رواية بعدسة مكسورة الفصل الثالث 3 – بقلم ميرنا ناصر

رواية بعدسة مكسورة – الفصل الثالث

“ساعة وراء الثانية… وأنا ما حرّكتش الملف الخاص به، من إيدي … الورق بيبص ليّ… صامت، ميت… كأنه بيتحداني ألاقي فيه اللي مش مكتوب.
عينيّ تفرّ فيه… نفس الكلمات… نفس الوصف الجاف… لكن ما بين السطور؟ فيه شيء… فيه فجوة ما بتتقالش.

شوفتها في عينيه… لمسة واحدة كانت كافية تخليه يرتجف… ينسحب لجواه… كأنه وقع في فراغ فجأة وما بقاش قادر يلقط نفسه.
حطّيت الملف جانبًا… قمت أمشي في غرفتي … إيديا بتدور في الهوا… كأني عايزة ألمس الحقيقة… لكن الحقيقة مش ملموسة.

مش مجرد ألم جسدي… ده خوف… خوف أعمق من الجرح نفسه… زي ما يكون لحظة… لحظة وحدة… غيرت كل شيء، وماحدش حاول يرجّع اللي اتكسر.

نظرت للمرآة… واجهت نفسي… لكن مش شايفة وجهي، شايفة نظرة تيام ساعة ما حاولت ألمس رجله… التوتر… التشنج… الارتباك اللي فاق أي ألم.
لازم أعرف… مش لأن ده شغلي… مش لأن البحث محتاج تفاصيل أكتر… بل لأن الإنسان اللي قدامي موجوع، ومافيش حد حاول يفهم وجعه.
رجعت للملف… فتحت صفحة جديدة… جزء صغير مكتوب بلغة طبية جافة بخط الأيد … مبتقولش شيء… ولا بتشرح شيء… لكنني أدرك أن ما هو مكتوب أقل من الحقيقة.

«يوجد ضرر عصبي في الرجل الشمال»

كشوية عيني تقع على الجملة دي: ضرر عصبي شديد في الرجل الشمال
بس اللي شُفته النهاردة… كان أعمق من كلمة مكتوبة بخط دكتور مستعجل.
دا مش مجرد تقلص عضلي.
الألم مش بس في الأعصاب… الألم في الذكرى… بس الذكرى دي ايـه ؟… مختبئة، مدفونة تحت حاجز من السكوت.”
أغلقت الملف… أسندت رأسي للخلف… عيني ترتجف بين التفكير والإرهاق.
لازم أوصل .. حتى لو كان خايف يقول…
حتى لو هو مش جاهز يعترف…
أنا جاهزة أسمع.”

| صباح يوم جديد |

” الهواء في المكتب تقيل… مش بس من الإضاءة الخافتة، لكن من التوتر اللي مالي المكان.
أنا قاعدة قدامهم، إيدي مستقرة، ملامحي هادية… لكن جوايا فيه حاجة بتقاوم، بتدفعني إني ما استسلمش.
“دكتور هاشم بيحرك الملف قدامه، نبرته باردة، كأن الكلام اللي بيقوله مش مجرد رأي، لكنه حكم نهائي.

=مفيش أي داعي للاستمرار… حالة تيام مش هتتحسن.
الضرر العصبي واضح وصريح، واللي بتحاولي تعمليه اسمه تضليل نفسي.

” الكلمات بتضرب في دماغي، بتتكرر رغمًا عني، كأنها أمر واقع لازم أصدّقه. لكن أنا مش هصدق.
رفعت عيني ليه، نبرتي خرجت ثابتة، رغم إن قلبي كان بيخبط في قفصي الصدري..وقلت:

_اللي واضح وصريح في الورق… مش دايمًا بيكون الحقيقة يادكتور هاشم.
أنا شوفت في تيام لمعة… لحظة قبول، ولو كانت دقيقة، كفاية أبدأ منها.

“ضحك، ضحكة ناشفة، كلها استهزاء، كأنه شايفني مجرد شخص واهم.”

