رواية نصف الجمال الفصل الأول 1 – بقلم ولاء عمر

رواية نصف الجمال – الفصل الأول

– سارة، قومي يلا ورانا خبيز.

فركت عيني وأنا بحاول افوق ورديت عليها:- حاضر يا أمي، هصلي الفجر وأجي .

– على طول متعوقيش – متتأخريش -.

– حاضر.

صليت وطلعت وراها على عند الفرن، بنت بسيطة عايشة في قرية أبسط، مع أمها الست الكبيرة وأبوها الراجل العجوز.

بنت كان عندها أحلام كتيرة،منهم اللي اندفن ومنهم اللي اتنسى مع مرور الوقت.

– مرت أخوكي باينها مهتعديش الموضوع.

– يا أمي خلاص عاد، سيبك منها، هنقعد على طول بنتخانق كدا؟

– يا بتي مينفعش أسكت، سكتت كتير زمان، بس دلوقتي لو سكتت هييجوا عليكي وعلى حقك.

مشاكل مبتخلص بين أمي ومراتات إخواتي، الطرف الفايز كان دائماً هما طول ما أبوي مشايفش اللي حاصل، ودا لأن أمي تبقى مرت أبو اجوزتهم. وأنا عيال اخواتي في منهم أكبر مني ومتجوزين. بس هما مابيحبونيش!

اتربيت بعيد عنهم لأنهم كانوا بينفروا مني، يعني مفيش حد في حياتي غير أمي وأبوي و واحد من عيال اخواتي سنه قريب مني.

بنت ملامحها بسيطة، سمرا، متوسطة الطول، شعرها أسود، اتعرضت كتير للتنمر على شكلها وعلى لون بشرتها.

اتهندت بيني وبين نفسي وبقول من جوايا ” البنت دي أنا”.

المنبوذة، المكروهة، اللي كله بيتجنبها، اللي بقت إنطوائية ومقفولة، يومها عبارة عن إنها بتصحى من النوم تصلي وتساعد أمها وتفطر أبوها وبس.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

– يا نوح بالله عليك كفاية كدا وتعالى نروح للدكتور، حابب وضعك كدا؟!

بصيت ليها وأنا خلاص جبت أخري من زنهم:-
ــ أمي، معلش الله لا يسيئك سيبيني في حالي.

– يا ولدي يعني هعيش الباقي من عمري اتحسر عليك وعلى أخوك؟

– مش بإيدي والله، والله ما بإيدي، أنا مش قادر أعمل حاجة وهو بعيد عني؛ يا أمي إزاي أروح مكان من غيره؟ دا أنا مكنتش بخطي خطوة غير معاه!.

– يا ولدي الموت علينا حق.

– صعب عليا والله، والله صعب.

انهارت ودموعي خانتني للمرة الخمستلاف وأنا بعيط في حضنها:
– مقادرش والله، دا مات بين إيديا، دا أنا كنت ماشي معاه، مكانش تعبان والله، كان كويس، كان بيضحك ويهزر معايا، فجأة كدا يسيبني؟!

طبطبت عليا وصوتها كان مهزوز وهي بتتكلم باين فيه العياط، قالت:
– الموت علينا حق، اللهم لا إعتراض، بقالك سنتين ونص على دا الحال، سنتين ونص موقفش حياتك، رافض تقعد مع حد ولا حتى تتعالج.

– مش عايز أكمل أصلاً وهو مش معايا.

– وهتفضل موقف حياتك كدا؟ لا علاج راضي تتعالج، ولا حتى تقعد مع حد! حتى شغلك اللي كان روحك فيه!

– من غيره؟

– لو كل واحد هيموت له عزيز هيوقف حياته كان زمان الناس كلها حياتها واقفة، مكانش حد حاول ولا كانت الدنيا ماشية، يا ولدي إحنا عمرنا ما بنتخطي ولا ننسى. إحنا بنتعايش، صعب على الأم تفارق ضناها، دي بتبقى زي كسرة الضهر، وكمان الأب، بيبقى لازم الاتنين يكملوا، كان صعب عليا بس فوقت علشانكم، تقوم تقع إنت ؟! كدا يا نوح؟!

ـــــــــــــــــــــــــــــــ

– يلا يا أبوي، هراجع معاك السور اللي حفظتهم.

