رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني 2 – الفصل الثامن عشر 18 – ليلة عادل

رواية الماسة المكسورة الجزء الثاني 2 – الفصل الثامن عشر 18

الفصل الثامن عشر🤫♥️
[بعنوان:طريق لا يأمن مفاجآته أحد ]
أشارت إسعاد بابتسامه: اتفضل يا ابني، البيت بيتك.
تحرك رشدي بخطوات هادئة، يده تلمس الحائط بخفوت وكأنه يتحسس ذكريات المكان، مد رأسه من الباب نصف المفتوح، كانت جنة جالسة أمام الكمبيوتر، ظهرها الصغير منحني قليلا، وأصابعها تنقر على الأزرار بإيقاع مرح، وضحكتها الطفولية تملأ الغرفة وتطغى على ضجيج اللعبة.
رشدي، بصوت خافت ودافئ: جنة.
ركضت نحوه بقوة، قدماها تخبطان الأرض بخفة وهي تصيح باسمه: رشديييي!
قفزت في حضنه، ولفت ذراعيها صغيرة حول رقبته، تتشبث به، وعيناها تتلألأ بالحنين: وحشتني خالص!
شدها إليه، وعيناه تغوص في شعرها الذهبي، وإصبعه يمر برفق على ظهرها: وأنتِ كمان وحشتيني أوى.
ابتعدت عنه قليلا، وعيناها التي تشبه السماء توهجت بالحزن: بس أنا زعلانة منك، كده تسيبني كل الأيام والشهور الكتير دي؟
امسك كفها الصغيرة وقبله بحنان: معلش حقك عليا، بس كان عندي شغل كتير.
زمت شفتيها بطفولة وعتاب: هو أنت كده علطول مشغول؟
ابتسم ومسح على شعرها الذهبي: أنا أصلا هعوضك، هقعد معاكي النهارده كتير، وكمان يومين هاخدك ونخرج سوا خروجة حلوة.
رفعت حاجباها بحماس طفولي: بجد؟
مسح على رأسها بحنان: أيوه بجد، وجبتلك حاجات حلوه اووى برا تيجى نشوفهم؟
لمعت عيناها بفرحه طفوليه، ومدت يدها الصغيرة لتسحبه من كمه: ماشي يلا بسرعه.
خرجا إلى الصالة، كانت إسعاد جالسة على الأريكة، تنظر لجنة وهي تبتسم بسعادة تلمع في عينيها.
اخذت جنه تجر رشدي من يده بحماس طفولي، وكأنها تخشى أن يفلت منها قبل أن ترى كنوزها الصغيرة..
وفور أن وقعت عيناها على الأكياس، تركت يده فجأة وركضت نحوها بسرعة كادت تسقط معها.
إسعاد وهي تشير بيدها: يا بنتي بالراحة هتقعي!
ثم التفتت نحو رشدي وهي تهز رأسها بعدم رضا وكأنها تشكي له: أهو شوفت يا رشدي بيه؟ دي كده علطول، شقية ومبتسمعش الكلام، ديك النهار كانت هتقع من على المرجيحة من شقاوتها.
ابتسم وهو يقترب بخطوات ثابتة، ووضع يده فوق رأس جنة يربت عليها برفق ومداعبة: سيبيها تلعب وتتشاقى براحتها، دي طفلة.
بدأت جنة تسحب الهدايا من الأكياس بسرعة ولهفة، العرائس الأدوات المنزلية الصغيرة، الطيارة، العمود الموسيقي وغيرها، كل شيء يلمع في يدها الصغيرة كأنه كنز.
لمعت عيناها وهي تردد بسعادة: حلوين خالص يا رشدي!
ثم اندفعت نحوه فجأة وضمته وضعت قبلة على خده بطفولة محبة.
أكملت فتح الأكياس، ثم أخرجت مجموعة الملابس:
فستان باللون الروز، واخر أبيض، فساتين باللون مختلفه، الشوزات، البناطيل، البلوزات، توك شعر
جنة بزهول وسعاده: كل دول عشاني أنا؟!
ابتسم وهو يضع يده في جيبه بابتسامة: أيوه، أنا بقالي كتير مجبتلكيش هدايا حلوة، فقولت أجيبلك كتير مرة واحدة.
ركضت نحو إسعاد تشد يدها وهي تمسك احد فساتين: تيتا تعالي لبسيني الفستان الحلو ده، تعالي يلا عايزة ألبسهم كلهم!
رشدي بصوت منخفض: سيبيها، هي تعبانة، أنا هاجي ألبسك.
اتسعت عيناها، وعقدت ذراعيها على صدرها، وهي تقول بجدية طفولية: لا عيب، أنت راجل يا رشدي، تيته ورحمة قالولي مينفعش راجل يلبسني ولا يلمسني عيب وحرام.
ضحك بصوت عالي بينما إسعاد لوحت بيدها باستياء: جنه، عيب كده، هو انا مش قولتلك منقولوش رشدي كده تانى، قوليله بابا رشدي.
وهنا اتسعت عينا رشدي باضطراب له معنى، فنظرت اليه اسعاد بارتباك وتحممت محاولة لم الموقف: علشان رشدي كبير، وعيب ننادي له رشدى بس كده، وبعدين عادي رشدي يلبسك.
وضعت جنه يديها في خصرها ونظرت لهما نظرة جادة مضحكة: طب أعمل إيه دلوقتي؟ أنا عايزة ألبسهم! يعني يلبسهملي ولا لا!
إسعاد بتأكيد: اه رشدي عادي، اي راجل تاني عيب وحرام، يلا قولي لبابا رشدي لو في راجل قرب بنعمل ايه.
ضحكت وقالت بحماس: نعضه من خده، ونضربه على وشه، ونصوت ونلم عليه كل الناس؛ علشان يضربوه، واقول خاطفنييييي.
ضحكه رشدي وانحني يقبل وجنتها: شطوره يا جنه.
ثم مد كفه وهو يقول: يلا تعالي أنا هساعدك، علشان تيته تعبانة مش هتقدر تساعدك.
أمسكت يده بسرعة: طب يلا يا رشدي بسرعة.
حملا الشنط معا، و دخل معها إلى الغرفة، حملها بخفة ووضعها فوق الفراش، وقفت أمامه على المرتبة كأنها أميرة صغيرة فوق منصة عرض.
قال وهو يضع يديه على خاصرته: عايزة تلبسي إيه الأول؟
أشارت بيدها إلى أحد الفساتين: عايزة ألبس الفستان الروز.
هز رأسه بإيجاب: ماشي يلا.
رفعت سبابتها في وجهه بجدية طفولية: غمض عينك يا رشدي.
ضحك وهو يرفع حاجبه: اغمض عين إيه يا شبر ونص، هبص على إيه؟!
هزت رأسها بقوة: مليش دعوة، غمض عينك عيب.
تنهد ساخرا: طب هلبسك إزاي وانا مغمض!؟ حد قالك اني ساحر؟!
أشارت له بصرامة مضحكة: مليش دعوة، غمض عينك ولو فتحتهم هخزقلك عينك.
اتسعت عيناه بصدمه: تخزقي عين مين يا بت أنتِ، دي أنا لو عطست في وشك هطيرك.
ردت بسوقيه وهي تخبط على كتفه: تطير مين يا عم ولا تعرف تعمل حاجة اصلا.
اتسعت عيناه بصدمه: ايه كلام ده عيب، سمعتي الكلام دى فين
جنة بتلقائية: من العيال في شارع.
رشدي بنبرة جادة لكنها هادئه: لا إحنا مينفعش نقول الكلام ده تاني، ولو سمعتك بتقولي كده تاني هزعل منك، ومش هاجي تاني.
ردت بلهفه وخوف: لا خلاص مش هعمل كدة تاني، اسفه، بس غمض عينك.
اوما براسة ووضع أصابعه على عينه: أهو غمضت، خلصي بقي.
وقفت خلفه ووضعت كفها الصغيرة فوق كفه، لتتأكد أنه لا يرى شيئا.
ثم بدأت تحاول خلع الفستان الذي ترتديه، ولكنها لم تستطيع فتنهدت، ونادت بخجل طفولي: يا رشدي فكهولي، مش عارفة.
رد وهو لا يزال مغمضا: هفكه إزاي دلوقتي، إيدي على وشي!
ضربته بخفة على كتفه: متشخطش فيا كده، واتصرف ومتفتحش عينك أنا شايفاااك خليك مؤدب.
ضحك، صوته انخفض وكأنه يحاول ألا يثير غضب الأميرة الصغيرة: طب بصي إيه رأيك أرفع وشي لفوق كده وانا بفكه؟
وافقت فورا: ماشي، بس أوعى تبص!
رفع رأسه لأعلى، ومد يده للأمام يحاول البحث عن سحاب الفستان دون أن يلمح شيئا، أمسك طرف السحاب، وسحبه بحذر شديد، ثم رفع الفستان من عند كتفيها الصغيرة والبسها الفستان الجديد، وما إن انتهى، حتى أسرعت تقفز من مكانها وتتحرك نحو المرآة التي خلفه، وأغمضت عينيها لثانية، ثم فتحتهما، ونظرت إلى نفسها في ردائها الجديد، وهي تتمايل بخفة، وتدور حول نفسها بفرح.
كان رشدي واقفا خلفها، ظهره للمرآة، ولا يزال رافعا رأسه للأعلى كما أمرته، يضحك في سره ولا يجرؤ أن ينزل رأسه قبل أن تأذن له.
قالت بصوت مفعم بالنشوة: بص حلو إزاي؟!
وما إن التفتت إليه حتى وجدت رأسه ما يزال مرفوعا، فقهقهت بصوت عالي: خلاص يا رشدي نزل راسك
خفض رأسه وهو يبتسم لها، وعيناه تلمعان بدفئا لا يمكن إخفاؤه.
اندفعت فجأة بين أحضانه: شكله حلو خالص، شكرا يا رشدي، أنا بحبك خالص!
بادلها الحضن بحنان صادق: وأنا كمان بحبك أوي.
جنة بحماس لا ينتهي: يلا لبسهملي كلهم!
ظل يساعدها قطعة بعد أخرى، وفي كل مرة تنتهي من طقم، ترمي نفسها على صدره لحظة صغيرة، ثم تركض لتبدل من جديد، وبعد آخر فستان، رفع يديه باستسلام مازح: خلاص خلصنا عرض الأزياء؟
ضحكت وهي تهز رأسها: آه خلصنا!
ثم أمسكت يده: تعالى بقى نروح نلعب بره باللعب، بس بقولك اقعد كده.
تساءل متعجبا: أقعد إزاي؟
أشارت له: اقعد كده على السرير.
جلس على الفراش، فوقفت خلفه لثانية، ثم فجأة قفزت بركبتيها على ظهره.
ضحك وتساءل: بتعملي إيه إنتِ؟!
جنة بابتسامه مرحه: اقف بقى وطلعني بره، وطير بيا زي الطيارة!
ضحك وهو ينهض: ماشي!
حملها وخرج بها إلى الصالة، يفتح ذراعيه كالجناحين، وهي تقلده، وضحكها يملأ المكان.
رشدي بحماس: امسكي جامد علشان متوقعيش!
جنة: متخافش أنا شاطرة!
ظل يجري بها في الصالة، يلفها، يرفعها، ويميلها كأنها تطير، كانت تصرخ ضاحكة، وشعرها الذهبي يتطاير في الهواء، أمسكت فجأة بشعره من الخلف وهي تصرخ بمرح: يلا اجري أسرع! أنت طيارة بايظة!
رفع حاجبيه بدهشة مضحكة: أنا طيارة بايظة؟ طب تعالي هنا بقى!
قلبها بخفة، ووضعها على الأريكة وبدأ يزغزغها،
كانت تصرخ ضاحكه، وإسعاد تنظر إليهما بعينين تمتلئان بدفء البيت الذي افتقده الاثنان
💞_________________بقلمي_ليلة عادل
مجموعة الراوي, 10:00 صباحا
الروف، أعلى المبنى
الريح تهب بخفة فوق سطح المبنى، والمدينة تلمع بأضواء النهار.
وقف سليم في مواجهة ياسين، كتفاه مشدودان ونظراته ثابتة، بينما ياسين يبادله النظرة بعناد صامت.
سليم بصوت منخفض لكنه حاد، يتسلل منه الرفض بوضوح: أنت راضي؟ يعني اللي بتعمله ده عاجبك؟
تحركت ملامح ياسين باستغراب، وخرجت منه ضحكة قصيرة بلا روح: مش عارف إيه مشكلتكم، فريدة قالتلي نفس الكلام امبارح! هو الجواز بقي حرام ولا ايه؟!
اقترب سليم خطوة، وصوته ازداد عقلانية: لا مش حرام بس مش بالطريقه دى؟! وبعدين المجنونة التانية دي وافقت ازاي؟ وأهلها ازاي يوافقوا؟ أنا كنت فاكرها بنت عاقلة، طلعت مجنونة زيك بالظبط.
ياسين بعناد وضجر: مش كل حاجة لازم تتعمل بالصح، والحساب، وازاي وفين ومنين!؟ ايه المشكله يعني لما نخلي العواطف هي اللي تحركنا مش كل حاجه العقل، ومادام مبنعملش حاجه غلط ولا حرام فين المشكله؟!أنا هتجوز البنت اللي بحبها!!
رفع سليم يده باعتراض محاولا ارجاعه عن قراره المتهور: اللي يمنع إن مشاعرك …
قاطعه ياسين بحدة وهو يلوح بيده باصرار ويقين: مشاعري أنا متأكد منها، وبعدين هي مش مجنونة، هي رفضت في الأول، وراحت لهبة، ولما راحت لها كلمتها بطريقة وحشة، واتكلمت في حقكم وفي حقي بأسلوب سىء، فلوجين اتضايقت من أسلوبها وفهمت إن عندى حق وجت وقالت لي موافقه نتجوز، و
قاطعه سليم وهو يضيق عينه، بنبرة جدية مكملا: هي جت وقالتلك يلا نتجوز، لإنها اتعصبت من الكلام اللي اتقالها، وانت نفسك اتعصبت واضايقت لما عرفت إنها سقطت، فالقرار اتاخد منكم أنتم الاثنين في لحظة غضب.
صمت ياسين للحظة، ثم رفع رأسه بثقة: يمكن! بس اللي متأكد منه إني بحب لوجين وعايز اتجوزها النهارده قبل بكرة.
ثم رفع صوته بنبرة حاسمة: وبعد اللي عملته هبة؟ بعد ما أجهضت مرتين من ورايا؟ وقالت عني اللي ميتقالش؟ لو آخر ست في الدنيا، مش هرجعلها.
زم سليم فمه بضيق، قال بصوت منخفض لكنه حازم: أنا ميخصنيش هبة، ولا هي تستاهل ترجع، وحقك كمان تاخد البنت لإنها مش أمينة، بس أنا بتكلم عليك أنت، خايف الوجع يكون عامي عينك، خد وقتك، اصبر، وارتبطوا، اعملوا خطوبة علشان متظلمش نفسك، ولا تظلم لوجين. ياسين ارجوك بلاش قرارات متهورة، أنت لسه متأثر.
هز ياسين رأسه بعدم اقتناع، وقال بحسم: سليم من فضلك انهي الموضوع ده، انا خلاص خدت القرار ومش هرجع فيه.
تنهد سليم ومسح وجهه ببطء: ماشي اعمل اللي يريحك..
ثم تسال بجدية: طب ايه نالا خلاص كده أكيد هتبقى معاك.
اومأ ياسين برأسه مؤيدا: اممم، اوعى تقولي لازم تعيش معاها والكلام دى لان الموضوع دى منتهي بالنسبه لي.
سليم بهدوء صارم: لا مش هقولك كده، بس برضو متحرمهاش منها، بس هي لازم تتربى.
اومأ برأسه، ثم تنهد وحك في خده وهو يقول: طب بقولك إيه، الفترة الجاية مش هقدر أركز في الشغل، ورشدي كمان خد القرار إنه يتجوز معايا، وهيفاتح مي في الموضوع، لو وافقت، وبنسبة كبيرة هتوافق لإن رشدي بيعرف يأثر عليها، أنت اللي هتشيل الشغل.
زفر وهو ينظر لأمام بعدم رضا: يعنى ملقتوش الا الأسبوع ده وتتجوزوا فيه؟!
ضيق ياسين عينه متسائلا: هي ماسة تعبت تاني ولا ايه؟
هز رأسه: لا، بس أنا وهي…
صمت للحظه، ثم زفر بضيق وقال: مش مهم، تمام ماشي هتابع، وكده كده مفيش حاجة مهمة الفترة دي غير مشروع رشدي، وهو اللي شغال عليه، الباقي الهانم وبابا وطه وفريدة يركزوا فيه، مش صعبة.
ياسين بتنهيده: عموما أنا ولوجين هننزل كمان يومين، نخلص الشغل اللي ورايا، علشان الاسيست الجديده دي لسه مش قد كده.
هز سليم راسه بإيجاب بإبتسامة وهو يمسح على ظهره ويقول: تمام مبروك يا ياسو.
ياسين بابتسامه: الله يبارك فيك هستناك انت وماسة
سليم: اكيد
المستشفى، 10:00صباحا
فى احد الادوار.
كانت آلاء واقفة عند الكونتر، تجهز تذاكر المرضى بسرعة وتركيز، يدها تتحرك بخفة وعقلها مرهق،
اقترب مصطفى وقال بصوته الهادئ: صباح الخير.
رفعت عينيها نحوه: صباح النور يا دكتور.
نظر إلى التذاكر بين يديها: خلصتي التذاكر؟
اومات براسها: آه، فاضل اتنين بس.
قال وهو يهم بتحرك: طب أنا في مكتبي لما تخلصيهم نادي لي علشان نمر.
هزت راسها باحترام: حاضر.
غادر مبتعدا، فمالت أحدي صديقتها وهي تتهكم بسخرية مبطنه ونبرة ذات معني: هو ماله دكتور مصطفى، علطول بيحب يمر معاكي ليه؟!
نظرت إليها آلاء بحدة: ابقي اسأليه.
وأكملت عملها بصمت، حتى انتهت وتوجهت إلى مكتبه.
مكتب مصطفى
جلس مصطفى خلف مكتبه يقرأ بعض التقارير بتركيز شديد، قاطعه صوت طرق الباب، تبعه دخول آلاء وهي تقول بتهذب: أنا خلصت يا دكتور وجاهزه.
رفع نظره اليها، واومأ برأسه وهو يغلق الملف الذي أمامه، توقف وهم بالخروج معها، وكاد يتجاوزها ليخرج، لكنه توقف فجأة، كأن سؤالا عالقا منذ أيام.
تسأل مصطفى باهتمام قوليلي صح، أخوكي عملك حاجه من آخر مره؟
خفضت عينيها قليلا: لا لسه مرجعش من آخر مرة.
مصطفى بتنهيدة صغيرة: وده طبيعي؟
هزت راسها بهدوء: أمم أحيانا.
هز رأسه، وتساءل بشكل غير مباشر سؤال ذات مغزي: طيب وإيه أخبار شفتات الشهر ده؟ برضه هشوفك أكتر ما بشوف دكتورة كوثر؟
ضحكت بخفة، ضحكة تخفي ورائها قلة حيلتها: يعنى ناوية على حوالي 20 ل 25 شفت، يعني هتشوفني لحد ما تزهق.
صدمه العدد وحاول تلطيف الأجواء فعلق بمزاح محاولا تهوين الأمر عليها: ياه كل ده؟ ده أنا باخد ١٠ بالعافية!
نظرت للأرض بخجل خفيف: محتاجاهم.
صمت للحظه كأن الكلمات علقت في صدره، وشعر بالأسف تجاهها وبرغبة حقيقية في مساعدتها لكنه لم يجد الطريق المناسب لذلك، فكر لثواني، ثم مد يده إلى جيبه، وأخرج مبلغا صغيرا، وقدمه لها بصوت منخفض ونظرة حاول أن لا يجرحها.
مصطفي بترقب: طب خدي دول خليهم معاكي، وبلاش تشيلي كل دى حرام عليكي صحتك، كمان الامتحانات علي الأبواب أقعدى في البيت ذاكري.
اتسعت عيناها، وتراجعت خطوة للخلف: إيه ده؟!
اقترب خطوة، ونبرة صوته فيها لطف واضح: متخجليش أنتِ زي أختي.
ارتعش جسدها للحظة، ودمعة ساخنة هبطت دون إرادتها، وقالت بصوت متحشرج: شكرا يا دكتور، أنا مش محتاجة صدقة ولا إحسان.
هز راسه مسرعا: بس ده لا صدقة ولا إحسان.
تسألت بحزن: أومال؟!
أجابها موضحا بهدوء: أختي وعايز أقف معاها.
اهتز صوتها، وكأن ثقل الحزن والحرج يضغط على صدرها، عجزت عن استيعاب أنها بحاجة للمساعدة، وكل شعور بالنقص يزداد داخلها، يجعلها تواجه نفسها بمرارة لا تحتمل.
قالت بنبرة قهر وعجز، ممزوجه بعزة نفس: لو أنا أختك بجد، أوعى تعمل كده تاني، أنا مش بقولك علشان تديني حسنة، أنا الحمد لله مش محتاجه حاجه، أنا بشتغل كتير علشان أحوش، واعمل حساب الزمن.
نظر اليها بحزن، ثم تنهد وقال بلطف محاولا إزالة حرجها: آلاء بلاش تكوني حساسة كده، أنا آسف مقصدتش، وبعدين ده مبلغ بسيط مش محتاج كل الدراما دي.
رفعت يدها تمنعه بلطف ولكن بحسم: أرجوك متعملش كده تاني.
هز راسه بهدوء: حاضر بس اوعديني لو احتجتي اي حاجه في اي وقت تكلميني على طول غير تردد او حرج وعد.
تبادل النظرات للحظه ثم هزت راسها بايجاب بابتسام ومكسوره
اضافه مصطفى بنبره مرحه قليلا: طب يلا نشوف شغلنا ولا ايه؟!
هزت راسها بإيجاب: يلا.
خرجوا معا لاتمام عملهم، كانت آلاء تشعر باحساس مؤلم بين الانكسار والقهر، لم تكن تتوقع يوما أن ينظر إليها بعين الشفقة، أو أن يقدم لها مبلغا من المال، وإن كانت في أمس الحاجة إليه؛ فقبول مثل هذا الأمر كان صعبا عليها.
أما مصطفى فكان يسير بخطواتٍ هادئة، يعتصره الأسى من أجلها، فهو لم يشأ أن يجرحها، وإنما أراد أن يقدم لها يد العون، ولو بقدر بسيط، عله يخفف عن قلبها بعض ما أثقله.
💞_________________بقلمي_ليلةعادل
منزل مكي،11:00صباحا
كان مكي ممددا على الأريكة، مستندا برأسه على قدم والدته التي كانت تمسح شعره بحنان.
كان الاثنان منسجمان مع التلفاز، يشاهدان أحد الأفلام، وفجأة تعالي رنين هاتفه، فجلس مستقيما وأمسك الهاتف، فوجد اسم سليم يلمع على الشاشة.
ابتسم ورفع الهاتف يجيب بحماس: الو.
جاءه صوت سليم من الطرف الآخر، وهو جالس في مكتبه بالمجموعة: وحشتني يا أبو إيد ونص.
ابتسم وهو يجيب: والله وانت؟
تساءل سليم بقلق: طب طمني دراعك عامل إيه؟
ضحك بخفة: كويس يا عم، ده خربوش، أنت قلبك بقي خفيف كده ليه.
سليم بحزم: مكي، اسمع الكلام، مشفش وشك لحد ما تخف خالص، خليك مع مامتك.
نهض مكي وتوجه الى الشرفه توقف عند السور: والله زهقت من القاعده، بس فعلا محتاج أقعد شويه معاها، قولي أخبارك أنت إيه؟ لسه صامت زى ما أنت؟
ضحك بصوت عالي وقال: لا في حاجات كتير حصلت، لما ترجع هحكيلك.
رفع حاجبيه بإبتسامة: حلو يومين كده وهرجعلك.
سليم بابتسامه: مستنيك، خد بالك من نفسك، وسلملي على طنط.
مكي بلطف: الله يسلمك
اغلق الهاتف ثم دخل الراسيبشن مرة أخرى، وجلس على الكرسي بجوار والدته.
تسألت ليلى بابتسامه: ده سليم؟
أجابها وهو يشبك أصابعه ويتمطى قليلا: اممم، كان بيطمن عليا.
سألت ليلى بهدوء: طب وعامل إيه مع مراته؟
مكي بابتسامة صغيرة: الحمد لله، ادعيلهم.
تنهدت ليلى بصوت مسموع: ربنا يهديهم لبعض.
ثم نظرت له نظرة طويلة، وتسالت بلوم ام تخشي على أبنها من الوحده: وانت بقى، ناوي تفرح قلبي امتى؟
أشاح بوجهه بعيدا، وظل صامتا، كأنه يطارد ذكرى لا تريد أن تمحى.
تابعت ليلى بإصرار ممزوج بوجع: يا بني نفسي أفرح بيك واشوفلك عيال، انت خلاص كام شهر وتكمل خمسة وتلاتين، لا اتجوزت، ولا شوفتلك أي حاجة تبشر، هتفضل حياتك كده؟
رفعت يدها وهي تلوح بقلق: صاحبك ده متجوز وعنده ست في حياته بتحبه وبكره يجبله عيل ويبقي عنده عزوته، وانت؟ لا زوجة ولا عيل ولا حد.
التقت عيناه بعينيها، وبرّبش بجفنيه وكأن كل كلمة نطقت بها قد لمست شيئًا دفينًا في أعماقه.
اضافت وهي تتسال بعتاب بعيتين ترقرق بالدموع: ليه كاتب على نفسك تعيش وحيد؟ ليه ميكنش ليك ست تستناك، أول ما ترجع من شغلك تاخدك في حضنها؟ وتنسيك تعب اليوم؟! ليه ميكونش ليك ابن يبقى سندك وعكازك لما تكبر؟
خفضت صوتها: أنا خايفة عليك يا مكي، العمر يسرقك وتلاقي نفسك فجأة لوحدك، لا اخ لا زوجه لا ابن ولا حتى ام.
أجابها مسرعا وهو يقبل يدها بتأثر بعد شر عليكي متقوليش كدة ربنا يخليكي ليا
ليلى بهدوء وواقعيه مريرة: دي سنة الحياة يا ابني، مش هعيش قد ما عشت، اسمع مني يابنى وخليني اطمن عليك.
رفع عينيه نحوها، اوما برأسه وهوينظرة قصيرة لكنها ممتلئة بالوجع وقال ببطء واقتناع: أنتِ عندك حق، بس أنا مش عايز أظلم واحدة زي ما كنت هعمل قبل كده.
اقتربت ليلى منه، وقالت بحنو: لا قبل كده كنت لسه خارج من وجع، بس دلوقت حتى لو الوجع موجود، مش هيبقى زي الأول، ولا أنت لسه بتفكر فيها؟
أخفض رأسه للحظة،قال بصوت متماسك لكنه موجوع حازم: أمي للمرة الألف بقولك، أنا وسلوى خلاص، حتى لو لسه في قلبي ليها حب، خلصت بينا..
أخرج أنفاس مثقله، أضاف وهو يهز رأسه بتأييد: بس أنتِ عندك حق لازم أحط حد للي أنا في ده وأشوف حياتي.
ابتسمت بحنان ممزوج برجاء: يا ريت يا بني ياريت، ربنا يكرمك ببنت الحلال اللي تستاهلك، حتى لو كانت سلوى.
رفع حاجبه باستغراب، وقال ساخرا: بتدعيلي بيها؟
ليلى بابتسامة: لو هي اللي هتريحك وهتبقى سعيد معاها ليه لأ؟ أكيد اللي عملته كان له سبب، دي كانت روحها فيك.
زفر بغضب مكبوت وهو يرفع يده قليلا: مش عايز كلام في الموضوع دى يا أمي لو سمحتي.
أضاف وهو يهرب من الحديث: هو أنتِ مش ناوية تفطرينا ولا ايه؟!
أدركت حد الألم في صوته، فقالت بلطف: حاضر هروح أحضر الغدا.
نهضت وتوجهت إلي المطبخ، بينما بقي مكي في مكانه، ينظر إلى الفراغ بعينين ممتلئتين بثقل كل شيء، كان قلبه يغرق بين الحب القديم والخذلان والمستقبل الذي يعرف أنه لا يمكنه الهروب منه أكثر من ذلك.
💞_______________بقلمي_ليلةعادل
فيلا عائلة هبة، 2:00ظهرا.
غرفة هبة
جلست هى على طرف الفراش، ظهرها منحني وكأن كل ثقل الدنيا فوق كتفيها، تبكي بصوت مكتوم، وهي تضم صورة نالا بين يديها، وتمرر أصابعها فوق الصورة، كأنها تلمسها بالفعل، وكأن هذه الصورة هي الشيء الوحيد الذي يثبت أنها أم.
وقفت سامية عند الباب، تنظر إلى ابنتها بنظرة ممتلئة بالحزن والأسف، تقدمت وجلست أمامها.
سامية بصوت منخفض: أنا كلمت زيدان، وقال إنه بيحاول يقابلهم ومش عارف، وبكره هيروحلهم تاني، خصوصا بعد ما انتشر أخبار عن جواز ياسين.
رفعت الصورة لثانية، كأنها تكلم نالا بشوق وانكسار: نالا وحشتيني أوي يا مامي.
تنهد سامية، وقالت بحنان وعتاب: أنا حاسة بيكي، بس اللي أنتِ عملتيه مكانش يصح يا هبة، أزاى جالك قلب تعملى كده!؟
رفعت رأسها فجأة، وعينيها حمرا من البكاء: قوليلي كنت أعمل إيه؟ اللي سمعته وعرفته هناك كان صعب اوي؟ وبعدين أنا حملت غصب عني مش بمزاجي!
نظرت لها سامية نظرة طويلة مؤلمة: وأنتِ كدة فرقتي عنهم إيه بقى؟
شهقت وهي تدافع عن نفسها: فرقت كتير! أنا محبتش أزود المجرمين نفر كمان؟ كنتي عايزاني أخلف تانى واجيب ولاد يكبروا معاهم، ويبقوا جزء من العصابة دى، وقتالين قتلة زيهم..!؟
هزت رأسها، وتابعت بحرقة: محدش فاهمني! محدش حس بيا! لما اكتشفت إن أهل جوزي قتلة، وإنهم بيعملوا كل حاجة غلط وحرام، كان مطلوب مني أعمل إيه؟
سامية بصوت حاد لكنه مكسور: تعملي زي ما العقل بيقول، تطلقي في هدوء.
كادت هبة ان تنطق، ولكن سامية قاطعتها وهي تشير بيدها: وأوعي تقولي عشان بتحبي ياسين، أنتِ اللي ضيعتي ياسين من إيدك.
مسحت دموعها بحدة، وقالت بصوت مرتعش: أنا مضيعتش ياسين، هو اللي أناني، وطول عمره عايز كل الناس تعيش بطريقته، مش قادر يفهم إن بقي عندى شغلي وبنتي، ومبقاش عندي وقت للكلام الفاضي ده، هو عايز يفضل عيل صغير، يسهر ويشرب ويعيش حياته كده وخلاص، وده مبقاش يناسب حياتي.
هزت سامية رأسها ببطء: كان ممكن تفهميه.
هبة بمرارة: فهمته كتير، وهو مفهمش.
صمتت سامية لحظة، تنهدت: بصي يا هبة أنا كنت ممكن اعذرك في كل اللى بتقوليه، بس بعد اللى عملته مرتين لا، للأسف حتي لو كانت أسبابك منطقية فأنتِ دمرتيها بأفعالك.
اخرجت انافسها ببطء، فهي في النهايه أم وتشعر بها أضافت: عموما اللى حصل حصل خلاص، وأنا جنبك علشان أنتِ بنتي، وعلشان كمان بنتك لازم تعيش في حضنك أنت أولي من مرات أبوها مهما كان.
ثم نهضت ببطء، وأغلقت الباب خلفها.
ظلت هبة وحدها في الغرفة، والصورة بين يديها، وقلبها بين نارين: هل حقا كانت مخطئة؟ أم أنها كانت على صواب؟! لم تعرف، كل ما كانت تعرفه الآن أن اشتياقها لابنتها بات يحرقها من الداخل.
الجامعة الأمريكية، 3:00عصرا.
خرجت ماسةمن المبنى، تحمل كتبها، وملامحها لأول مرة منذ زمن تحمل شرارة حماس طفيفة، نسمات الهواء تداعب خصلاتها، وابتسامة صغيرة تشكلت على طرف شفتيها.
وفي الجهة المقابلة، كان القناص قد جهز بندقيته داخل السيارة، رفع المنظار وثبت نظره على الهدف.
بيمنا ماسة كانت تلوح بيديها لأحد أصدقائها قائلة بابتسامة: لا، بكرة هاجي أكيد، لا هاجي باااي
وهنا وضع القناص، سبابته على الزناد مصوب الليزر على جبينها، واستعد لكي يطلق رصاصته لكن فجأة توقف سليم أمامها بإبتسامة واسعة، وشرارة الليزر ارتطمت في ظهره.
رفع القناص عينيه للحظة، أعادها إلى المنظار، وهو يضغط على أسنانه غيظا، فقد كان على وشك أن يطلق رصاصته، لكن مجيء سليم عرقل الأمور وجعله يتراجع، تمتم بغضب: «تمام يبدو أن اليوم ليس يومك».
أسند رأسه إلى الخلف، منتظرا تحركها أو رحيل سليم.
علي إتجاه آخر عند سيارة ماسة
اتسعت عينا ماسة حين رأت سليم يقف أمامها، عقدت حاجبها، وقالت بمشاكسه: إيه ده بقى إن شاء الله؟ إيه إللى جابك، إحنا مش اتفقنا إنك هتسيبني براحتي، ولا بتاخدني على قد عقلي!؟
وقف أمامها بابتسامة معللا بمزاح: مقدرش يا قطعه السكر، بس كان لازم أطمن عليكي، وأشوفك هتعرفي تروحي لوحدك ولا هتوهي؟! مش فاضي أدور عليكي أنا.
رفعت كفها بمشاكسة: مش هتوه، عرفت الطريق خلاص.
مال بجسده نحوها، وقال بصوت منخفض لكنه ثابت: تمام وأنا عايزك تروحيني عشان أشوفك شطورة فعلا ولا أسحب كلمة الصبح!؟
ثم اقترب منها وهو يقرصها من خدها بدلال: بعدين تعالي هنا، أنا براحتي أعمل إللي أنا عايزاه الأسبوع ده، وأنتِ تسمعي الكلام من غير جدال.
ابتسمت وهي تومئ برأسها: ماشي يا سلوملوم، يلا بينا نروح لإني جعانة موت.
هز رأسه بإيجاب، نظر الحراس أشار لهم، ثم دخلوا السيارة، وانطلقت ماسة بالسيارة وسليم بجانبها.
داخل السيارة
تساءل باهتمام وهو ينظر لها: عملتي إيه النهاردة؟!
التفتت إليه، وكادت تتحدث، لكن نظرته الحادة قطعت حديثها وهو يلوح بإصبعه: بصي قدامك!
تنفست بمشاكسة: على فكرة أنا بعرف أسوق كويس، بس مش بعرف الطرق.
أجابها بشدة لطيفة: بطلي لماضة، واتكلمي وأنتِ باصة قدامك.
هزت راسها بهدوء: ماشي، اتعرفت على بنتين وقضيت معاهم اليوم، إللي كانوا معايا بقوا في سنة تالتة دلوقتي، هو أنا بقالي كتير كده؟
اومأ بابتسامه: اممم.
زمت شفتيها بضيق طفولي: بس كل البنات أصغر مني 19، 20سنه، أنا الوحيدة اللي 25 ونص.
نظر إليها بظرة عاشقه، وقال بنبرة دافئه: هما آه 19 و20 سنه، بس أنتِ شكلك أصغر منهم كلهم.
قالت مازحه: بتجبر بخاطري يا كراميلتي!
رد ضاحكا: لا والله أنتِ شكلك صغنون وزي القمر يا قطعه السكر اللى محليه حياتي.
أومأت برأسها، ثم تساءلت بشك وهي تنظر إليه: إحنا هنمشي من الشارع ده صح؟
ألتفت إليها بنظرة غامضة، حاجبه مرفوع قليلا، وقال بغلاسه: أعرفي لوحدك.
ضيقت عينيها بضيق ومشاكسة: على فكرة هو الشارع ده.
تحركت يده على عجلة القيادة، ولم يعلق، مما جعل الأمر واضحا أنها تسير في الطريق الصحيح.
قالت بحماس: بصراحه يومي كان لذيذ أوي، وإنت عملتِ إيه؟
أجابها بإبتسامة: خلصت الشغل إللي ورايا وجيتلك.
اومأت برأسها وواصلت القياده بابتسامه واسعه تعبر عن مدى سعادتها ورضاها بكل هذا التغير والهدوء الذي طرأ في حياتهما مؤخرا خاصة سليم
على إتجاه آخر، سيارة القناص.
جلس بظهر مستقيم، وعينه ثابته على سيارتهم لا تتحرك، أصابعه تتحرك بخفة على عجلة القيادة، يحافظ على مسافة محسوبة بينهم، بحيث لا يكون قريب أكثر من الازم فيثير الشك ولا بعيد فيضيع الهدف.
في المرآة انعكس وجهه البارد وهو يتمتم: تمام نحن نسير في الإتجاه الصحيح.
ثم رفع هاتفه، وكتب رسالة ” أتابعها بدقه وانتظر الوقت المناسب للتفيذ، لا تقلق”.
وأعاد نظره للطريق متربصا
💞_____________بقلمي_ليلةعادل
قصر الراوي، 3:00عصرا.
غرفة نالا
جلست نالا على الأرض قرب السرير، وجهها مبلل بالدموع، وعيناها حمراوان من كثرة البكاء، أمامها طبق صغير من الطعام، لكن يدها لا تقترب منه، والدادة تجلس بجوارها، تحاول أن تلاطفها بحنان.
الدادة: يلا يا حبيبتي كلي.
هزت رأسها بعنف، وشفاهها ترتجف: لا أنا عايزة مامي.
حاولت الدادة أن تبدو هادئة: مامي مسافرة يا روحي.
صرخت بصوت مخنوق: مليش دعوة! عايزة أكلمها في التليفون! هي كانت بتكلمني كل يوم! دلوقتي لأ؟!
مدت الدادة يدها تحاول إقناعها: طب كلي، وأنا هخليكي تكلمي مامي.
هزت رأسها برفض شديد، وركضت نحو الفراش واعتلت طرفه، ونامت على وجهها وهي تبكي بصوت مكسور: لا مش عايزة، أنا عايزة مامي، مامي بس…
وقفت وداد أمام المشهد عاجزة، زمت شفتينا بأسف، وزفرت بعمق تقاوم الدموع التي كادت تهرب، استدارت وخرجت من الغرفة بخطوات سريعة.
في الخارج، سألت أحدي الخادمات: ياسين بيه وصل؟
أجابتها بعجله وهي تغادر لمواصله عملها: لا مفيش الا فايزه هانم الا هنا في الجناح بتاعها.
تنهدت وداد وتحركت إلي هناك.
غرفة فايزة
جلست فايزة أمام التسريحة، تمشط شعرها بهدوء قاطعه صوت طرقات خفيفة على الباب.
فايزه بثبات: ادخل.
دخلت وداد بخطوات مترددة: فايزة هانم.
التفتت لها ببرود: عايزة إيه؟
بلعت وداد ريقها: نالا عاملة تعيط وعايزة مامتها، ورافضة تاكل خالص.
رفعت فايزة حاجبها: مقولتيلهاش ليه إن هبه مسافرة؟
هزت راسها بسرعة: قولت، بس هي النهارده معاندة خالص، وياسين بيه لسه مجاش مش عارفه اعمل معها ايه؟! من الصبح بتعيط.
هزت فايزة رأسها بإيجاب: طيب روحي أنتِ، أنا جاية وراكي.
توقفت لثانية أمام المرآة، رتبت طرف ملابسها، وتأكدت من هيئتها، ثم خرجت بخطوات محسوبة متجهة إلى الطابق الأعلى، حيث تبكي نالا وحيدة في غرفتها.
غرفة نالا
كانت ما تزال مستلقية على الفراش، وجهها مغمور بالدموع، أنفاسها متقطعة، ويديها الصغيرتين تضغطان علي الوسادة بقوة كأنها تحاول أن تمنع العالم من الاقتراب منها، دخلت فايزة أولا، تلتها وداد التي بقيت واقفة عند الباب، مترددة تشعر بالذنب لأنها لم تستطع تهدئة الطفلة.
اقتربت فايزة بخفة، نبرتها ناعمة لكنها خالية من أي دفء حقيقي: نالا الحلوة بتعيطي ليه؟
جلست على طرف الفراش، مدت يدها ومسحت على شعر الطفلة بحنان مصطنع: مالك يا روحي؟
رفعت رأسها ببطء، ودموعها تلمع على خديها، وقالت بصوت متلعثم ومكسور: مامي وحشتني يا ناناا، ودادا مش عايزاني اكلمها.
فايزة بهدوء، وكأنها تخبرها بشيء عادي: مامي مسافرة.
هزت رأسها: بس هي لما بتسافر كانت بتكلمني كل يوم، خليني أكلمها يا نانا.
عدلت فايزة شعر نالا جانبا، وهو تقول ببرود: هي مشغولة ومش فاضية، ولازم تتعودي إن مامي هتكون علطول مسافرة، مش هتبقى معاكي هنا، بابي معاكي والداد معاكي وأنا.
هزت نالا رأسها بعناد: بس أنا عايزة مامي كمان معايا.
انعقدت شفتا فايزة بابتسامة صغيرة، لكنها كانت ابتسامة من يفرض حقيقة لا يتراجع عنها: لا مامي خلاص مش هتيجي، مسافرة بعيد ومعهاش تليفون.
تجمدت نالا للحظة، وكأن الجملة صدمت قلبها الصغير: يعني إيه!؟
اقتربت فايزة أكثر، ووضعت يديها على كتفها بلطف بارد: يعني مامي راحت مكان بعيد، ومش هتبقى هنا تاني، ولازم تتعودي إن بابي بس اللى هيكون معاكي.
شهقت نالا بصوت مكتوم، خرج صوتها ضعيفا، مخنوقا: بس أنا عايزة مامي.
سقطت كتفا فايزة قليلا، وكأنها بدأت تفقد صبرها، لكنها حافظت على هدوء صارم: نالا اسمعي الكلام، وكلي علشان بابي ميزعلش منك، قولت مفيش مامي خلاص.