=لحظة؟ أحنا كدا بنهزر يادكتورة… ده كلام تحفيزي مش علم.
أنا شغال على حالته من وقت إصابته… قبل العملية حتى، وانتِ جاية تتخيلي إنك هتغيري المعادلة!؟”

“حسيت حُرقة في قلبي، لكني كنت عارفة… لو اتكلمت بانفعال، هخسر كل شيء.
بصيت له، نبرة صوتي كانت هادية… لكنها أقوى من أي صياح.”

_أنا مش بتخيل… أنا دكتور نورين موسى الأولى على دفعتى واللي مقدمة لمصر بحثين من أخطر الأبحاث العلمية.
أنا لا بجرّب، ولا بتخيل ، دا علم مش شعارات.
أنا شغلي على ٣ مستويات: نفسي، عصبي، وجسدي… ودي مش مجازفة، دي رسالة علمية متكاملة.

“اتحرك، زفر بقوة، كأنه بيحاول يضغط على آخر فرصة ممكنة عشان ينهى الجلسة.”

=سليم بيه، لو سمحت… اسمحلي أنهي المهزلة دي قبل ما نضر تيام أكتر.

“سليم بيه_ والد تيام _ رفع عينه من الملف… حركة بسيطة، لكنها حمّلت المكان كله بوزن القرار اللي جاي.
سكت لحظة، وبعدين كمل بصوت حاسم، هادي، لكنه قاطع ثم قال:”

– اللي بيقرر مين يبقى حوالين ابني… أنا.
ونورين مش هتمشي، بالعكس… من النهاردة، هتنقل من بيتها لـ تقيم في _بيت الجَنينة_.”

“الكلام ضربني فجأة، رفعت عيني ليه، النبرة اللي خرجت مني كانت مزيج بين الذهول والتساؤل.”

_بيت الجَنينة!؟

“ابتسامة خفيفة رسمها سليم، لكنها كانت مليانة بحكمة عمرها سنوات.”

– أيوة تيام كان بيصور فيه قبل الحادث… وكان شبه مُقيم فيه.
المكان ده حافظ روحه… ويمكن يساعده يفتكر هو كان مين.

“سكت لحظة، وبعدين نظر لي، نظرة كلها وزن.”

_ وانتِ… لو ناوية توصلي له، لازم تكوني في أرضه.

“شعرت بأنفاسي تهتز… قرار زي ده بيغيّر كل شيء.”

= سليم بيه، ده قرار مش مهني.

“وقف، بصّ لدكتور هاشم بصرامة، كلامه خرج بوضوح قاتل.”

– وأنا مش دكتور… أنا أب، ودي فرصته الأخيرة.

“نظر لي، عيونه فيها شيء غريب… شيء بين التحدي والرجاء.”

– لو فشلتي… هتبقي مجرد محاولة زي اللي قبلك.
ولو نجحتي… هتبقي المعجزة اللي مفيش غيرك صدق فيها.

“شعرت بجسمي يثبت، كلمات كتير ممكن تنقال، لكن اللي خرج مني كان بسيط، لكنه مليان بمعناه.”

_ مش عايزة أبقى معجزة…
يا سليم بيه، أنا بدعي من قلبي…لربنا أكون سبب.

“خرجت من المكتب، خطواتي كانت واثقة، لكن جوايا كان فيه موجة مش مفهومة… عيني كانت مليانة تصميم، لكن التفكير كان بيطرق في دماغي، بيحفر أسئلة ما لهاش إجابات سهلة.
“دخلت غرفته … وقلبي بيدق بحماس مش مفهوم.
رحلة النهارده مكنتش ناوية أبدأها بطب ولا ورق… كنت ناوية أبدأها ببشر.
فتحت الباب بهدوء… بس صوتي سبقني.”

_يا صباح الخير يا أستاذ تيام!