ضحك وبانت التجاعيد اللي على وشه:
– ربنا يبارك في عمرك يا سارة ويعوضك يا بتي عن تعبك معانا وعن اللي شوفتيه
.

حضنته وأنا بابوس رأسه وبقوله:
– ربنا يديمك ليا ويبارك فيك يارب يا حبيبي.

– سبحان من له الدوام يا سارة يا بنيتي، تعالي بس أسِمع لك عشان بعدها هفاتحك في موضوع.

سمعت فعلاً الجزئية اللي المفروض كنت أسمعها، وقعدت كعادتي أسأله في تفسير الآيات اللي بتوقف قدامي.

– مالك عاد؟ هو أنا مش لسة من كام يوم مفسر لك الآيات دي؟

– بس مقولتليش سبب نزولها زيّ كل مرة!

– حاضر يا سارة هانم.

قعد يوضح لي ودا لأنه ماشاءالله عنده علم واسع بتفسير الآيات، أبوي لما كانت صحته مساعداه كان بيروح في الجامع ويشرح وناس كتير كانت بتستناه، لكن من كام سنة وهو زاد تعبه.

– اللي واخد عقلك يتهنى، سرحتي مني في إيه؟

– لاء أبدًا، كنت بفكر إن مين كان هيساعدني في حفظ القرآن ومعرفته لو مكنتش بتك؟

– آه يا بكاشة.

ضحكت أنا وهو وبعدها بص ليا وقال بهدوء:
– بصي يا بنيتي يعني سبحان من له الدوام، وأنا عارف إني مش دايم لك،وعمر اللي راح ما هيكون قد اللي جاي، فأنا عايز أتطمن عليكي.

الكلام مطمنيش، أنا خوفت أكتر فقولت بخوف:
– مالك يا أبوي؟ إنت تعبان طيب؟!!

طبطب على إيدي وهو بيقول:
– غصب عني بس أنا مش حِمل إني أشوف إخواتك بيذلوكي من بعدي ولا إني أشوف واحد منهم دايس لك على طرف وأنا عارف وواعي وفاهم لدماغ كل واحد فيهم.

عينيا بتدمع لوحدها وبترعش من كلامه، أنا ليا مين غيره هو وأمي بعد ربنا ؟ يعني حتى لو عزيز أخوي ومرته وعياله بيحبوني، فهو واحد وسط أربعة بيكرهوني، هو الطيب اللي بينهم، يعني طبيعي أخاف. أنا مشوفتش منهم حلو وأنا صغيرة وكانوا بيكرهوني.

مش عشان شكلي بس،لاء؛ كان علشان أبوي بيحبني وبيدلعني إكمني أصغرهم وجيت على كَبر، بت أبوها في السبعين وأمها في الخمسين من عمرها.

– أنا وافقت على جوازك من نوح واد خالك.

رددت الاسم وراه بصدمة:
– نوح ؟!!

ـ أيوا نوح يا سارة.

– بس ليه ؟ واشمعنا هو؟!ما أنا كل ما بيتقدم لي عريس بترفضه!

– نصيبك أوافق على دا.

– ليه يا أبوي؟ ليه أوافق على واحد قعيد؟

– ساعديه يفوق يا سارة، خليكي سبب في إنه يجاهد نفسه ويتعالج.

– ليه؟! ليه يا أبوي؟

ـــــــــــــــــــــــ

– لسة قاعد زي ما أنت ؟

– معلش يا أبوي ما أنا مبمشيش.

طلعت بنبرة تريقة، رد عليا:
– بس مش دا اللي كنت أقصده يا نوح بيه، خد الورق دا إطمن على حسابات البضاعة وراجعها.

خدت منه الورق وحطيته على الترابيزة جنبي، شد هو كرسي وقعد جنبي، بدون أي مقدمات دخل في الكلام على طول:

– لسة برضوا معايزش تتعالج؟

– صدقني مقادرش.

– يا ولدي والله ما ينفع كدا، سنتين وإنت على دا الحال.

رديت بيأس واستسلام للأمر الواقع:
– عادي مبقتش فارقة.

– لاه، دي فارقة ونص كمان؛ كإنك عايز تفضل مستسلم ومسلم للأمر الواقع، وأنا مهقبلش بحاجة زي كده.

– يا أبوي.

– بلا يا أبوي بلا زفت، هتتعالج يعني هتتعالج، وأنا شوفت مركز علشان تروح تأخد جلسات العلاج الطبيعي بتاعك.

