رواية نصف الجمال – الفصل الثاني
– الدكتور ساعتها قالهم إنه جاله من الصدمة، وقال إن في ناس كتير من قوة الصدمة اللي بيتعرضوا لها بيحصلهم كدا وأكتر.
نوح، صديق الطفولة، اللي كان دمه خفيف وميروحش مكان إلا ويسيب آثر طيب في نفوس أهل أي مكان يروحه، اللي من لما خسر نادر وكأنه إنطفأ، قفل على نفسه كل البيبان وإنعزل.
لسة فاكرة يومها لما إنهار بعد ما سمع الخبر وعقله رفض يصدق، ساعتها فقد قدرته على إنه يمشي.
– سرحتي في إيه ؟
فوقت على صوت فرديت عليها:
– كنتي بتقولي حاجة يا أمي؟
– كنت بقول إن تبقي تشوفي وتقرري هتلبسي إيه لبكرا؟
– عادي أي حاجة .
– هروح أطلع لك العباية الإستقبال الجديدة.
راحت وطلعتها فعلاً،حطتها على الكرسي وطلعت، وأنا وقفت عند الشباك وبصيت كعاتي على الزرع وشكل السما بالليل.
سراج ابن أخويا هو اللي كنت بقدر أشاركه اللي جوايا، من ساعة ما سافر جيشه وأنا حاسة إني لوحدي ومفيش حد أشاركه يومي، أو أشاركه خوفي ويتقاسمه معايا.
قفلت الشباك بعد وقت كبير وكتير من التفكير اللي سرقني ونمت.
” ممكن تكوني سبب في رجوع نوح؟”
“هو الخير ليكي.”
” إنتوا مكتوبين لبعض”.
“هو الخير ليكي.”
” ساعديه”.
“خدي بيده.”
صحيت من نومي وأنا الذكر مش مفارق لساني، كان آذان الفجر بيأذن، صوت الأذان من ناحية ومن ناحية تاني الجمل اللي كانت بتتردد في دماغي اللي سمعتها في الحلم بصوت بعيد بتتردد.
قومت إتوضيت وكان أبوي إتوضى، سندته وعطيته عكازه وطلع يصلي في الجامع.
دخلت أصلي أنا كمان ودماغي مشوشة.
خلصت صلاة وقرأت الورد بتاعي وعملت فطار وقعدنا نفطر كلنا. بصيت لأبوي اللي كل مادا تعبه بيزيد عليه، وهو يزيد من هنا وأنا قلبي يتقطع من هنا.
وعلى أمي، كنت بوزع نظراتي وساكتة
ــــــــــــــــــــــ
-لساك قاعد في مكانك يا نوح؟
-هروح فين يعني يا وائل؟!
هز كتفي وهو بيقولي:
– تعالى نطلع بس نشم شوية هواء ونتكلم مع بعض زي زمان.
– مليش نفس.
– ما أنا مبعزمش عليك تأكل، أنا واخدك نقعد كدا في الخلاء- يعني وسط الزرع بعيد عن الناس _ ونقعد بقى نتكلم كتير قوي.
– عرفت من أبوك إنك معايزش تتعالج، ورافض فكرة جوازك من بت عمتك.
– يا راجل وإيه كمان؟
– نوح ما تستعبطش!
– وائل متزودش.
– يا ابني بقى، عاجبك حالك بالله عليك يا أخي؟
كنت حاسس بنبرته اللي فيها حسرة، بس عمرها ما هتكون قد حسرتي على نفسي، كان بيزقني بالكرسي ومكملين، ماشيين. عمر حسرته ما هتكون قد حسرتي ووجعتي على نفسي، محدش بيتوجع لحد على طول، صاحب الوقعة هو الي بتفضل معلمة فيه ووجعاه.
– وائل عايز أدخل، ممتحملش أقعد برا أكتر من كدا.
– طيب أنا لسة ما اتكلمتش معاك في موضوع العروسة.
– قولت مرايحش حتة.
– هتروح يا نوح ورجلك فوق رقبتك.
– مهروحش.
في آخر النهار.
– يا عم هات الجلابية البيج .