“كان قاعد زي ما هو، ظهره للنور… ساكت، كإنه فقد الأمل من كتر ما حاول.
بس أنا كنت متأكدة إن يومه النهاردة، هيكون نقطة تحوّل.
فتحت الستاير… الشمس دخلت كأنها كانت محبوسة.
شغّلت أغنية لفيروز، وبدأت ألف حوالين المكان بحماس…
زي نحلة بتدور على أول وردة تتفتح.
وهو؟.
ما اتحركش، طلّعت النوت من الشنطة… وجنبها وردة دبلانة، باين عليها تعب السنين…شبه ميته.
بس أنا شايفة فيها نفس اللي شايفاه فيه.
حطّيتهم قدّامه، وقلبي بيرجف… لكن صوتي خرج خفيف.”

_عارف الوردة دي؟ شوفتها عند صاحب المحل… عجبتني، وجبتها لك.

“بص لي وليها بقرف… وسكت”

_عرفت من الملف إنك ليك أكتر من ٦ شهور ما نزلتش الجنينة.

= بكرهها.

_إنت بتتكلم زينا عادي… كنت فكراك بالع لسانك.

= إنتِ جايبة الطاقة دي منين… مبتتهديش؟

_صلّيت… فطرت… سمعت أغنية بحبها… شوفت ورد واشتريت لك وردة…
“وطّيت صوتي وهمست”
_وأقولك سر؟! مديني طاقة زيادة.

“ابتسم لي لأول مرة وقال: “
= إيه؟

“اتكلمت بهمس”
_انتصرت على “الشرير لأ لأ”.

” بص لي باستغراب”
=إيه؟!!ميـن ده؟

_ششش… وطي صوتك، ودانه كبيرة وممكن يسمعنا.

“ضحك بصوت عالٍ، قههه”

_ دكتور هاشم! سميتيه “الشرير لأ لأ” ليه؟

_علشان شرير بجد… وبيقول لا كتير…محبط.

= دكتور هاشم!…

_ششش، بقولك ودانه كبيرة…
انت جاي تتعرّف عليه دلوقتي!_

= انتِ متنمّرة.

_عادة سيئة، صح؟

= جدًا… بس دمّك خفيف.

_طالما ضحكت… أقبل عزومتي.

= متنمّرة… ومصلحنجيّة.

_أوقات.

= عازماني فين؟

_في الجنينة عندكم.

= وبخيلة…

_أنا مستنية أول الشهر… وهخرجك خروجة جامدة.

“بص لي وهو بيضحك… وسكت.
ما قالش حاجة، بس عينه وقعت على الوردة.”

“ضحكت، وبصيت له بابتسامة خفيفة.”

_شبهك بالملي.

= أنا؟!

_مش عارفة بتتصدم ليه كده…
مش انت قلت لي إنك ميت؟

= فـ تجيبي لي وردة ميّتة؟
كنتي جبتي كفن أشيك!

_محبتش نوع الماتريل بتاعته…
وبعدين عم سعيد عطاني الوردة ببلاش.

= كمان…

“ضحك… ضحكته كانت حقيقية.
ضحكة وراها شهور صمت.
“ونزلنا… وإحنا بنضحك، للجنينة.
أول خطوة اتاخدت برّاه، برّه وحدته، برّه غرفته .
وفي الفيلا؟ الكل كان مستغرب…
فيه اللي مذهول، واللي مبسوط، واللي بيدعي.
عدا الشرير لأ لأ طبعًا.
لكن أنا؟
كنت حاسة إني انتصرت… مش على تيام،
ولا على الوردة…
لكن على السكون اللي كان بيبلعنا سوا..
الهواء كان ساكن، لكنه مش فارغ… كان محمّل بحاجات مش باينة، حاجات عالقة، ذكريات مختفية وسط تفاصيل الجنينة اللي اتغطّت بالغبار مع الوقت.
جلست قدامه، حاسّة إن المسافة بينّا مش بس جسدية، لكنها مليانة بسنين من الصمت، وده كان لازم يتغيّر النهاردة.
مسكت الوردة بين إيدي، قلّبتها، لمست أوراقها الذابلة بأطراف صوابعي… كانت خفيفة، كأنها فقدت وزنها مع الوقت.
لكن رغم كل حاجة، أنا كنت شايفة فيها شيء غير الموت.