رديت برفض قاطع:
– لاء.

زعق بصوت عالي:
– هتروح يعني هتروح، منيش حِمل خسارتك إنت كمان.

هدي شوية وسكت وأنا كمان سكتت، أنا مش عايز أتعالج، جوايا إحساس بالخيانة وإني إزاي هكمل حياتي عادي وهو مش موجود، دا كان خلي!

رجع إتكلم تاني:
– وخطوبتك على بت عمتك هتكون الأسبوع الجاي.

خرجت عن شعوري:
– هاه، وايه كمان يا أبوي؟!! إنتوا فجأة قررتوا؟ وأنا مش موافق.

– لاء، هتوافق يعني هتوافق يا نوح، أنا عطيت لجوز عمتك كلمة، عايز توقعها؟

– ليه؟ ليه بجد تدبسوها في واحد عاجز مبيمشيش؟ ليه أظلم واحدة معايا ملهاش أي ذنب؟

– مش هتفوق غير لما تحس إنك في حد مسئول منك،لو سيبتك كدا يبقى الله يعوض علينا فيك.

رد قاطع طلع منه:
– وأنا عطيت لجوز عمتك قرار، إيه هنرجع فيه؟

حاولت أهدى بكل الطرق؛ فرديت عليه وأنا بنهي الكلام:
– منا لوقتها يحلها ربنا يا أبوي.

– أنا طالع أنا,تصبح على خير.

– وأنت من أهل الخير.

طلع وسابني، سابني مع دماغي وأفكاري اللي أنا لسة بخاف منها، مبقتش حِمل إني أرجع ليها تاني، دا أنا كنت ما صدقت دماغي هِديت.

شديت الكرسي بتاعي ناحية المكتب بتاعي ومسكت البرواز اللي فيه صورة بتجمعنا، إتنهدت وأنا جوايا حزن كبير وبدأت أتكلم:

– بس أنا لسة مش مستوعب ولا مصدق إنك سبتني، إزاي بجد؟! لحد دلوقتي أنا مستنيك تطل عليا بهزارك وضحكتك، لسة مستنيك ترجع تقعد معايا ونسهر مع بعض من تاني. دا إحنا توأم، من يوم ما إتولدنا وأنا إيدي في إيدك، مسنود عليك وأنت مسنود عليا، اسيبك واغفل عنك دقايق أرجع الاقيهم بيعزوني فيك؟ طب إزاي ؟! إزاي وأنا لسة سايبك! إزاي وأنت مكنتش تعبان، إزاي سبتني؟! صحتي خانتني من يومها ورجليا مشالتنيش. من يومها وأنا حياتي واقفة، لا أنا بقيت أنا ولا الحياة رجعت بألوانها من تاني. لسة مستنيك ترجع.

نبرة صوتي بقت أضعف وكل الذكريات ملازماني، من وإحنا صغيرين لحد ما فارقني،مازالت كل ذكرى في دماغي بتتعاد وكإنها لسة من دقائق.

سَنِدّت نفسي ومسكت في رافعة فوق السرير بإديا وقعدت على السرير.

– مش عايز أظلم بت عمتي كمان معايا، أنا واحد حياتي واقفة؛ ليه تتدبس فيا؟ ليه أشيل حد همي .

ــــــــــــــــــــــ

– يا أمي أنا مش موافقة.

– في إيه عاد؛ هو إيه يعيبه؟

– قال يعني معرفاش يا أمي؟!

– لو قدرتي تكوني سبب وتأخدي بيده تقدري تكسبيه عمرك كله، نوح دا أنا اللي مربياه هو وأخوه الله يرحمه، جدع وشهم وقلبه مليان حنية تساع الكل، هو بس من ساعة ما فارقه نادر وهو ما اتحملش ومن الصدمة جاله شلل، سمعت مرت خالك قالت إن اسمه شلل هيستيري.

رديت بعدم فهم وغرابة للاسم، أنا مش أول مرة أسمعه، بس أنا فعلاً مش فاهمة يعني إيه:
– يعني إيه ؟

– الدكتور ساعتها قالهم إنه جاله من الصدمة، وقال إن في ناس كتير من قوة الصدمة اللي بيتعرضوا لها بيحصلهم كدا وأكتر.

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية نصف الجمال) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق