رواية مرات اخويا – الفصل الثلاثون
الفصل الثلاثون.
الفصل الثلاثون _ مرات أخُويا.
_____
اتسعت حدقتي عينيها بدهشه ولم تستطيع أن تتحدث، لكِنهُ مازال يتأملها ويتأمل ملامحها ورد فعلها، فقالت بحيرة
=إنتَ بتقُول إيهِ؟
=زي ما سمعتي، كلامي غريب صح…
=انا مش قادرة أصدق اللي بسمعهُ ده ، انا حاسة إني في حلم! ياسين احنا طول عمرنا أخوات و..
=انا كُنت فاكر إنك أُختي فعلًا.. لكن فيه شوية مشاعر ليكي في قلبي، ما تدُلش إننا إخوات .
=لاء يا ياسين غلط، انت مش بتحبني خالص مهما قولت ده مش حُب ولا عمره هيكون حُب، انت في فترة تلخبط مشاعر كبيرة وحيرة خناق مع أهلك، إنفصال عن مريم، وتشتت كبير ، وانا جنبك ف حسيت إنك اتعلقت بيا، لكنك مش بتحبني.
تنهد دون ان يتحدث ف تابعت قائله
=ياسين انا مش عاوزة اخسر صداقتي معاك ابدًا، انت شخص غالي عليّا أوي، بلاش نتسرع، إحنا مُتخبطين في مشاعرنا أوي حقيقي، ومش عارفة إيه الخطوة اللي ناخدها.. لازم نفكر الاول ونهدي، والاهم نتخلص من عبيء مشاعر قديمة .
=إنتِ لسه عاوزة خطيبك القديم ؟
=اللي مشي مالوش امان، مش هقولك محبتوش، لا حبيته وإتعلقت بيه، بس صعب أرجعله، وصعب أبقي معاك.
=رفضتي يعني…؟
=انا لازم أمشي علشان اتأخرت، ولازم ندي وقت لكُل واحد فينا يفكر بعقلانية الاول، ويتخلص من مشاعر قديمة، علشان يبدء مشاعر جديدة.
التفتت مُغادرة وهي تشعر بإضطراب ومشاعر كثيرة، ولكن ثمة شعور بالسعادة بداخِلها، بينما وقف ياسين يُفكر في ما حدث، وكلامها صحيح بالفعل، يجب أن يتخلص من عدة اشياء بداخله تمامًا، حتي يستطيع أن يبدء من جديد وألا يتسرع في شيءٍ .
_______
وقفت مريم في المساء أمام المرآة وفتحت كيسًا أسود ثم نظرت للنُقاب التي أشترته أمس ، وهي تبكي وترتعش بخوف قائله بصدقٍ
=يارب قويني، أنا قررت هلبسهُ بقي، قويني وثبتني علي القرار دة يارب…
بدأت تجربه مرارًا وتكرارًا حتي نجحت في ارتدائه، سفقت بيديها في سعادة غامرة، ثم توقفت وهي تتأمل نفسها قائله في دموع
=ياريت طه كان هنا، كان هيفرح ب النُقاب أوي، كان هيتبسط!
امسكت هاتفها في يدٍ مُرتعشة، ثم وبدون ما تشعر قامت بالإتصال عليهِ ف أجاب في لهفةٍ
=ألو…
لم تتحدث وبقت دموعها تسقط دون جدوي، فقال برجاء
=سمعيني صوتك بالله، صوتك وحشني أوي.. ردي عليا يا مريم، إتكلمي كفاية عذاب ليا ولقلبي، أرجوكي.
تنهد في يأسٍ ثُم قال بحُب
=يا مَنْ هواهُ أعزهُ وأذلني، أين السبيلُ إلي وِصالك دُلّني!
أغلقت الهاتف وهي تلقي بهِ أرضاً في غضبٍ من نفسها ومن اشتياقها لهُ، وظلت تبكي بضعة دقائق حتي قالت في عصبية وهي تُخاطِب نفسها
=فوقي يا مريم، فوقي بقي كده مينفعش، واللهِ ما ينفع بجد! كفاية لازم تنسي طه لازم.
أمسكت الهاتف مجددًا وهي تقوم بحظره وهي تنهض الي الداخل لتغط في النوم، بينما تنهد طه وهو يعاود الاتصال بها لكنهُ عَلِم انها حظرته، ضغط علي شفتيهِ بضيق قائلا
=ماشي يا مريم، بُكرة مش هتقدرى تهربي مني مهما عملتي…!
دق باب غرفته ف سمح بالدخول، دلف ياسين إليهِ قائلًا
=ينفع أقعد أتكلم معاك شوية، زي زمان؟
نظر لهُ طه بألم شديد علي ما حدث من فجوة بين الأخوة، فقال وهو ينظر لهُ بحُبٍ ك زمان
=أيوة تعالي.
دلف ياسين بهدوء ثُم جلس أمامه علي المكتب، تنهد قائلا
=انا النهاردة اتقدمت ل شهد، ورفضتني .
=شهد ! إيه العلاقة؟
=شهد معايا من زمان، شخص بيفهمني ويحس بيا ويقدرني، وواقف جنبي في المُر قبل الحلو، بنت جدعة وجميلة، وفيه جوايا مشاعر ليها، لكن انا متلغبط مش عارف أحدد دي مشاعر حُب، أو تعلق زي ما هي قالتلي.
=ياسين، بلاش تتسرع أوي كدة، انت لسه خارج من متاهة كبيرة ومشاكل مالهاش اول من اخر، بلاش تاخد قرار تندم عليه، ادي نفسك وقت لتتأكد من مشاعرك ناحية شهد ولو مشاعرك طلعت حقيقية، وقتها امسك فيها بإيديك وسنانك.
=إنت صح معاك حق، شكرًا يا طه علي كلامك دة .
قالها وهو يربط علي يديه ، فقال طه بودٍ
=انا أخوك، جنبك في اي وقت تحتاجني فيه.
=طب.. ومريم؟
تحولت عين طه للحدة، لكونه ذكر إسمها، ولكن حاول ألا يبدو كذالك ولكن ياسين شعر به، فقال طه وهو يبتلع ريقه
=مالها ..
=مش هترجعوا؟
=انت مدرك اللى بتقوله يا ياسين، أخوك اللي هو انا هتجوز مراتك ونبقي عايشين سوا ! تفتكر الوضع هيبقي عامل إزاي، بعد ما مراتك بقت معايا؟
تنهد ياسين وهو يتراجع للخلف قائلا
=في البداية، إتعصبت أوي من فكرة جوازكم، ومش هنكر تهديدي وغضبي، ولكن انا لما طلقت مريم رغم إني كُنت مضايق ، بس مكنش فيه غضب جوايا ابدًا دة معناه إني خلاص مبقيتش بحب مريم، وحالياً انا شايفها أم ل بنتي وبس، ولو فيه فرصة نرجع انا مش عاوز أرجع، اصل اللي بيتكسر صعب يتصلح، ولو بتفكر فيا ف بقولك سعادة أخويا فوق الدنيا كلها، وانا مش مضايق ولكن خُد الخطوة دي وهتلاقيني أول شخص بدعمك، ومريم في نظري هتبقي مرات أخويا .. زى ما انت كنت بتقول ، شوفت سبحان مُبدِل الأحوال في ثواني..
بعدين، انا هكون سعيد لما تالا تتربي في حضنك ، واضح انها لقت منك الحنان اللي مالقتوش مني وكذالك مريم ،غالباً كُنت اناني وأب وزوج فاشل!
ربط طه علي كتفه قائلا برفض
=لاء متقولش كدة انت…
=لاء انا معترف، إني شغلي كان رقم واحد في حياتي، في حين إني لأهلي عليا حق كبير، مش حابب أكرر الفشل دة مع شهد، وعلشان كدة التجربة دي علمتني كتير، وزي ما قولتلك فكر وانا جنبك ومعاك في أي قرار، وياريت لو ننسي الماضي ونبدء من جديد!؟
هز طه رأسه فقال ياسين وهو ينهض بحب
=حضن أخوي بقي.
ضحك طه وهو يتذكر كيف كانوا يحضنوا بعضهم بعد كُلِ خناقة، احتضنوا بعضهم وكُل منهم يربط علي ظهر الاخر بحب ؛ ولكن كل منهم يُفكر في مشكلةٍ ما ..
______
في صباح اليوم التالي، نهضت مريم مع تالا وأطعمتها كالعادة وارتدت ملابسها ثم جاءت لتخرج أوقفتها الجارة عنيات ك كُلِ يوم قائله
=إستني يا مريم يابنتي، أنا عاوزاكي في كلمة كدة.
=ياخالتي عنيات، انا مش هتجوز ومش عاوزة عِرسان!
=بسم الله انتِ إتنقبتي؟
=أيوة يا خالة.
=الله أكبر يا بنتي بقيتي زي فلقة القمر أكثر من الاول.
=تسلمي عن أذنك بقي أحسن اتأخر.
=استني يا بنتي، انا بس كُنت هقولك إني النهاردة مش قادرة أطبخ وزي ما إنتِ عارفة انا قاعدة لوحدي، ف بقول لو ناكل سوا النهاردة.