رفعت نالا صوتها بعناد طفولي: لا! في مامي!
اشتدت وجه فايزة حتى صارت حادة كالسكين، وصاحت بها بقوة، صوتها اخترق الغرفة: أنا قولت مفيش مامي! وهتاكلي غصب عنك! ومش عايزة عياط فاهمة!
شهقت نالا كأن الهواء انقطع عنها، واتسعت عيناها بخوف شديد، انفجرت في بكاء حار، بكاء طفل يشعر أنه يسحب من العالم الوحيد الذي يفهمه.
ركضت الداد وداد إليها، وضمتها لصدرها وقالت بسرعة، بصوت خائف ومستنكر في آن واحد: خلاص يافايزة هانم، أنا هسكتها وأكلها، خلاص.
وقفت فايزة جامدة، كتفاها مشدودان، نظرتها قاسية لا تعرف الرحمة، ردت ببرود أشد من الصراخ: ياريت فعلا تعملي شغلك، بدل ما منادياني أعملهولك.
استدارت وخرجت بخطوات ثابتة، خطوات لا تهتز حتى أمام بكاء طفلة على أمها.
ظلت وداد تجلس على الأرض بجانب الفراش، تمسك نالا بكلتي يديها، تربت على شعرها بحنان، بينما نالا تبكي في صدرها حتى اختنق صوتها من كثرة الألم.
كانت الغرفة صغيرة، لكن وجع نالا كان أوسع من أن تحتويه أربعة جدران.
فيلا سليم وماسة، 4:00 عصرا.
جلسا ماسة وسليم يتناولان الطعام، والبخار يتصاعد من أطباق الشوربة.
رفع سليم نظره اليها وقال متسائلا: عملتي إيه في المشروع إللي أنا مديهولك؟
ردت بكسل طفولي، وهي تحتسي الشوربة: مشروع إيه؟!
ضحك ورفع حاجبيه ساخرا: مشروع إيه!!! يا ما شاء الله يا ماسة، مفتحتيهوش!؟
أجابته بخجل: ما أنا مفضتش يا سليم.
هز رأسه يداعبها: وهنفضل ندلع كده كتير؟ أنا مش فاضيلك تعالي ديري أملاكك بنفسك.
ضحكت ورفعت كفها باستسلام: حاضر والله، النهاردة هقعد أبص عليه.
تنفس بإرتياح: تمام وأعملي حسابك يوم الخميس الجاي، عندنا فرح ويمكن يبقوا فرحين.
رفعت حاجبيها بدهشة، وتساءلت: فرح مين؟
ابتسم بخفة وهو يمضغ: فرح ياسين.
اتسعت عيناها ببراءة حقيقية: هو ياسين هيعمل فرح تاني لهبة؟! بيقلدنا.
هز رأسه نافيا: لأ مش لهبة، لوجين بنت كدة اتعرف عليها وهيتجوزها.
تجمد جسدها، واتسعت عيناها بدهشة، فأضاف متعجبا رد على نظراتها: ثانية واحدة! ثانية واحدة! هو أنتِ متعرفيش إن هو طلق هبة؟
هزت راسها: لأ معرفش، طلقها إمتى؟!
أشار بيده كأنه يخبرها بأمر طبيعي: طلقها من يومين وحب لوجين من فترة وهيتجوزوا.
وضعت يدها على جبينها في صدمة مريرة: يعني ياسين حب واحدة على مراته؟ وعايزني أحضر؟! أنت إيه بتبارك للخيانة؟
أشار بيده موضحا: لا لا استنى هفهمك.
رفعت صوتها أكثر قليلا: تفهمني ايه؟!
تنهد موضحا: هما كان فيه بينهم مشاكل بقالهم فترة، وأنا حاولت أقوله يديها فرصة، وفعلا حاول لكن هبة سقطت نفسها مرتين، علشان مكانتش عايزه تجيب أطفال تاني من ياسين.
ترقرقت دمعة في عينها بلا إرادة، وتمتمت بصوت مكسور: سقطت نفسها مرتين؟! وغيرها بيتمنوا طفل!!
مسحت دمعتها سريعا محاولة التماسك، غيرت الموضوع مسرعه: طب ومين الفرح التاني؟ وإيه موضوع ياسين ولوجين؟!
أجابها ببساطة: أحتمال يبقى رشدي، عايز يتجوز معاه، بس لسة هيفاتح خطيبته، انما ياسين ولوجين دول حكايتهم حكايه، بصي يا ستي.
بدأ يروي التفاصيل، بينما ماسة تستمع بعينين متسعتين ومشاعر متداخلة.
وفي النهاية هزت رأسها وقالت بنبرة صادقة: بص ياسين غلط، مكانش ينفع يبقى عارف واحدة على مراته حتى لو بينهم مشاكل، كان طلقها وخلاص.
رد بهدوء موضحاً: أنا معاكي جدا بس الموضوع مختلف ياسين لما اتعرف على لوجين إللي بينهم كان مجرد صداقة فقربهم من بعض خلى فيه مشاعر تحصل، ومن الناحية الثانية كان علاقته بهبة متدمرة برغم إنه حاول كثير وهي للأسف مرضيتش، ولما أنا كلمته يسافر ويفكر صح، عمل كده ورجع وكان خلاص حسم قرار إنه يطلق هبة، وهي كانت موافقة، لكن فجأة تراجعت، وبعدها بشويه عرف إنها سقطت نفسها للمرة التانيه، فحسم قراره وطلقها، الموضوع مكانش فيه أي خيانة مقصودة هي مشاعر حصلت فجأة.
تنهدت وهي تعبث بالشوكة: على فكرة لوجين محترمة، لو واحدة غيرها كانت لعبت عليه ومرفضتش، بس برضه ياسين غلط، ما أنت أهو بينا مشاكل كثير بقالنا فترة وعمرك يعني ما قربت من واحدة، وقولت أصل مشاعري غلبتنى.
ابتسم بلطف موضحا: أنتِ مختلفة عن هبة، وأنا مختلف عن ياسين، وأنا مبقولكيش إن ياسين مغلطتش، بس هو برضو مخانش؛ لإن هي كانت قابلة بخروجاته مع لوجين، يعني أنا مثلا لو عرفت واحدة وقربت منها وخرجت معاها بحجه الصداقه او الشغل أنتِ هتسكتي!؟
رفعت حاجبها بشدة: أقسم بالله أدبحك.
ضحك عاليا: شوفتي، هي بقي كان بالنسبه لها عادي، وبعدين ياسين غيري، يعني ياسين لسة على علاقة بصديقاته من قبل ما يتجوز.
سألها بجدية خفيفة: عموما هتيجي الفرح ولا لا؟!
ابتسمت بخفة وهي تومئ برأسها: آه هاجي.
وعادت لتناول طعامها، بينما ظلّ هو يراقبها مبتسمًا، مستمتعًا بذلك الدفء الذي كان ينساب بينهما كما في الأيام السابقة.
منزل القلج، 4:00 عصرا.
تركت جنة ألعابها فجأة، وتقدمت نحو جدتها وهي تفرك عينيها بتبرم واضح: تيتا أنا جعانة.
رفعت إسعاد نفسها عن الكرسي بصعوبة: هقوم أعملك جبنة وزيتون.
قطبت حاجبيها بتزمر: مش عايزة آكل جبنة وزيتون، بقالنا يومين بناكلهم زهقت.
رمقها رشدي باستغراب ممتزجة بالعتاب: جبنة وزيتون؟ من يومين ليه؟ هو انا مش بعتتلك فلوس؟!
زفرت إسعاد بتعب: والله يا ابني رجلي وجعاني خالص، ومش قادرة أخرج ولا أقف أطبخ، ورحمة عندها شغل.
رفع حاجبه قائلا بضجر: يعني إيه رحمة عندها شغل؟ مش تعملكم حتى أكل بسيط؟ تسبكم كدة؟!
ثم التفت لجنة، وصوته صار ألطف: أنا هجيبلك كل اللي أنتِ عايزاه، نفسك تاكلي إيه؟
جنة بإبتسامة واسعة: فراخ.
ابتسم بحنو: حاضر أنا عارف انك بتحبيها.
وبالفعل رفع هاتفه وطلب الطعام، وبعد وقت وصل الطعام، فصفقت جنة بفرح طفولي، وهي تهرول على أكياس الطعام.
أوقفها رشدي بنبرة حازمة: روحي اغسلي إيدك الأول.
هزت رأسها بتزمر: أنا جعانة.
رشدي بحسم: قولت اغسلي إيدك الأول.
تأففت: أوف طيب.
وحين توجهت إلى الداخل، التفت رشدي إلى إسعاد، صوته خرج منخفضا لكنه حاد بعض الشيء: أنا ملاحظ إن جنة أسلوبها بقى مش حلو خالص، متخليهاش تطلع الشارع كتير.
هزت إسعاد كتفيها بحيرة: يا ابني مبقدرش عليها والله، وبعدين هي صغيرة ولازم تلعب.
رد بثبات وحسم: تلعب هنا، وخلي أصحابها اللي أنتِ عارفة إنهم ناس محترمين يلعبوا معاها، غير كده لأ، وبعدين متحرموهاش من حاجة ولو يوم مقدرتيش تعمليلها أكل، اطلبي أكل من بره، إنما جبنة وزتون يومين ورا بعض، ميحصلش تاني؟
خفضت إسعاد رأسها: حاضر يا ابني.
عادت جنة في تلك اللحظة، وجلست بسرعة أمام المائدة: يلا بقى ناكل، أنا جعانة اوي.
ضحك رشدي وهو يفتح علب الطعام أمامها: يلا يا لمضه.
جلسا يأكلان معا، وجنة تتناول قطعة بطاطس تمد يدها بها نحو فم رشدي، فيفتح فمه بتمثيل مبالغ ليضحكها، فتضحك بصوت عالي كأن الجوع تحول إلى لعبة.
وظل اليوم ينساب بينهما طويلا، دافئا، مليئا بالركض والضحك واللعب، ومع اقتراب المساء، أخذت جنة ترخي رأسها شيئا فشيئا، جلست على قدم رشدي، مالت على صدره دون أن تشعر، جفناها يثقلان، وذراعها الصغيرة تستقر على صدره، كأنها وجدت أمان العالم كله هناك.
نامت ورشدي يتأمل ملامحها في صمت، يربت على شعرها برفق، وابتسامة خافتة ارتسمت على وجهه، ممزوجة بالسكينة والحنان، فيما الهدوء يلف الصالة وكأن اليوم أراد أن يختتم بهذه اللحظة.
حملها بين ذراعيه بحذر، ودخل بها الغرفة، وضعها على الفراش، أحكم الغطاء عليها ووضع قبله على جبينها، وكاد أن يبتعد ولكن قبضت بيدها الصغيرة على أصابعه بقوة، وعيناها تلمعان بنعاس وطلب: رشدي، خليك معايا النهارده.
ابتسم، وجلس بجانبها يهدهدها بهدوء: لا مش هينفع، لازم أمشي، ورايا حاجات كتير مهمة، وبعدين مش أنا وعدتك أخرجك يوم ونتفسح.
هزت رأسها ايجابا، فوضع قبله على وجنتها: طب يلا نامي، وهجيلك تاني.
نظرت إليها بعيون تلمع بالدموع: لا بات معايا، أنت أصلا مش بتيجي كتير.
رشدي بنبرة دافئة: هجيلك بكرة والله، أقعد معاكي اليوم كله ونروح الملاهي والسينما، وكل اللي نفسك فيه.
جنة بعينين تتلألآن: بجد؟
هز رأسه مطمئنا وهو يربت على يدها: بجد يلا نامي بقى.
ساعدها على الاستلقاء، وغطاها برفق، وظل يربت على شعرها حتى غاصت في نوم عميق، فنهض بهدوء واتجه نحو الخارج.
عند الباب، وقف أمام إسعاد، مد يده وأعطاها مبلغا من المال: خدي دول وبكرة هبعتلك حاجات للتلاجة، واليوم اللي متقدريش تعملي فيه أكل، خلي الجيران يعملوا، سيبك من رحمة.
اومأت برأسها موافقه بخجل، فهز رأسه وهم بالمغادرة، ولكن قاطعته إسعاد وهي تتساءل: مش هتستنى رحمة؟ دي نفسها تشوفك.
توقف للحظة، نظر بعيدا، ثم قال بصوت منخفض: بعدين مش فاضي.
ثم غادر مسرعا.
عند السيارة.
اقترب من سيارته، وقبل أن يصعدها، جاءه صوت رحمه، وهي تقول بنبرة لاذعة معاتبه: اتعودت تيجي وتمشي من غير ماتشوفني، زمان كنت أول ماتوصل تبعت تجيبني، مكنتش تقدر تستغنى عني.
زفر بملل وأغلق باب السيارة والتفت اليها: أزيك يا رحمه عامله ايه؟
أجابته بحزم وغيرة مكشوفة: أنا كويسة وأنت عامل إيه؟ سمعت إنك خطبت وهتتجوز.
رشدي بابتسامة سمجه: أه عقبالك.
زمت شفتيها بضيق: يعنى أنت شايف كده.
زفر بضيق: أنتِ عايزه مني إيه دلوقتي يا رحمه!؟ وبعدين تعالي هنا ينفع تسيبي جنة من غير أكل كده؟
رحمة باستهجان وسخرية: والله مشغولة، بشتغل وعايزة فلوس، وبعدين إيه المشكلة؟ ما هو طبيعي انت فاكر الفترة اللي غبت فيها كانت عايشه إزاي؟ ولا بتأكل إيه؟ وأنت ولا كنت بتسأل أصلا؟ ده انت سبتها سنين، وأنا اللي كنت قاعده معاها، وحتى الفلوس اللي كنت بتبعتها، كانت بتبقي كل فين وفين؟
ابتلع غضبه وقال بنبرة صارمة: كانت ظروف وخلصت، ومن هنا ورايح هركز معاها، وياريت تهتمي بالبنت شوية، الحجة كبرت ومبقتش قادرة على رعايتها.
اومات براسها بنبرة هادئه: متقلقش أنت عارف كويس، جنه دي بالنسبه لي ايه؟!
صمتت للحظه، مع غصة واضحة تخنق صوتها أضافت: طب هو انت كده خلاص نسيتني؟ واللي كان بينا بقى ولا حاجة؟
رشدي بجمود يقطع الهواء: هو ولا حاجه فعلا، أنا موعدتكيش بحاجة، ولا غصبتك على حاجه، أنتِ اللى عشتي في وهم من وحي خيالك وصدقتيه، ده مش مشكلتى، وأنا خلاص هتجوز، وكل واحد يشوف حياته.
رحمة، بضحكة ساخرة مرة: ماتقفل القديم الأول، قبل ما تفتح الجديد.
رشدي ببرود أقرب للإغلاق: هو مفيش قديم يا رحمة علشان أقفله، سلام.
دخل السيارة، وقادها مبتعدا، وقفت رحمة تحدق في أثره، وعيناها تمتلئ بالدموع.
فلاش باك — هضبة المقطم.
نرى رشدي ورحمه في سيارة ، ورحمة تلعب بأطراف طرحتها، وهي تنظر من حولها: حلو المكان، بس مش قولت هتفسحني زي المرة اللي فاتت؟
رشدي مازحا: ماشي بس بالعباية؟
ضحكت بنعومة أنثوية واضحة: مالها العباية؟ ما كانت عاجباك؟ وكنت بتقول مش عايز أشوفك غير وهي عليكي؟ غمض عينك بقى.
رفع حاجبه متسائلا: اغمض ليه؟
رحمة بنظرة مشاكسة: غمض وبس.
ضحك وأغمض عينيه، فنزعت العباءة والطرحة، وبقيت ببنطال وتيشيرت ضيق، وقالت: فتح عينك بقي.
فتح عينيه بدهشة وصفر بإعجاب: إيه الحلويات دي؟
رحمة بابتسامة: يلا وديني المكان اللي قولت عليه.
رشدي بنظرة شهوانية: لما اخد حقي لاول.
ضغط على زر فعاد مقعدها للخلف، اقترب منها أكثر، وهو يضحك ووووو……
عودة للحاضر.
مسحت دموعها، وصعدت السلالم حتى توقفت أمام شقه إسعاد، طرقت الباب، فتحت لها إسعاد، وما إن رأتها رحمه حتي قالت بعتاب: مبعتليش ليه أول ما جه؟
إسعاد بتعب: حقك عليا رجلي بتوجعني، ومفيش رصيد، وقولتله يستناكي والله بس كان مستعجل.
رحمة بضيق: طبيعي يبقي مستعجل، جنه فين؟
أشارت لداخل الغرفة: نيمها جوه، وجابلها حاجات وهدوم وأداني فلوس.
تنهدت رحمة براحة مريرة: ماشي كويس، أنا شوفته على فكرة.
ربتت إسعاد على كتفها: خلاص يا بنتي انسيه بقى.
هزت رأسها بصمت، ودخلت الغرفة، اقتربت من الفراش، وجدت جنة نائمة كالملاك، أنفاسها هادئة، انحنت ووضعت قبلة على جبهتها، جلست تتأمل ملامحها وكأنها تحفظها.
كانت الذكريات تمر في عقلها كالفيلم: ضحكاتها مع رشدي، حضنه، خروجاتهما؛ مطاعم، الملاهى الليلي وكل ما كان.
عدلت الغطاء، قبلتها مرة ثانية، ثم خرجت.
تنهدت وقالت لإسعاد: بكرة هعدي عليكم أعملكم شوية أكل.
إسعاد بطيبة: ماشي يا بنتي، هو قال برضه إنه هيبعت حاجات للتلاجة.
رحمة وهي تهم برحيل: تمام تصبحي على خير.
خرجت، تتحرك نحو شقتها، والليل يلفها محملا بذكريات لم تنطفئ، وانفعالات لم تجد مكانا ترسو فيه.
في أحد الشوارع المرج، 7:00 مساء.
كانت آلاء تسير بخطوات مرهقة، وآثار التعب واضحة على وجهها بعد يوم شاق في العمل، عينيها نصف مطفأتين، وكتفاها محنيان قليلا، وأثناء مرورها أمام الورشة التي يعمل فيها شقيقها، لمحها الحاج شاهين.
وقف مكانه، ومسحها بنظرة طويلة فيها إعجاب واضح، وشيء آخر مريب، رفع صوته مناديا: إزيك يا آلاء، عاملة إيه؟
توقفت باحترام، وضمت حقيبتها إلي صدرها: الحمد لله يا حاج، أنت عامل إيه؟
شاهين: زى الفل، أنتِ أخبارك إيه؟ والحاجة أزى صحتها دلوقتي؟
اومات برأسها: بخير الحمدلله.
هز رأسه بإعجاب، وبدأ يتفحص ملامحها من جديد: وأنتِ في سنة كام دلوقتي؟
آلاء بتوضح: آخر سنة.
شاهين بابتسامة: ما شاء الله، ربنا معاكي، محتاجة حاجة؟ أي حاجة أؤمري، ده أنتِ بنت الغالي الله يرحمه.
هزت رأسها باحترام: شكرا بعد اذنك.
قالتها بسرعة وابتعدت فورا، خطواتها متوترة، وكأنها تهرب.
أما هو، فظل يراقبها وهي تبتعد، ووضع يده على صدره كأنه يمسك قلبه، وعيناه تجريان خلف جسدها بنظرة جائعة.
شاهين بصوت واطي: بنت حلوة وطعمة والله.
وفجأة تعالي رنين هاتفه، فتحرك للداخل، وأغلق الباب خلفه، التقط الهاتف ورد: إزيك يا متولي، هتبعت الحاجة أول الأسبوع؟ أنا عايز أشتغل.
متولي بتعجب: مش لما تبعت الفلوس يا حاج؟ أنا كنت بكلمك عشان تبعتها.
قطب حاجبيه باستغراب: هو محمود مابعتهاش؟
متولي بستهجان: لا يا حاج مبعتش حاجه، ولا شوفت خلقته من آخر مرة.
نظر للامام بتفكير للحظه، ثم قال: ماشي يا متولي، هبعتهملك دلوقتي مع الواد شوكة، سلام.
أغلق الخط ونادى بصوت عالي: يا شوكة! تعالى.
دخل شوكة بسرعة: أامر يا حج
شاهين بجدية: اسمع هديك 30ألف، تبعتهم حالا لمتولي، بس قولي هو الولد محمود رجع يلعب قمار تاني؟
اومأ برأسه: آه شكله كده، وسمعت إن عنده حوار مع واحد اسمه الزعيم.
ضيق عينه متسائلا: الزعيم ده مين؟
شوكة بتوضيح: الواد معتصم قالي إنهم بتوع ترابيزات قمار من اللي فوق، مافيا، والواد محمود وقع معاهم.
جلس شاهين على المقعد الأمامي، فتح الخزنة وسحب المبلغ، وسلمه لشوكة: طب روح وودي الفلوس دي لمتولي، وحاول تتطقس وتفهمني إيه اللي بيحصل، بس بقول لك إيه…
اقترب شوكة قليلا، فتابع شاهين: على المتغطي.
هز رأسه: حاضر يا حاج.
خرج مسرعا، وبقي شاهين جالسا،يمسح ذقنه، تتنقل عيناه بين الباب والأرض ثم ترتفع كمن يخطط لأمر ما، يتنفس بعمق وينحني قليلا، قبل أن ترتسم ابتسامة خبيثة على شفتيه.
💞______________بقلمي_ليلةعادل
العيادة النفسية، 8:00 مساء.
الهدوء يملأ المكان، لا يقطعه سوى صوت عقارب ساعة الحائط وهي تدق بإيقاع ثابت، تقدم سليم وماسة إلى الداخل بخطوات متقاربة، يحملان بينهما مزيجا من الحماس والارتياح، وما إن دخلا حتى استقبلهما الطبيب بابتسامة واسعة: أهلا وسهلا ماسة هانم، وأهلا بمريضي المشاغب.
خفض سليم عينيه، وقال بصوت هادئ يملؤه الخجل: أنا آسف، عارف إن آخر مرة مكنتش محترم معاك، بس والله كنت تحت ضغط نفسي صعب.
لوح ياسر بيده بإيماءة مطمئنة، وأشار بابتسامة: مفيش أي حاجة، اتفضلوا.
جلسا جنبا إلى جنب على الأريكة، بينما جلس ياسر على المقعد المقابل لهما، ممسكا بلوحة ملاحظاته كعادته.
رفع نظره إليهما وقال بهدوء مهني: ها عملتوا الهوم ورك؟
التفتت ماسة نحو سليم، وارتفع حاجباها بدهشة وهي تتساءل: إيه ده؟ هو قالك على هوم ورك أنت كمان؟
هز رأسه موضحا: آه لما كلمته علشان أحجز ميعاد، قالي على شوية حاجات وعملتها.
ارتسمت ابتسامة فخر على ملامحها، ثم فتحت حقيبتها وأخرجت منها مجموعة كبيرة من الأوراق، ونولتها للطبيب بثقة واضحة: وأنا كمان عملته.
تجمد سليم لحظة، ينظر لأوراق بعينين متسعتين، وتساءل بدهشه: كل ده كاتباه عليا؟
أطلقت ضحكة خفيفة وهي تحرك يدها بمزاح: وياريتهم كفاية.
مد يده إلى جيب بنطاله وأخرج ورقة واحدة فقط، وقدمها إلى الطبيب وهو يتحاشي النظر اليها حتى لا تزيده إحراجا.
أخذ الطبيب الورقة، ورفع حاجبيه بدهشة مرحة: ورقة واحدة! فعلا رجل أعمال.
ارتفعت زاوية فم ماسة بمشاكسه، وقالت بسخرية مازحه: باين إنك بتحبني اوي، كاتبلي مشاعرك في ورقة واحدة؟!
أجابها مازحا: أعملك إيه أنتِ اللى رغايه.
تدخل ياسر بابتسامة حكيمة: على فكرة، مش معنى إنه كاتب ورقة واحدة يبقى مشاعره بسيطة، في ناس بتعرف تعبر بكلمتين، وناس بتحتاج كلام كتير، المهم العمق مش العدد.
ثم بدأ يقرأ في أوراق ماسة بتركيز، ثم انتقل إلى ورقة سليم، يقرأ سطرا هنا وآخر هناك، حتى أغلق الأوراق ووضعها جانبا دون تعليق.
رفع نظره اليهم وتحدث بنبرة عمليه: الجلسة دي انا مش حابب افصل ما بينكم، عايز تحضروا مع بعض وهنتعامل فيها مع المشاعر اللي محتاجة تتظبط ما بينكم، وعايز أتأكد من بعض المشاعر اللى كانت موجوده بينكم قبل كده، رجعت تاني ولا لسه فيها مشكله.
ثم تابع بهدوء محسوب: أنا فهمت من كلام سليم في التليفون أنكم اتفقتوا على هدنه لمدة أسبوع، فات قد إيه؟
أجابه سليم بهدوء: يومين.
التفت إلى ماسة بعينين متفحصتين: وأنتِ حاسة بإيه يا مدام ماسة في اليومين دول؟
رفعت كتفيها، وقالت بابتسامة متوهجة: حاسة إني تمام، متحمسة أوي.
وجهه نظراته لسليم ولوح له ان يقول مشاعره ايضا، فهز سليم رأسه وأجابه بعيون تلمع بالثقه: وأنا كمان متحمس ومتأكد إني أكيد هفوز.
ابتسم الطبيب بخفة: تمام جميل أوي، أنا شايف ملامحكم مشرقة ومتحمسة، ودي خطوة ممتازة في العلاج، والأجمل إنكم جيتوا مع بعض.
اعتدل في جلسته وأخذ يحدثهم بنبرة عمليه: إحنا مش هنتكلم كتير النهارده، أنا عايز أعمل شوية اختبارات نفسية بسيطة، المرة دي شايف لغة جسدكم مختلفة وحماسية، الابتسامة والراحة دي ماكانتش موجودة قبل كده، كل دي خطوات ممتازة.
هز الاثنان رأسهما بإيجاب، وهما ينظران لبعضهما بسعادة وارتياح، فأضاف الطبيب: طيب أول اختبار، عايزكم تقفوا بعد إذنكم.
وقف الاثنان، فتقدم الطبيب نحو سليم وعدل زاوية وقفته بخفة، وقال: سليم بيه، معلش ممكن تقف كده؟
اومأ برأسه وتحرك كما قال الطبيب، ثم أشار إلى ماسة: ماسة هانم، بعد إذنك، تعالي اقفي مكاني بالظبط وافتحي إيديكي كده.
توقفت ماسة خلف سليم فتحت ذراعيها كما طلب منها الطبيب، وهي تنظر إلى سليم بعينين مليئتين بالثقة والحذر في الوقت ذاته.
أضاف الطبيب بابتسامة، وهو يمد يده لسليم برابط أسود صغير: حضرتك هتربط دى على عينك، وهترمي نفسك عليها.
هز رأسه وهو يمسك الرابط بين أصابعه، وعيناه تلمعان بالحماس: آه عارف الاختبار ده، شوفت فيديوهات كتير.
اوما الطبيب بمهنية قائلا: وبعد ما سليم يخلص، هنبدل الأدوار، أنتِ اللي هتقفي، وهو اللي هيمسكك.
هزت ماسة رأسها بإيجاب، ومالت على سليم بابتسامة جانبية هامسة: عايزين نلعب اللعبة دي في البيت، عجبتني.
حاول كتم ضحكته: مش لعبة، بس ياحاضر!
لاحظ الطبيب تفاعلهما معا وسجل شيئا سريعا في مذكراته، ثم أشار بيديه: يلا يا سليم اربط الرابط، وبعد إذنك يا مدام ماسه اقفي زى ما قولت.
توقفت ماسة وفتحت ذراعيها خلف سليم، مع ترك مسافة صغيرة بينهما، بينما ربط سليم عينيه بحذر، ورفع صوته قائلا: طيب مستعدين؟
هز أرسهما بإيجاب قال طبيب:جو
هم سليم أن يلقي بنفسه للخلف على ماسة، لكنها رفعت صوتها تصيح بتوتر: استني تعالى يمين شوية.
تساءل الطبيب: ليه؟
أجابته بثبات: علشان إيدي الشمال أقوى من اليمين، أعرف أسنده كويس.
اومأ بإعجاب ودون ملاحظة جديدة: ممتاز، ده وعي عالي جدا.
تنهد سليم وأخذ خطوة إلى اليمين قليلا: كده تمام؟
أجابته باهتمام: آه أنا هنا واقفة وراك، متخافش.
قاطعها الطبيب بلطف: بعد إذنك، سيبه يعمل كل حاجة بنفسه.
هزت رأسها بإيجاب، وكان القلق يظهر على ملامحها خشية أن يقع سليم، لكنها حافظت على هدوئها، بينما الطبيب يراقب بدقة ويكتب ملاحظاته.
ثم صاح: ثلاثة، اثنين، واحد، جو!
بالفعل القي سليم نفسه على ماسة، وأحاطته بذراعيها بقوة، في البدايه شعرت بالخوف يسري في قلبها، لكنها في النهايه تنفست بارتياح: الحمد لله مسكته.
وقف سليم يستعيد توازنه، وعيناه تلمعان بالحماس، بينما ابتسمت ماسة بتوتر وخفة، والطبيب يدون كل شيء بدقة، ملاحظا قوة الثقة والوعي بينهما.
فك سليم الرابط من عينيه، بينما قال الطبيب بنبرة عمليه: دلوقتي هنبدل الأدوار.
هزت ماسة رأسها ووقفت، في المكان الذي وقف فيه سليم.
أشار الطبيب بأصابعه: ثلاثة، اثنين واحد، جو!
القت ماسة بنفسها على سليم بسرعة، فمسكها بثبات وحنان.
تفاجاء الطبيب بسرعت إتمامها الاختبار !
ضحكت ماسة بحماس وهي تعتدل في وقفتها: والله لعبة تحفة، لازم نلعبها في البيت.
تدخل الطبيب بخفة: للدرجة دي بتثقي فيه؟ ده انت مافكرتيش؟
ردت بثقة ومزاح: لأني عارفة إن مهما حصل سليم هينقذني، هو محاكلكش إنه نط ورايا في البحر ولا ايه؟!
ابتسم الطبيب وهو يدون ملاحظاته: جميل إنكم تثقوا ببعض كده، اتفضلوا اقعدوا.
جلسوا في أماكنهم، تابع الطبيب بكلمات ذات معني: مع إن سليم حكالي إنك قولتيله إنك مبقتبش تثقي فيه لما ما لقاكي بعد ال 6شهور.
ابتسمت وقالت بتوضيح: أنا فعلا قولت كده، لأني كنت لسه زعلانة منه ولسه تحت تأثير صدمة إنه لقاني، وكنت خايفه ومش عارفة هيعمل فيا إيه..
صمت للحظه وقالت بنبرة متأثر وكانها تشرح وجعها: كنت فاكرة إنه هيعمل زي ما عمل لما هربت آخر مرة، وفضلت مستنيه أي رد فعل منه، بس سكوته واعتذره كان راعبني، كنت فاكره ان ده فخ وفي حاجة كبيرة هتحصل بعدها، بس بعد ما فقدت الذاكرة، واللي عمله في الفترة دي!!
صمتت للحظه ثم تابعت بابتسامة: لما رجعتلي الذاكرة كنت طبعا فاكرة كل حاجه حصلت، وقتها قدرت اهدى وافكر وأوزن الاموار كويس، وافتكرت إن مش طبع سليم التمثيل او إنه يفضل هادي كدة، لا سليم بياخد حقه علطول، يعني لو كان متضايق أو عايز يعاقب أو يعمل أي حاجة، عشان كبرياءه اللى اتجرح، كان عمل مش استنى كل ده، خاصة لما عرفت من أهلي إنه معملهمش أي حاجة طول فترة غيابي، وغير اعتذاره، وده كان أول عربون بينا.
كان سليم يصغي لكلماتها بتركيز، يتأمل حديثها بتأثر وشيء من الندم لأنه لم يدرك حالتها في تلك الفترة، ومع ذلك، شعر بالفرح لأنها تفهمت أسبابه الحقيقية وراء أفعاله، ولأنها مثله تبحث عن خيط رفيع يعيد كل شيء أفضل ممّا كان
ابتسم الطبيب بهدوء، وقال بعقلانية وتفسير: أحيانا بنقول حاجات واحنا متعصبين أو تحت تأثير الصدمة، مش بتكون حقيقية، علشان كده دايما الكلمات أو القرارات اللي بتخرج مننا أثناء الاضطراب أو الغضب، 80% منها مش صح.
أومأت برأسها مؤيدة: دي حقيقة فعلا.
تابع الطبيب: المهم إنك رجعتي تثقي في سليم تاني.
هزت راسها بإيجاب إبتسامة واسعة: أكيد.
ارتسمت على شفتي سليم ابتسامة واسعة ممزوجة بالراحة، حين سمع أنها عادت تثق به كما كانت من قبل.
اضاف وهو يوجه نظراته لسليم: خلاص اقتنعت إن ماسة مكانتش بتديك انصاف مشاعر، وانها كانت محتاجة حد يعينها تعدي المرحلة العصيبة اللي كانت فيها.
اوما براسه باقتناع نظر له: ااها.
نظر مره اخرى نحو ماسة وهو يشرح لها بهدوء: وأنتِ يا ماسة، اقتنعتي أن ردود أفعال سليم، حتى لو كانت خطأ، كلها نابعة من الحب ومن مخاوفه لفقدانك، وطبعا ده بسبب طريقة التربية غير السليمة والمعتقدات اللي اتزرعت فيه من وهو طفل، وده اللي كان السبب إنه يستخدم أسلوب مرفوض تماما معاكي كزوجة، حتى لو كنتي أخطأتي خطأ كبير جدا في حقك كزوج.
هزت راسها بإيجاب مقتنعه بهدوء: انا عارفه ومقتنعه بيه جدآ.
وجهه الطبيب نظراته لسليم تسأل: وانت رايك ايه يا سليم؟!
هز سليم راسه بتأكيد ووجه نظراتهه لماسة بتأمل وثقه تخرج من قلبه قبل عينه: انا واثق في ماسة، عشان كده انا متمسك بيها، وحتى لو معندهاش سبب حقيقي ملموس لهروبها، ومجرد ضغوط نفسيه، مش مهم.
وضع كفه فوق كفها بوهج عاشق، نظرت له ماسة بإبتسامة صغيرة بتأثر أضاف سليم بنبرة عاشقه مطمئنه: المهم ان احنا مع بعض.
تبادلا ابتسامة واسعة مليئة بالمحبة، وظلا يتأملان بعضهما لثوان بعشق، قبل أن يقطع الطبيب تلك اللحظة بصوته.
وهو يقول برضا: مدام انتم الاتنين وصلتوا لمرحله دي دي خطوه مهمه وحلوه جدا تعالوا بقي نكمل باقي التمارين سوا
اخذ الطبيب يوجّههما إلى بعض التمارين البسيطة، وعمل لهم بعض والاختبارات يتابع كل حركة بعين خبيرة، ويُدوّن ملاحظات سريعة.
أحد الكافيهات، 7:00مساء.
الأضواء الدافئة تنعكس على وجهي مي ورشدي وهما يجلسان متقابلين على طاولة صغيرة، أمامهما مولتن كيك يخرج منه بخار خفيف، وأكواب الشاي تلمع بحرارتها.
رفعت حاجبيها باستنكار لطيف: أخوك ده مجنون بجد! هيتجوز آخر الأسبوع؟ ده لسة مطلق من كام يوم!
ابتسم وأجابها ببساطة: بيحبها، هيستنى يكون نفسه مثلا؟
مي بعدم اقتناع: بس برضو يعني….
قاطعها وهو يميل للأمام، وعينيه تتقدان بحماس: بس إيه؟ اتنين بيحبوا بعض، إيه إللي يمنع؟ والله الواد ياسو طلع لعيب، فركش من يومين، ورجعلها، وهيتجوز آخر الأسبوع…
هز رأسه ممثلا الغلب والمرارة: الدور والباقي على الخايب اللي زى حضرتي، كنت فاكر نفسي مقطع السمكه وديلها، واديني اهو داخل على أكتر من ست شهور عارفك ولسة دبلتك في إيدك اليمين!؟
توقفت عن الأكل، ونظرت له بتوتر خفيف: تقصد إيه يارشدي؟ بتلمح لأيه؟
ابتسم بثقة: أنتِ عارفه أنا بلمح لايه، يعني ينفع ياسين يحب بعدي ويتجوز قبلي؟ ده حتى يبقى عيب في حقي والله!!!
ضحكت وضربت كفا بكف بسخرية محبة: طب أخوك وخطيبته! شكلهم عندهم ربع ضارب.
قاطعها وهو يلوح بيده بثقة أكبر: وأنا عندي تلات تربع ضارب، وهنتجوز معاهم خلصت.
اتسعت عينيها وهي تضحك: بطل هبل يا رشدي، مش هينفع، حتى لو أنا وافقت بابا أصلا مش هيوافق.
رفع حاجبيه، وصوته خرج هادئا: طب بعيدا عن باباكي ممكن أعرف ايه اللى ميخلكيش توافقي؟
تنفست بعمق، كأن الكلام عالق في صدرها: إننا لسة مخطوبين بقالنا شهرين و..
قاطعها يحاول إقناعها: وعارفين بعض قبلها بأربع شهور، يعني ست شهور حلو أوي، عرفنا عن بعض كل حاجة.
قاطعته وهي تشير بيدها: بس برضو لسه بدري، وبعدين أنت بتتكلم على أسبوع مش شهر حتى؟!
حدق فيها بثبات، وقال بلهجة ناعمة لكنها صادقة جدا: أنا محتاجلك في حياتي يا مي أكتر من كده!
نظرت اليه بارتباك: يعني إيه؟!
اتكأ بذراعيه على الطاولة، وانخفض صوته وهو يركز النظر في عينيها: يعني محتاجلك بشكل أكبر وأعمق، من غير قيود، مش عايز كل ما أحب أشوفك أروح أخد الإذن كل شوية!
نظرت له، قلبها يعلى وينخفض، بينما أصابعها تعبث بحافة الكوب بلا وعي.
أكمل وكأنه يقدم حجته الأخيرة: متعقديهاش يا مي، بقولك ياسين ولوجين فركشوا ورجعوا وهيتجوزوا كل ده في عشر أيام! وعارفين بعض بعدنا بفترة، ومع ذلك هيبدأوا حياتهم، وأنا وأنت من شهور وحياتنا واقفه مش بنتقدم فيها خطوة!؟
صمتت وارتعشت أنفاسها لحظة: رشدي أنت كده بتضغط عليا؟
مال للأمام وهو يشبك أصابعه بنبرة أصبحت أكثر جدية: مش بضغط عليكي ولا حاجه، أنا ببين لك إني بحبك ومحتاجك في حياتي، فكري براحتك وردي عليا، بس فكري كويس، مفيش حاجة تمنع إننا نتجوز، إلا لو أنتِ، مش واثقة فيا !؟
رفعت حاجبها بضيق: ايه اللى بتقوله دى، أكيد بثق فيك.
ضحك بخفة، وأكمل حديثه بنبرة أعمق: لا ما هو أصل السبب الوحيد إللي ممكن أفهمه، إنك تكوني لسه مش واثقة فيا، أو لسه مش بتحبيني كفاية!؟ كده أفهم، أنتِ ليه رافضة نتجوز مع ياسين ولوجين؟!
تنفست بصوت مسموع: يا رشدي، الجواز قرار مش سهل إننا ناخده بسرعه كده!؟ مش سلق بيض هو
رفع حاجبيه وأشار بإيده قائلا بعقلانية: وإيه اللى هيصعبه بس، وبعدين لو لسه خايفه ومش واثقه فيا فصدقيني، لو قعدنا 10 سنين مخطوبين، وقبلها 10 سنين متصاحبين، وأنا فيا صفات سيئه مش عايزك تعرفيها؟! صدقيني مش هتعرفيها طول ما أنا مش مخليكي تعرفيها؟! وأنا صريح معاكي من أول يوم، فهي هي هي سواء اتجوزنا دلوقتي أو اتجوزنا بعدين، بس الفرق اني بحبك ومحتاجاك جنبي أوي الفترة دي، وكمان علشان تساعديني أبطل شرب خالص.
هبطت عينيها وكأن كلماته لمست شيء بداخلها، ثم رفعت نظراتها اليه تتساءل بارتباك: طب لو أنا اقتنعت، هتقدر تقنع بابا إزاي؟
اتكأ على الكرسي وفتح ذراعيه بثقة: لا أبوكي ده
أول ما أنتِ تقتنعي، هو هيقتنع، أنا محتاجلك بجد يا مي، وبعدين يرضيكي الولا أخويا الصغير يتجوز قبلي؟ وكل إخواتي متجوزين وأنا لوحدي، ده أنا هتحسر!
ضحكت غصب عنها: رشدي إخواتك كلهم متجوزين من زمان، مكانش فاضل غيرك أصلا متستعبطش.
لوح بيده ضاحكا: بس المرة دي مختلفة..
صمت لحظة، مال عليها وهو يخفض صوته: مش نفسك نخرج بالليل في المطر، وناكل بيتزا سخنة سوا؟
تنهدت بصدق: أوي
ابتسم كأنه كسب نقطة: ومش نفسك نسافر بالليل، ونتفرج على النجوم واحنا بنسمع أغنية لأم كلثوم؟ رغم اني مبحبهاش؟!
ضيقت عينيها بتمنى شديد: أوي أوي يا رشدي.
اقترب منها قليلا، وانخفض صوته حتى صار أقرب لنبض يلامس قلبها؛ لا مزاح، ولا تشتيت، بل صدق رجل يعرف ماذا يريد.
رشدي بصوت ثابت، وعينه معلقة بعينيها: قوليلى هنعمل كل الحاجات دي إزاي؟! ونعيش كل إللي نفسنا فيه أزاي؟! وإحنا مش متجوزين! أنتِ ليه مترددة! هو أنتِ خايفة مني؟!
سقطت الكلمات في قلبها قبل عقلها، وشعرت بأنفاسها تتباطأ، وبصدرها يرتفع بنبضة مختلفة.
رفعت عينيها إليه ببطء، بنظرة ممتلئة بخضوع لطيف وقبول خجول ونقطة ضوء صغيرة تشبه القرار، وقالت بصوت منخفض: ماشي يا رشدي، نتجوز مع ياسين ولوجين.
اتسعت عيناه، كمن سمع جملة انتظرها لسنوات، مال بجسده للأمام، امسك يدها، وصوته خرج مكتوما من شدة الفرحة: يا نهار أبيض!قولي تاني كده، علشان أصدق!
ابتسمت بخجل، وخفضت عينيها ثانية،قالت بهدوء: موافقة نتجوز يا رشدي
صمتت للحظة، تساءلت: بس هنقنع بابا إزاي؟! كمان الديكور بتاع أوضتك ده مش عاجبني والفستان وتجهيزات الفرح كل دى هنلحق نخلصه امتي؟!

تكملة الفصل

ابتسم ابتسامة دافئة وقتل: هديكي رقم لوجين، وظبطوا مع بعض كل حاجة، أنتم البنات هتعرفوا تحلوا الموضوع سوا، إحنا هنمشي على خطاها.
مال عليها بخفة، وهمس بنبرة تجمع بين المرح والجدية: أما الحاج سيبيه عليا، بس تمسكي بيا ها؟ ومفيش مانع كمان تهدديهم بالانتحار!
قهقت وضربت كفه بخفة، بينما ابتسم هو بشوق مكتوم: قسما بالله نفسي أحضنك وأبوسك دلوقتي وأنتِ مكسوفه وعسوله كده، بس خايف على برستيجي من القلم اللى هيرن على وشي واحنا وسط الناس.
ضحكت وهي تشير بيدها بتحذير: أيوه خليك مؤدب.
هز رأسه، وهو يغمز بعينه: هتروحي مني فين، كلها أسبوع ومش هتشوفي غير قلة أدبي.
ضحكت بخجل، وقالت بحدة: اتلم بدل ما أغير رأي تاني.
ابتسم وهو يرفع يديه مستسلما: لا وعلي ايه، سحبتها مؤقتا.
في العيادة النفسية
بعد ان انته سليم وماسة من الاختبارات، مال بظهره إلى الكرسي، أطلق زفرة طويلة، ثم قال بابتسامة مهنية هادئة:
ممتاز جدا… كده حلو كفايه اوي لحد النهارده وان شاء الله بعد يومين، ممكن نعمل جلسه كمان، بس انا بس حابب اقعد مع ماسة هانم خمس دقائق كده لوحدنا؟!
رفع سليم عينه له باستغراب: اشمعنا يعني؟!
نظر له الطبيب بصرامه مهنيه لطيفه: عشان اللي انت عملته ده احنا اتفقنا ايه منسالش، احنا في جلسه علاج نفسي، فطبيعي إني احب اقعد مع مريضتي لوحدي والعكس صحيح فما ينفعش نسال؟!
مد سليم وجهه هز رأسه بإيجاب بصمت، نهض من مكانه وربت بخفة على كتف ماسة قبل أن يخرج.
انغلقت الباب خلفه، وساد صمت قصير، رفع الطبيب نظره إلى ماسة، يراقب ارتجافة أصابعها فوق طرف مقعدها: طيب يا ماسة قوليلي، ليه مكملتيش باقي الكلام اللى كتبتي؟أنا، محبتش أسأل قدّام سليم
رفعت عينيها نحوه بتردد، وصوت أنفاسها صار مسموعا..
تابع الطبيب وهو يميل بجسده قليلا للأمام، نبرة صوته أكثر دفئا: اتكلمتي عن خوفك، وأسباب كتير، بس في نقط سيبتيها ليه؟ هي دي نفس النقط اللي رفضتي تتكلمي فيها قبل كده؟
ابتلعت ريقها، وضمت كفيها فوق ركبتيها هزت راسها وهمست وكأن الكلمة ثقيلة: اممم، هي.
رفع الطبيب حاجبا: طب ليه رافضة تكتبيها؟
هزت رأسها ببطء، نظراتها تهرب بعيدا:مش رافضة، أنا خايفة.
تسأل بتعجب: خايفة من إيه؟
ساد صمت طويل، عيناها تلمعان بقلق والخوف، وكأن الكلمات محبوسة خلف جدار سميك.
ضيق عينه باستغراب: للدرجة دي الموضوع صعب؟
أومأت برأس خفيف، تخرج معها زفرة متكسّرة:
أيوه، صعب اوي كل ما أجي أكتبه بحس إن القلم بيتجمد في إيدي، ونفسي بيضيق.
اسند الطبيب ظهره وأخذ لحظة يفكر، ثم قال بنبرة هادئة تشبه يدا تربت على كتفها: بصي يا ماسة، أيا كان اللي مخبياه، وأيا كان وجعك، ليه حل،
الخوف عمره ما كان حماية، أوقات بيكون سجن. وإنتِ محبوسة جواه من زمان، لازم تحكي وتشتركيه مع حد يكون عنده من الوعي ان يوجهه ويرشدك لحلول، مينفعش تفضلي محبوسه جو القفص مخوافك.
رفعت رأسها نحوه، وارتعاشة شفتيها يعكس توترها الداخلي: أنا خايفة ناس بحبهم يتأذوا.
هز الطبيب رأسه ببطء، يراقب انهيار جملتها الأخيرة قال بعقلانية:وسكوتك، بيأذيكي زي ما بياذيهم،
إنتِ شايفة حياتك مع سليم بقت عاملة إزاي؟ نفسيتك انهارت، وهو كمان اتأذى، فكري لو اتكلمتي، يمكن تلاقي حل للمشكلة اللي كنتي فاكرها مستحيل
ثم مال نحوها قليلًا، صوته ينخفض: مش عايزك تقولي حاجة دلوقتي عايزك تفكّري كويس في كلامي وتتشجعي لما تبقي جاهزة احكيلي لان ماينفعش تفضلي طول عمرك سكته تاكدي 90٪ من حل مشكلتك مع سليم انك تحكي.
نظرت إليه بتوتر واضح، أصابعها تتحرك بلا وعي كأنها تبحث عن شيء تمسك به هزت راسها بإيجاب فهي تعلم انه محق.
ابتسم الطبيب مطمئنا: وتأكدي، إني هنا عشان أساعدك، مش عشان أضغط عليكي ممكن تتفضلي.
توقفت ماسة فجأة، تعدل حافة حقيبتها بتوتر واضح: ماشي هانادي سليم.
الطبيب وهو يقف من مكانه: لا كفاية كده النهارده.
أومأت برأسها بصمت، نظر إليها الطبيب مطولا، ثم ابتسم ابتسامة قصيرة تحمل فهما: مستنيكي كمان يومين عشان تحكيلي.
هزت رأسها موافقة، بلا كلمة واحدة..تحركت بخطوات هادئة خارج الغرفة.
كان سليم يجلس على الأريكة في الردهة، ساقاه ممتدتان قليلاً، وكتاب مفتوح بين يديه..
وفور أن شعر بظلها يتوقّف أمامه، أغلق الصفحة بعلامة صغيرة ورفع نظره نحوها بمزاح محبب:
إيه؟ خلصتي؟ نم عليا.
ماسة بصوت منخفض: آه..
اوما براسه بمزاح: طب هدخل أنم عليكي أنا…
هم بتحرك، لكنها أمسكت أصابعه بسرعة، قبضتها الصغيرة متوترة فوق يده: لا، هو قالي خلاص.
التفت إليها بدهشة طفيفة: خلاص إزاي؟ أنا اتمينتجت ليه؟
خرجت منها ضحكة خفيفة رغماً عنها، ضحكة قصيرة لكنها كسرت ثقل الجو: معرفش بقى يا سليم، خلينا نمشي.
تأمل ابتسامتها المرتبكة لحظة انتي كويسه
هزت راسها بإيجاب شبكت أصابعها بإصابعه هز رأسه موافقا، وصوته عاد دافئا: يلا… تعالي نتعشا.
سار الاثنان نحو الخارج، والكلمات التي لم تقلها ما زالت تعلق في صدرها بثقل لا يراها غيرها.
قصر الراوى،8:00مساء.
غرفة نالا
كانت ماتزال جالسة على الفراش بملامح حزينة كأن اليوم كله أثقل من قدرتها الصغيرة على الاحتمال، والدادة تجلس بجوارها وتربت على شعرها بحنان.
فتح ياسين الباب بابتسامه واسعه وما إن رأها بملامحها الحزينه وعينيها المتورمتين من كثرة البكاء خفتت ابتسامته، واقترب منها مسرعا، وهو يتساءل بقلق: نونو حبيبة بابي، مالك يا حبيبتي؟
وداد بصوت منخفض: من الصبح زعلانة وبتعيط، ومش عايزة تاكل خالص.
نظر ياسين إلى ابنته، قال لوداد: طب روحي خليهم يحضروا العشا، أنا هآكل أنا ونالا.
هزت رأسها وغادرت بهدوء، فالتفت ياسين إلى نالا، ورفع ذقنها بإصبعه برفق: إيه بقى؟ مش عايزة تاكلي ليه يا قلبي؟
ترقرت عيناها بالدموع، وقالت بصوت حزين مرتجف: مامي وحشتني أوي، عايزة أشوفها.
تنفس ببطء، وحاول أن يبقي هادئا: مامي مسافرة يا نالا.
هزت رأسها بعنف، وقالت بصوت باكي: لا مامي لما بتسافر كانت بتكلمني، دلوقتي لأ!؟
ابتلعت ريقها، وأكملت بانهيار: وناناا قالتلي إنها سافرت خالص بعيد ومش هتيجي تاني.
قبل أن ينطق بكلمه، نظرت إليه، وتساءلت بخوف طفولي بريء: هي مامي راحت عند ربنا يا بابي، زى مامت دينا؟!
تجمد واهتز صدره من الداخل للحظه كأن جملة الصغيره صفعت رأسه، مال عليها بسرعه وأمسك وجهها بكلتا يديه: لا يا حبيبتي اسمعيني، مامي هتيجي والله، مش أنتِ بتثقي في بابي؟
مسحت دموعها، وهزت رأسها بخفوت: أه.
قال بثبات رغم النار التي تشتعل في داخله: خلاص وعد هكلم مامي أخليها ترجع من السفر بسرعه وتجيلك.
لمعت عيناها بالفرحه وعدم التصديق: بجد؟
اقترب أكثر، وقبل رأسها: بجد.
ارتمت في حضنه بقوة، وذراعاها تطوقان عنقه فبادلها العناق بالقدر نفسه من القوة، لكن القوة هنا لم تكن من أجلها فقط، بل لحبس غضب يشتعل داخله منذ معرفته بما قالته والدته لها ربت علي ظهرها بحنان حتى بدأ صوت بكائها يخفت تدريجيا،وبعد دقائق، طرق الباب ودخلت الخادمة وهي تحمل صينية الطعام.
وضع نالا على الفراش بلطف، ثم جلس إلى جوارها وأخذ يقرب منها الملعقة: يلا ناكل مع بعض عشان انا جعان اوي، ولا عايزه بابي يزعل!؟
نظرت له بعينين برئتين: لا مش تزعل، بس هتخليني أشوف مامي؟!
اوما براسه وهو يمسح على خدها: وعد هخليكي تشوفيها قريب.
نظرت إليه بعينين متورمتين من البكاء، لكنها لم تعاند، اقتربت وأخذت أول لقمة وهو يشجعها بابتسامة دافئة، شيئا فشيئا بدأت تستجيب، وتطعم نفسها نصف اللقمة وتترك النصف الآخر في يده، وكأنها تطمئن بوجوده فقط.
وبعد أن انتهت، مد يده يداعب خصلات شعرها بخفة: إيه الشطارة دى كلها، أنتي بنوتي حلوة وشطورة كده أزاى.
أطلقت ضحكة صغيرة تحمل حزنها كله، وكان ذلك كافياً لياسين. حملها بين ذراعيه، وأسند رأسها على كتفه وهو يهدئها حتى غلبها النوم، متشبثة بقميصه كأن حضنه بيتها الوحيد. نامت بسلام بين ذراعي والدها الذي وعد صمتا ألا يؤذيها أحد غطاها جيدا، قبّل جبينها، وغادر الغرفة بهدوء.
الصالون
جلست فايزة تحتسي قهوتها بهدوء على مقعدها، بينما تنساب موسيقى تركية رائقة في الخلفية، اقترب ياسين بخطوات غاضبه، وقال بغضب مكبوت: ممكن أعرف إيه إللى حضرتك قولتيه لنالا دي؟
رمشت ببطء، وقالت ببرود: قولت ايه؟
ياسين بنبرة جامدة: البنت تصورت إن هبة ماتت! قالتلي راحت عند ربنا!
مالت فايزة برأسها قليلا للخلف، وقالت بلا مبالاة: هي فعلا مش راجعه تاني.
اشتد وجهه وصاح بغضب مكتوم: مش بالطريقة دي، ولا بالأسلوب ده! البنت اتخضت، ورجعت لقيتها معيطه ومصدقة إن أمها ماتت!
هزت كتفيها بتراخي ثقيل: والله يا ريت تقولها كده، هبة فعلا بقت في حكم الميته بالنسبه لنا ومش هنشوفها تاني.
تقدم خطوة، وقال بحدة: ماما لو سمحتي حاسبي على كلامك مع البنت، علشان لو رجعت تاني لقتها معيطه بالشكل دي تاني، هاخدها وامشي من هنا.
نظرت اليه بجمود، وقالت ببرود: اهدى يا ياسين، أنا كل اللي قولته إن مامي مسافرة، هي اللي خيالها واسع.
رفع يده باعتراض: من فضلك لو مش هتعرفي تهديها يبقى خليكي بعيد أحسن.
هزت راسها بجفاف يجرح: تمام، قولتها أنك هتتجوز؟
ارتسم الضيق على ملامحه، فتنفس بعمق: لسه، بعد إذنك.
صعد لغرفتة، بينما بقيت فايزة مكانها، ترتشف قهوتها وكأن شيئا لم يحدث.
💞________________بقلمي_ليلةعادل
سيارة سليم
جلست ماسة بجانب سليم، يديها فوق حقيبتها تتحرّكان بتوتر خفيف، ووجهها يحمل بقايا ارتباك لم يغادرها بعد.
قطع سليم الصمت بصوت هادئ: تيجي نروح الأرزونا؟
التفتت إليه، أومأت برأسها بموافقه: ماشي فيها أكل؟
ضحك وهو يرمقها من طرف عينه: أها فيه، طب قوليلي الدكتور قالك إيه؟
شدت حقيبتها أكثر، وكأن السؤال لسع داخلها قالت بمراوغه: لا سر يا حبيبي.
نظر إليها ثانية، هذه المرة بملامح أكثر عمقا، وكأنه يريد أن يمرر دفئه إليها عبر نظراته: بس عارفة؟
أنا مبسوط اوي يا ماسة إنك رجعتي تثقي فيا تاني،
متعرفيش الموضوع ده كان مزعلني ومعصبني قد إيه، بجد حاسس ان انا طاير من فرحه لانك رجعتي تاني تشوفي سليم الأمان.
رفعت ماسة عينيها نحوه، وابتسامة خفيفة تتفتح على شفتيها: وأنا كمان مبسوطة إنك رجعت تاني سليم حبيب.
مد سليم يده نحو يدها، وأمسكها بحنان واضح.
التفت بكامل وجهه نحوها لحظة، وعيناه لا ترمشان، ممتلئتان بحب ووعد لا يتراجع: أنا وعدتك، المرة دي مختلفه، مش هسمح لنفسي أضيعك تاني.
ارتعشت أنفاسها، ونظرت إليه بعيون تلمع بدموع خفيفة، ابتسامة حب ترتجف على شفتيها.
لم يقل أحدهما شيئًا بعدها لكن الجو امتلأ بما يكفي من المشاعر التي لا تحتاج كلمات.
توجها بعد ذلك إلى العوامة الارزونا، على النيل كان النيل يلمع تحت ضوء القمر، والموسيقى الهادئة تنساب حولهما.
جلسا إلى الشلط قرب السور، يتناولان العشاء، ويتبادلان أحاديث خفيفة، ضحكات، ابتسامات، ونظرات دافئة كأنها تلملم شقوق الأيام الماضية.
كانت تلك الليلة، تشبه بداية جديدة، أهدأ، وأنقى، وأكثر صدقا مما عرفاه من قبل.
منزل مي،9:00مساء.
جلست في غرفتها تتململ على الكرسي بقلق، تفكر في طريقة مناسبة لفتح الموضوع مع والدها؛ فهي تدرك جيدا أن موافقته ليست أمرا يسيرا.
رن هاتفها باسم رشدي، فالتقطت الهاتف وهي تمسح عرق يدها بتوتر، وضغطت على زر الإجابه فأتاها صوت رشدي من الطرف الآخر متسائلا بقلق: إيه يا مي، كلمتيه ولا لسه؟
مي بارتباك: لسة يا رشدي.
رشدي بحماس: ليه بس؟ اخرجي قوليله وانجزي بقى.
نهضت ببطء: طيب طيب، اقفل ولما أخلص معاه هبقي أكلمك، سلام
أغلقت الهاتف وهي تعض أصابع يدها بتوتر، لا تعرف ماذا تفعل ومن أين تبدأ حديثها؟! ثم أخذت نفسا عميقا وخرجت إلى الصالة حيث كان والدها جالسا يشاهد التلفاز.
مي بابتسامه مرتبكه: مساء الخير يا بابا.
رفع عينه اليها: مساء النور يا حبيبتي.
داعبت طرف بيجامتها بخجل: ممكن أتكلم معاك شوية؟
هز رأسه بابتسامه: آه طبعا، تعالي.
جلست مي بارتباك، وأمسك والدها الريموت وأخفض صوت التلفاز واعتدل في زاويتها بابتسامه: خير بقي يا ستي عايزه تتكلمي في ايه، أنا سامعك.
حكت خلف أذنها بأرتباك: كنت بتكلم مع رشدي النهاردة، وقالي إن ياسين أخوه هيتجوز الخميس الجاي.
رفع حاجبيه بدهشة: هو مش كان لسة منفصل؟
هزت رأسها بإيجاب، وهي تحاول أن تمتلك الشجاعة: اه بس دي مش ده موضوعنا.
تساءل بهدوء: اومال؟!
تنفست بعمق تحاول استجماع شجاعتها، قالت كلماتها بسرعه وخفوت: الموضوع إن رشدي قالي نتجوز معاهم، وأنا وافقت.
حدق فيها للحظات بعدم استيعاب، تساءل بعدم فهم: يعني إيه تتجوزوا مع ياسين؟ مش فاهم.
ابتلعت ريقها موضحة: يعني نتجوز الخميس الجاي.
اتسعت عيناه وصاح بغضب: وأنتِ وافقتي على العبط ده؟ أنتِ اتجننتي يا مي؟!
هزت رأسها بإعتراض: لا يا بابا، مش عبط، أنا عارفة رشدي كويس وبحبه.
قاطعها بحزم وهو ينهض من جلسته: الموضوع ده مرفوض.
توقفت أمامه، وهي تتحدث بجدية: مرفوض ليه يا بابا، لو سمحت خلينا نتكلم.
نظر لها بحدة واستهجان: نتكلم في إيه؟ وبعدين أنتِ عارفه إني مكنتش موافق على رشدي أصلا، ووافقت على الخطوبه بس لما لقيتك متعلقه بيه ومحبتش أزعلك، لكن عايزه تتجوزي آخر الأسبوع وأنتم مبقالكمش شهرين مخطوبين!؟ أنا لا يمكن أوافق على الجنان ده.
تنهدت وهي تحاول إقناعه: بس يا بابا أنا أعرفه من قبل الخطوبه بفتره، وبعدين مهما اتخطبنا عمري ما هعرفه عنه كل حاجه، الجواز حاجة والخطوبة حاجة تانية.
هز رأسه بإيجاب، وحاول الحفاظ على نبرته: مظبوط بس الخطوبة بتبين بعض الصفات، وأعتقد إن عندك من الوعي إللي يخليكي تتحكمي وتختاري صح.
نظرت له بإصرار ورجاء: يا بابا أنا بحبه ومقتنعة بيه جدا، إيه إللي يخلينا نستنى؟
مسح وجهه بكفه بنفاذ صبر،تنهد ونظر إليها متحدثا بعقلانية: طول عمري مديكم مساحة شخصية تختاروا الطريق إللي تمشوا فيه؛ لإني كنت واثق في اختياراتكم، بس بعد اختيارك لرشدي بدأت أعيد النظر، لكن إنك تتجوزيه بالسرعة دي لا، طبعا مش موافق.
اقتربت منه تتطلع له بعينين لامعتين بالدموع برجاء: لو سمحت يا بابا أحترم قراري أنا بحب رشدي عايزة أتجوزه، وبعدين سواء اتجوزنا دلوقتي أو بعدين مش هتفرق، فترة الخطوبة معمولة علشان نعرف بعض وأنا عارفة كل حاجة عنه من قبل الخطوبة، دى قراري وأنا مسؤولة عنه.
زمجر بدهشة وغضب: يعني إيه مسؤولة عنه؟ يعني أشوفك بترمي نفسك في النار بنفسك واقولك برافو؟!
أجابته وهي ترفع رأسها بثقة: أنا مسؤولة عن القرار ده، وأنا بس إللي هدفع التمن لو كان قرار غلط زى ما حضرتك بتقول، بس أنا واثقة في رشدي وبحبه، ولو سمحت وافق.
صمت والدها وهو يتفحص ملامحها المتوسلة وأيضا الحاسمة، يرمقها بسخط لا يعرف كيف يثنيها عن قرارها، فتنهد وقال بجدية: تمام يا مي، أنا هوافق، وأنتِ مسؤولة عن قرارك، أتمنى يكون قد ثقتك ومتندميش.
كلماته وغادر لغرفته، بينما بقيت هي متوقفة في مكانها، وابتسامه سعيده تسللت إلي وجهها شيئا فشيئا، شعرت بإرتياح يملأ صدرها، ومسحت دمعة فرح هربت على خدها.
أخرجت هاتفها من جيب بيجامتها بسرعة وارتجاف، وضغطت على اسم رشدي، وانتظرت قليلا حتي جاءها رده بلهفه من الطرف الآخر: عملتي ايه يا مشمش طمنيني؟!
ردت بصوت مليئ بالبهجه: بابا وافق يا رشدي!
وقف من مكانه بحماس، وعدم تصديق: بتتكلمي بجد؟!
ضحكت بارتياح وفرحة: أيوة والله بجد وافق!
هز رأسه بسعادة: خلاص بكرة نتقابل ماشى؟
أجابته بفرحة كبيرة: ماشي أنا فرحانة أوي يا رشدي.
رد عليها بصوت ملئ بالحماس: وأنا كمان مش مصدق، وهموت من الفرحة! أشوفك بكره يا مراتي سلااام.
أغلقت الهاتف وابتسامتها لا تفارق شفتيها، تمشي بخفة نحو غرفتها كأن الفرح يرفعها عن الأرض. جلست على الفراش وأطلقت تنهيدة دافئة، تتحسس خدّها حيث ما زالت بقايا ابتسامتها، وتهمس بثقة غامرة: «مستحيل تخذلني يا رشدي.»
التفتت إلي وسادتها واخدتها في حضنها كما لو كانت تحمل كل فرحتها بين ذراعيها، وهمست مرة أخرى، بنبرة أكثر عمقا وطمأنينة: أنا مصدقاك ومطمنة، وعارفة إنك عمرك ما هتكسفني. وبتحبنى أكتر ما بحبك.
على إتجاه آخر عند رشدي
تحرك رشدي ووقف امام المرآة والهاتف ما زال في يده بعد انتهاء المكالمة.
وقف ثابتا أمام انعكاسه كأنه يرى نفسه للمرة الأولى، كانت عيناه تلمعان بفرحة نادرة، وابتسامة مرتجفة ظهرت على شفتيه.
رفع رأسه قليلا، حدق مباشرة في المرآة، وقال بصوت خرج منه كإعتراف صادق: «مستحيل أخذلك يا مي»
ارتكز بيد واحدة على حافة الطاولة، وكأنه يحاول التماسك من شدة المشاعر التى تعصف بداخله، تنفس بعمق، ثم مال رأسه صوب المرآة، يحدث صورته بثقة جديدة لم يعتادها: «وأنا متأكد، إنك هتساعديني أتغير، وهتبقي السبب إني أبقى أحسن»
لمعت عينيه لحظة، كأنه يرى نسخة مستقبلية منه مختلفة، أقوى، أنضج.
فيلا سليم وماسة، 8:00 صباحا.
السفر
جلسا يتناولان فطورهما بهدوء.
تساءل سليم وهو يسكب لنفسه الشاي: هتعملي إيه النهارده؟
أجابته وهو تتناول قطعه من الخبز: ولا حاجه هخلص محاضراتي وهروح لماما، وأنت؟
أجابها بابتسامه هادئه: عندي شغل كتير، ممكن تخليكي هناك لحد ما أخلص وأجي أخدك.
هز رأسها موافقه، ودخلت سحر ووضعت طبق البيض أمامهم بهدوء ورحلت، فوضعت ماسة يدها على فمها، وشعرت بغثيان مفاجئ.
سليم بقلق: مالك؟
جابته بوهن وحيرة: مش عارفة، حاسه عايزة أرجع، مش طايقة ريحة البيض، شكله بايظ متاكلش منه.
أمسك صحن البيض وشمه: ريحته عاديه مفيش حاجة.
هزت رأسها باعتراض وإصرار: لا يا سليم بايظ وريحته وحشه أوي، شيله أوعى تاكل منه!
ثم تنهدت ببطء، ونادت على إحدى الخادمات: لو سمحتي شيلي ده، وهاتي طبق جبنة قديمة تاني.
رفع حاجبه بتعجب: جبنة قديمة؟! عالصبح؟
ماسة بابتسامة صغيرة: طعمها حلو أوى، أنا هروح لماما مخصوص علشان أجيب من عندها، بتعملها تحفة.
هز رأسه مبتسما: بألف هنا، بس متكتريش علشان متتعبيش.
جاءت الخادمة بالجبنة، فامسكت ماسه بالطبق وكأنها تستعيد طاقتها بعد الغثيان، وأخذت تتناولها بشراهة، وعيونها تتلألأ من المتعة.
بعد الانتهاء، خرجا معا إلى الخارج، وتوقفا أمام سيارتهما، نظر لها بتركيز: خدي بالك من نفسك، وسوقي على مهلك، وخليكي ماشية على الطريق إللي رحنا وجينا عليه.
ابتسمت وهي تضع نظارتها الشمسية على رأسها: حاضر متقلقش، أنت هتفضل كل يوم تقولي نفس الكلام؟
ضحك بخفة، وقرص خدها بطريقة مازحة: آه علشان أنتِ مجنونة، ويتحاف منك!
ضحكت دون رد، وصعدا إلى سيارتهما، وكل واحد توجه إلى وجهته، وبالطبع كان ذلك القناص يراقبهما خطوة بخطوة.
أوقفت سيارتها داخل الحرم الجامعي، وبالطبع لم يستطع القناص فعل شيء في الداخل، فظل ينتظرها لتخرج
مجموعة الراوى،11:00صباحا
غرفة الاجتماعات
كان الجميع يجلس حول الطاولة المستديرة،والأوراق أمامهم بينما يشرح رشدي بحماس مشروعه الجديد المتعلق بالمدارس والجزء الخيري المصاحب لها.
وحين انتهى من عرضه، رفع عزت الأوراق وهو يبتسم بسخرية: أول مرة تجيبلي دراسة كاملة من غير نقص.
رشدي بثقة: ما أنا اتعلمت بقى يا باشا، لازم لما أقدم، مشروع تكون دراستي مستوفية.
تدخلت فايزة، ووجهها يحمل استغرابا صريحا: بس احنا مالنا ومال المدارس؟ إحنا ملناش علاقة بالكلام ده.
حاول إقناعهم: إزاي يعني؟ ما احنا شغالين في المقاولات، وبنبني مدارس في المدن اللى بنملكها.
هزت فريدة رأسها موضحه: مظبوط بس الإدارة مبتكونش لينا، إحنا بنبنيها بس، لكن نظام التعليم وكل ده مبنفهمش فيه، إحنا بنأجرلهم الأرض، وهما بيديروا، انت هنا عايز تعمل العكس.
رفع حاجبه معترضا: طب وإيه المشكلة لما ندخل في الإدارة كمان؟
عزت بسخرية لازعه: المشكلة إنك مختار المشروع ده مخصوص عشان ترضي الست مي، مش لانك مقتنع بيه، وكمان عامل جزء خيري من إمتى الإيد اللي بتاخد بتدي؟
ارتفع صوت رشدي معترضا: مين قال إني بعمل كده علشان مي؟
نظر له عزت نظرة عميقة لازعه: حتى معندكش الشجاعة تعترف.
اضاف بتبرة لا تتحمل الناقش: المشروع ده مرفوض أنا مش هدخل في حاجة مش فاهم فيها، علشان ارضي خطيبتك.
تنفس رشدي بعصبية: على أساس يعني لو حصلت مشكلة في المدارس اللي بنبنيها مش هتبقى في وشنا ونتدخل؟
عزت بثقة: لا مش هندخل، لانها متخصناش إحنا مجرد أرض ومباني ولو حصلت مشكلة بتاعتهم هما يحلوها، احنا ملناش علاقة.
رشدي بنبرة متوترة: يعني حضرتك رافض المشروع بشكل نهائي
أغلق عزت الملف: وبدون نقاش.
ضغط رشدي على أسنانه: تمام أنا هعمله لوحدي.
ضحك طه بخفة: وهتجيب منين الفلوس اللى تمول بيها مشروع ضخم زي ده؟
رشدي بإصرار: هعمل قرض وهسدد من أرباح المشروع لما يكبر.
قاطعه سليم بابتسامه: وتعمل قرض ليه واحنا موجودين، الفكره حلوه جدا، وأنا ممكن أدخل معاك بنسبة وياسين كمان هيبقى معانا.
نظر ياسين حوله بدهشة وابتسامة: أنا بتدبس، بس ماشي معنديش مشكله.
عزت ساخرا: ودى من إمتى؟
نظر له سليم بثبات: انت زعلان عشان بنتعاون مع بعض يا باشا؟
عزت بابتسامه بارده: لا مبسوط طبعا، ده كان هدفي وحلمي من زمان اشوفكم كلكم ايد واحده،. بس مستغرب سليم ورشدي؟! غريبة.
رشدي بسماجه: وهتستغرب الفتره الجايه اكتر.
ثم وجه نظراته لسليم: أنا موافق يا سليم، خلينا نظبط اجتماع تاني أنا وأنت وياسين ونبتدي شغل.
هز رأسه موافقا: تمام.
علقت فريدة بنبرة ساخرة: والله مي بتعمل المعجزات، بقب رشدي بيعمل اعمال خيريه وبيفكر في الايتام؟! انا لو كان حد قال اني ممكن اسمع جمله زي دي زمان كنت هقولهم أنتم مجانين.
ضحكت مني قائلا: سوري يا رشدي بس اللي انت بتعمله ده، بالنسبه لنا معجزه فعلا.
نظرت له فايزة بجدية، وقالت بنبرة ذات معني: معجزه فعلا، علشان كده خد بالك من مي كويس يا رشدي، وحافظ عليها علشان تفضل في التقدم المبهر ده.
نظر لها بتوتر، وفهم ماذا تقصد جيدا، فهي تلعب علي مشاعره، وتضغط عليه من النقطه التي توجعه؛ لكي تظل فكره قتل ماسه الشيء الوحيد الذي يمكنه النجاه به.
تنهد وأجابها بابتسامه سمجه: متقلقيش يا هانم، اكيد هحافظ عليها، أومال هتجوزها ليه؟!
زفر سليم بملل وأراد وضع حد لذلك الهراء، فتنهد قائلا: طب خلونا نركز في شغلنا بقي.
وانتقل الاجتماع لمشاريع أخرى، حتى انتهى بعد وقت طويل، وبدأ الجميع بالخروج والتوجه إلي مكاتبهم
فيلا عائلةماسة،2:00ظهرا
غرفة المعيشة
انساب الضحك عاليا في الغرفة، وكانت ماسة تجلس بين والديها تمسك طبق الحلوى وتأكل منه بشراهه وتلذذ.
قالت بمرح وهي تبتلع قطعة: اقسم بالله عمتي دي فظيعة! أنا أصلا نفسي أروحلهم البلد، وأقعد كام يوم هناك بعد الأسبوع ده، وحشتوني.
ابتسم مجاهد، وهز رأسه مؤيدا: انتِ فعلا محتاجة تروحي تشوفي أهلك وناسك، بقالك سنين مشوفتيهمش، وأنا مش عايزك تقطعي صلة رحمك يا بنتي، أنتِ ملكيش غيرهم بعد عمر طويل ليا.
قاطعته بلهفه: بعد الشر عنك يا بابا، بلاش الكلام ده.
أشار لها بيده مهدئا: يا بنتي دى سنة الحياة وكلنا هنموت، ومش بيبقي غير العيلة سند للست، خليكي قريبة منهم، أهلك ناس كويسين، يعني لو حصل حاجة يبقوا معاكي ويقفوا في ظهرك، متزعليش مني عيلة جوزك مش كويسين، ربنا يهديهم.
هزت رأسها موافقه وهي تتناول الحلوه بنهم: حاضر والله، أول ما الأسبوع بتاع سليم يخلص، هقوله، وهو مش هيقولي لأ.
وضعت سعدية يدها على صدرها وكأنها تخفف نبضا قلقا: يعني هو كده جوزك ما شاء الله عليه، رجع زي زمان يا ماسة وبقي كويس معاكي؟
هزت رأسها بإبتسامة، والراحة تتسلل لملامحها: آه الحمد لله، والدكتور كمان قالي مع الجلسات هيساعدنا أكتر علشان نبقي كويسين مع بعض.
تساءلت سعديه بدهشه: ايه دي رحتوا للدكتور؟
هزت راسها: أيوه روحنا امبارح، واتكلم معانا وقال الحمد لله مشكلتنا مش كبيرة ومش هتاخد وقت.
ربتت سعدية على ركبتها بحنان: ربنا يسعد قلبك يا بنتي، ويسهلك أمورك يارب.
ماسة بابتسامة خفيفة: ده كمان هيوديني المجموعة، وروحنا الجامعة مع بعض، وعمل حاجات كتير علشاني، حتى الحراس بقوا يمشوا ورايا من غير ما أحس بيهم.
تنفس مجاهد بارتياح: ربنا يهديكوا لبعض ويهدي سركم يا رب، والله جوزك كويس يا ماسة، حافظي على بيتك يابنتي.
زمت شفتيها قليلا، وقالت بصدق داخلي وتمنى: نفسي كمان إخواتي يسامحوه، ونرجع زي زمان، والله سليم بيحبهم وندم على اللى عمله معاهم.
مجاهد بضيق: سيبي إخواتك، هم اتدلعوا على الآخر، وعايزين حد يشد عليهم شدة محترمة.
وفي تلك اللحظة، دخلت سلوى، تحمل حقيبة بيدها.
سلوى بابتسامة: مساء الخير.
وما إن وقعت عيناها على ماسة حتى تبدلت نظرتها، بينما ماسة أشاحت بوجهها للاتجاه الآخر بضيق، لم يفت الأمر على سعدية، التي ضمت حاجبيها بشك ظاهر.
تساءلت سعديه: جيتي بدري النهارده يعني؟!
سلوى بارتباك وهى تتحاشي النظر لماسه: أيوه، هشتغل فوق.
وقفت ماسة فجأة، وأمسكت الحقيبة بقوة: طب أنا همشي.
أشار مجاهد بيده: ماتقعدي شويه يا بنتي، دى أنتِ لسه جايه!
هزت راسها برفض: لا معلش، همشي علشان سليم ميضايقش، هبقي أجيلكم تانى، سلام.
قبلت والديها، ثم خرجت دون أن تنطق بكلمة لسلوى وكأنها هواء.
تابعت سعدية خروجها بنظرة طويلة، التفتت سريعا نحو سلوى، وهي تتساءل بشك: هو في إيه؟ في حاجه بينك وبين أختك؟!
هزت راسها، وقالت بتهرب: مفيش حاجة، أنا طالعة أوضتي.
لكن سعدية لم تسمح لها بالصعود، وقالت بنبرة حادة: تعالي هنا يا بت! فهميني في ايه، أنا أصلا مخنوقة منك، اقعدي وقولي إيه اللي حصل؟ مزعلة أختك ليه؟
صرخت سلوى بحدة مكبوتة: وليه متقوليش إن هي اللي مزعلاني؟
سعدية بنبرة تهكميه لازعه وهي تمصمم شفيفها: وهي ماسه بتعرف تزعل حد؟ دي نسمة! إنما أنتِ أعوذ بالله! قوية زي عمتي!
تنهد مجاهد معترضا: وإيه لازمته الكلام ده دلوقت؟
ردت عليه سعدية بشدة: اسكت أنت يا راجل.
انفجرت سلوى ببكاء: أنت عارف بنتك عملت فيا إيه؟ ضربتني بالقلم في وسط المطعم!
سعديه بدهشه: ماسة ضربتك؟!
هزت راسها بدموع: اه.
مجاهد بنبرة هادئه، يحاول ان يفهم: وماسة هتضربك ليه يا سلوى؟! قولتي لها إيه يخليها تضربك؟ ده أنتم كنتوا روح واحدة!
رفعت ذقنها، وعينيها تلتمعان غيظا: مقولتلهاش حاجة، كنت بعاتبها! انها إزاي سامحت سليم بسرعة كده؟ وحاولت تفتح معايا موضوع مكي بس قولتلها متتكملش معايا وإن أنا مش معدومة الكرامة زيها!
اتسعت عينا مجاهد، وصاح بنبرة حادة: أنتِ قولتيلها الكلام ده؟!
هزت راسها بثبات واقتناع: آه قولت، وقولتلها كمان إنها خانتنا! وإن مينفعش تسامحه بعد اللي عمله فيها وفينا! ولو انتم بقي موافقين على اللى عمله فيكم انا لا، مش عشان بيصرف علينا نقبل الإهانة.
توقف مجاهد صفعها صفعة هزت الغرفة.
صرخت سلوى مذهولة: أنت بتضربني يا بابا؟!
ازداد صوته صلابة وهو يمسك شعرها: وهكسر عضمك كمان! بتكلمينا كدة ليه؟! علشان بتصرفي على البيت؟ وأنا مبشتغلش؟ لا ده أنا أربيكي من الأول تاني!
تدخلت سعدية بسرعة، محاولة تهدئته: اهدى يا مجاهد، سلوى طول عمرها كدة، والله يا بنتي لو اتجوزتي مش هتعمري وهتطلقي.
واضافت بعقلانية: أختك كانت هربانة! ولو متجوزه غير جوزها ورجعت كانوا هيقتلوها، مهما كان السبب، ولا عيشتنا ف مصر نستك الاصول، وبعدين أنتِ ليكي عين تتكلمي بعد ما شجعتيها وساعدتيها تهرب دى بدل ما تعقليها، كان ليه حق يخاف منك.
غلي الدم في وجه سلوي، وقالت بانفعال: ودى يبرر اللى عمله مع عمار، والبهدله اللى بهدلهالنا !؟
سعدية بتهكم وحده: ما الراجل جه واعتذر، وأخوكي طول لسانه عليه، وإنتِ كنتي واقفة! ايه هيكون قلبك على عمار أكتر مني ومن أبوكي!
انفجر مجاهد مرة أخرى: مش سليم اللي هيمنعك من أختك المره دي، أنا اللي همنعك! علشان أنتِ بقيتي قليلة الأدب وعيارك فلت، وأنا هعرف أزاى أربيكي من أول وجديد.
حبست سلوى دموعها، ثم قالت الجملة التي فجرت كل شيء بغضب: أنتم متعرفوش حاجة، سليم اللى عمالين تهزقوني بسببه دى واحد قواد ومافيا وشغله كله حرام في حرام !
ساد صمت ثقيل للحظات، حتى قاطعه تساؤل سعديه بصدمه: ايه اللي أنتِ بتقوليه دى يا بت؟! يعني ايه كلام ده؟!
رفعت سلوي حاجبيها متحدية، وعلى صوتها أكتر: زى ما سمعتي، قواد وبيبيع البنات وبيتاجر بيهم وبيشغلهم في الحرام؟! ودى اللى خلى ماسه تهرب منه.
صرخ مجاهد غاضبا: هي حصلت تتبلى على الراجل؟!
رفع يده وصفعها صفعة ثانية، ثم قبض على شعرها بقسوة، حاولت الإفلات، لكنه احكم قبضته عليها وانهال عليها ضربا، كانت تصرخ وتدافع عن نفسها بضعف، وهي تقول بحرقه وبكاء: أنا بقول الحقيقة! سليم قواد وعندكم ماسه اسألوها لو مش مصدقيني.
صرخ مجاهد بغضب، وهو يهم بضربها مجددت: إيه اللي بتقوليه على جوز أختك ده يا بت اتلمي؟!
نظرت له سعدية نظرة حانقة: موتها يا مجاهد! يا ريتني كنت بركت عليكي وأنا بولدك وموتي يا شيخة!
انفجرت سلوى بصراخ ممزق بالبكاء: تموتيني ليه؟! عشان بقول الحقيقة! أمال فاكرين ماسة هربت ليه؟!
ما هي هربت عشان رشدي هددها بقتلنا! وقالها إن سليم بيشتغل في كل حاجة حرام، مخدرات وسلاح وبيع بنات! ووراها كل حاجه بعنيها، ما أنا لمحتلك قبل كده يا ماما قوليلوه!
صمتت سعدية فجأة وسرحت، وكأن ذكرى قديمة ضربتها فجأة، بينما اندفع مجاهد نحو سلوى ليضربها، فقفزت سعدية أمامه، تمد ذراعها وتقول بتوتر: استنى يا مجاهد! البت شكلها بتتكلم بجد فعلا! اصبر.
زمجر مجاهد بصدمه: جد إيه يا مخبلة إنتِ كمان أنتِ هتعومي على عوم بنتك؟!
صرخت سلوى بصوت متهدج والدموع تملئ وجهها: والله يا بابا ده اللي حصل! علشان كده مكنتش عايزة أرجع لمكي! وعلشان كده زعلت من ماسة! مكنتش حابه أبدا، إن أختي ترجع لواحد كل فلوسه حرام! وعلشان كده ماسة قالتلكم وقتها متقربوش من فلوس سليم !
تراجع مجاهد خطوة للوراء، وملامحه تجمدت من الصدمة: أنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟!
انفجرت سلوى في بكاء مرير، تكاد تختنق: أنا هقولكم كل حاجة بس بالله ما حد يعرف! لو رشدي ولا صافيناز عرفوا إحنا هنتموت! هيقتلونا زي ما خبطوك بالعربية، دي مكانتش حادثة كانوا بيهددوا ماسة بيكم!
تجمد الجميع في مكانه، كأن الأرض اهتزت تحت أقدامهم من هول الصدمه، فما تقوله سلوى الآن اصعب من أن يصدقه عقل!
سعدية بصوت مختنق بالدموع: بتقولي إيه يا بت يا سلوى يعنى أخواتك في خطر!؟
ابتلعت سلوى ريقها وأخذت نفس: اقعدوا وهحكيلكم.
جلسوا، ووجوههم تعتريها الصدمه، وقلوبهم تتخبط من شدة الخوف، بدأت سلوي بسرد كل شيء، وكل كلمة كانت تسقط فوق صدورهم كالحجر، وبعد أن انتهت، كان الذهول قد غطى وجهم تماما.
مجاهد بصدمه: يعني العربية مكانتش صدفة؟ ورشدي كان عايز يقتلني؟
مسحت سلوي دموعها: أه، ويوسف كمان.
هزت سعديه رأسها بتردد: ما يمكن رشدي بيكدب؟
رفعت سلوي رأسها: وحادثة ماسة؟ والعصابة اللي طلعت عليهم؟ وحادثة بابا؟ السم اللي اتحطلي، كله كان من رشدي!
شهقت سعديه بخوف، وهي تولول بفزع وقهر: يا لهوي، يا لهوي، حسبنا الله ونعم الوكيل فيهم! ربنا يوجع قلبهم على أقرب مليهم! يا حبيبتي يا بنتي كل دى شيلاه في قلبك واحنا منعرفش؟!
هز مجاهد رأسه بعصبية رافضا: لأ لأ، أنا مش مصدق! الرجالة اللي بتبيع بنات وبيشتغلوا في البطال، بيبقوا معروفين! وسليم لأ مستحيل يبقي كده!
رفعت سلوى كتفها: معرفش بقى.
مجاهد بحدة: طب ليه محكتوش لسليم؟!
سلوى بتوتر وخوف: علشان هددوا ماسة بينا، وقالولها متقولش علشان ميقتلوناش، وخبطوك بالعربيه يومها.
مجاهد، بنبرة راجل له خبرة في الحياه: ما لو كلامه حقيقي، مكانش هددكم كده! ده يأكد إن كلامهم فشوش! اسمعي مني يا بنتي الشعر الأبيض ده شاف كتير!
سعدية بارتعاش وهي تحاول تمالك نفسها: أنا مش فاهمة حاجة، يعني أختك دلوقت مهددة بالقتل، وأنتم كلكم كده؟!
سلوى بتأكيد: أيوه! وعشان كده مش عايزاها ترجعله، ده خطر عليها!
وقفت سعديه فجأه وقالت بخوف وفزع: يالهوي ياني، أنا هروح لماسة وأفهم منها!
صرخت سلوى بخوف: لأ! مينفعش حد يعرف أصلا!
سعدية بقوة واعتراض: بس يا بت اسكتي! أنا هروحلها افهم منها، مش هقعد كده!
مجاهد بحذر: بالراحة وخدي بالك وأنتِ بتفهمي من البت.
هزت سعدية رأسها: متخافش.
ثم تحركت لأعلي، والخوف يتعقب خطواتها.
بقي مجاهد ينظر لسلوى وقال بحكمه ولوم: بس حتى لو زعلانة وخايفة على أختك، متقوليلهاش الكلام اللي قولتيه دي، يمكن هي عارفة حاجة، وجوزها مظلوم، أنا متأكد إنه هيكون مظلوم، أصل تهديدهم ليكم ده علشان سليم ميعرفش!!! حاجة متخشش النفوخ، دول ناس خايفة، معنى كده إنهم خايفين كدبتهم تتكشف!؟
أجابته موضحه: هما خايفين منه فعلا، وقالوا إنه لو عرف هيقتلهم، علشان كشفوا سره لماسة.
هز راسه بعدم اقتناع: يا سلام، ما كان ممكن تقول عرفت من اي حته؟ قلبي مش مرتاح، وبرضو الراجل ده لا يمكن يبقى ممشي نسوان في الباطل أبدا، تيجي بس أمك ونشوف
قصر الراوي،3:00عصرا
كان الهول الواسع يغمره ضوء خافت يتسلل من النوافذ العالية، ينعكس على الأثاث الفاخر فيمنحه مهابة إضافية، جلست لوجين إلى جوار والدتها شقيقتها نغم، مع عزت وفايزة وياسين، في جلسة بدت خليطا بين السعادة المعلنة والرسمية الحذرة.
نهي بابتسامة مهذبة رغم اعتراضها الخفيف: أنا مكنتش حابه أبدا إن الموضوع يجي بالسرعة دي، بس الولاد أخذوا القرار ومتمسكين بيه ومش عايزين يتراجعوا، وأنا دايما بحب أدي للوجين مسؤولية قراراتها.
أومأت فايزة وقالت بنبرة أرستقراطية محايدة: احنا كمان مكناش حابين السرعه دي، خصوصا زي ما حضرتك فاهمة لسه كان في انفصال، بس أهم حاجة عندي هي سعادة ياسين، غير كده مش مهم، مادام ياسين ولوجين هيكونوا مبسوطين خلاص.
نهى بابتسامة رسمية: مظبوط يا هانم.
تساءل عزت بهدوء: طب اتكلمتوا في التجهيزات ولا لسه؟
نظر ياسين إلى لوجين أولا بابتسامة مطمئنة، ثم عاد ببصره إلى الموجودين: النهارده لوجين هتشوف الأوضة، علشان لو حابة تغيرها أو تغير الديكورات، ومهندس الديكور جاي كمان ساعتين عشان نبدأ.
فايزة باقتراح: أنا من رأيي يا لوجين تاخدي أوضه تانية، وبلاش الأوضه دى.
لوجين بثبات: هشوف وأحدد الأول، لو حضرتك بتتكلمي علشان دي كانت أوضة هبة، فطبيعي يكون ليها ذكريات ولمسات في كل ركن، زى ما أكيد برضو كان ليها ذكريات في الهول اللى قاعدين فيه ده برضو، بس صدقيني أنا مبفكرش بالمنظور ده خالص، ولو الديكور عجبني مش هغيره، الحاجة الوحيدة اللي لازم أغيرها هي السرير، لأن نفسيا مش هقدر أنام عليه لكن غير كده مش مهم.
ابتسمت فايزة ابتسامة صغيرة: تفكيرك عقلاني مش عاطفي.
ضحكت نهى بخفة: خالص لوجين عاطفية جدا، بس ليها كده شوية آراء معينة بتبان عقلانية، إنما هي عاطفية جدا جدا.
تدخل عزت بلطف: فايزة سيبيهم يعملوا اللي هم عايزينه، المهم يكونوا مبسوطين، شوفي المكان اللي تحبيه يا لوجين القصر تحت أمرك.
وفي تلك اللحظة، ظهر رشدي، اقترب بخطوات واثقة وابتسامة واسعة، تعلن حضوره قبل كلامه.
قال بعتاب مازح وهو يشير لياسين: أخص عليك يا ياسين إيه الخيانه دى، مش اتفقنا نبقى مع بعض؟
ثم حرك عينيه نحو الجميع: مساء الخير، أنا رشدي أخو ياسين الكبير.
بادلته الرؤوس تحية مقتضبة، فيما تبادل ياسين ورشدي نظرة تحمل ابتسامة صغيرة.
تقدم رشدي نحو لوجين بخفة: مبروك يا قطة يا شيرازي.
ضيقت عينيها مازحة: أنا قطة شيرازي؟
ضحك ياسين: هو هيتجنن يوم ما ينادي حد باسمه، هيتحرق، مسمينا كلنا أسماء غريبة.
سألت نغم بفضول: ويا ترى مسميك إيه بقى يا ياسو؟
سبقهم رشدي بالإجابة بفخر: ملاك عيلة الراوي.
انفجر الجميع بالضحك للحظة.
ضرب رشدي كتف ياسين ضربة خفيفة: مقولتليش ليه إنك هتجيب لوجين النهارده؟ كنت قولت لمي تيجي.
ياسين بنبرة ضيق محببة: قولتلك، وانت اللي مش مركز.
هز رشدي رأسه ضاحكا: مسقط خالص فعلا، بس ملحوقه هروح اكلم مي تيجي تشوف المهندس هي كمان.
تساءل عزت بتعجب: هي مي وافقت أصلا؟ راشد وافق؟!
هو رأسه بثقة واضحة: أيوه وافق، والفرح هيبقى فرحين.
التفت إلى لوجين بابتسامة أوسع: إيه رأيك يا لوجين؟ لما مي تيجي تتعرفي عليها ونخرج كلنا، وتبقي معاها في التجهيزات والحاجات بتاعتكم دي، هي ملهاش صحاب بنات جدعان، فخليكي أنتِ معاها.
لوجين بابتسامة لطيفة: مفيش مشكلة، أنا أصلا حابة أتعرف عليها وأتعرف على ماسة وعلى منى وعليكم كلكم، متحمسة.
صفر رشدي باعجاب: اووه اجتماعية! إشارة مش مبشره، انتِ كده تمام.
ضحكت لوجين وهي لا تفهم قصده: يعني إيه بس؟
أشار لياسين: هو هيبقى يفهمك.
تساءلت نغم فجأة، بنبرة يقلقها الوقت: طب قررتوا هتعملوا الفرح فين؟
أجاب ياسين بهدوء مطمئن: في فندق في الهرم، مكان جميل جدا، أخويا سليم عمل فيه فرحه.
لوجين بحماس: أنا عارفه المكان، تحفة.
لكن توتر نغم لم يهدأ: بس بجد حاسة إن الأسبوع قليل اوي، هنلحق نعمل فيه كل حاجة؟
ابتسم ياسين بثبات: متقلقيش يا نغم، كل حاجة هتتظبط، هيبقى في ضغط شوية، بس كله هيتم في معاده متقلقيش، المهندس جاي كمان ساعتين، والصايغ برضو عشان الشبكة، وبكره تروحوا الأتيليه تختاروا الفساتين اللي تعجبكم، ولو عايزين فستان من بره مفيش مشكلة، لسه قدامنا أسبوع ونقدر نعمل فيه كتير.
نظرت نغم إلى لوجين وقالت بخفوت: بس لوجين كانت حابة تعمل فرحها في قاعة مفتوحة على البحر، ويبقى بالنهار، وكلنا نلبس أبيض، يعني كانت في أفكار مختلفة خالص عن القاعة والحاجات الرسمية دي.
وقبل أن تنطق لوجين، قالت فايزة بنبرة واضحة المعالم، تحمل لطفا شكليا وصلابة داخلية: لا الكلام ده مينفعش خالص، تقدري تعملي الحفلة دي بعدين، إنما إحنا عندنا ناس مهمين جدا هيحضروا، فلازم الفرح يكون على نفس المستوى الاجتماعي بتاعنا، مش كده يا مدام نهى؟
أومأت نهى بسرعة: بتاكيد
ساد الصمت لثواني قصيرة، حتى قاطعته فايزه بنبرة تحمل لطفا ظاهرا وسلطة خفية، وهي تلتفت إلى ياسين: يلا يا ياسين خد عروستك ووالدتها وأختها يلفوا في القصر ويشوفوا الأوضة.
اوما ياسين ونهض: ماشي يلا بينا.
نهضوا جميعا وساروا عبر ممرات القصر الواسعه، وأصوات خطواتهم تردد في المكان، وعيونهم تتأمل القصر منبهرين بجماله واتساعه.
أما رشدي فتمتم: أنا هروح أكلم مي أنا كمان أقولها تيجي.
هزت فايزة رأسها موافقة، بينما ابتعد رشدي نحو الحديقة، أخرج هاتفه، واتصل بمي وهو يقف بجوار شجرة عالية.
على الجانب الآخر، منزل عائلة مي
في اللحظة ذاتها، كانت مي جالسة في الريسبشن مع والدها راشد، وأخويها حاتم وحازم، ومعهم تقى زوجة حازم. أجواء التوتر طغت على المكان.
حاتم غاضبا: يعني إيه تتجوزي بالسرعة دي؟ بتتكلمي إزاي؟ بابا، إنت وافقت إزاي؟
راشد بهدوئه المعتاد: خليها تعمل اللي هي عايزاه.
حاتم انفجر: لا يا بابا! في حاجات ماينفعش نسيبها تعمل اللي هي عايزاه كده!
تدخلت مي بضيق واضح: لو سمحت يا حاتم، ده قراري. وأنا ملزمة بيه، وبعدين اتجوزنا بعد شهرين ولا بعد أسبوع، إيه الفرق؟ كل اللي عملته إني قدمت فرحي شوية مالها يعني؟
تقى حاولت تهدئة الجو: إحنا بس مش عارفين رشدي اتغير ولا لسه.
ضحكت مي بحدة ممزوجة بالسخرية: على فكرة، ممكن يعمل نفسه متغير طول الخطوبة كلها، وبعد الجواز يبان على حقيقته، وبعدين هو هيبقى جوزي أنا. اتغير ما اتغيرش دي مش مشكلتكم.
حاتم بنبرة تهديد خفيف: مي لو سمحتي اتكلمي براحة وبأسلوب أحسن.
حازم رفع يده مهدئا، وصوته امتلأ بحنان الأخ الذي يخاف على اخته: استنى يا حاتم بصي يا مي، إحنا بنحبك وبنخاف عليكي إنك تتجوزي واحد زي رشدي ده لوحده مقلق، إحنا اصلا ما كناش قابلين بيه، فـ تقرري تتجوزي بسرعة؟ الجواز ماينفعش فيه أي خطوة متسرعة.وبلاش الحب يعميكي.
رن هاتف مي فجأة، اسم رشدي ظهر متكررا،
نظرت مي للشاشة، ثم تجاهلت الاتصال، مرة بعد أخرى.
في الحديقة، حدق رشدي في هاتفه باستغراب، ثم أرسل لها رسالة قصيرة: كلميني ضروري… أنا جاي لك.
قرأت مي الرسالة، ثم أغلقت الهاتف رفعت عينيها نحو عائلتها، وقالت بحدة: يا جماعة، لو سمحتوا، احترموا قراري، أنا مش راجعة فيه، وما حدش يتكلم على رشدي بالطريقة دي تاني، إنتو محسسيني إني هتجوز شيطان! هو بني آدم، كان بيغلط لأنه اتربى على الغلط كان بيشرب وبطل، كان يعرف بنات وأنا متأكدة إنه بعد عنهم، عايزين إيه تاني؟ ده إنسان اتغير عشاني بيحبني بجد.
توقفت لحظة ثم استأنفت بإصرار: كل ده اعتراضكم؟ إنه كان بيشرب؟ الحمد لله بطل، البنات؟ ما فيش ولد ما يعرفش بنات. المهم بعد ما عرفني بطل.وبعدين عندكم يمنى! بنت خالتنا، جوزها اللي كنا شايفينه ملاك خانها وضربها بعد أسبوع، الراجل يا إما يطلع ملاك ويتحول لأسوأ واحد، يا إما العكس اللي تخافوا منه يطلع ما فيش أحسن منه.
تنهد راشد بعمق قال بحكمه: إحنا بنحاول نواعيكي ده واجبنا بس خلاص يا مي اعملي اللي انتي عايزاه. أنا بس قلبي مش مطمن، انتي بنتي الوحيدة..
صمت للحظه وهو يركز النظر في ملامحها بحب:
بس اسمعيني لو حصل أي حاجة، عمري ما هقولك ده اختيارك. بابي مفتوح لك دايمًا، وأتمنى من قلبي إن رشدي يستاهل وقفتك دي.
التفت لأبنائه بنبرة حاسمة: محدش ليه دعوة أنا موافق أختكم هتتجوز الخميس الجاي.
نظر حاتم إلى حازم بصدمة، بينما تبادلت تقى نظرة معهم تطلب إنهاء النقاش.
وقفت مي وقالت بهدوء متماسك: أنا هروح أجهز. رشدي هيعدي عليا، هنقعد مع مهندس الديكور. تقى تيجي معايا؟
أجابت تقى باعتذار: لا الولاد جايين من الدروس، ولازم إذاكر معاهم.
مي بإيماءة مختصرة: تمام. عن إذنكم.
دخلت غرفتها، أمسكت الهاتف واتصلت برشدي: إيه يا رشروشي، معلش كنت بتكلم مع إخواتي.
جاءها صوته من السيارة، ممتلئا قلقا صادقا: المهم إنك كويسة. أنا اتخضيت. أنا في العربية اجهزي بقى.
مي بابتسامة خفيفة: حاضر.
في الريسبشن، ظل التوتر مسيطرا.
حازم بصوت منخفض: يا بابا أنا قلقان.
نهض راشد وهو يلتقط مفاتيحه: أختك عنيدة وما بتسمعش الكلام سيبوها لما تتقرص هتعرف إن الله حق.
تقى بنبرة لائمة خفيفة: ما يمكن يطلع كويس! مكبّرين الموضوع بدل ماتتمنوا لها الخير بتتمنوا حاجة وحشة؟
أجابها حاتم بصدق: يا تقى إحنا خايفين عليها دي أختنا الوحيدة وحساسة.
تقى بحنان: إن شاء الله يطلع إنسان كويس، وبعدين انتو في ضهرها.
حازم آخر جملة، بنبرة نصف غاضبة نصف خائفة: طب بس يعمل لها حاجة، قسما بالله لاكسره.
فيلا ماسة وسليم
غرفة نوم ماسة
ماسة متمدد على الأريكة تتناول الفشار وهي تتابع التلفاز على احد الأفلام، بابتسامة حين سمع طرق خفيف على الباب.
دخلت الخادمة ليزا قائلة بهدوء: ماسة هانم والدتك منتظركي في الأسفل.
توقفت ماسة، النظرة في عينيها تتسع بدهشة: ماما؟
نهضت مسرعة، وهبطت إلى الأسفل. كانت سعدية تنتظرها في منتصف الصالون، ملامحها متوترة.
ماسة بصوت يقلق: ماما في إيه؟
سعدية بتوتر وهي تقترب من منه تسألت: باعتلك على تليفونك مش بتردي ليه؟
ماسة بتوتر يخرج من عينيها قبل شفتيها: والله سايباه على الشاحن.
اقتربت سعدية منهمسة: جوزِك هنا؟
هزت راسها برتحاف: لأ بس في الطريق في ايه يا ماما قلقتينى؟!
أمسكت سعدية يدها بقوة خفيفة: عايزاكي في مكان أمين.
اوما ماسة بقلق شديد: في إيه يا ماما؟ انتي قلقاني اوي
سعدية وهي تضغط على معصمها: خلصي، بس تعالي.
تنهدت ماسه باستسلام، وسحبتها من يدها، وتحرك ودخلت بها إحدى الغرف، ثم أغلقت الباب بإحكام.
قالت بتوتر: اتكلمي في بقى انت موتراني اوي
نظرت سعدية إليها مطولا: إيه اللي بينك، وبين أختِك؟
ارتبكت نظرة ماسة للحظة:ووما سالتيهاش هي ليه؟
سعدية بنبرة ذات معنى: سألت وقالت كلام غريب.
تحركت ماسة، بعد الخطوات وهي تتحدث من ظهرها بنبره متوتره مرتبكه: غريب ازاي يعني؟ التفتت له قالت بنبرة منزعجة بضجر:
دي غلطت فيا وفي سليم، وزعلانة عشان رجعت له! وبتقول إني خنتكم.
اوما سعدية برفض بصوت أعمق: لا مش هو ده بس أختك بتقول إنك متهددة، وإن سليم، بيمشي في الحرام.
اتسعت عينا ماسة، هرولت نحوها وضعت يدها على فمها لتكتم شهقة مرعوبة: بس بس اسكتي! ماينفعش تقولي كده بس! بس!
انهمرت دموعها دفعة واحدة.
حدقت فيها سعديّة بدهشة قاسية وهى تضرب على احد قدميها: يبقى كلام أختك صح؟
جلست ماسة على الأرض، كأن قدميها لم تعودا قادرتين على حملها، انفجرت بالبكاء: مكنش لازم تعرف، مينفعش حد يعرف مينفعش.
جلست سعدية أمامها، صوتها يخرج بصعوبة: فهميني يا بنتي أنا قلبي هيقف.
رفعت ماسة رأسها بصعوبة، نظرتها منهارة: لا مش هينفع، والله ماهينفع! سلوى غبية، كانت فاكرها بتصون السر!
سعدية بوجع وانهيار: متوجعيش قلبي يا ماسة فهميني. إخواتِك وأبوكي في خطر!
ماسة بتوسّل وهي تبكي وكانها لا تستطيع ان تتنفس برعب يظهر في ملامح وجهها ونبره صوتها:
طول ما السر ما اتكشفش، محدش هيتأذي، أبوس إيدك يا ماما، متقوليش لحد
امسكت يديها وأخذت تقبلها برجاء وانهيار: ابوس رجلك ماينفعش حد يعرف ابوس ايدك يا ماما الموضوع ده ما ينفعش حد يعرفه ما ينفعش حد يسمع بيه اصلا.
ربتت سعدية على ظهرها بحنان أم خائفة لتهدئها:
طب خدي نفس واحكيلي براحه بس وصلي كدة على النبي براحه.
هزت ماسة رأسها موافقة، ودموع تغطي وجهها،
ثم بدأت تروي كانت كلماتها تتدفق، ومع كل جملة كانت دهشة سعدية تكبر، وصدرها يعلو ويهبط بصعوبة.
اتسعت عينا سعدية، ويدها ترتجف بدات ان تلطم على وجهها برعب: يا نهار أسود، يا نهار أسود ومنيل!
مدت ماسة يدها وهي تمسح دموعها بهلع امسكت يدها لمنعها من اللطم يتوسل بتوتر: ماما بالله عليكي، وطي صوتك، اهدي ماينفعش حد يسمع ولا يحس بحاجه، والله العظيم ممكن يقتلوكم انا خايفه.
سعدية بعينين مذهولتين وهي تخرج كلمات بصعوبه:
إنتي فاهمة إنتي بتقولي إيه؟ ده ده جوزِك!
هزت ماسة رأسها نفيا سريعا: لأ لأ سليم مش بيشتغل كده! وبعدين هو تاب!
سعدية تحاول تستوعب: تاب إزاي يعني؟ مش إنتي بتقولي رشدي وريكي صور؟
وهى تحاول اخذ أنفاسها بين دموعها: أيوه، ورني حاجات، وأنا لما قعدت مع نفسي فكرت وحسيت ان ممكن يكون جزء من اللى قال صح، خصوص بعد الحادثه بتاعتي بس اللي عمري عمري ما صدقه، إن سليم يكون قواد
أضاف بنبرة مهتزه بوجع وخذلان: إنما الباقي أنا شفته، شفت الآثار والألماس..
تبسمت كالغريق الذي يستنجد بقشه: بس سمعته وهو مع مكي، قال إنه تاب. وانا مصدقاه.
رفعت سعدية عينيها وضغطها يهبط تحدث بنبره تشبه الفقدان الوعي وعينيها غير مستقره: يا ماسة أنا مش فاهمة، حاجة يابنتى انت عايزه تقولي ايه يا بنتي يعني اخواتك ممكن يموتوا.
نزعت سعدية حجابها وهي تترنح
اتسعت عينا ماسة صرخت: ماما!! ماما!
تحرك ماسة نحو الخارج وهى تركض بأنفاس مثقله، حتى المطبخ، وهي تصرخ بصوت واحد: سحر مما ماما سحر ماما سحرررر
التفتت لها سحر بخضه: في ايه؟!
ماسة بتوتر ووجهها شاحب بتلعثم: اعملي لماما ميه بسكر بسرعه تعبانه خالص.
سحر وهي تمسح على وجهها بلهفه: حاضر يس اهدى، انت وشك اصفر كده ليه!! ده انت اللي محتاجه ميه بسكر.
ماسه وهي تضع ايديها على صدرها بتعب: يلا بس.
هزت سحر رأسها بسرعه: حاضر حاضر.
بحثت ماسة في الأدراج عن أي شيء له رائحة كولونيا،كحل فوجدت زجاجة صغيرة والتقطتها بسرعة. خرجت مسرعة، بينما سحر خلفها تحمل كوب المياه بالسكر.
غرفة التى بها سعدية
كانت سعديه تجلس على الارض وهي تسند ظهرها على المقعد وشبه غائبه عن الوعي.
اقتربت منها ماسه وجلست امامها بخضه بدات أن تضع الكولونيا على يديها وتمسح على وجهها.
بينما سحر ناولت ماسة كوب الماء بالسكر: افتحي بوقك يا ماما يلا اشربي يا حبيبتي
احتست القليل بدأت سعدية تستعيد وعيها ببطء.
ماسة، وهي تمسح على صدرها بقلق:ماما إنتي كويسة يا حبيبتي؟
أومأت سعدية إيجابا نظرت لها ماسة نظرة ذات معنى تمتمت بحركت شفايف: أوعي، قدام سحر، تقولي كلمة.
سحر بلطف: الحمدلله على سلامتك يا ست الحاجة.
ماسة وهي تحاول تهدئه نفسها: ماما سحر، روحي. ولو لما سليم يجي تعالي قوليلي فورا.
أومأت سحر وخرجت.
جلست ماسة على الأرض برايحيه، أمسكت يد سعدية، وضعت الكولونيا عليها ثم ناولتها كوب:اشربي المية دي اهدي اهدي يا ماما وحياتي.
سعدية بصعوبة وهي تمسك الكوب بين يدها:
اللي إنتي بتقولي ده، دماغي ما استحملوش
جوزي اتضرب بالعربية بجد؟وابني كان في واحد هيقتله؟ وبنتى اتحطلها سم، وانتى بهدلوكي كدة؟ امال اعملوا في عمار ايه فجاه..
سكتت عدلت من جلساتها تسعت عينيها وقالت برعب: والقضية؟ اوعى يابت يكونوا هم اللي عملوها!
هزت راسها بسرعه موضحه: لأ مش هما رشدي قالي.
سعدية بانهيار وهي تحاول تجميع الحديث: يعني، انتي يا ماسة مع سليم بس عشان تحمينا؟
هزت راسها بسرعه موضحه: لا طبعا في السنة اللي اتحبست فيها هناك، كنت قاعدة خايفة عليكم منهم، إسماعيل، هو اللي هددني بقضية عمار، وإنه ممكن يفتحها في أي وقت، انا كان كلي خوفي من سليم بس لو انتوا جيتوا في اي وقت ممكن يعمل لكم حاجة، غير كده ماكانش في اي حاجة ثانيه.
سعدية تنهيدة موجوعة:انا قلبي حاسس إن جوزك مظلوم.
مسحت ماسة دموعها وهي تهز رأسها بايجاب ممزوج بثقه: ايوه وأنا قولتلك انه هو تاب فعلاً انا سمعته وهو بيتكلم مع مكي، وانا ندمت اني قولت لسلوى.. على انها تبعد عن مكي.
أمسكت يدها وهي تركز النظر في ملامحها بدموع وندم: بس والله العظيم يا ماما اقسم بالله في الاول دماغي مكنتش قادره تستوعب الضغوط اللي عملها رشدي فيا، خليتني مشتته اوى اللي كان مخليني شوية حاسه اني في جزء من كلام رشدي صح الحادثه وخطفي، بس خلاص انا بحاول اصلح غلطه عملتها من غير قصد، حتى لو هم مش بريئين 100% وماضيهم مش بريء، بس اهم حاجه الحاضر والمستقبل انهم تابوا صح يا ماما مش ده المهم.
مسحت سعدية دموعها حاولت اخذ نفسها بنوع من الحكمه: إنتي لازم تقولي له، أبوكي قال إنهم خايفين من اللحظة دي عشان كده هددوكي ؟ لحد إمتى؟ هتفضلي مخليهم كسرينك ومخوفينك.
مسحت ماسة دموعها حاولا تهدئه امها برغم انها هي من تحتاج ذلك بشدة: متخافيش يا ماما، أنا هقولك انا ناوي على ايه.
على اتجاه اخر في قصر الراوي،
كانت لوجين تتحرك داخل غرفة ياسين برفقة والدتها نهى وأختها نغم، وياسين يراقبها بصراحة.
لوجين وهي تتفقد الغرفة بهدوء: الأوضة حلوة وكبيرة، بس بصراحة الديكورات كلها محتاجة تتغير ألوان الستائر، السرير، احنا ماينفعش ناخد جزء من الأوضة اللي جنبنا؟
ياسين بابتسامة هادئة: ينفع بس هتاخد وقت أكبر واحنا مسافرين، الهاني ومون هيتكفلوا بالموضوع ده.
نغم، مستفسرة: طب إنتي حابة تعملي الديكور إزاي؟
لوجين بعينين متحمستين: أنا عايزة الديكور كله مودرن، ويكون بألوان فيها بهجة. لما يجي المهندس هنشوفه، وبصراحة يا ياسين… محتاجة الاثاث كله يتغير.
ياسين بلطف: اللي إنتي عايزاه حاضر.
لوجين، مقتربة منه: قولي لي غرفة نالا فين؟
ياسين مطمئن: أوضه اللي جنبنا على طول.
لوجين بفكرة مبتكرة: طب إيه رايك نعمل باب مشترك؟ عشان لما أحب أروح تيجي يبقى الموضوع أسهل.
هز رأسه مؤيداً: فكرة حلوة.
الفتت حولها متساله باهتمام: هي فين أصلاً؟ وحشتني خالص يا روحي.
تنهد موضحا: خرجت مع فريدة النهارده، أنا لسه محتاج أتكلم معاها بخصوص جوزنا.
نهى مستفسرة: البنت هتعيش معاكم؟
هز رأسه بإيجاب: أيوه كنت فاتحت لوجين في الموضوع ده، وهي عندها خلفية.
لوجين بهدوء له معنى: أنا محتاجة أتكلم معاك فعلا في الموضوع ده.
اوما براسه: تمام ، خلينا نكمل الجولة
على الجانب الآخر عند مي
كانت مي قد انتهت من تبديل ملابسها، أمسكت حقيبتها وتحركت نحو الخارج.
قالتوهي تتحرك متوجه نحو الباب: بابا، أنا نازلة مع رشدي عشان مهندس الديكور.
راشد باقتضاب:طيب.
في تلك اللحظة رن هاتف مي، نظرت للشاشة، أجابت بسرعة:الو؟ ايه يا رشدي؟ انت فين؟
جاءها صوت رشدي: أنا تحت لسه، كنت هتصل بيكي.
مي: طيب… أنا نازلة لك.
رد بسرعة وبصوت أقرب للمزاح:
لا استني… أنا هطلع أسلم عليهم، أنا كل مرة باجي آخدك من تحت وبمشي عيب.
توترت مي للحظة، ونظرت حولها وكأن الجو كله ضد هذه الفكرة. ابتعدت قليلا وقالت بصوت خافت متوتر: ليه يعني؟ خلينا نمشي عشان مانتأخرش على المهندس ولوجين.
ضحك بخفوت: يا ستي أنا هطلع دقيقة واحدة، عيب.وبعدين لسه بدري مش إخواتي كلهم موجودين. خلاص أنا بركن وطلع على طول.
أغلق الهاتف.
زفرت مي بضيق، لا تعرف ماذا تفعل تخشى أن يقول أحدهم شيئا يضايق رشدي أو أن يفهم شيئا خطأ.
تحركت بسرعة نحو الصالة حيث يجلس والدها وإخوتها وقفت أمامهم، مرتبكة، قالت بنبرة تنبيه ورجاء: بقول لكم إيه رشدي طالع يسلم عليكم، بالله عليكم ما حدش يكلمه بأسلوب مش حلو.
رفع راشد حاجبه باستغراب، وقال بهدوء جاف:
وأنا من إمتى بقابل حد وحش في بيتي؟
ازدادت مي اضطرابا: أنا آسفة يا بابا، ماقصدش كده. بس يعني، يمكن غصب عنكم تقولوا كلمة تضايقه.
تنهد راشد وشاح بوجهه نحو اتجاه آخر.
التفتت مي نحو إخوتها بنبرة أكثر صراحة:
حاتم لو سمحتم. ما تكسفونيش وما تقولوش أي حاجة ممكن تضايقه، والله لو عملتوا كده هزعل منكم.
حاتم بقلق واضح: يا رب يكون يستاهل كل الحب ده.
جلست مي بجانبه قالت بثقة: يستاهل وأكتر كمان.
وبعد دقائق قليلة، جاء رشدي بالفعل فتحت له كريمة الخادمة الباب دخل بابتسامة هادئة:مساء الخير عاملين إيه؟
راشد باحترام رسمي: الحمد لله يا رشدي. اتفضل.
صافح رشدي إخوة مي واحدا تلو الآخر.
راشد بتهينه: مبروك على الصفقة والشغل الجديد، مي حكيتلي.
ابتسم رشدي: الله يبارك فيك، أنا بس حبيت أسلم عليكم عشان كل مرة باخد مي من تحت وبمشي على طول.
تقى بلطف: طب اتفضل اقعد، هتفضل واقف كده؟ تشرب إيه؟
ابتسم رشدي باعتذار: لا والله احنا لازم نمشي، المهندس مستنينا بعد إذنكم.
هز الجميع رؤوسهم بإيجاب.قال راشد قبل أن يهم رشدي بالخروج: خد بالك منها يا رشدي.
رشدي بابتسامة واثقة: ماتوصيش على مي روح قلبي بعد إذنكم.
راشد وهو ينظر لها: يلا يا حبيبتي.
تحركت مي معه، وقلبها يدق بتوجس،حمدت الله سرا أن الأمر مر بسلام نسبي.
تقي، وهي تنظر للخارج: على فكرة والله أنا حاسة إنكم ظالمينه شكله إنسان كويس.
راشد، بصوت منخفض بلا حماس:هنشوف.
على الجانب الآخر…
أثناء سيرهما نحو المصعد، نظر رشدي إلى مي:
أنا اتفقت مع لوجين إنكم هتكونوا سوا تختاروا الفساتين وتظبطوا ديكورات القاعة وكل حاجة، فما تزعليش لو خدت القرار ده من غير ما أسألك.
هزت مي رأسها بلطف: لا أبدا أنا أصلا نفسي أتعرف عليها.
دقق رشدي النظر في ملامحها، وكأنه التقط شيئا خفيا: شكلك متضايقة… في حاجة؟
ابتسمت رغمًا عنها: لا خالص أنا تمام.
ظل ينظر لها وهو يدخل المصعد. بدا غير مقتنع.
خرجا إلى السيارة. صعدت مي أولا، ثم هو وبدأ يقود.
كانت مي صامتة، وجهها مجهم بالضجر ينظر إليها كل بضع ثوانٍ، متأكد أن شيئا ما ليس على ما يرام.
رشدي باهتمام تسأل: مش هتقولي لي برده مالِك؟
إجابته بنبرة مكتومه وهي تنظر امامها: مافيش حاجة يا رشدي، أنا تمام.
هز رأسه نافيًا: لا انتِ مش تمام، فيكي حاجة،يلا قولي مالِك.
تنهدت بانزعاج: عادي يعني يا رشدي، شدة معاهم شوية.
أوقف السيارة جانبًا، التفت نحوه فجأة، تساءلت بتعجب: واقف ليه؟
فك حزام أمانه وانحنى عليها قليلا نحوها
شدة معاهم ليه؟
قالت بلهجة استهجان: مش حابه اتكلم في الموضوع ده
رشدي بإصرار: هو ايه اللي مش عايزة تتكلمي
لا هتتكلمي في ايه مالك؟!
تنهد بحزن وضيق: مش عاجبهم إن احنا نتجوز بسرعة.
رفع حاجبه متعجبا: هو انتي مش قولتي إن باباكي وافق امبارح؟
هزت راسها بإيجاب قالت بتوضيح منزعج بنبرة حزينه: آه وافق… واصلا إحنا مكملين عادي، بس انت عارف لما حد يقول لك موافق، بس كل شوية يأنبك بالكلام انه مش عجبه؟ عارف لو كان فرض
واني افضل اقنع فيهم بالنسبالي ده أحسن مية مرة من الطريقة بتاعتهم دي.
تسأل مستفسرا: طب ايه مشكلتهم؟
تنهدت بتعب: شايفين إننا ماينفعش نتجوز بسرعة عشان انت لسه ما تغيرتش اوي بس أنا مقتنعة إن إحنا صح.
ابتسم رشدي وأمسك يديها يحاول تهدئتها:
طب وماله؟ عندهم حق والله العظيم توقعت إني هقعد اتحايل على أبوكي واخواتك وأبعت بابايا واخواتي وامي عشان يقنعوهم وبرضه مايقتنعوش، موافقة باباكي بسرعة كانت حاجة ما صدقتهاش. وبعدين هم عندهم حق يا مي…
صمت للحظه ثم قال بعقلانية
هم مايعرفونيش كويس. تواصلي كله كان بيكي انتي وده غلط.ط هم لازم يعرفوني كويس. هم ليهم حق يحموكي انتي بنتهم الوحيدة ورقيقة وحساسة لو انتي بنتي هخاف عليكي وهعمل زي والدك…
أضاف بتبرة مازحه:
ويمكن أكتر هخلي الواد جوزك يحفي لحد ما وافق.
ضحكت مي بخفوت رغم عنها: بس أنا ما كانش نفسي يبقوا عاملين كده.
ركز النظر في عينيها: بتثقي فيا ولا لأ؟
تبسمت بثقه:آه… بثق فيك طبعًا.
بتهوين وهو يمسح باصبع يده فوق يدها: خلاص… اضحكي بقى، انتي عروسة. هتروحي مكشرة كده؟ والبت لوجين ضحكتها من هنا لحد لهنا. عايزك تضحكي كده. ورغم إنك حتى وإنتِ مكشرة قمر… بس أنا بحب ضحكتك أكتر.
ضحكت بخجل: خلاص بقى.
مد يده وشد وجنتها بخفة: أيوه كده. أنا مش عايزك تفكري في أي حاجة غير الفرح عايزك تبقي هادية… وجميلة فكري في الفستان، القاعة، السفر، كل حاجة حلوة ده هدفك ماشي؟
مي بصوت يحمل ضيقًا خفيفا: ماشي، بس هم كل شوية يرخموا بالكلام، وأنا عارفة إنهم هيفتحوا الحوار تاني.
رشدي نبرته هادئة وواثقة:
عادي خالص يا مي. يفتحوا الكلام، ويعترضوا، لحد آخر لحظة، هيفضلوا يعترضوا وهيفضلوا يقولولك: فكري بلاش تتسرعي، بلاش الحب يعميكي،
المهم إنك عارفة انتي عايزة إيه، واخدة قرارك.
مش مهم الكلام اللي حواليكي، ومش ده الكلام اللي كنتي دايما بتقولي لي؟ ماتسمعش كلام حد، خلي عندك ثقة في نفسك، ماتخليش حد يهزمك ولا يغير قناعاتك ولا يوجعك.
مي بنبرة منخفضة بتاثر: بس أنا مش واخدة على الكلام ده منهم…
ابتسم رشدي وهو يلمح التوتر في عينيها: هم بيعملوا كده عشان خايفين عليكي والله وزي ما قلتِ لك هم مش عارفيني كفاية ولو حتى عارفيني أي أب بيعمل كده خصوصا لو عنده بنت زي القمر زيك.
خلاص بقى ميشمشتي الحلوة اضحكي.
لم تستطع منع نفسها من الابتسام: خلاص فعلا مش هخلي أي حاجة تعكر مزاجي، أنا هفكر في فرحي وبس.يلا سوق.
ضحك بخفة وهو يعيد يده للمقود:أيوه كدة، شطورة.
تنهد، وعدل جلسته، وربط الحزام مجددا قاد السيارة، بينما شيء آخر كان يشغل عقله بصمت.
فيلا سليم وماسه
احد الغرف الإستقبال
كانت ماسة وسعدية مازال يجلسان على لارض ماسة تروي لها ما تريد فعله.
هزت سعدية رأسها بتوتر، ممسكة كف ماسة:
يا ماسة، والله يا بنتي أنا مش عارفة اقولك إيه؟! كان مستخبي فين يا ضنايا؟ اعملي كده شوفي!
نهضت وهي تحاول لملمة نفسها، تهز كتفيها قليلا:
أنا هقوم أمشي بقى عشان أهدي أبوكي وفهمه، إلا الراجل كان هيتجنن.
نهضت ماسة وتوقفت أمامها تشير بإصبَعها بتنبيه ورجاء:ظأهم حاجة ولا حرف يتقال لإخواتي، سلوى تشدي عليها عشان وحياة ربنا المرة الجاية مش هيبقى قلم لا، دي هتبقى مصايب.
تعال صوت سعدية بتهكم لازع، ترفع حاجبها: اختك اتعوجت، وحياة ربنا ما هسيبها إلا لما تتعدل.
ربتت على صدرها بحنان الأم، تميل بجسدها قليلا اضافت:
سيبك منها انتي، وخليكي مع جوزك، خلي بالك منه، احكيلي بسرعة، ماتخافيش يا بت متبقيش جبانه كدة؟! طلع جبانه لمين؟
انتي بنت سعدية هلال: متخافيش كدة ومسكي نفسك، أمك معاكي وراكي في ظهرك، اتكلمي معاه يا بنت وعرفيه، عايزين نعرف الحق من الكذب.
ارتسمت على شفتي ماسة ابتسامة محبه، صوتها يتهز بثقة وحب: والله يا ماما حتى لو كله حق، وكل اللي قاله رشدي طلع حقيقة عن سليم مسامحه.
ركزت النظر في ملامحهها، عيناها تلمع بثقه تابعت:
أنا… أنا سمعته وهو بيقول لي يا ماما إنه تاب، تاب من سنين كتير، من ساعة ما اتجوزني. وأنا بصدقه.
ربتت على شعرها وظهرها بحنان، تبتسم:
قد كده بتحبيه؟! أمال يا بت، كنت بتعملي كده ليه معاه؟! ونشفت ريقها.
اغرورقت عينيها بدموع الحب وتأثر، تميل برأسها للأمام: لأني بحبه، ياماما، بحبه أوي ماكنتش أتوقع أبداً إن هو يهددني بيكم زي ما رشدي قال لي: مش في مثل بيقول لك الزعل على قد المحبة هو ده حصل زعلى منه على قد محبتي ليه، وانا حبي ليه كبير اوي مالوش نهايع ولا وصف.
هزت سعدية رأسها باستهجان وكره، تدعو بصوت منخفض: رشدي ده إن شاء الله هيشوف اللي اتعمل فيكي باذن الله
رفعت عينيها لأعلى بدعاء أم حقيقي، تنظر للسقف:
إن شاء الله يدوق من نفس الكأس اسمعها مني يا رب هو وأخته وأمه وأبوه يتعمل فيهم اللى اتعمل في بنتى ان شاء الله، النوم يخصمه وقل الراحه والمرض وتبقي حياتم كلها مشقه وعذاب
ماسة بطيبة، تمسح دمعة هربت من عينها: حرام يا ماما، ماتدعيش على حد الله يسمحهم حسبي الله ونعم الوكيل بس.
زمجرت سعدية وهي، تشد على كفها: اسكتي يا بنت انتي، دول يستاهلوا الشنق، إن شاء الله جوزك يفعصهم كده تحت رجليه قريب، ويدوق من العذاب، اللون بحق اللي عملوه فيكي يا ماسة، يا بنت سعدية انتي بس اتشجعي وقولي لسليم على اللى عملوا رشدي و
وفي تلك اللحظة، انفتح الباب ببطء، دخل سليم .
تفتكرو ايه هيحصل، وسليم سمعهم ولا لا؟!

 

تكملة الفصل

انفتح الباب ببطء، ودخل سليم بابتسامة صغيرة ترتسم على وجهه: مساء الخير

اتسعت عينا ماسة، وسقط الكوب من يدها، والخوف ضرب قلبها بشدة تخشى أن يكون سمع شيئا؟!

بينما ضربت سعدية على صدرها، وحاولت تغير الموضوع بسرعة ودهاء: مش تاخدي بالك ياماسة؟!

نظر سليم نحو الزجاج المتناثر: بسيطه الحمدلله، بقيتي بتتخضي جامد يا ماسة.

ابتعلت ريقها، وقالت بتلعثم: أصلك دخلت فجأة واتخضيت، جيت أمتي!؟

أجابها بهدوء: لسه جاي حالا، سألت سحر عليكي قالت إنك هنا مع ماما، وإنها تعبانه…

ثم وجه كلامه لسعديه: مالك يا ماما، أحسن دلوقتي ولا اجيبلك دكتور!؟

سعديه بابتسامه: تسلم يا حبيبي أنا زى الفل، دى الموضوع كله كان شويه دوخه بس ماسه اللى قلبها رهيف وخافت.

هز رأسه بابتسامه قائلا: عندك حق والله يا ماما، بس صحيح ماله رشدي عمل ايه لماسه!؟

اتسعت عيناها في ذهول، واهتز داخلها بعنف، حتى صار وجهها شاحبا كأن الدم تراجع عنها دفعة واحدة.

ماسة بتلعثم: رشدي؟! ورشدي هيعملي ايه يعني هو انا أصلا بشوفه؟

سليم بهدوء موضحا: أصل وأنا داخل، سمعت ماما بتقولك احكي لسليم على اللى عمله رشدي؟! او حاجة شبه كدة، مخدتش بالي! عملك ايه؟!

ابتلعت ريقها بصعوبة، وقالت بصوت مرتعش محاولة أن تبدو طبيعية، رغم الارتباك الذي فضحها: آه، أصل كنت لسه بقول لماما، إن فرحه الخميس الجاي مع ياسين، واني متضايقه جدا عشان مش عارفه احضر نفسي ازاي؟! عايزه اشتري فستان جديد ومفيش وقت خالص ودبسوني بقرارهم المتهور بالجواز في أسبوع دى.

هز رأسه بعدم اقتناع ولكنه لم يعلق بشيء، وحاولت ماسة رسم ابتسامه مصطنعه على شفتيها خرجت مرتعشه رغما عنها، ورغم هدوئها الظاهري، كان قلبها يخفق بسرعة مؤلمة، كأنه يضرب ضلوعها بقوة.

قاطع سعديه الصمت، وهى تستأذن بخفة: طب يلا بقى عن إذنكم.

سليم مازحا: إيه ده؟ إذا جاءت الشياطين ولا إيه؟ اقعدي اتغدى معانا يا ماما.

سعديه بابتسامه: لا لا، متقولش على نفسك كده، أنا أصلا كنت ماشية، وكمان سايبه مجاهد في البيت مستنيني نتغدى سوا، خليها وقت تانى.

ثم التفتت لابنتها، وربتت علي كتفها بخفة: فوتك يا حببتي، ومتلميش أنتِ الازاز لحسن تتعوري؟ خلي حد يلمهولك.

هزت رأسها بإيجاب بتوتر: حاضر يا ماما، ومتنسيش اللي قولتلك عليه.

ابتسمت سعديه بخفة وردت بذكاء سعدية بذكاء: حاضر متقلقيش، بس أعمل ايه أنتِ عارفة عمتك، أعوذ بالله منها.

ثم تحركت للخارج وماسة وسليم خلفها، وعند الباب انحنت تحتضنها وهي تهمس: أوعي تنسي يا ماما، ونبهي على بابا وسلوى.

بالدتها الحضن وهي تجيب هامسه: حاضر، متقلقيش.

ثم رفعت صوتها وهي تلوح بيدها: سلام يا سليم.

ابتسم بخفة، ولوح لها: سلام يا ماما.

خرجت سعدية، وأغلقت ماسة الباب خلفها، وهي تتنفس بارتباك، ونادت: نويلا!

جاءت الخادمة، تميل برأسها بخضوع: أفندم؟

ماسة بتهذب وهي تشير بكفها: لو سمحتي في كوبايه مكسور جوه، شيليها واعمليلي كباية ليمون.

هزت الخادمة رأسها بابتسامه: حاضر، تحب أعمل لحضرتك حاجة يا سليم بيه؟

هز رأسه نافيا، فغادرت الخادمة بهدوء.

بينما اقترب سليم، يحدق في وجه ماسة باهتمام: شكلك مخطوف، ولونك مصفر، مالك؟

ابتلعت ريقها، وقالت بارتباك: أنا تمام مفيش حاجه، تعالي نطلع فوق.

تحرك معها نحو الدرج، وهو يتساءل: مش أنتِ كنتي عند مامتك؟ إيه اللي خلاها تيجي تاني؟ جت وراكي ولا معاكي؟

ماسة بتوتر: لا مجتش معايا، جت بعدي بشوية…

ثم نظرت اليه بشده، وقالت بحدة مصطنعه تحاول إخفاء ارتباكها ورائها: وبعدين إيه المشكلة لما ماما تجيلي؟ انت مش عايزها تيجيلي؟

أجابها موضحا بسرعه: لا مقصدش كده والله، بس أنتِ كنتي عندها فاستغربت!! وبسأل لو في حاجة.

ردت عليه بنفس الحدة المصطنعه: لازم يكون في حاجة يعني عشان ماما تجيلي؟

رفع حاجبه متعجبا: ماسة في إيه؟ أنا بسأل عادي، علشان قلقت.

صمتت لوهلة، ثم قالت بهدوء مصطنع محاولة لملمت الموقف: مفيش يا سليم اتخانقت مع بابا بسبب عمتي، ما أنت عارف إن ماما مبتحبهاش، قالتلها كلام مش حلو واتخانقوا فجت تشتكيلي.

سليم بابتسامه دافئه: عارفة، كنت فاكر إن الراجل والست لما يكبروا، خناقاتهم بتهدى، بس طلع ملهاش علاقة.

ابتسمت رغما عنها، وهمست بنبرة خافتة: أكيد الخناقات بتفضل بس بتتغير مواضيعها.

ضحك بخفة: ممكن، هنبقي نشوف محضرلنا نكد ايه في السن ده.

ابتسمت بارتجاف، وكانت علامات عدم الاتزان واضحة عليها، فما سمعته من سعدية، ودخول سليم المفاجئ، كل ذلك ضغط عليها بشدة، فترنحت فجأة وكادت أن تفقد توازنها.

أسرع سليم، وأمسكها من خصرها بلهفة: ماسة! مالك؟

همست بنبرة متعبة، وهي تلمس جبينها: مش عارفة، حاسة إني دايخة دوخت فجأة.

حملها بين ذراعيه وصعد بها الدرج، دخل غرفتها، ووضعها على الفراش برفق، ومسح على خدها وهو يتساءل بقلق: حاسة بإيه؟

وضعت يدها على صدرها بتعب: حاسه إن الدنيا بتلف بيا، وقلبي بيوجعني.

نهض بسرعة قائلا: هكلملك الدكتور.

أمسكت كفه سريعا باعتراض: مش مستاهله دكتور يا سليم، أنا بس لسه متأثره من خضتي على ماما، دلوقتي أشرب الليمون واهدى واكون كويسه.

هز رأسه بعدم اقتناع وهو يراقب ملامحها الباهته، فقال وهو يشير باصبعه بحزم: بس لو فضلتي تعبانه كده، هجبلك الدكتور من غير اعتراض.

هزت رأسها وهي تسحبه ليجلس جانبها، وتساءلت لتغير الموضوع: انت اتأخرت ليه؟

جلس وهو يفتح أزرار بدلته، وقال موضحا: متأخرتش ولا حاجه، أنتِ أول ما كلمتيني خلصت اللي ورايا بسرعة وجيت.

أومأت بصمت، وفي تلك اللحظة جاءت الخادمة بالليمون، أخذه سليم وساعدها لتجلس ثم ناولها الكوب.

أخذته وبدأت تحتسيه بهدوء ظاهري، ثم رفعت عينيها نحوه بارتباك وتساءلت: روح غير هدومك وتعالي، انت أكلت؟

هز رأسه نافيا بابتسامه: لا مستني نتغدى سوا، ولا اتغديتي من غيري؟

ابتسمت بخجل: أنا كلت عند ماما بصراحه، بس ممكن آكل تاني معاك، بس خليها شوية كده.

أومأ برأسه: ماشي أنا أصلا مش حاسس إني جعان دلوقت.

ثم وضع قبلة خفيفة على عينيها، وتحرك نحو الباب المشترك ودخل غرفته؛ ليغير ملابسه، بينما جلست هي تحتسي الليمون، محاولة استعادة بعض من الهدوء الذي غاب عنها منذ مجيء والدتها.

عاد بعد قليل وهو يرتدي ملابس منزلية، جلس قربها، وتساءل باهتمام: عاملة إيه دلوقتي؟! أحسن؟

اقتربت منه، وأسندت رأسها على صدره واومأت ايجابا بصمت، لم يتوقع فعلتها لكنها بالطبع اسعدته، فابتسم ابتسامة واسعة ثم اعتدل من جلسته وتمدد بجانبها، يحاطها بذراعه، وجذبها إليه حتى أصبحت بين أحضانه وأخذ يمرر أصابعه على شعرها بحنان، وهي بدورها وضعت ذراعها حول خصر وثبتت كفها على قلبه.
💞_______________بقلمي_ليلةعادل.
قصر الراوي، 5:00 مساءً.

الحديقة العلوية.

بعد أن غادر أهل لوجين، انتقلا إلى الحديقة العلوية قرب النافورة، وجلسا متجاورين على المقاعد الحجرية، قدمت لهما الخادمة العصير بابتسامة ثم انسحبت بهدوء.

رفعت لوجين عينيها تتأمل المكان: المكان هنا جميل أوي

ابتسم وهو يرتشف من العصير: لو حابه نعمل الفرح هنا، معنديش مانع.

هزت رأسها بسرعة: لا لا المكان هناك أحلى، وصاحبتي عملت فرحها هناك وكان تحفه، بس قولي صحيح قولت لنالا موضوع جوازنا ولا لسه.

تنهد موضحا: لا لسه، اصل امبارح اا

لكن دخول مي ورشدي في تلك اللحظة قاطع حديثه.

رشدي بمزاح وهو يقترب: ياسو اتأخرت عليكم ولا إيه؟

هز رأسه نافيا بابتسامه، فمد رشدي يده معرفا: لوجين دي مشمشتي، ودي يا مي القطة الشيرازي.

ضحك ياسين معلقا: أنا مش عارف انتِ مستحملاه إزاي يا مي بجد.

أجابته مي وهي تضحك بخفة: تكفير ذنوب.

رفع رشدي حاجبه معلقا: أنا تكفير ذنوب!

ضحكت مؤكدة: آه طبعا.

رشدي بمزاح: كدة يا مشمش بتكسفينى قدامهم وتشمتيهم فياا.

تدخلت لوجين ضاحكه: ماتبس يا رشدي بقي، خليني اسلم على ميوش.

ثم ابتسمت بترحيب: إزيك يا مي؟ عاملة إيه؟ مبسوطة إني اتعرفت عليك.

مي بابتسامة رقيقة: أنا أكتر.

أشار ياسين بيده: طب اقعدوا واقفين ليه.

جلسوا جميعا حول الطاولة، فتساءل رشدي: اتفقتوا على حاجة؟

هزت لوجين رأسها: لا خالص، مستنيينكم.

نظرت مي بترقب: طب أنتِ عندِك فكرة معينة ولا لسه؟

لوجين بحماس: بصي أنا الصراحة كنت عايزة الفرح يبقى في مكان مفتوح وصباحي، وكلنا نلبس أبيض، والفستان يبقى بسيط جدا، والميكب والطرحة على نفس الستايل، والمزيكا تبقى هيب هوب وبوب، بس طبعا كل ده اكتشفت انه مستحيل.

ضحك رشدي وهو يشير بيده: وطبعا قولتي الكلام ده قدام فايزة هانم؟

تنهدت وهي تزم شفتيها: اممم حصل ورفضت، وأنا كنت متوقعة، علشان كده بقى، أنا وأنتِ يا مي نقعد ونشوف هنعمل إيه بالظبط، أنتِ بتحبي الأجواء المجنونة ولا الكلاسيك؟

مي برقه: أنا بحب الحاجة الكلاسيك.

اومات لوجين: ماشي، نعمل ميكس! شوية كلاسيك وشوية مودرن.

رشدي مستفسرا: طب كلمتوا منظم الحفله ولا لسه؟

ياسين موضحا: آه وجاي في الطريق.

لوجين بحماس: خلاص لما ييجي نقعد كلنا ونقرر سوا يا مي هنعمل ايه ونختار سوا كل شيء.

رشدي مازحا: وإحنا ضيوف شرف في الفرح ولا ايه؟

لوجين ضاحكه: تحضروا الفرح كفاية؟ إيه رأيكم تلبسوا بدل بيضا مش سودا؟

هز ياسين رأسه حاسما: لا يا لوجين ده فرح رسمي لازم سموكينج وبابيون، والشكل الملكي، لازم.

هزت رأسها موافقة: ماشي هعمل الفرح بالطريقة اللي أنتم بتحبوها، رغم إنه مش حلو إن فرحي يبقى مش بطريقتي بس توعدوني بفرح تاني بالطريقة اللي أنا عايزاها؟

ياسين بابتسامة هادئة: عيني.

التفت رشدي نحو مي متسائلا باهتمام: وأنتِ يا مشمش داخلة من غير حماس كدة ليه؟ مالك؟ مفيش شكل معين في دماغك؟

عدلت جلستها بخجل: بصراحة، أنا نفسي الفرح بتاعي يبدأ بانشوده هشام عباس وبعدها نرقص على خدني بين ايدك لحميد الشاعري، وبعدها شعبي ورقص، وفي الآخر يا سهر الليالي.

ساد صمت مليء بالدهشة. رفع رشدي حاجبه وهو يضحك بدهشة: إيه البساطه دى، أنتِ عايزة تجلطي فايزة هانم! ده فرح في أوتيل 7 نجوم، مش في قاعة اللؤلؤة، بس وعد هعملك اللي أنتِ عايزاه أنا مبيهمنيش.

اكتفت مي بابتسامة دافئة، وفي تلك اللحظة حضر منظم الحفل وجلس يتناقش معهم في العديد من الافكار لوقت طويل.

المهندس: صعب نقرر آخر قرار من غير ما نشوف القاعة.

لوجين بحماس: طب ما نروح نشوفها دلوقت؟

تدخل ياسين وهو ينظر لساعته: أنتِ ناسيه إن المهندس جاي كمان شويه علشان الديكورات.

زمت شفتيها وقالت: اه صح طب خلاص نخليها بكرة في نفس المعاد.

هز الرجل رأسه موافقا وغادر بهدوء، فالتفتت لوجين لمي بحماس: إيه رأيك يا مي بعد ما نخلص، نروح نعمل شوبينج؟ أنا عندي حاجات ناقصاني كتير.

مي بتوتر: علطول كده؟

لوجين بابتسامه: آه طبعا مفيش وقت، لو مش عاملة حسابك في الفلوس، أنا معايا متقلقيش.

لوحت بيدها: لأ مش قصدي، أنا معايا فلوس، بس السرعة…

أمسكت لوجين يدها بحماس: يا بنتي فاضل أسبوع!عارفة يعني إيه أسبوع؟ ولسه قدامنا حاجات كتير أوي، دى غير تنظيم الفرح اللى هيحتاج تعديلات كتير مع المنظم علشان يناسب الشكل الرسمي اللى العيله عايزاه، علشان أنا لو اتسابت لدماغي هتلاقوني جايبه لكم سعد الصغير هو وفرقته.

ياسين ضاحكا: لا سعد الصغير ايه، دى الهانم كانت تقتلنا.

تدخل رشدي بنبرة حاسمه: جيبي اللي أنتِ عايزاه يا لوجين، فكك من امك يا ياسين، مش هيمشونا على مزاجهم في فرحنا كمان؟! اعملوا اللى تحبوه حتي لو هتقلبوا الفرح حنة شيماء! براحتكم ده فرحكم أنتم، واللي مش عاجبه يمشي.

لوجين بهدوء: مش عيب نمشي على شوية قواعد، أنتم عيلة كبيرة وليكم احترامكم، وبعدين ممكن نعمل فرح تاني ونفرح بطريقتنا، ليه نزعل مامتك وباباك من أول يوم؟ وبعدين حتى لو هعمل الفرح بالطريقة اللي والدتك عايزاها، ده مش معناه إني مش هعمل اللي يريحني، أنا بختار اللى بحبه بس في الإطار اللي يريح الهانم، وسعد الصغير ممكن يبقى دي جي.

هز مي رأسها مؤيدة: بالظبط، وعلى فكرة حفلة الخطوبة بتاعتنا كانت تحفة، وكل أصحابي لحد دلوقتي بيتكلموا عنها، بصراحه ذوق فايزة هانم فوق الخيال، أنا عن نفسي ممكن أسيبها تختارلي كل حاجة، ومتأكدة إن النتيجة هتبقى مبهرة.

ايدتها لوجين بابتسامه: والله أنا كنت دايما أقول لياسين نفسي آخد كورسات على إيد والدتك من كتر الشياكة.

مي بحماس: طب ما ممكن نستعين بيها، إيه رأيك؟

لوجين بتأييد: أنا معاكي جدا.

نظر رشدي وياسين إليهما بصدمة ممزوجة بالضحك.

رشدي ساخرا: أنتم اتصاحبتوا؟! وده رأيكم في فايزة؟!

ياسين ضاحكا: أنا مش مصدوم أنا عارف رأي لوجين من زمان.

رشدي ضاحكا: أنا بقى لسه واخد الصدمه.

اثناء ذلك جاء مهندس الديكور، وجلس يعرض عليهم الكثير من التصميمات، وبعد ساعة من الاختيارات…

المهندس بعمليه: تمام من بكرة نبدأ، والاستلام بعد أسبوعين بالضبط.

تنهد رشدي بضيق: كتير.

لوجين بهدوء: ما تسيبه ياخد وقته، إحنا أصلا هنكون في الهاني مون.

مي بتوتر: بس الأفضل كل حاجة تبقى جاهزة قبل السفر، علشان لو في حاجة عايزين نغيرها.

هزت لوجين رأسها موافقه، ثم نظرت للمهندس: طب حاول يا باشمهندس تخلص على يوم الأربع، يعني علي الأقل يبقي 80% من الشغل جاهز نشوفه، علشان نقدر نقول رأينا ولو فيه حاجه كده ولا كده نظبطها بسهولة.

هز المهندس رأسه بأسف: صعب جدا.

ياسين بعملية صارمة: مفيش حاجة صعبة، شغل كذا وردية، دي دهانات وديكور، مش برج!

هز المهندس رأسه مستسلما: حاضر بعد إذنكم.

نهضت لوجين بحماس: يلا احنا بقى يا ميشو، نروح نشوف اللي ورانا علشان نلحق.

نهض ياسين متسائلا: طب هنروح في عربية واحدة ولا كل كابل يجوا في عربيه؟

التفتت له لوجين وأشارت بيدها بحزم لطيف: وانت مين قالك أصلا إنك جاي معانا؟

علق رشدي متعجبا: يعني إيه الكلام ده؟

ضحكت مي بخفة ساخرة: يعني هنروح لوحدنا، تيجوا معانا ليه؟ ده لبس بنات!

رشدي بحدة مصطنعة: لبس بنات إيه؟! لأ أنا فيها يخفيها!

تنهدت مي وهي تربت على ذراعه: انت هتقعد مع أخوك واتكلموا في أي حاجة، عقبال ما نرجع، يلا يا جوجو.

لوجين بحماس: يلا يا ميشو

وضعت الفتاتان ذراعيهما في بعض، وخرجتا بخفة ومرح، وهما تضحكان كأنهما ذاهبتان لأحدي المغامرات الممتعه.

أما ياسين ورشدي فبقيا واقفين مكانهما، ينظران نحو الباب بدهشة

مد رشدي يده على كتف ياسين، وهو يومئ براسه بإحباط ومزاح: إحنا اتحلقلنا لنا يا ياسوو، انت خطيبتك عندها فرط حركة، وأنا مراتي هادية وكيوته مش قدها.

رفع ياسين حاجبيه مازحا: هي مش كانت قطة شيرازي؟ خلاص هتخلي القطة بتاعتك السيامي شيرازي زيها.

ضحك رشدي عاليا: المهم متقلبش بلدي في الآخر.

ضحكا الاثنين معا ثم جلسا مره اخرى.

انحنى ياسين للأمام قليلا، وتساءل بجدية: بقولك إيه صحيح قولت لمي على حوار الكوك؟

زفر رشدي بعمق: لسه، ومش عارف أقولها.

ثم اضاف بحماس زائف: بس أنا بحاول أبطل، وبقيت باخد جرعة واحدة بس بالليل.

هز ياسين رأسه بقلق صريح: مش هتعرف لوحدك يا رشدي، لازم تقولها قبل ما تتجوز، انتم هتبقوا في اوضه واحده ممكن تشوف القرف ده.

هز رشدي رأسه سريعا: لا أنا مخبيه في مكان سري.

نظر له ياسين بدهشة غاضبة: اسمع الكلام، اللي انت بتعمله ده غلط، أنا خايف عليك.

لوح رشدي بيده مطمئنا: متقلقش.

صمت ياسين لحظة، ثم رفع رأسه بابتسامة خفيفة: بقولك إيه، إيه رأيك نخرج كلنا مع بعض في يوم، ونقول لسليم وماسة يجوا.

رشدي بتوتر: ماسة؟!

هز ياسين رأسه إيجابا: أممم، انت وماسة علاقتكم كويسه، يعني مش زي الباقي، مش بحس إن في بينكم عداوة.

نظر له بارتباك، ثم أشاح بعينه بعيدا وهو يهز رأسه بصمت وشرود.

فيلا عائلة ماسة،6:00مساء

دخلت السيارة ونزلت سعدية، طرقت الباب ففتحت لها إحدى الخادمات.

الخادمة بابتسامة خفيفة: حمد لله على سلامتك يا ست هانم.

سعدية وهي تفك الحجاب: الله يسلمك، الحاج فين؟!

الخادمة: في اللفينج.

تحركت بخطوات مترنحة، فما عرفته قبل قليل أثقل قلبها بشدة.

غرفة المعيشة.

كان لا يزال مجاهد جالسا في انتظارها، وما إن رأها حتى اقترب مسرعا وهو يتساءل بقلق: قالتلك إيه يا سعدية؟ طمنيني.

وضعت يدها على فمه، وقالت بخفوت: هشش مينفعش نتكلم هنا الحيطان ليها ودان، تعالى نتطلع الأوضة فوق نتكلم براحتنا.

صعدوا الدرج ببطىء، حتى دخلوا غرفة النوم، فأغلقت الباب خلفهم جيدا.

غرفة النوم.

جلس على الأريكة، وتساءل بتوتر: ادينا طلعنا اهو طمنيني بقي يا سعدية، قالتلك ايه.

جلست بجانبه، وهمست بصوت منخفض: الكلام طلع أصعب بكتير من اللي قالته سلوى يا مجاهد.

اتسعت عينا مجاهد بصدمة، ورمش بخوف وهو يبتلع ريقه: يعني فعلا إخوات سليم مهددين ماسة بالعيال؟

هزت رأسها بحزن، وتابعت وهي تحاول كتم دموعها: مش العيال بس وإحنا كمان، البت شايلة في قلبها كتير.

ابتلع غصته، وقال بتوتر: طب هنعمل إيه؟!

هزت رأسها بقلة حيلة: معرفش، بس هي قالتلي اصبري ياماما، وطول ما إحنا ساكتين وهي ساكتة، إحنا في أمان.

انتفض بغضب، وضغط على حواف الكرسي بيديه باعتراض وخوف: أمان يا وليه! هما دول ليهم كلمه ولا يتآمنلهم؟ دول ميعرفوش ربنا! وممكن في أي وقت يغيروا الاتفاق ويقتلوا البت، أو يقتلونا.

سعدية بتوتر: يعني إيه يا مجاهد؟

تنهد ببطء، وقال موضحا بقلق: يعني ممكن يخافوا إن ماسة تحكي لسليم، فيهددوها تاني أو حتي يفكروا يقتلوها علشان يضمنوا سكوتها…
أضاف بقلق وتوتر: قبل كده البت كانت بعيدة عن إيديهم، لكن دلوقتي بتروح وتيجي لوحدها، من غير حراسة، وده يخوف !

تجمد وجهه، وقال بحزم: سليم لازم يعرف، هو قادر يحميها منهم، وأنا متأكده إن تهديدهم ليها دى خوف منه، ودليل على كدبهم اللى خايفين انه يتكشف.

اغرورقت عينا سعدية بالدموع، وأومأت برأسها بخوف: أنا قولتلها تحكيله، بس هي مرعوبه، بس عندك حق هم كانوا سايبينها عشان بعيدة عن إيديهم، لكن دلوقتي لأ؟

اومأ بحزم: جوزها لازم يعرف ولو مقالتلوش هقوله أنا، أنا مش مستغني عنها ولا عن أخواتها ولا هسيبهم عايشين مهددين كده واقعد ساكت.

وضعك يديها على قلبها، وقالت بدموع تهبط من عينيها: بقولك مرعوبه يا مجاهد، يالهوي لو تشوف شكلها تصعب عليك، كانت مرعوبه اووى وخافت لما عرفت إن سلوى قالتلنا.

كان ينظر إليها بتاثر شديد، والدموع تلمع في عينيه على ما تعانيه ابنته.

مسحت دموعها، ورفعت إصبعها بتحذير شديد: بقولك ايه مش عايزة مخلوق يعرف اللي حصل ده غيرنا حتى يوسف وعمار، وانا هنبه على سلوي تقفل بوقها خالص، هي قالتلي اصبري وخلاص ناوية تقوله، بس مستنية تعرف تقوله إزاي.

تنفس بعمق، ومسح بيده تمسح وجهه باختناق وقلة حيلة: لا حول ولا قوة إلا بالله، كان مستخبيلك فين كل دى يا بنتي، ربنا يبعد عنك شرهم ويحفظك من أذاهم يارب، ادعي لها يا سعدية..

هزت رأسها بقلة حيلة ودموع: بدعي لها والله، ربنا ينتقم منهم ويحرق قلبهم زى ما واجعين قلبنا عليها.

مسحت دموعها وتابعت بحده وهي تشير بيدها بغضب: ومقصوفة الرقبه اللى اسمها سلوي تشد عيلها علشان ادلعت زياده لحد ما عيارها فلت، ولازم تحط معاها حد في موضوع اللى اسمه طارق دي.

نظر لها، وقال بهدوء: الجواز مش بالعافية يا سعديه، وهي واضح إن ملهاش غرض في طارق.

زمت شفتيها بتهكم: ما انا عارفة، بس مش هتفضل رايحة جاية معاه كده، البت سمعه وإحنا معندناش الكلام ده، هي عيشتنا هنا هتنسيك أصلك ولا ايه يا راجل.

تنهد قائلا: المهم خلينا في ماسة دلوقتي، ربنا بنصرها على العقارب اللي عايشة معاهم.

رفعت رأسها داعيه: يارب يا مجاهد يارب.

على اتجاه آخر في غرفة سلوى.

كانت جالسة على الفراش، وعيناها ممتلئتان بالخوف والقلق، أغمضت عينيها للحظة تحاول السيطرة علي قلقاها، لكنها شعرت بالعجز عن السيطرة عليه أمام احتمالات الخطر التي قد تحل بماسة وعائلتها، عقلها لم يتوقف لحظه، ظل يتخيل جميع السيناريوهات المحتمله، مما جعل قلبها يرتجف داخل أضلعها.

حاولت أن تهدأ، لكنها لم تستطع، وفجأة شعرت بوخز في قلبها، وحنين غريب يشدها.

تذكرت مكي، وشعرت بأنها تفتقده، وأنها بحاجة إلى الحديث معه، وسماع صوته، فتحت درج الكمودينو، وأخرجت صورته، وعيناها تلمعان بالدموع، أمسكت الصورة بين يديها، وظلت تتأملها بحزن عميق، ودموعها تنهمر بصمت على وجنتيها، كأنها تحاول أن تزرع فيه شعور حضورها رغم بعده.

سيارة لوجين، 6:00 مساءً

كانت لوجين تقود السيارة بسرعة خفيفة، ومي تجلس بجانبها تضم حقيبتها إلى صدرها بخجل لطيف.

تساءلت لوجين: بقولك في محلات معينة بتروحيها؟ ولا أي حاجة وخلاص؟

مي بهدوء: عادي أي حاجة، بس إحنا هنجيب إيه أصلا؟

لوجين بحماس: كل حاجه؛ لبس خروج، نوم، بيت، ولانچيري! أنا معنديش أي حاجة، أصل أنا مش من الناس اللي اتعملها جهاز والجو ده.

عضت مي شفتها بخجل: ولا أنا، مفكرتش في الحاجات دي خالص، ماما متوفية فمكانش عندي حد يقولي أجيب إيه، وصحابي عمرهم ماتكلموا معايا في الحاجات دي.

ربتت لوجين على يدها بحنان: يا روحي متخافيش إحنا مع بعض هنجيب كل حاجة سوا.

وبالفعل قادتها إلى أحد المولات الشهيرة، وأخذا يتنقلان من محل إلى آخر، كانت لوجين تتحرك بطاقة خارقة، تبدي رأيها في كل قطعة، تضحك وتجر مي جرا من مكان إلى آخر، وبرغم أنهما تعارفتا منذ ساعات قليلة، فإنهما تعلقتا ببعضهما بسرعة، ولم يتوقف الضحك بينهما.

الأسكندرية، 6:00 مساءً

منزل عائلة مصطفى

كانت نبيلة وعائشة تتحركان بخفة بين الأطباق، وترتبان الطعام على السفرة، وبعد الانتهاء نادت عائشة: إيهاب! مصطفى! يلا الأكل على جهز!

جلست نبيلة، ثم تبعتها عائشة التي بدأت تتناول الطعام دون انتظار أحد، وبعد لحظات، خرج مصطفى من الغرفة وبجواره إيهاب، واتجها للجلوس في أماكنهما، وبدأوا جميعا في تناول الطعام.

رفع مصطفى نظره نحو والدته: بقولك إيه يا أمي، أنا بكرة نازل القاهرة، ابقي ابعتي معايا شوية حاجات كده نخفف علينا.

هزت نبيلة رأسها موافقة، وهي تقطع قطعة خبز: ماشي.

نظرت عائشة له وهي تمضغ الطعام: يعني خلاص؟ آخر الشهر هنرجع القاهرة وهترحم من مشوار السفر دى؟

هز راسه وهو يتناول ما في المعلقه: أن شاء الله مادام إيهاب خلص ورقه إيه اللى يخلينا نستني.

تنهدت نبيلة، وأسندت ظهرها للمقعد بحزن: والله الواحد أخد على هنا، كفاية إني بفتح الشباك ألاقي البحر قصادي.

ضحك إيهاب بخفة: أول ما شوشو تخلص نبقي نرجع، مديري قالي وقت ما تحب ترجع الفرع تعالي.

نظرت عائشة لهما معتذرة: معلش بقى، عملتلكم ازمه، كلها سنتين ونرتاح.

ربت مصطفى على يدها بحنان: متقوليش كده يا شوشو.

نظرت نبيله لمصطفى وتساءلت: بقولك إيه يا مصطفى متعرفش حاجة عن ماسة؟

رفع حاجباه بدهشة من السؤال المفاجئ، وقبل أن ينطق قاطعه تعليق إيهاب متعجبا: وأنتِ بتسألي عن ماسة ليه بس؟ ومن امتى؟!

رفعت يدها كأنها تبرر: فيها إيه يعني؟ مش كانت عشرة ست شهور، وأكلت معانا عيش وملح!

إيهاب بتهكم: بس ده مكانش كلامك وقتها واخدتي موقف معاها مش لطيف، أنتِ وعائشة.

ارتبكت نبيلة، وقالت بدفاع: كنت خايفة عليكم، وبعدين المفروض تكون احسن مننا وتطمنا عليها، لكن طلعت قليلة الأصل وأول ما رجعت لجوزها نسيتنا.

قاطعها مصطفى بلوم: انتِ بعدتي عنها أنتِ وشوشو، وانتم عارفين إن ملهاش حد غيرنا، وطبيعي تزعل منكم.

ثم تنهد وهو يتابع تناول طعامه: وعلى العموم هي مش قلة أصل منها بس كانت فاقدة الذاكرة ولسه راجعلها من كام يوم بس.

اتسعت أعين نبيلة وعائشة في نفس اللحظة، بينما إيهاب ظل ثابتا لأن الأمر لم يكن جديدا عليه.

عائشة بصدمه: يا خبر!! أنت بتتكلم بجد؟ عرفت منين؟

أجابها موضحا بهدوء: سليم كلمني وروحتله علشان أعالجها من الصدمة، وافتكرت.

نبيلة بعدم فهم: لا فهمنا براحه! ايه اللي حصل؟

بدأ يروي لهم ما حدث، لكنه أخفى الجزء المتعلق بإطلاق النار والمشاجرة بينه وبين سليم، اكتفى فقط بشرح فقدان الذاكرة، وبعض التفاصيل العامة.

هزت نبيلة رأسها بصدمة: لا حول ولا قوة إلا بالله، هتلاقيها منين ولا منين بس؟! دي بتخرج من حاحة تدخل في حاجة.

إيهاب بهدوء: بس الحمدلله افتكرت.

زفرت نبيلة بضيق، ونظرت لمصطفي بلوم: مقولتليش ليه وقتها يا مصطفي، كنا زورناها يا ابني.

هز رأسه قائلا: عادي مكانش في داعي.

تساءلت مره أخري: معاك رقمها؟ نتصل بيها نطمن؟

هز رأسه نافيا بصمت، فتمتت عائشه بتساؤل: علشان كده اختفت، ولما ظهرت في صور خطوبة رشدي كانت بتضحك عادي!!

هو رأسه إيجابا بصمت، فتابعت بضيق من نفسها: الصراحه انا استندلت معاها جامد بس والله كنت بمتحن

إيهاب بهدوء: خلاص ملوش لازمه الكلام دى، المهم انها دلوقتي كويسة.

تبادلات جميع النظرات بصمت واكملوا تناول طعامهم

فيلا سليم وماسة، 7:00 مساءً

غرفة ماسة

كانت الغرفة غارقة في سكون ناعم، لا يقطعه إلا صوت أنفاس ماسة وهي تؤدي صلاتها بخشوع، وتدعو الله أن يرشدها إلى الطريق الصحيح.

وفي تلك اللحظة، انفتح الباب المشترك ودخل سليم وهو يقول: بقول لك إيه، ما تيجي نرو..

لكن صوته انكسر فجأة وهو يراها تصلي، فهو يعلم أنها في أيام عادتها الشهرية كما قالت؟! تحرك بخطوات بطيئة وجلس على الأريكة خلفها، مراقبا بصمت.

انتهت من صلاتها، وخلعت الإسدال، ثم التفتت إليه بابتسامة دافئة: نروح فين؟

رفع حاجبه باستغراب لم يستطع إخفاؤه: أنتِ بتصلي إزاي؟

طوت سجادة الصلاة ببطء، ونظرت له باستغراب مماثل: يعني إيه بصلي إزاي؟

وقف أمامها، مشيرا إليها بتساؤل: مش أنتِ من يومين قولتي تعبانة تعب بنات؟

ضحكت وقالت موضحه: اه اسكت يا سليم مطلعتش هي، اصل نفس الوجع بالظبط، وبقالي كام يوم كده مش عارفة في إيه.

اقترب منها خطوة، ومسح على يدها بحنا: طب مانروح للدكتورة؟ وتشوف عندك ايه، انت من شويه برضو كنت دايخه ووشك مصفر خالص.

هزت رأسها بثقة: مش مستاهلة دكتورة، أنا قولت لماما وقالتلي عادي، ممكن تكون محبوسه من التوتر اللى كان بينا بس.

هز رأسه بتفهم، لكن عينيه ضاقتا فجأة، ومال نحوها قائلا بنبرة: قولي بقى انك مش عايزة تروحي للدكتور، علشان منكتشفش إنك ولا تعبانه ولا حاجة، وإنك كنتي بتمثلي عشان انام جنبك واخدك في حضني؟ وقولتلي كدة عشان كبرياءك كأنثى مش هيسمح تقولي غير كدة؟

عضت شفتها بضيق طفولي، واقتربت منه تهمس بمكر وغيظ دفين: علطول فاهمني كده يا كراميل، قرب كده أما اقولك.

رفع حاجبه بتوجس، وتراجع خطوة: عايزة إيه؟

اقتربت منه أكثر، وقالت بصوت منخفض: قرب بس..

وفجأة أمسكت ذراعه وعضته عضة قوية، فقفز للخلف يصرخ وهو يسحب ذارعها منها: أنتِ اتجننتي يا ماسة! فيه ايه؟ كل شوية تعضيني؟! ايه يا ماما يتسننى؟ أجبلك عضاضة؟

وقفت تشير له بإصبعها بغضب مضحك: كل ما تستخف دمك عليا هعمل كده! بطل تستفزني.