_بص فيها كدا.

“نظر لي، ثم للوردة بين إيدي، وبعد لحظة قصيرة، حرّكها بين صوابعه، كأنه بيختبرها.”

= شكلها وحش جدًا… بس هقبلها.

_ليه؟

= علشان دي أول مرة حد يجب ليّ هدية من فترة.

“نظرت له للحظة، مسحت ضحكة صغيرة على شفايفي، لكن جوايا كنت مستوعبة وزن الجملة دي… أول مرة حد يجب له حاجة؟
الهدية عمرها ما بتكون مجرد شيء… هي رسالة، وللأسف تيام ما كانش وصله غير رسائل الوحدة طول الفترة اللي فاتت.
حرّكت الوردة بين إيدي، لامست بتلاتها الذابلة، ثم نظرت له من جديد.”

_عارف ليه قلت لك إن الوردة شبهك؟

= علشان قلت لك إمبارح إني ميت.

“ابتسمت بخفة، ثم أزحت بتلاتها برفق، كشفّت له اللي تحتها… بذور صغيرة، شبه ما لهاش وزن، لكنها موجودة.”

_عم سعيد قال لي زمان، في نوع ورد حتى لو مات، ما بنرميهوش.

= ليه؟

_لأن فيها حياة… هشرح لك عملي.
دي مش مجرد وردة ميتة… دي بداية لشيء جديد، لو حد قرر يديه لها فرصة.

“نظر لي نظرة قصيرة، سريعة، كأنه مش مقتنع لكنه بيسمع… يمكن لأول مرة فعلاً بيسمع.”

= اللي مات ممكن يرجع؟

“رفعت نظري ليه، ابتسمت ابتسامة خفيفة، بدون ما أحاول أفرض عليه أي حاجة… كان لازم يفهمها بنفسه.”

_ مش بيرجع زي ما كان… لكنه ممكن يبدأ من جديد.
دا حتى الموت الحقيقي..هي بداية لحياة أبدية مختلفة.

“أمسكت بذرة صغيرة بين أصابعي، قلبتها، كانت شبه مكسورة، لكن مش معدومة… فيها أمل، ولو بسيط.”

_بص دي… بذورها.
الوردة الميتة دي، اللي ممكن تداس، لو أخذت بذورها وهي ناضجة، ودبلت بعد ما نضجت… لو زرعتها ممكن تتغير، تبقى شكل تاني، حياة تانية، لكن الأساس؟… موجود.
هي نفس الوردة اللي دبلت… ممكن تعمل منها بستان.

“تيام لمس الوردة بين صوابعه، ضغط عليها ببطء… كأنه بيختبر هشاشتها، أو يمكن بيقيس الكلام اللي بيوصل له لأول مرة.”

= أنا مش شايف ده فيّا…

“كلماته طلعت شبه هامسة، مش موجّهة لي قد ما كانت موجّهة لنفسه.”

_يمكن علشان محدش قال لك ده، يمكن مديتش نفسك فرصة زي الوردة.

= الوردة الميتة أدّت فرصة إزاي؟

_المقارنة بينكم مش كاملة، انت بني آدم وهي نبات، لكن فيكم صفة مشتركة.
هي… سابت اللي حواليها يساعدوها، حافظت على أوراقها علشان تحافظ على أساسها، البذور… علشان ما تفضلش ميتة.
وانت؟
مش لازم تفضل زي ما أنت دلوقتي.

“نظر لي لحظة، طويلة أكتر من المعتاد… ثم رجع نظره للوردة، صامتة بين إيديه، كأنها بتردّ عليه بدون ما تتكلم.”
ثبت نظره على الوردة، وعلى أصابعه اللي بدأ يحركها بين يديه، كأنه لأول مرة بيحاول يكتشف شيء مش شايفه قبل كده.”

_يلا نزرعها، ونشوف مين فيكم هيثمر ويكبر أكتر.

= نورين…

_ نعم؟

= أنا عايز أجرب… زيها…عايزة أدي نفسي فرصة.

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية بعدسة مكسورة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!