فكرة.
بس ماكنتش فكرة وخلاص…
كانت “شرارة”…
اسمها: _احتمال._.
لكن مجروحة منه.. حسيت بقلبي بينزف ودي أول مرة أشعر بـده.”

= أنا أسف.

_على ايــه؟

= نورين…

_ نعم.

= ليـكي كام يوم أسلوبك واضح جدًا، إنه متغير.
وأنا كنت رخم جدًا، معاكي حق.
كنت يائس وكمان قلت كلام زي السم..

_ ولا يهمك.

= نورين…خلاص بقى.

_ تيام أنا هقول لك حاجة واحدة بس.
انت بالنسبالي مش حالة.

“بص ليّ وضحك.”

= أومال أبقى ايـه؟ مريض!!

_انت مريض فعلًا..

= طب استنى بس بهزر معاكي..خدي.

” مد ايده ورا الكرسي وخرج وردة لونها أبيض…ريحتها كانت وصلاني من قبل ما ألمسها “

= أنا جايب الوردة مخصوص…تتوسط ليّ وتقولك قد ايـه أنا غبي، وقلبي طيب ومكنتش أقصد.

_ كويس إنك عارفة ياوردة.

= خلي قلبك أبيض زيها وسامحيني.

_ ماشي…بس متقولش الكلام اللي شبه الشرير لأ لأ ده.

= شششس الحيطان ليها ودان.

_ جدع، ابتديت تمشي معايا على الخط.

= هو أنا ينفع أطلب منك طلب؟

_ طلباتك كترت…

= واحد بس.

_ ماشي…

=هو أنا…ينفع…يعني.

_ من متى أنت مريض تعلثم؟!.

= من أسلوبك…بخاف منك على فكرة أنا كنت واد جريء وأعجب.

” ضحت كنت عايزة أقول ومازالت بس..حفاظًا على ماء الوجة لاء لاء عيب”

= ينفع احط الوردة في شعرك.

_ بس من غير ماتلمس وشي أو شعري.

= ودي هعملها إزاي دي؟

_ من بعيد هتحدف الوردة، وهتيجي إن شاء الله في نفس المكان.

= إحنا بنلعب كورة الطايرة يانورين ايـه اللي “أحدف الوردة دي”

_ براحتك.

= خلاص تعالي…يخربيت الرقة

” حاول يقلدني بنفس الطريقة وقال
= أحدف الوردة هتيجي في مكانها…تعالي..تعالي.

” اتكسفت قوي… ونزلت على ركبتي وحاولت أقرب..وهو كان حريص وفعلًا.
دخل ساق الوردة الأخضر في شعري وخلاني كملت أنا “

= سبحان الله.

_ ايـه؟!!

= أنا أعرف البنت بتغير من البنت الأحلى منها.
لكن الورد تغير من حلاوة بنت.
أول مرة أشوفها بصراحة ..
سبحان الله في خلقه شئون.

_ تيـام…أنا ممكن يغمي عليا…سلام عليكم..

” أنا كنت واقعة في حبة…دلوقت مش عارفة أنا كدا واصلة لمرحلة ايـه.!!.
ومن هنا بدأت خطة..”الزنّ على الودان اَمر من السحر.”
بدأت أزنّ.
آه… زنّ.
مش تحفيز، مش تشجيع، مش كلمات إيجابية من نوع: “إنت تقدر”.
زنّ حقيقي.
كل يوم، كل تمرين، كل مرة يعدّي ورايا، يقول لي:

= متقوليهاش تاني..أنا مش هعمل جاليري

وأنا أقول:

_ماشي… بس تخيّل صورتك وسط اللافتات.

= نورين، بلاش…

_ليه؟ خايف تبقى ناجح؟

= أنا مش جاهز.

_وأنا مش مقتنعة.
ولو استنيت “الجاهزية”، عمرك ما هتعمل حاجة.
قولت لك وقت المسابقة الجاهزية وهم..
كلمة صنعناها، كلمة غبية صنعناها علشان نأخر نفسنا وأحنا مرتاحين.

= أنا مصوّر يا نورين، مش فنان تشكيلي.

_يعني إيه؟
المعرض مش رسم على الحيطان.
المعرض حكايات…
وإنت حكايتك، بالصور، تستاهل تتسمع.

” كان بيبص ليّ من غير رد،
بس دمه كان بيغلي، وأنا عارفة.
كان بيهرب بطريقته:
يضغط أكتر في التمارين،
يتعب نفسه،
بس ما يفتحش السيرة تاني.
بس أنا؟
كنت زنّة بطبقة صوت واحدة: الحب.

زنّة مش بتصرّ، زنّة بتفتّح باب ورا باب،
لحد ما تيجي لحظة… ويشع فيها النور.

وليلة معيّنة…
بعد تمرين تقيل جدًا، وأنا بحط التلج على رجله،
قال لي بصوت منخفض:

= طب… لو وافقت…
هتساعديني أجهّز الصور؟
وهتاخدي أجازة من المركز؟.

اتجمّدت.
مش من المفاجأة…
من المعجزة.

بصيت له، ولساني نطق قبل قلبي:

_هساعدك، بس بشرط.

= إيه تاني؟

_ما تبصّش للناس…
بُصّ لنفسك.
الصور دي مش علشانهم.
دي علشانك.

سكت شوية… وبعدين قال:

= يبقى نبدأ من بكرة.

“كنت خلّصت معاه التمرين ، وبلمّ حاجتي وأنا مبسوطة… وأخيرًا هنام فرحانة.
نِمت والابتسامة على وِشي… ابتسامة مُدلّعة، كأني نايمة في حضن السما،
وكأن الملايكة بترفرف حواليّا وبتطبطب عليّ.
لحد الفجر…
تحديدًا الساعة أربعة.

صحيت على _صوت خبط عنيف_.
قلبي اتقلب، واتشلّ في مكانه.
دي أول مرة أتخوّف فيها كده من أول ما سكنت هنا.
أنا كده كده مأمّنة نفسي… الباب مقفول بالمفتاح كويس، والمفتاح في مكانه.

بس الخبط؟
كان زي صيحة في قلب سكون،
بترُجّ الحيطان… وبتُرُجّ قلبي معاهم.

قُمت بسرعة، لبست كويس، وأنا إيدي مش ثابتة، وقلبي بيقرَع زي طبل في جسد فاضي.
قرّبت من الباب… وقبل ما إيدي تلفّ المفتاح، كنت سامعة كل حاجة جوايا بتقول: “ما تفتحيش”.
فتحت.
وعنيا… طلعوا من مكانهم.
الصرخة خرجت من قلبي قبل لساني:

_تــــــــيــــــام.

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية بعدسة مكسورة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!