رواية بعدسة مكسورة – الفصل الرابع
“ماعرفش اللحظة اللي بدأ فيها يومنا، تحوّل من مجرد خُطوة بسيطة… لعلامة فارقة.
اليوم ده كنا لوحدنا… أنا وتيام، وسط الجنينة، والشتلات الصغيرة اللي في عزّ براءتها لسه مش عارفة هي رايحة على فين… زينا بالظبط.
قرّرنا نبدأ من أول وجديد. نزرعها سوا.
مش بس تراب ونبات… لأ، نزرع إحساس، وذكرى، وحياة يمكن كانت اتبهتت منّا.
كان ماسك أول شتلة بإيده بعد المساعد الخاص نزله من على الكرسي وجلسنا في الارض.
ايده اللي بترتعش…
فيها رهبة، فيها وجع… وفيها حاجة عميقة مش قادر يسميها.
بس أنا كنت شايفاها في عينه.
نظراته كانت غريبة… فيها خوف، بس كمان فيها لمعة.
اللي يعرف تيام… يعرف إن اللمعة دي زمان اختفت.
قضّينا وقت طويل… ماكناش بنتكلم كتير.
بس كل لحظة كانت بتنطق.
كنت على وشك أسأله:”
_حاسس بـ ايـه دلوقت ؟
بس سكتّ…
مكنتش عايزة أقطع لحظة كان فيها بيبدأ يسمع صوته جواه.
لحد ما…
= هو دا ابني؟!
“الصوت جه ورايا… تلفتنا سوا، كان سليم بيه…
واقف على أول سلمة، ببدلته الكلاسيك، ونظرة مش مصدقة اللي قدّامه.
ساعتها حسيت إن الزمن بيضحك.
سليم من بعيد، بصوت واطي:”
= مش مصدق… تيام في الجنينة؟
بتراب في إيده بدل الكاميرا؟!
” تيام بهدوء مهزوز”:
= بنزرع…
أنا ونورين.
سليم بهدوء :
= نورين… دكتورة نورين؟
_أيوه، يا فندم.
“قرب…
سكت شوية، وبص لتيام، كأنه بيشوفه لأول مرة.”
“سليم بص له :”
= كنت فاكر ابني راح…
من ساعة الحادثة وأنا شايفك ظلّ إنسان.
بس دلوقتي…
أنا شايفك… عايش.
“تيام بص ليّ ليه: “
= يمكن كنت محتاج أختفي… عشان أرجع.
اللي حصل يومها، مكنش صدفة.
“كنت حاسة إننا في لحظة هدوء نادرة، كأنها استراحة من كل شيء.
لكن دخول السواق بشنط كبيرة… كان بمثابة رعد هز الأرض تحت تيام.
وقف السواق بأدب قدام سليم بيه، صوته ثابت، لكنه كسر السَّكينة اللي حوالينا ثم قال:”
= كل حاجة دكتورة نورين جاهزة يا سليم بيه… هدخلهم فين؟
” سليم بيه، من غير حتى ما يبص لتيام، قالها بجملة قصيرة، قاطعة، كأنها أمر حتمي.”
سليم بيه:
= دخّلهم بيت الجنينة.
دي هتعيش هنا الفترة الجاية.
“الارتطام جوا تيام كان واضح…
مش صوت عالي، مش رد فعل عنيف…
لكنني شُفته في طريقة عضّه لشفايفه، في الرعشة الخفيفة اللي عدّت في إيده قبل ما يسيبها تسكن على الكرسي.”
“تيام بصوت متماسك، لكن فيه غليان:”
= أنا عايز أطلع أوضتي.
“أنا قربت. كنت هساعده.
لكن قبل حتى ما أمدّ إيدي، هو سبقني بحركة بسيطة… بس قاطعة.
مدّ إيده بعيد عنيوتحرك بالكرسي وحده ، ونادى على المساعد بتاعه يسبقه.
الصوت كان بارد، مضبوط، كأن الغضب اللي جواه متحوّل لجليد.
مشيت وراهم…وأنا مش فاهمة رد الفعل لكن صعدت لغرفته مع المساعد الخاص.”
تيام:
= هاتني من على الكرسي…
وودّيني السرير.
“المساعد تحرك فورًا، كأنه عارف إن ده مش وقت تردد.
شاله برفق، زي ما متعود…
لكن تيام اللي كان بين إيديه، كان أضعف، أثقل…
كأن جسده بيشدّ قلبه معاه، وهو بيتنقل من الكرسي للسرير.
وأنا… كنت واقفة.
ساكتة.
حاسّة بإن كل خطوة بيبعده عني أكتر.
هو ما بصليش، ما قالش أي حاجة تخصني.
لكن الصمت كان واضح…
تيام مش عايزني هناك، مش عايزيني في بيت الجنينة
خرج المساعد… وسابني واقفة.
ثواني عدّت وكأنها عمر.
بعدين سمعت صوتي بيطلع مني، ناعم، هادي، بس كان فيه شجن مبطن…
كأني بحاول ألاقي مكان وسط المساحات اللي بيحاول يبعدني عنها.
قلت بهدوء:”
_أنا ممكن آخد أي أوضة في الفيلا يا تيام…
لو وجودي هناك هيضايقك.
” لكن تيام…ما رَدّش.
ما رِمش… ما اتحرّكش حتى.
كان باصص للسقف، كأنه مش سامعني…أو يمكن سامعني،
بس مش قادر يواجه الرد.
فضلت واقفة،وقلبي بيقولي استنّي،
بس كرامتي كانت بتشدّ فِيّ…لفيت بهدوء…وخرجت من الأوضة.
الممر كان فاضي، لكن الجوّ مش فاضي… فيه وَجَع بيتمشّى على أطراف صوابعي.
مشيت ناحية السلالم، وصوت خطواتي على الرخام بيكبر في وداني…
كأنّه بيقولي: “انتِ مش هتقدري.. تيام صعب وأغلب الوقت مش مفهوم.
بعد مفاوضات مع سليم بيه بعدم إقامتي في بيت الجنينة
طلعت فوق.
كنت بدوَّر على أوضة فاضية… لكن الحقيقة؟
كنت بدوّر على حتّة أستخبى فيها منّي…حسيت بيأس أصابني.
لقيت غرفة على اليمين.
فتحت الباب ببطء…ودخلت.
قفلت الباب ورايا، وبَصيت حواليا… الحيطة، السرير، الدولاب، المكتب… الضلمة…
بس ولا حاجة حسّتني إني كويسة.. ونمت.. نوم عميق.”
|فجر يوم جديد|
“مع أول نَسَمة عدّت من شُبَّاك الأوضة، صَحيتُ.
كان في إحساس داخلي بيشدّني ناحية حاجة…
كأن فيه بابًا مَقفولًا جوّا قلبه، وأنا لازم ألاقي مفتاحه.
النهارده… أنزل بيت الجَنينة…أكيد في سر.
خطيت على السلالم ببطء،
الدنيا لسه نايِمة، بس الشمس بتتحرّك بهدوء على الحيطان.
وصلتُ لباب البيت.
كان شِبه مفتوح،
كأن فيه حدّ خرج منه مُستعجِلًا…
أو عُمره ما اتقفل كويس بعد آخر مرة.
فتحته.
ودخلت.
أول حاجة حسّيت بيها… إن ده مش بيت.
ده متحف حياة.
الصمت كان ثَقيلًا،
بس كل شيء جوّه بينطِق.
حَوائط مليانة صور…
مش صور عاديَّة.
لقطات مُشبعة حياة.
وجوه ناس بتضحك، بتبكي، بتندهِش.
لحظات مَنسيَّة متعلّقة في براويز سوداء وفِضّية،
مرصوصة بتناسُق يشبه اللي بيحصُل في دماغ فنان.
لكن…
نُصّ الصور مكسوره.
البراويز مَشروخة،كأن حدّ هشمها ،كأنها مشاهد واجِعة ملهاش مكان تاني.
وفي كل رُكن… كاميرات.
كاميرات بكل الأحجام:
كلاسيكيَّة، ديچيتال، بولارويد…
مُعلَّقة زي شهادات ميلاد اللحظات.
وعلى الطاولة جنب الحيطة،
جَوايز كتير، مَحفور عليها اسمُه:
“تيام عزّام – أفضل لَقطة إنسانية – باريس”
“تيام عزّام – الفوتوغرافيا كمرآة الروح – دبي”
وشهادة شَرَفيَّة من واحدة من أكبر مجلات التصوير.
_هو ده نفس الإنسان البائس اللي فوق؟
_ده اللي قاعد فوق زي ظِلّ نفسه؟
_اللي ساكِت ومُطفِّي؟
_ده كان بيشوف العالم من زَوايا محدّش يعرف يوصلها؟
فيه أوضة صغيرة مفتوحة…بداخلها استوديو تصوير كامل.