ابتسمت مريم في لُطفٍ قائلة
=موافقة أكيد ده انا كُنت عاوزة ده من زمان ، لاني ببقي لوحدي انا كمان، هستناكي في البيت النهاردة بليل، هعمل شوية أكل يستاهلوا بؤقك.
=تسلمي يا بنت الأصول.
=سلام بقي.
=مع السلامة يا قمر.
قالتها وهي تبتسم بإنتصار ثم دلفت الي شقتها وأغلقتها، في حين أودعت تالا وهي تركب باص المدرسة ثم اتجهت نحو عملها في أحد الشركات، دلفت ك العادة الي الكرسي الخاص بها، لتبدء التهنيئات والمباركات لها علي نقابها الجديد، كانت في أوجِ سعادة بداخلها، ردود الأفعال حمستها وأحببتها في النُقاب أكثر فأكثر.
ظلت تعمل لوقت كبير، حتي جاءت صديقتها تقول لها
=المُدير عايزك في مكتبه، فيه عميل جديد وإنتِ هتتعاملي معاه.
=أسترها يارب، ميكونش تنك علشان انا روحي في مناخيري.
نهضت وأخذت اوراقها وذهبت الي العمل، ما أن دلفت حتي وقفت مكانها في صدمةٍ مرددة في نفسها
=طه ! إيه اللي جابه هنا، كدة كتير بجد انا خايفة أفتح الحمام قلاقيه في وشي، كُل شوية يطلعلي من مكان شكل!
قال المدير وهو ينده عليها
=تعالي يا مريم، اولاً مبارك علي النقاب ربنا يثبتك، وثانياً ده عميلنا الجديد طه التُهامي، لازم تهتمي بيه كويس جدًا..
قال طه بإستهزاء
=إسمها مريم؟ فكرتني بواحدة كدة اعرفها أستغفر الله العظيم، تشل أي حد .
نظرت لهُ بغيظٍ قائلة
=وانت بسم الله ما شاء الله ملاك… !!
نهض المدير قائلا
=هخرج انا عندي كام حاجة أعملها، وهسيبكم تخلصوا الشغل سوا… معتمد عليكي يا مريم.
هزت رأسها بغضب وخوف، تلعن المدير والعمل وكُل كليلة، فهي لا تريد أن تكون معهُ في مكانٍ واحد! لن تستطيع بتاتاً.
تعمق طه في النظر إليها، وهي كانت تخجل أكثر ولا تستطيع أن تقول شيء بسبب نظراته، إبتسم بفخرٍ وهُو يتأملها
=تخيلتك بيه كتير أوي علي فكرة ، طلعتي أجمل بمراحل من اللي أتخيلتهُ!
رفعت نظرها اليه بصدمة، لقد عرفها كيف؟ فقال وهو يبتسم بتنهيدة
=انا أعرفك من وسط ٤ مليار سِت يا مريم، انا حافظ كُل حاجة فيكي، حتي رسمة عيونك، أنفاسك اللي طلعت بقلق أول ماشوفتيني، توترك وهمسك الضعيف بينك وبين نفسك اللي محدش يسمعه غيري، ريحتك ومشيتك، وكٌل حاجة فيكي..
إبتلعت ريقها بخجلٍ شديد وتوتر، ولم تستطيع أن تتحدث للمرة المليون، فقال بأملٍ
=كان نفسي أكون أول واحد يشوفك بالنُقاب، كان نفسي وقتها أحضُنك واسيبك في حُضني للابد .. هغير إني حد تاني يشوفك بحاجة، زادتك جمال ومقدرتش تخفي جمالك.
نهضت بسرعه قائلة قبل أن تضعف أكثر من ذالك
=مش من حقك تقولي الكلام دة ابدًا يا طه، مينفعش اصلًا تقوله، مفيش بينا حاجة علشان تتمادي بالطريقة دي، حافظ علي الحدود اللي بينا، علشان حرام كدة.
=بُكرة مش هيبقي حرام.
رمقته بعدم فهم، فقال بنبرة حادة آمرة
=إعتبرى إني شغلي تم في الشركة، وروحي دلوقتي علشان فيه رجالة كتير مش هينفع تفضلي هنا، وللعلم .. دة آخر يوم ليكي في الشركة، بعد كدة هتشتغلي معايا أنا .
وضعت يديها في خصرها بضيق قائله وهي ترفع حاجبها للأعلي
=ومين قال إني هوافق أشتغل عندك اصلًا؟
=انا اللي قولت
=مش موافقة.
=هتوافقي.
=مش موااافقة
=هتوافقي.
=مش موااافقة.
=مررريم..
=طههه!
جز علي أسنانه بغضب من عنادها الذي لن تتخلي عنهُ أبدًا، نظرت لهُ نظرة تَعالي ثم خرجت من الغرفة الي عملها.
انتهي عمل مريم لليوم، ثم رحلت من الشركة، وذهبت الي موقف العربات، ودلفت الي إحدي عربات النقل العام، وكانت تجِلس في الكرسي الاول، وامتلأت السيارة ليدلف بعدها السائق ويبدء يقود أمدت مريم يديها ببعض النقود قائلة
=إتفضل يا سطا.
=ماتخلي يا قمر !
عقدت مريم حاجبيها بضيق من كلامه ثم أعطت وجهها إليهِ كي تعنفه علي غزله الصريح لها، لترى طه هُو من يجلس في القيادة ويضحك لها بغمزة، اتسعت حدقتي عينيها قائلة
=إنت بتعمل إيه هنا!
=أجرت عربية من السواقين، علشان أضمن سلامتك للبيت.
=طه دي مش رومانسية، دة مُحن!
=مش عيب واحدة محترمة منقبة زيك، تقول لفظ زي دة.
=أنا من جوايا ست محترمة إنت اللي بتخرج الانسان عن شعوره حقيقي، اللهم الصبر من عندك!
=يارب .
قالها ببرود تام، ضغطت علي شفتيها بنفاذ صبر ثم استندت علي النافذة تنظر للطريق والهواء يلحف وجنتيها بخفة، وينظر لها طه من حينٍ لآخر، حتي تلاقت عينيهم في مرآة السيارة، شعرت بالخجل الشديد لتخفض بصرها وتُركِز علي الطريق.
وصلت بسلام الي بداية الشارع الخاص بها، هبطت من السيارة وهي تنظر ل طه بفضول ماذا سيفعل، كذالك أطمئن هو علي حالها وانطلق بالسيارة، تنهدت وهي تضحك علي ما فعله قائلة
=طه بيه، علي آخرة الزمن أشتغل سواق عربية، وبيلم الأجرة، عجبتُ لك يا زمن.
ضحكت مستكملة
=أحسن .
عادت الي منزلها، وأخذت تالا من عند عنيات فهي تبقي عندها حتي تعود مريم، ودلفت مريم سريعاً بدأت في تحضير الاطعمة المختلفة لأجل عنيات، قالت تالا وهي تقف بجانبها تنظر لها ببراءة
=ماما انا عمو طه وحشني أوي، ونفسي أشوفه جدًا .
صمتت مريم بتنهيده ثُم قالت لها
=حاضر يا تالا، هقوله ييجي يشوفك.
=ويجيب معاه حلويات كتيرة.
=من عيوني.
=طب يا ماما، مينفعش أتجوز؟
=ت.. ايه ! تتجوزي إيه يامفعوصة إنتِ؟ وتتجوزي مين.
=عمو طه! أصله حلو وجميل، وأي حد يعوز يتجوزه، ولو انتِ مش اتجوزتيه، انا هاخده منك وأتجوزه .
نظرت لها مريم بغيظٍ ثم قالت
=روحي ذاكري يا قردة إنتِ
=يوه، حاضر .
وقفت مريم تتفهم غيرتها من طفلة، علي طه ! أهي حقاً في وعيها لتغير من طفلة؟ إنفجرت ضاحكة بشدة قائلة
=أنا اللي مجنونة، مش البنت لاء.
أكملت عملها بعناية وتركيز حتي يكون الطعام لذيذًا ، بعد كثير من الوقت انتهت من تبديل ملابسها بفستان هاديء ورقيق وتركت شعرها منسدلاً علي ظهرها ولم ترتدي شيئًا لانها أمرأة عادية، دق جرس الباب ف ركضت تالا تفتحه وهي تصرخ في سعادة
=عمو طه جه عمو طه جه!
رفعت مريم نظرها وهي تري طه يدلف مع عنيات يحمل الورد والشوكولاته، ويرتدي أفضل ما لديه، كان يبدو شديد الوسامة بلحيتهُ التي زينت ذقنه، وشنبه الذي نمي قليلًا، شعرهُ البُني المُرتب، عيونه الجميلة وحاجبيه الكثيفان، يقف بشموخ، رجُلً لا يوجد مثلهُ إثنان، رفع نظره الي من تقف بجانب السفرة بشعرها الحرير وملامحها التي طالما أحبها وحفظها، صرخت في خجلٍ وهي تركض الي الداخل مسرعةً، بينما أخفض طه نظره بخجل، لا يعلم لما معها يشعر بالخجل فقط…
ابتسم بسعادة فجاء اليوم الذي سيطلب فيه يديها، ويتحدث بكُل صراحة معها .. قد جاء يومًا إنتظرهُ منذُ سنواتٍ.
_____
يُتبَّع.
رأيكم مُهم ..
الفصل التالي: اضغط هنا
يتبع.. (رواية مرات اخويا) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.