رواية بعدسة مكسورة – الفصل الثاني
“مفيش صوت… إلا صوت لهاثي وأنا بجري.
لسعة نار كانت أبرد من اللي حسّيته في ضهري.
لسعة شك، لسعة خوف… ولسعة إحساس أكبر بكتير: هو مش بيهدد. ده ناوي يخلص.
والنار؟ ابتدت فعلًا تمسك في طرف الستارة، تلتهم القماش ببطء، كأنها بتختبر صبره… وصبري… الحياة كلها.”
صرخت، وصوتي خرج مهزوزًا رغم محاولتي إنه يبقى قوي:
_تيام!! إنت بتعمل إيه يا مجنون؟!
“ما ردش.
عيونه سابحة في اللاشيء… كأنه خرج برا اللحظة، برا الأوضة، برا الحياة.
وملامحه؟
مفيش ذرة ندم.
كأنه كان مستني اللحظة دي بقاله شهور، وكأن الحريق مش شيء خارج عنه، بل امتداد للحالة اللي هو فيها.”
قربت، قلبي بينبض في وداني، عقلي بيصرخ:
“الوقت بيخلص… النار هتاكل الأوضة.”
مسكت إيده بعنف، هزّيته كأني بحاول أرجّ روحه اللي واضح إنها خرجت من جسمه قبل الحريق بكتير.”
_بُص ليّ! أنا هنا! بُص ليّ يا تيام!
“صرخ، حاول يبعدني… بس كنت أسرع.
سحبت الولاعة من إيده، ورميتها بعيد.
بإيدي التانية، سحبت الستارة المشتعلة، رميتُها على الأرض، ودست عليها بكل قوتي.
الدخان كان بيخنق، لكنه كان أهون من الخوف اللي بيخنق قلبي من جوه.
جريت وأنا بصرخ، شدّيت لحاف كبير، حاولت أطفي الدنيا… وما زلت بصرخ…
لحد ما كسروا الباب، والخدم بدأوا يتعاملوا معايا.
أنا لحقت… آه، بس اللحظة دي؟
لحظة كأنها نزاع بين الحياة والموت، مش مجرد إنقاذ من حريق.
قاعد على الكرسي، ساكت، بيترعش.
مش من النار…
منه.
من اللي جواه.
” قعدت على الأرض قدامه، وقلبي بيترجّ، بس صوتي كان ثابت:
_أنا قولتلك… مش همشي. حتى من وسط النار.
_”ما ردش.
بس عيونه… كانت زي عدسة مكسورة فعلاً.
شايفة بس مش قادرة تركز.
بتلمع… بس متغرّقة بغبار، وحزن، وذنب.”
_تيــــام!.
“ما ردش… واقف، ثابت، عينه في الأرض، والولاعة اللي كانت في إيده بقت بعيدة.
بس عيونه؟
عيونه كانت متكلمة أكتر من أي صراخ.”
_ إنت اتجننت؟!! كنت ناوي تعمل إيه؟
“لف لي ببطء، نظراته مش فيها اعتذار…
بالعكس، فيها هدوء مرعب.
هدوء الواحد بيوصل له بعد ما يتعب من كل أنواع الغضب.”
= كنت بجرب… هشوف مين هيجري عليا.
_تجرب؟!! انت بتهزر.. إنت بتلعب بحياتك؟!
“ضحك… ضحكة خافتة، موجوعة.”
= هي لسه حياة؟!
ما أنا أصلاً بقيت بقايا بني آدم… بقيت فقرة في ملف، حالة في تقرير…
وحتى انتِ، جاية تكبري بيّا، تكتبي في رسالتك إني إنجاز.”
“وقف قدامي، بصّ لي… بقوة خالية من الأمل.”
= بس أنا مش مشروع، ومش هسيب حد يعاملني كده… حتى لو كنتي أنقذتيني
_المفروض ميكونش في أي حاجة تعرضك للخطر.. الولاعة دي جات إزاي؟
= مدخن من ست شهور.
_مدخن؟!! دا انت مريض شعب هوائية؟!
_”خطيت ناحيته، ماهمّنيش أي كلمة، ماهمّنيش غير إن قلبه بينزف بصمت… وده أخطر من أي حريقة.”
= أنا مش عايز حد ينقذني.
_أنا ما أنقذتْكش علشانك بس… أنا أنقذت نفسي كمان.
لأني لو كنت سبتك تو لّع، عمري ما كنت هسامح نفسي.
وكنت هموت معاك.. وأنا بحب الحياة وبحبها قوي كمان.
= سامحي نفسك من دلوقتي… لأني هولّعها تاني لو فكرتي إنك ممكن تغيّري حاجة.
_جرب…
جرب تبقى بني آدم مش بيعاقب كل اللي حواليه على إنه اتحطم.
جرب تبقى صادق مع نفسك لأول مرة، واعترف…
إنت مش بتكره الحياة، ولا بتكره الطب، إنت بتكره نفسك.
“الكلمات خبطت فيه، زي طلقة من غير صوت.
رمش بسرعة، كأن الجملة وجعته فعلاً.”
= براااااا…
اطلعي براااا دلوقتي قبل ما أخرج عن شعوري.
_ما اتحركتش.
بالعكس، قربت أكتر، وقفت قدامه، وجهي في وجهه، عيني في عينه.”
_خرجت فعلًا عن شعورك…
بدليل الولاعة…
أنا مش همشي يا أستاذ تيام..وعايز تنـ ـتحر تاني أو لو حتى عايز تجرب هلحقك، تاني، وتالت، ورابع…
لحد ما تيام يرجع يتنفس من غير ما يخاف من نفسه.
_”بصلي، ووشه بيقع قدامي، مش حرفي، لكن انهيار صامت…
عيونه بتهرب، وشفايفه بتتحرك من غير صوت.”
= مش قادر…
أنا مش قادر أكون الشخص اللي انكسر قدام الكل… والناس مستنياه يرجع بطل.
_وأنا مش مستنياك تكون بطل…
أنا مستنياك تكون إنسان… بس إنسان حقيقي.
“سكت…
وبعدين… فجأة، صوت طالع منه بصوت واطي، كأنه بيكلم نفسه أكتر ما بيكلمني.”
= أنا نايم على سرير بقالي شهور…
بسمع نفس العبارات من كل دكتور…
«إنت قوي…»، «بس في أمل»…
إنتِ فاهمة؟
أنا مشكلتي مش بس في جسمي، مشكلتي في إني ماعدتش مصدق الكلام.
_”اقتربت، ولمست الكرسي بلُطف.”
_يبقى تعال نكذب الكلام ده سوا.
أنا مش جاية أقنعك إنك هتمشي…
بس هقنعك إنك ممكن تعيش… وتبطل تهرب.
= الهرب الوحيد اللي ريّحني.
_بس ولا مرة نجاك.
_”سكت.
جسمه ارتخى في الكرسي، زي حد سلّم… مش ليا، لكن لتعبه.
وبنظرة سابها على الأرض، قال:
= انتي ناوية تفضلي هنا ليه؟
أنا ما بقيتش حتى عايز العلاج.
_أنا جاية لنفسي قبل ما أكون جاية ليك.
أنا كمان عندي ألم… وأنت ممكن تبقى أول واحد يشوفه.
_”رفع عينه، ببطء، وكأن جملة «أنا عندي ألم» خبطت في حاجة حقيقية عنده.
ولأول مرة، ما قالش رد لاذع، ولا رمش سخرية.
سكت… وسابني أكمل.”
_أنا مش جاية أعمل مجد علمي ولا أكون جزء من “إنجاز” في مجال العلاج…
أنا جاية… علشان حاجة تانية خالص هتعرفها بعدين.
جاية…أشوف لو في احتمال واحد من ألف… إنك ترجع تصدّق نفسك.
مش تمشي… تصدّق.
= وجايبة معاك إيه؟ عصاية سحرية؟
_لا…
بس جايبة تمارين… وجلسة… وصبر
وعندي حكاية حلوة… لو سبتني أبدأ، هتسمعها.
_”وقف صامت… بص في الأرض، ثم رفع راسه…
ونطقها، زي اللي استسلم لنسمة بعد عاصفة.”
= جلسة واحدة؟.
_جلسة واحدة… وأنت اللي تحكم بعدها.
“بس في اللحظة دي… وأنا بمدّ يدي على الطاولة…
سمعت صوته:”
= على فكرة… دي أول مرة من سنة أوافق على إني أرجع أسمع كلام دكتور.
_”وقفت لحظة… وبصيت له بابتسامة دافية، وقلت:”
_ياسيدي شكرًا… اعتبر إنك بترد لي جميل إننا انقذتنا من التو ليعة اللي كنت هتو لّعها لنا…
= من بكره إن شاء الله… أنا مش قادر النهارده.
_اتفقنا، أبقى راجع بقى الله سبحانه وتعالى.. اللي بتطلب مشيئته بيحرم الانتـ ـحار. سلام.
” بعد ساعات…
الليل نزل بهدوء، لكن عقلي كان صاخبًا.
كنت قاعدة في البلكونة، ملفوفة في بطانية، والهواء البارد بيحاول يسرق انتباهي من الأفكار اللي مالياني.
مش قادر أنسى… مش قادر أرتاح.
مش بسبب الحريق،
بل بسبب “تيام”
شفت في عيونه حاجة أعمق من أي لهب، حاجة خلت قلبي ينقبض أكتر من لحظة اشتعال الستارة.
وجع… استسلام… محاولة صامتة للصراخ وسط حياة بقت خانقة عليه.
وقررت.
أنا مش هسيبه يغرق في نفسه.
مش هسيبه ينكسر أكتر من كده.
حتى لو اضطرّيت أبدأ معاه من أول خطوة… حتى لو كانت البداية شبه مستحيلة.
| تاني يوم – الساعة 8 صباحًا – غرفة تيام|
“دخلت الأوضة بهدوء، كنت عارفة إنه صاحي، حتى لو كان عامل نفسه بعيد عن العالم.
لما شافني… سكت.
قربت، وقفت قدامه، وأنا شايلة شنطة صغيرة.”
لازم أبدأ… لازم أفتّح باب الرحلة دي بأي طريقة.”
_صباح الخير ياأستاذ تيام.
= صباح…؟!
_آه، صباح.
لأننا لسه هنا، ولسه عندنا فرصة.
“بصلي، بس المرة دي من غير تحدي، من غير هروب.
كأنه بيحاول يفهم ليه أنا لسه هنا… ليه ما مشيتش زي غيري.”
_إحنا هنعمل حاجة جديدة النهاردة.
= هتبدأي كلام التحفيز اللي بيقولوه كل الدكاترة؟
_لأ، هنبدأ خطوة مهمة أسميتها “رحلة استكشاف”.
هشرحلك كل حاجة علشان لو عندك معلومات تضيفها البحث بتاعي ورسالتي.
الرحلة عبارة عن:
ثلاث مسارات… ثلاث مستويات:
جسمك، دماغك، وروحك.
أنا مش جاية أتعامل معك كحالة مرضية،
أنا جاية أرجّعك لنفسك.
= يعني مشروع علمي؟
_مشروع حياة… ليك، وليا.
_”شفته بيرسم ابتسامة صغيرة، مش سخرية…
لكن كأن فيها بذرة قبول، حتى لو ضعيفة.”
= وهبدأ منين في الثلاثة دول؟
“قعدت على الكرسي قدامه، ومديت له نوتة وقلم.”
_دي مش نوتة علاج، دي “نوتة حكايتك.
كل يوم… اكتبلي جملة واحدة عن أكتر لحظة حسّيت فيها إنك انتهيت.
= ولو مش فاكر اللحظة؟
_اكتب إنك مش فاكر…
وأنا هساعدك تفتكر.
“في لحظة الصمت دي… حسيت بشيء بيتغيّر.
مش معجزة، مش تغيير جذري.
لكن خطوة… خطوة صغيرة جدًا، بس حقيقي.
وهي إنه خد النوتة مني النوتة.
فتحت الشنطة، طلّعت منها أداة معدنية صغيرة، ناعمة.
ولما قلت له بنبرة هادئة لكنها عميقة:
_النهاردة… هنفك أول عقدة.
“كنت بقرب منه، خطوة خطوة.
هو بيبص ليّ، ساكت… عينه متيقظة، جسمه متحفّز.
مدّيت إيدي ناحية رجله الشمال، بدون ما ألمس.
لكن مجرد القُرب…”
= مـتـقـربـيـش!!
“الصوت خرج كأنه طعنة في الهوا، مليان هلع مش غضب.
الكرسي اتحرك بعنف، إيده اتشبثت بذراعه بقوة، كأنه بيتشبث بالحاجة الوحيدة اللي يقدر يحركها.
في ثانية… اختفى تيام اللي كنت بكلمه.
وجهه تقلّب.
عرق بدأ ينساب من جبينه.
إيده بترتعش…
نَفَسُه بينقطع، وكأن صدره بيوصله أكتر شعور بيخاف منه: ‘العجز’
عينيه مفتوحة على الآخر… لكن مش شايفاني.”
= قلت لك… مـتـقـربـيـش منها!
“ما لمستوش.
لكن مجرد القُرب فجّر حاجة مدفونة من سنين.
كل عضلة في جسمه مشدودة، كأن جسمه كله بيقاوم فكرة واحدة: إنه مشلول ومش قادر يتحرك بحرية.
قلبه بيصرخ قبل صوته، مش لأنه خايف مني، لكن لأنه خايف من نفسه.”
وأنا واقفة مكاني، مصدومة.
مش من الصوت… مش من العصبية.
لكن من الرعب اللي شفته في عنيه.
رعب مش من الإصابة…
رعب من إحساس العجز اللي بيرفض يعترف بيه.
أما عنه، فهو بيتشنج قدامي، فهمت فجأة:
رجله الشمال مش مجرد جزء مشلول… دي مقبرة لكل إحساس بالقوة فقده.
ويمكن…
أنا جيت وقلّبت فيها التراب…أو يمكن في سبب علمي مش مكتوب في التقرير…لكن ليـه بالذات دي؟”
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية بعدسة مكسورة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.