– حاضر.
كان مفكر إنه هيقنعني قال؟! وأقنعني فعلاً يا جماعة.
– بقولك إيه إظبط كد وإثبت، عايز أظبط لك دقنك.
– إلزم حدودك يا وائل، أنا رايح علشان زهقت من زنك، وبعدين يعني هو ده الفرح يعني؟!
في آخر النهار.
– يا عم هات الجلابية البيج .
– حاضر.
كان مفكر إنه هيقنعني قال؟! وأقنعني فعلاً يا جماعة.
المسافة بين البيوت مش بعيدة، عشر دقايق، بس عدوا عليا وكإنها عشر ساعات، ما بين نظرات الناس ليا وسخافاتهم اللي مفكرينها خفة دم، وبين نظرات كتيرة بترسم الشفقة وتانية فيها فرح!
وصلنا ودخلنا المندرة، ساعتها جوز عمتي طلب يتكلم معايا على إنفراد.
حَمِل بعزمه على العكاز بإيديه و ورفع رأسه ليا وقال بصوت هادي:
– نوح يا ولدي، ملييش غيرك بعد ربنا أعتمد عليه يأخد باله من سارة فس في غيابي غيرك.
رديت عليه بعدم فهم:
– أنا؟! إزاي وأنا عاجز؟ وليه تظلم بتك ياعم سعيد أصلاً وتدبسها في واحد عاجز بجد ؟!
– ما أقدرش أطمن عليها غير معاك، خد بالك منها عشان خاطري، متردليش طلبي يولدي.
– وليه انا؟! صدقني هي تستاهل حد أحسن مني.
– خبر إيه عاد؟! ما إنت بإذن واحد أحد هترجع تنصب طولك وتقف على رجليك من تاني، وتتعالج.
شايفين إزاي إني هقدر أبدأ وأحارب وأنا كل اللي جوايا مانعني من إني أتحرك سنتي، أو حتى أبطل أخاف، أقلق، أضحك أو حتى احس بطعم الحياة من تاني، بس وكإنها بلا لون أو ريحة.
كمل كلامه:
– وشك بيقول إنك يائس من رحمة ربنا.
– مش عارف، بس أنا مش قادر أكمل في حياتي ولا عايز.
– بتبان لك متقفلة ومش محلولة، بس هي عند ربنا محلولة من زمان، إعشم في ربنا يا ولدي، وخد بالأسباب وحاول مش عشان حد كد ما هو عشانك، إسند نفسك يا ولدي وتوكل على الله.
– أنا تايه.
– إرجع لربك من تاني يا نوح، خد بالأسباب وإتعالج كمان.
– وليه يهمك أمري؟
– عشان أنا مربيك على إيدي، نوح اللي كان حافظ لكتاب ربنا، ومحافظ على صلواته كلها في الجامع، الشاب اللي كان بيتضرب بيه المثل في كل حلو، يرضيك بعد كل دا أشوفك كدا؟
خلص كلامه وملحقتش أرد عليه علشان هو كان نادى عليهم يدخلوا، وهي كمان كانت داخلة معاهم، صديقة الطفولة ورفيقتي ساعتها في حفظ القرآن.
– نسيب العرسان مع بعض.
قالها عمي سعيد بعد وقت قليل متمجعين فيه.
– عاملة إيه ؟
– الحمد لله.
– متغيرتيش يا سارة، لسة زي ما أنتِ.
لسة زيّ ما هي هادية، عينها في الأرض، ابتسامتها بسيطة، ضحكتها هادية، لمحة سمارها اللي محلياها.
فوقت لنفسي من خيالاتي وهي بتقول:
– بس إنت اتغيرت يا نوح.
وكإن بقى في ثقل على قلبي، أنا وهي والكل مدركين سبب تغيّري، وسبب اللي أنا فيه وإكتئابي، وقلقي وشعور الفقدان اللي محفور جوايا، بس أنا ساكت وما متكلمش.
تجاهلت جملتها وأنا بسألها :
– موافقة عليا يا سارة ؟
هزت رأسها دلت على موافقتها، كملت:
– أتمنى ميجييش وقت وتحسي تجاهي بالتقل.
قولت كلامي وأنا معارفش أقول إيه، أو بقول إيه! مشتت وضايع من كل النواحي، مش عارف أنا كويس ولا لاء، أو لو صارحت نفسي فأنا فعلاً مش كويس.
دخلوا كلهم وأنا الحقيقة بالرغم من كل المشاعر المختلطة اللي جوايا إلا إني مرتاح، في جزء مني طلع معاها ولو بسيط.
روحت وأنا مشتت، عمي سعيد دا في مقام ابويا، هو اللي طلعت على إيده، لسة فاكر أول لما أنا ونادر تمينا حفظ جزء عم وفرحته بينا، فاكر كل خطوة خطاها معانا.
بس أنا مش عايز اظلمها معايا.
ـ نوح، بكرا الجلسات بتاعتك هتبدأ.
– لسة مُصِر برضوا يا أبوي؟
– وجايب كمان هناء أختك تقنعك.
– خبر إيه عاد؟! ما إنت لسة كنت جايب وائل جوزها!
هلاقيها منك، ولا من عمي سعيد؛ ولا من وائل؛ ولا من أمي؟ لاء وكمان جايب لي هناء؟
ردت عليا هناء:
– ومالها هناء بقى يا نوح بيه؟
– مالهاش، هاتي معاكي أختك شادية بالمرة!
– لاء، إحنا مش هنتقل عليك ونجيب ناس كتير.
– إنتوا عارفين إني مبحبش الزن.
– ما أنت هتوافق ترجع لحياتك من تاني وشغلك ودنيتك.
طيب ليه محدش فاهم إن حياتي حياته، وشغلي شغله، ودنيتي هو كان مكملها!!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من بعد الحلم وأنا فضولي قاتلني إني أبحث عن المرض وأعرف أكتر، كنت قولت إني مبعملش في يومي حاجات كتير؛ بس مقولتش إني فضولية وبحب أبحث، يمكن في المرات اللي فاتت سمعت فيها عن المرض ما إهتمتش، لكن من بعد الحلم وأنا عايزة أبحث وأعرف.
قاعدة بفتكر أحداث اليوم من أول ما جه لحد ما مشي، بداية من أبوي اللي مقاليش هو طلب يقعد معاه لوحده ليه، وإني قعدت معاه، كـ عادته بطمن بوجوده من صغري كيف ما كانت حالته، مازال الجلابية والشال بيدوه هيبة فوق هيبته، بس لمعة الحزن اللي في عينه ثابته من يومها.
مش هعدي إني أمي وأبوي عمالين يزنوا عليا، هروح أصلي استخارة وبعدها ابدأ أبحث .
خلصت وبالفعل بدأت و عرفت إن
الشلل الهستيري هو حالة نادرة بتحصل لما شخص يتعرض لضغط نفسي شديد أو صدمة قوية، زي مثلاً لما يفقد حد غالي عليه. الجسم بيفضل سليم من الناحية الجسدية، يعني الأعصاب والعضلات بتشتغل بشكل طبيعي، لكن العقل بيترجم الصدمة لحالة جسدية زي الشلل أو فقدان الإحساس في جزء معين من الجسم.
بمعنى أوضح، الشخص اللي عنده شلل هستيري ممكن يحس فجأة إنه مش قادر يحرك رجله أو إيده، رغم إنه طبيًا مفيش أي سبب يفسر الشلل ده. العقل بيكون متأثر جدًا بالمشاعر السلبية، وبيحاول يهرب من الألم النفسي عن طريق التسبب في أعراض جسدية.
اللي بيحصل إن العقل بيوصل لمرحلة مش قادر فيها يتعامل مع الحزن أو التوتر، فبيحصل نوع من “الإغلاق” الجسدي. الحالة دي بتكون غير إرادية تمامًا، يعني الشخص مش بيعمل كده عن قصد، لكنها مرتبطة بالمشاعر المكبوتة.
العلاج غالبًا بيكون عن طريق العلاج النفسي، علشان الشخص يبدأ يفهم سبب الأعراض دي، ويتعامل مع الصدمة بطريقة صحية. ومع الوقت والدعم، الأعراض دي ممكن تتحسن تدريجيًا.