خَلفيَّات، إضاءات، حامِلات، رفوف مملوءة بعدسات،
ومجموعة نوتات مكتوب عليها بخط إيده:
مشروع “قلبها لما شافني”
مشروع ” طفلة في ثوب عروس”
– وأخر نوتة مكتوب عليها:
“البُعد بيكشف الوَجع”
لكن دي الوحيدة اللي متشخبط عليها
لكن فيه حاجة تكسَّر القلب…رُكن صغير، فوقه صورة واحدة. صورتها… خطيبته.
نفس البنت اللي في الصور المكسورة.
بس هنا… الصورة متعلّقة لوحدها، مُعلَّقة بشريط لاصق من فوق، والزجاج بتاعها مش مكسور.
جنب الصورة، فيه كاميرا مَحطوطة كأنها ما اشتغلتش من بعدها.
مفيش غُبار عليها،لكن شكلها…قربت من الرّف اللي تحت صور الجَوايز،
لقيت كشكول قديم، غلافه متبهدل، ومنبعج من الأطراف.
نُصّه متقطّع، أوراقه طالعة ومبهدلة، كأنها اتشالت بإيدين غاضبة… أو مكسورة.
فتحته.
كان فيه سطور مكتوبة بخطّ إيد مُتوتّر، سريع، مش منتظم،
كأنّ اللي بيكتب مش قادر يسبق دماغه.
“محدِّش فاهم أنا شايف إيه…
ومحدِّش عارف أنا شُفت إيه…
ومحدِّش هيصدّق اللي أنا فيه.”
قريت السطور كذا مرة…وكل مرة كانت بتحفر أعمق.
الكلمات كانت بسيطة،لكن وراها عمق يخوّف.
حسّيت كأني سمعت صوت قلبه وهو بيصرخ…مش بالكلام،
بس من تَقَطُّع الورق، ومن ضغط القلم اللي سايب حُفرة خفيفة في الصفحة.
هو كان لوحده…. وكلّ الحكاية دي،مدفونة هنا.
في الورق،وفي العدسات، وفي البراويز اللي مَشروخة.
وفجأة…حسّيت بخطوات.
تيام… واقف عند باب الاستوديو.. مش بيتكلم.
لكن باصص ليّ.
نَظرة…ما فيهاش غضب، ولا لوم.
لكن فيها ألف سؤال، وألف وجع.
فيها: “لِيه جيتي هنا؟”
وفيها: “كُنتي لازم تشوفي.”
قلت له، بصوت واطي:
_ما فتحتش حاجة… كله كان مفتوح.
..أنا…كان عندي فضول فاهمني؟
“ما رَدّش.بس عيونه كانت بتتكلم.
نظراته كانت هادية…لكن جوّاها حوار طويل مالوش صوت.
مشيت ناحيته بهدوء، وسَبِت النوتة مكانها…مكانها اللي كان فيه من الأول.
ما زِحتش حاجة،أنا ما كُنتش بفتش فِيه…أنا كنت بلِمّ فتافيت قلبه من وجع المكان اللي لاحظت عليه أمس.”
_دي خَطيبتُك… مش كده؟
“سألتُه بصوتٍ منخفض لكنه ثابت.
لحظة صمت… بعدها صوت الكرسي المتحرِّك يقترب بسرعة الباب يُفتَح بعُنف.
تيام صرخ، صوته خَرَج زي طَعنَة:”
=إيه اللي دَخَّلكِ الجزء ده من البيت؟!
لو كنتِ هتعيشي هنا… كنتِ تفضّلي في الجزء التاني.
“ما رمشتُش… ما تراجعتُش كنتُ حاسّة بالارتباك جُوَّايا، لكنّي قاومتُه.
قلت له، بصوتٍ هادئ لكنه ثابت:
_بس إنتَ اللي جبتني هنا… بعينيكَ…
بنَظْرتكَ للمكان ده بغضبك لما جات سيرته.
” تيام سكت لحظة، ينظرُ حَولَه كأنه يُشاهد الفوضى لأول مرة… يرى الحكاية كلها واقعةً حواليه، كأنها تنتظر اعترافًا منه.
اقتربتُ من الدولاب،أمسكتُ بالمقبض البارد، وسحبتُ الباب الخشبي القديم…
قلت، بصوت أهدأ لكنه أشدّ وقعًا:”
_في أوضة كاملة هنا… ما فيهاش غُبار زي باقي البيت…
الكاميرا دي مش عليها تراب…
وفي بصمات… كفوفُك واضحةٌ على المرآة…
أنتَ بتدخل الأوضة دي كل يوم، مش كده؟
“رأيتُه يهز رأسه بالنفي…
عينيه تزُوغ…
ثم ينفجر.
صوته خرج مبحوحًا أولًا، ثم تحطّم إلى صرخة:”
= حبيتها!!!
كنتُ بثِق فيها… كانت شريكة أحلامي…
كنتُ بقول: دي ظهري… سَندي…
قالها، وعيناهُ تدمعُ، صرخته تتكسّر:
=سلَّمتْني زي أي نَذلةٍ خسيسة…
بشوية فلوس؟! ولا مركز؟!”كانت واقفة هناك… وأنا أُضرَب. أُضرَب وأنا مش عارف ليه… أكيد مخانتش السر اللي أوْتَمَنْتُها عليه.
ماكنتش عارف أنا متَّهَم بـ ايه… شعرت برجليّ تثقل.
وكانتْ عارفة كلَّ حاجة… وساكتة!!!.
“رأيتُ تيام يَهتزّ.
بصوته الواهن، وبعيونه التي فقدت لمعانها، همسها
ولما هَربت… ضَحِكت…
ضَحِكَتْ!، كأنَّ الموتَ كان محتومًا
وأنا مجردُ محطةٍ، خلَصَت، وترِمَت.
رأيته يسقُط على نفسه، لكنه لا يسقُط.
كأنّه يتقلّص.
مددتُ يدي، تردّدتُ للحظة…لكنّي لم أَلمسْه.”
قلتُ له، همستُ:
_بس إنتَ لِسه حيّ… ولسه فيكَ كتير…
حتى لو هي رَمَتكَ… في حدٍّ تاني شافَك… وبيشوفُك.
” كان صمتُه أثقل من أي انهيار.
صدرُه يَهتزّ من البُكاء، من الصمت، من اللاشيء.
وبصوتٍ مكسور، قال:”
=أنا مش قادر أصدّق إن دي كانتْ هي…
أنا كنتُ هَضحّي بكلِّ حاجة علشانها.
_بس دلوقتي… إنتَ اللي محتاج تضحّي علشانك.
ثم سألته:
_إيه اللي حصل بالظبط ؟!
“نطقتها وأنا ببُصّ على صور خَطيبته…
صورة مكسورة من كُتر ما اتشافِت واترَمِت واترفَعت واترَمِت تاني.”
_وسلَّمتك لمين؟ يعني اللي حصل لك ده حادثةٌ مُدبَّرة؟
“لفيتُ له، صوتي عالي رغم إنِّي كنتُ هامسةً…”
_بس ده مش مكتوب في التقرير… مكتوب إن العربية فقدَت الفرامل!
“سكتُ شوية، وبعدين الكلام خرج مني غصبًا عني ، مزيجٌ بين خوفٍ وريبةٍ:”
_واشمعنا رجلُك الشِّمال هي اللي…؟!. أنا حاسَّة إني تايهة…
تايهة وسطَ الكلام والصورِ والنوتةِ اللي فيها ورقٌ متقطِّع…
“سكتّ ، من غير ما ألتفت له مدَّيتُ له النوتة.
لكنَّه ما كانش بيرد… ما كانش بيتنفَّس حتى…
كأنه مش هنا…
ولما رفعتُ عينَي…ما كانش فعلًا هنا.”
اختفى.
قمتُ بسرعة،قلبي وقع في الأرض،بقيتُ ألفّ في المكان زي التايهة،كلُّ الصورِ بقيتْ بتخضّني ،
كلُّ التفاصيل بتنهشني.
خرجتُ من البيت وقلبي بيخبط في ضلوعي.
_تيام!!!
“صوتي كان بيعلو أكتر ،
بيكسِر الصمتَ اللي كان طاغيًا على الفيلا كلها.”
_تيام… فين؟!!
“الكلُّ طَلَع، الكلُّ دَوَّر…لكن مافيش أثر.
عدَّتْ ساعاتٌ طويلةٌ…تقيلةٌ…مرعِبةٌ.
كنتُ خايفة ينتحر…
كنتُ مرعوبةً يكون حصل له حاجة،
وأني كنتُ آخر حدٍّ شافه وهو بيتكسَرُ حرفيًا.”
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية بعدسة مكسورة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.