خلصت البحث عن المرض وأنا بفتكر إن فعلاً هما لفوا على دكاترة كتير ومكانش عنده أي سبب عضوي، حتى العلاج مأثرش ولا جاب نتيجة، لحد ما راحوا لدكتور دلهم على دكتور نفسي وساعتها الدكتور قالهم بعد فحوصات وتحاليل إن سبب المرض نفسي مش عضوي، لكن نوح رفض وقعد يقول هو أنا مجنون، ساعتها رفض يتعالج وقفل على نفسه ألف باب وباب.
نمت وأنا مقررة وناوية إني أعرف عن الموضوع أكتر وأعرفي إزاي بيتم العلاج.
أنا أيوا البنت اللي مكملتش بعد الدبلوم بس بحب أبحث وأعرف حاجات كتيرة.
“كوني سبب في علاجه.”
“هو محتاج حد يوعيه.”
تاني؟! للمرة التانية أصحى على نفس الصوت اللي جاي من بعيد في الحلم، كمان مش حاسة إن قلبي مقبوض. كان الفجر خلاص، فتحت الشباب ووقفت قدامه وأنا افكاري عمالة تروح وتيجي.
خلصت روتيني اليومي وقعدت، ومن ساعة ما الحاجة شافتني وهي قاعدة تعد لي في مميزات نوح، وأخلاقه، وتربيته، وكله على بعضه.
يا أخي الأمهات دول عليهم حاجات، يعني عشان ولد أخوها تبينه ولا كإنه شاروخان؟!
– يعني هتوافقي ولا ما هتواففقيش؟
قعدِت شوية ساكتة وبعدين قالت:
– العمر بيجري يا سارة، إحنا مش هنعيش لك العمر كله علشان كل أما يجيلك عريس ترفضيه وتمسكي فينا زي العيل الصغير.
– ربنا يديمكم العمر كله.
– ويبارك فيكي يا حبيبتي بس وافقي.
فنون ردها بتعجبني، بتبهرني، وبتصدمني.
وافقت بعد زنهم، وأنا وافقت من هنا وكل حاجة كانت جهزت في خلال عشر أيام، النهاردة كتب كتابنا، أيوا أيوا كتب الكتاب، كل حاجة بتجري بسرعة أنا مش مستوعباها.
“بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.”
ما بين الزغاريد اللي كانت طالعة كنت شايفة نظرات مراتات أخواتي وأخواتي بشماته.
” يعني حتى حلاية مش حلوة.”
ضحكة صفرة بعد الجملة، اللي طلعت أصلاً من بنت أخويا اللي هي أكبر مني.
كملت بعدها واحدة مراتات أخواتي
” يا بنتي هي أصلاً بصي يعني شكلها؟ كنتي مستنياها تطلع حلوة لمين؟”
مقدرتش أسكت علشان زودوها وقولت بعصبية:- كل واحدة منكم تحط لسانها جوا بوقها، واللي هتتكلم كلمة كمان تتفضل الباب يفوت جمل.
قالت واحدة منهم بغِل:- قال يعني واخدة واحد سليم؟! دا مشلول.
قربت منها وإتكلمت جنب ودنها بنبرة خبيثة:- بتلومي على واحد مرضه مش بإيه؟! واحد سيرته طيبة وسط الناس وبيتضرب بيه المثل في الأدب والأخلاق؟! كيف نسيتي تبُصي على ولدك اللي السيجارة مبتطلعش من بوقه، اللي مبيحترمكيش؛ اللي دايمًا بيهزقك وكاسفك وسط الكل، ولدك اللي صحابه اللي كَدُه فاتحين بيوت وهو لحد دلوقتي بيأخد منك المصروف، مابلاش أعلي صوتي وأكسفك أنا!
طبطبت عليا طبطبة هي فاهمة معاناها ومشيت من جنبها بإبتسامة.
كلامهم يوجع آه، بس أنا مش هسكت، اللي تفكر تدوس لي طرف أدوس عليها.
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية نصف الجمال) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.