مسح كفه مكان العضة، وقال باستفزاز: والله بعد العضة دي، أنا اتأكدت إني صح!

تحدثت من بين أسنانها بوعيد طفولي: متستفزنيش، هعضك تاني.

ضحك متحديا: ولا تقدري.

رفعت ذقنها: طب تعالى هنا.

هرب فركضت خلفه وهي تصرخ: تعالى هنا يا جبان! متجريش زي العيال!

أجابها ضاحكا: أنا عيال ملكيش دعوة!

خطفت مخدة ورمتها عليه، فرد بمخدة أخرى، ثم اشتعلت الغرفة بضحكات عالية وضربات خفيفة، كأنهما طفلان في منافسة صاخبة.

لكن ماسة توقفت فجأة، وضعت يدها على صدرها، وجلست على الأريكة تلهث: خلاص مش قادرة أجري والله تعبتني.

اقترب وهو يضع يديه على وسطه ساخرا: العظمة كبرت ولا إيه؟

ضحكت بصعوبة: والله فرهدت، بس مقولتش كنت جاي عايز ايه؟

جلس أمامها قائلا بابتسامه: كنت هقولك ننزل نقعد في الجنينة، ونشغل فيلم على الشاشة السينما، ونعمل فشار ونقضي سهرة حلوة، أو نلعب أي لعبة من اللي بتحبيها، أو حتى نروح الملاهي.

رفعت يدها باعتراض بلطف: لا ملاهي ايه مش قادرة أخرج، خليهم يطلعوا الشاشة بره ونعمل قعدة حلوة وفشار وحلويات كده.

هز رأسه موافقا: اتفقنا، أنا هروح أحضر وانتِ غيري هدومك وتعالي، وتقلي علشان الجو تحت برد.

هزت راسها إيجابا، فخرج سليم بعد ان وضع قبلة على عينها بحنان ولطف.
💕______________بقلمي_ليلةعادل
محل الانجيري، 7:00 مساءً

دخلت لوجين المحل بخفة وحماس، بينما وقفت مي عند الباب، مصدومة تخبي وجهها بطرحتها.

التفت اليها لوجين وأشارت بحماس: يلا خشي واقفه عندك ليه.

اومأت بخجل وتحركت بخطوات بطئيه

تجولت لوجين بين الأطقم الجريئة والعادية والبيبي دول، متحمسة ومتحررة، بينما مي كانت خجولة، لا تستطيع الاختيار، وكل ما تختار شيء، تنظرت لها لوجين باعترض معلقه بمزاح: ده بتاع تيتا ده متختاريش تاني..

نظرت اليها مي بخجل: أصل اللي بتختاريهم كلهم قللات الأدب أوي.

ضحكت لوجين بصوت عالي ورفعت طقما جريئا أمام مي وقالت: ده هيكون تحفه عليكي، متعرفيش رشدي بيحب ألوان إيه؟

انكمشت على نفسها، وقالت بخجل: معرفش وبعدين أنا مش هاخد ولا واحد من اللي انت مختارهم دول؛ مستحيل أقعد قدام رشدي كده.

ضحكت بصوت أعلى، وقالت بمهاوده: ماشي

صمتت للحظه ثم قالت: بصي عموما أغلب الرجالة بيحبوا الأحمر والأسود والأبيض، تعالي

وبالفعل تجولوا في المحل، واختارت لوجين لمي أكثر من طقم لانجري بألوان مختلفة، وأجبرتها على قياسها، كانت ميّ تشعر بإحراج شديد، لكنها استسلمت في النهاية للوجين، التي كانت مسيطرة على الموقف، تختار وتضحك بحماس، كما اختارت لنفسها أيضا بعض الأطقم وقامت بقياسها، وبعد فترة…

لوجين بحماس: بقول لك، إحنا مش هنقيس تاني، إحنا خلاص عرفنا مقاساتنا.

مي بخجل: يا ريت.

لوجين بابتسامة: تعالي نختار الطقم بتاع يوم الفرح بقي.

تحركت لوجين في المحل، ونظرت مي تتبعها بخجل، وفجأة رن هاتفها وظهر اسم رشدي على الشاشة.

مي بحماس: أيوه يا رشدي؟

اتاها صوته المازح من الجانب الآخر: لوجين اكلتك ولا لسه؟

ضحكت وقالت بدفاع: دي عسولة خالص بجد! معرفتنش عليها من زمان ليه؟

ضحك موضحا: ما انت عارف انهم لسه مرتبطين، مكملوش أسبوع.

ابتسمت بخفة: بس ما شاء الله عليها حبيتها.

سألها بفضول: طب انتم فين دلوقت؟ هنتقابل تاني ولا إيه؟

اومات براسها: بنجيب لبس..

أغلظ صوته بحماس مازحا: طب اتصوري وفرجيني علشان لو فيه حاجه ضيقه ولا مجسمه تغيريها، أنا راجل بغير.

ضحكت قائله: تشوف إيه؟ مش هينفع!

تساءل مستنكرا: ومش ينفع ليه بقي!؟

مي بخجل: علشان بنشتري لبس بنات.

ضيق عينه بتعجب: ما هو أكيد هتشتروا لبس بنات، اومال هتجيبوا لبس رجالة يا مي!

مي بتوضيح خجول: يا بني افهم لبس بنات، يعني للبنت بس.

رشدي بعدم فهم: يعني إيه؟ هو في لبس للبنت بس؟

مي بخجل: أه.

صمتت لحظة، ثم ارتسمت ابتسامة واسعة على وجهه فهمها: ااه، قصدك قمصان نوم، طب ما تقولي بجيب قمصان نوم.

صرخت فيه بخجل: احترم نفسك يا رشدي!

ضحك عاليا، وقال بخبث: خلاص يا محمود، بس كتري من الأسود والأحمر والأصفر علشان بحبهم.

اشتد خجلها حتى احمرت وجنتيها، وقالت بتلعثم: انت قليل الأدب وأنا غلطانه إني بكلمك.

ضحك عاليا، ثم قال بجدية وهو يحاول تمالك ضحكته: طب خلاص سكت اهو، بس كنت عايز اقابلك بعد ما تخلصي ونتعشى سوا، عايزك في موضوع مهم.

زمت شفتيها: مش هينفع أتأخر يا رشدي.

رشدي باستغراب: تتأخري إيه؟ الساعة لسه 7 ونص.

مي بتوضيح: لسه مخلصناش ولسه هنتعشى أنا ولوجين وهتوصلني، واتفقنا بكرة هنروح القاعة الساعة 12 وبعدها نكمل، أنا اكتشفت إنه ناقصاني حاجات كتير أوي.

رشدي بترجي وتمثيل: والله!! اليوم كله بكرة للوجين!! طب اديني ساعة لله؟

ثم أضاف بجديه مرتبكه: اسمعي بكرة لازم نقعد مع بعض علشان في حاجة مهمة لازم نتكلم فيها، ومش عايز اسمع اى اعتراض.

مي بابتسامة صغيرة: إن شاء الله.

وقبل ما يغلق، قال بصوته الغليظ بمزاحه المعتاد: ومتنسيش تكتري من الأحمر.

اتسعت عينيها وقالت بشدة: احترم نفسك بقولك، باي.

ضحك قائلا: طب لما تخلصي كلمينى، باي.

أغلقت الهاتف بخجل شديد، بينما انفجرت لوجين ضاحكة، بعد أن كانت تراقب المشهد من بعيد باستمتاع شديد

اقتربت منها، وفي يدها طقمين: الأول أبيض، قصير مع الروب الخاص به، والثاني كشميري ناعم يبدو جذابا.

رفعت القطعتين أمام مي، وعيناها تلمعان بالحماس: بصي أنا عاجبني الكشميري موت حاسة إنه مختلف ومش تقليدي، بس الأبيض ده هيبقى تحفة عليك.

وضعت هاتفها في حقيبتها، وشدت الكم بيديها بخجل: بس شكله عريان اوي يا لوجين.

نظرت للقميص الذي بين يديها، وضحكت باستنكار: عريان إيه يا مي؟ ده فوق الركبه يا بنتي! هو أه أول يوم مينفعش تبقي لابسة حاجة عريان اوي، بس برضو يعني أكيد مش هتلبسي أسدال يعني؟! فالشكل ده افضل إختيار.

هزت مي رأسها بخجل: لا، دوري على حاجة أطول، أنا بتكسف.

هزت لوجين رأسها بقلة حيله من خجلها المفرط: حاجه أطول!؟ الله يكون في عونك يا رشدي، تعالي يا مي ندور.

تحركا معا نحو ركن آخر، وبدأوا يتفقدون العديد من القطع، كانت مي ترفض قطعة تلو الأخرى، لا قصيرة، لا عريان، وهكذا

أما لوجين فكانت مبتسمة، صابرة، تعلم أن في النهايه ستقتنع مي بالطقم الذي اختارته لها منذ البداية، وبعد محاولات عديدة، عادت مي إلى الطقم الذي وقع اختيار لوجين عليه في البداية بتردد وخجل.

فضحك لوجين عاليا، ورفعت حاجبها بانتصار: ما كان من الأول.

فاخفضت مي عينيها بخجل: خلاص بقي يا لوجين.

قهقهت لوجين وقالت وهي تدلك ساقها المتعبة: بقولك إيه؟ أنا تعبت ورجلي وجعتني، كفايه كده النهارده ونكمل بكره.

اومأت موافقه: ماشي أنا كمان فرهدت.

تقدمتا نحو الكاشير، ولوجين أشارت للمشتريات الكثيرة، وقالت بلطف: لو سمحتي، عايزين كل حاجة في كيس لوحدها، وياريت حد ينزلهم معانا العربية تحت.

ابتسمت العاملة باحتراف: تحت أمرك يا فندم.

فيلا سليم وماسة، 8:00 مساءً.

الحديقة المطلة على النيل

جلس سليم أمام صفحة النيل، يحدق في مياهه الساكنة بشرود، فقد مضي يومين من هذا الأسبوع، وكل ما حدث بينه وبين ماسة من تقارب وحب كان يوحي له بأن فوزه بات محسوما عند نهايته، ورغم ذلك لم يتذوق طعم الراحة؛ إذ ظل شيء ما في قلبه يضغط عليه بلا هوادة ويعكر عليه شعور الانتصار القريب.

كان الحراس خلفه قد انتهوا من تجهيز شاشة العرض، وإعداد المكان، وإشعال القناديل وتنسيقها بعناية.

قاطع شروده صوت خطوات كفيلة بأن ترسم على شفتيه ابتسامة قبل أن يسمع صوتها.

اقتربت وهي تحمل كوبين من الشوكولاتة الساخنة، وعلى وجهها ابتسامة رقيقة: عملتلك هوت شوكليت معايا.

جلست بجانبه، وقدمت له الكوب، فأمسكه واخذ منه رشفة صغيرة، ثم مال نحوها قليلا وهو يقول بصوت دافئ: تسلم إيدك يا حبيبتي.

رفعت حاجبيها وتساءلت بتعجب: هو أنت ليه بطلت تقولي عشقي؟

ضحك وهو يحرك الكوب بين يديه: انتِ اللي قولتي بتحبي كلمة حبيبتي أكتر من عشقي.

مالت عليه وقالت بنعومه: قول حبيبتي كده.

ابتسم قائلا بدفئ: حبيبتي.

ارتسمت ابتسامه واسعه على وجهها، وهي تقول بنبره اكثر رقه: قول عشقي بقي.

زادت ابتسامته وقال بنبره اكثر دفئا: عشقي.

ابتسمت وهي تقول بحيرة: الاثنين حلوين، بص انت تقول دي شوية ودي شوية.

ابتسم وهو يؤمن براسه: بس كده؟ أوامرك يا فندم.

تنهدت، قائلة بجديه ورقة: كراميل، أنا كنت عايزة منك حاجتين، ممكن؟!

اومأ لها قائلا بمزاح: خير!؟ أنا مش مطمن للرقة دى.

ضحكت بخفوت وقالت: ظالمني والله أنا علطول رقيقة.

هز رأسه ساخرا: آه ما أنا عارف، والعضه اللى لسه معلمه في ايدي تشهد.

قهقت عاليا وقالت: تستاهل أنت اللى بتستفزني.

ثم عدلت جلستها في زاويته وهي تقول بجديه: أول حاجه كنت عايزه أسألك معاك رقم عائشة؟

ضيق حاجبيه متسائلا باستغراب: عائشة مين؟!

ماسه بتوضيح: عائشة، أخت مصطفى.

هز راسه بفهم: اااه، لأ معايا رقم مصطفى ومحمد بس، هيبقى معايا رقم عائشة ليه؟

زمت شفتيها وهي تاخذ رشقه من الكوب: طب أنا عايزة رقم عائشة؟ كلم مصطفى وهاتلي الرقم منه.

نظر لها باستغراب: عايزاه ليه؟

ابتسمت بدفئ وقالت موضحه: وحشتني، وعايزة أطمن عليها وعلي ماما نبيلة، واضبط معاها ونتقابل وهي في كليتها هنا.

حرك شفتيه باستغراب خفيف: ما أنا قولتلك تعالي نروح وأنتِ قولتيلي لأ، أنا زعلانة منهم.

اومات براسها بعينين بهما وهج حزين وقالت موضحه بتأثر: أنا بس زعلت إنها بعدت عني هي وعائشة، كنت فاهمه خوفهم فأنهم يبعدوني عن مصطفى وايهاب بس ليه هم كمان بعدوا عني وهم عارفين اني مليش غيرهم..!؟

ثم مدت وجهها بشوق، وعينين تلمع بالدموع وقالت بطيبه: بس والله وحشوني ومش هينفع أنسى كل الحلو وافتكر النقطة السودة بس زي ما الدكتور قال.

ابتسم بضعف وعينين تملع بالتاثر من حديثها، فاضافت وهي تقول بمزاح: فاكر اختبار الورقة البيضا؟

ضحك وهز رأسه: أيوه، بتاع الورقة اللي فيها نقطة سودة.

ضحكت من قلبها وهي تقول معلقه: يا نهار أبيض عليك، كل اما افتكر والدكتور بيعملك الاختبار ويقولك، شايف ايه تقوله ورقة بيضا وفيها نقطة سواد

ابتسم بانتصار: بس هو قالي إني كده بشوف الصورة الكاملة، مش بركز في جزئيه معينه، حاجة حلوة يعني، مش زيك سبت الورقه كلها وركزت في النقطه السودا.

ضحكت معلقه بعند: ما أنت كمان شوفت النقطه السوده.

رد عليها ضاحكا بعند اكبر: بس شوفت الابيض معاها لكن انتِ ما نتچتيه.

ضحكت بصوت عالي من قلبها، وقالت باعتراض ناعم: لا معلش انا اول مرتين قولت الورقه فيها نقطه سوداء، لكن لما قالي ركزي في التالته قولتله ورقه بيضاء فيها نقطه سودا.

ضحك من قلبه، وقال من بين ضحكاته: عموما احنا هنتعلم سوا نشوف الابيض.

ضحكت وهي تقول: اتفقنا.

اخذت أنفاسها من بين ضحكتها، وهي تضع يديها على قلبها، وقالت بهدوء: المهم دى كانت أول حاجه عايزاها.

ضيق عينيه بتساؤل: والتانيه؟

مدت شفتيها لأمام، كطفله تريد أن تطلب شيئا من والدها وتعرف انه سيرفض، وأضافت بنبره متوجسه: ثاني حاجه وبليز يا سالوملوم، متتعصبش وخليك لطيف ورايق، احنا بنتناقش، إحنا ناس كبيره وعاقلين.

ضحك وهو يضع الماج على الطاولة: خيييير أنا هادى ورايق اهو.

نظرت اليه وقالت بترقب ممزوجا بالتوتر: أنا عايزة رقم مصطفى كمان.

قالت كلماتها تلك واغمضت عينيها نصف غمضه، تنتظر ردت فعله العاصفه.

عقد حاجبيه وقال بنبرة جامده لكنها هادئه: وعايزه رقم مصطفي ليه ان شاء الله؟!

ابتلعت ريقها وحاولت التوضيح بترقب: عايزة اكلمه يعتي علشان افهم منه ليه عمل كده واعاتبه.

اتسعت عيناه بغضب، واشتدت الغيرة في قلبه، لدرجه جمدت ملامحه.

فمالت عليه وامسكت يديه وحاولت تهدئته بنظرتها الرقيقه: قبل ما تعترض وتعلي صوتك، افتكر إن الراجل ده أنقذ حياتي 3 مرات، وكان شهم معايا في الوقت اللي انا كنت فيه لوحدى في الشارع ومحتاجه حد يقف جنبي.

رد عليها بنبره حاده حاسمه لكنها هادئه: مقولتش حاجه، وشايله جميلته لحد دلوقتي بدليل أن سبته عايش بعد ما رفع سلاح في بيتي وضرب نار على أخويا، لكن كمان عايزاني أدي لمراتي رقم راجل غريب وتتكلموا، ليه حد قالك عليا إني أريال؟!

ابتسمت بخفه: ممكن تبقى برسيل.

زمجر بغضب: بلاش سخافة يا ماسة دى مش وقت هزار.

مالت عليه بخفه وهي تضحك، وقرصت خده بمداعبة: اومال اعمل ايه، وحياتي متكشرش وخلينا حلوين مع بعض.

تنهد، ثم تمتم بضيق ممزوج بحسم رجولي: تمام قابلي عائشه زي ما انت عايزه، وهوديكي إسكندرية تشوفي ماما نبيلة كمان، لكن مصطفى لا انسي، مصطفى ده اخره لو وقع في مشكلة، او احتاج حاجه هقف جنبه ردا للجميل غير كده لا، اما بالنسبه لعمل ليه كده يومها مش مهم، موضوع وانتهى.

تنهدت باستسلام: ماشي، طب يلا كلمه، وهات رقم عائشة.

نظر لها بتعجب: دلوقتي؟

هزت راسها وهى تضعت على يده برجاء: أيوه دلوقتي، ايه اللي يخليك تتصل وقت تاني؟ هي هي، يلا!

زفر ببطىء، وكان وجهه متجهما، بينما ماسة تنظر له بابتسامة تحاول تهدئته، ربتت على صدره بمهاودة: معلش يلا بقى علشان، نتفرج على الفيلم.

تنهد وأمسك هاتفه وقام بالاتصال، وانتظر الرد

علي اتجاه آخر، في منزل مصطفى

كان مصطفى جالسا على الفراش يقرا كتابا علميا بتركيز وهاتفه بجانبه، وبعد قليل تعالي رنين هاتفه، القي عليه نظره جانبيه من طرف عينه وحينما التقطت عيناه الاسم، تابع ما يقوم فعله ولم يهتم بالرد عليه.

عودة إلى سليم

رفع الهاتف عن أذنه بضيق: مبيردش.

ماسة برجاء وهى تمسك يديه: معلش، يمكن في التواليت ولا بيعمل حاجة ومش سامعه، جرب تاني.

زفر بحدة، ثم أمسك الهاتف وضغط اتصال مره أخري..

عند مصطفى

تعالي رنين هاتفه مره أخري، فنظر اليه بتفكير للحظه، ثم التقطه ورد بنبرة جامدة: عايز إيه؟

فتح سليم الاسبيكر، ونظر إليها هامسا: شايفه !؟

وضعت يدها على صدرها، تتحايل عليه بعينيها: معلش، حقك عليا.

سليم بجمود: عايز رقم عائشة لماسة.

صمت مصطفى لحظة: تمام هبعتلك.

وأغلق قبل أن يستمع لرده، فاتسعت عيني سليم قائلا: شوفتي، قلة الذوق…

ابتسمت وجلست بجانبه وضعت قبله على وجنته معتذره: معلش، انت برضو اديته علقة جامدة

سليم بنظر حادة: يحمد ربنا إني مقتلتوش.

مسحت بيده على كتفه: خلاص بقي يا سليم.

وفي تلك اللحظه رنه هاتفه برساله فقالت بلهفه: اهو بعت رسالة، هات الرقم.

فتح الرسالة بضيق، وأرسل لها الرقم.

أمسكت هاتفها بسرعة: استنى هكلمها الأول.

ضغطت الرقم، وبعد لحظات جاء صوت عائشة من غرفتها في المنزل: ألو مين معايا؟

ماسة بابتسامة: شوشو عاملة إيه؟ أنا ماسة.

عائشة بحماس وشوق: ماسة! عاملة إيه يا وحشة؟! ايه يا بنتي كده تنسينا خالص!

ماسة بتوضيح خجول: والله مكانش معايا رقمكم، وبعدين أنا كنت فاقدة الذاكرة أصلا، هو مصطفى محكالكمش؟

عائشة بلطف: حكى، حمد لله على سلامتك، عامله ايه دلوقتي

ماسة بتساؤل: الله يسلمك، كويسه الحمد لله، المهم بقولك هتيجي القاهرة امتى؟ عايزه اشوفك.

عائشة بتوضيح: أنا بعد بكره هبقي في القاهرة.

ماسة بتساؤل: طب ايه رأيك نتقابل؟

عائشة بموافقة: ماشي بس خليها بعد الساعة خمسة عشان عندي محاضرات.

ماسة: تمام على 5:30 اختاري مكان يكون قريب ليكي، أنا عارفة إنك بتركبي مواصلات.

عائشة: تمام نتقابل في مطعم في وسط البلد، علشان بنزل عبد المنعم رياض.

ماسة تمام باي.

عائشة: باي.

أنهت المكالمة، والتفتت لسليم بابتسامة واسعة: شكرا يا سالوملوم، اشرب بقي الهوت شوكليت، وشغل الفيلم علشان نتفرج عليه.

نظر لها من طرف عينه، فهو مازال غير راضي: طيب

ضحكت برقة، وأسندت رأسها على كتفه، بينما أحاط هو ذراعيه حول خصرها وضمها اليه بحنان وصمت.

على اتجاهٍ آخر، عند مصطفى.

كان يمسك هاتفه، غارقا في دوامة من التفكير؛ أراد أن يحدثها ويطمئن عليها، ولكن لا يعلم كيف!؟ فتنهد بعمق، ونهض متجها نحو غرفة عائشة، التي كانت منهمكة في المذاكرة.

مصطفى: إيه يا شوشو، ماسة كلمتك ولا لسه؟

هزت راسها: آه، لسه قافلة معايا، عرفت منين؟

مصطفى بتوضح: ما هو سليم كلمني علشان ياخد الرقم مني، المهم كانت عايزه ايه؟

عائشة: اتفقنا نخرج مع بعض بعد بكرة.

مصطفى بارتياح: خلاص، كويس قوي، أنا نازل بكرة القاهرة وراجع بعد بكرة، أبقى آخدك معايا لما تخلصي معاها.

عائشة: خلاص ماشي.

خرج وعاد الى غرفته وهو يتنهد فاخيرا وجد طريقه لكي يرها.

شركة كوين لمستحضرات التجميل، 10:00صباحا.

مكتب صافيناز

جلست خلف مكتبها، تتابع سير العمل بانتباه، وتجري عدة مكالمات سريعة، بنبرة عملية تخفي خلفها توترا لا يهدأ، وبعد قليل فتح الباب ودخل عماد قائلا بهدوء: صباح الخير.

رفعت عينيها وقالت بابتسامة خفيفة: صباح النور تعالى.

جلس على المقعد الامامي قائلا: كويس إنك رجعتي تركزي في الشغل تاني.

أومأت برأسها: آه بقالي كتير بعيد قولت ارجع أشوف الدنيا ماشيه ازاى.

هز رأسه بابتسامه مصطنعه: نورتي شغلك من تانى يا صافي.

صمت للحظه، ثم تساءل باستفسار: صحيح متعرفيش وصلوا لايه في موضوع ماسه؟ يعنى الباشا من ساعه ما قال محدش يدخل وإنه هيخلص، لا حس ولا خبر؟! الباشا رجع يفرض عليها حمايه تانى ولا ايه؟!

هزت رأسها: لا معتقدش، الباشا المره دى أصدر الفرمان بقتلها، والهانم قالت إنه اتفق مع قناص يقتلها بس معرفش ايه اللي مأخره لحد دلوقتي؟!

عقد حاجبيه: بس أنا حاسس إن الموضوع ده مش هينفع.

اقترب أكثر، وصوته صار أخفض وأخطر: سليم ذكي،
إحنا هناخد منه نقطة ضعفه، وساعتها هيبقى عامل زي الأسد الجريح، وبالوصيه اللى عاملها ممكن يزعلنا كلنا اووي.

توقف لحظة، وأكمل: والمستخبي هيبان وهتبقى خربت من كل ناحيه.

نظر إليها بتنبيه: وأوعي تنسي إن الباشا ميعرفش إن إحنا اللي ورا الحادثه، لا الجزء الأول منها ولا التاني.

استدارت بكرسيها، ومررت يدها في شعرها بتوتر: طيب وهنعمل إيه؟! إحنا ماصدقنا أصلا إن الباشا دخل معانا.

ابتسم ابتسامة باردة: أنا بصراحه عندي فكرة، بس مش عارف الباشا ممكن يوافق عليها ولا لأ؟!

قالت بسرعه: فكرة إيه دى؟!

أجابها بهدوء قاتل: نخلي سليم هو اللي يقتلها.

اتسعت عيناها بدهشه: ايه؟! ازاي

قال بثقة: هقولك.

بدأ يشرح خطته، وصافيناز تنظر إليه بصدمة بعيون لا ترمش، وأنفاس تتباطىء.

وحين انتهى، تساءلت بتردد: وتفتكر سليم ممكن يصدق؟

ابتسم بمكر: هنخليه يصدق.

تنفست بعمق، وضحكت بذهول: أنت عبقري بجد يا عماد، بتجيب الأفكار دى منين، خطه مزهله، أنا موافقة عليها وعجبتني جدا.

صمتت لحظة، وأضافت بخوف: بس سليم لو كشف اللعبه هيدفنا بالحيا.

عماد بثبات: امشي ورايا وهتكسبي، هو لحد دلوقتي حد عرف إن إحنا اللي ورا الحادثة؟

صافيناز: بس إحنا كنا متغطيين من إريك.

قهقه بعلو صوته: مظبوط، كنا متغطيين من إريك، ودلوقت هنتغطى من الباشا.

اومأت وقالت بتردد: أنا مش عارفة بابي ممكن يوافق على حاجة زي دي ولا لأ.

ابتسم بثقة: هيوافق، بصي احنا ممكن نستنى يومين، ونشوف هيعملوا ايه في موضوع القناص لو تم خلاص، متمش نقدم احنا فكرتنا.

أومأت بحسم: اتفقنا

مجموعة الراوي، 10:00 صباحا

مكتب عزت

جلس خلف مكتبه، بهيبه ونظرات ثابتة إلى الأمام، وفايزة أمامه، قامتها مرفوعة كعادتها، وعيناها تلمعان بترقب وصرامة.

وبعد لحظات، فتح الباب ودخل زيدان بخطوات مترددة، يمرر نظراته بين الاثنين قبل أن يقف أمام المكتب.

زيدان بتحية: صباح الخير.

عزت باقتضاب وهو يشير للمقعد: صباح النور يا زيدان، اتفضل اقعد.

جلس أمام فايزة، وهي تراقبه بنظرة فوقية، أما هو فكان ينظر تارة لعزت وتارة لها قبل أن ينفجر باعتراض قائلا: ينفع اللي بيحصل ده؟!

رفع عزت رأسه ببطء، نظراته باردة: إيه اللي بيحصل يا زيدان؟

مال للأمام قائلا بانفعال: أنا بقالي كام يوم بحاول اوصلك، واتصلت كتير وانت مبتردش! ولما جيت هنا يقعدوني بره زي أي حد غريب! حتى القصر الحراسة رجعوني!

تحركت فايزة في مقعدها، وتساءلت بنبرة تملكها الهيمنه والاستقراطيه: وإيه هو بقى الموضوع المهم اللي انت عايزنا فيه؟

أخذ نفسا عميقا: أنا سمعت إن ياسين هيتجوز، مبروك.

فايزة بهدوء مصطنع: الله يبارك فيك..

صمتت لحظة، ونظرت له نظرة ذات معنى: بس معتقدش إن انت جاي تبارك في جواز ياسين، يا ريت تدخل في الموضوع علطول يا زيدان.

نظر لها لحظة، وقال محاولا الثبات: اعتقد ان دلوقتي نالا الأفضل ليها إنها تعيش مع مامتها مادام أبوها هيتجوز.

عزت بنبرة غليظه: الأفضل من وجهة نظر مين يا زيدان؟

زيدان بهدوء: من وجهة نظر الصح، البنت تقعد مع مامتها أفضل من مرات أبوها.

كاد عزت أن يرد لكن قاطعته فايزة وهب ترفع يدها في الهواء باستإذان: بردو يا باشا، أنا هرد.

نظرت لزيدان نظرة حادة وقالت بنبرة ممتلئة بهيمنة والاستقراطية والسخط: انت لو هتتكلم عن الصح يا زيدان، المفروض هبه متشوفش نالا طول عمرها وتتحرم منها! بس احنا مش هنعمل كده، علشان نفسية البنت، هنخليها تشوفها في الويك إند، يومين في الأسبوع، بس مش دلوقتي خالص، لما ياسين يهدى، لأنه متعصب خالص ومش طايق يبص في وش بنتك.

مالت للأمام وأكملت بحدة: بنتك غلطت غلطة كبيرة اوي، غلطة انت عارف كويس تمنها في عيلة الراوي بيبقى عامل إزاي؟ كان لازم تفهم بنتك هي بتتعامل مع مين قبل ما تقدم على فعلتها الشنيعة دي.

عض شفته من الداخل من الوضع الذي وضعته فيه ابنته، وشعر بالإحراج والمهانة، ولكنه قال محاولا التبرير: أنا عارف إن هبه غلطت لما…

قاطعه عزت بحدة وهو يرفع يده: من غير كلام كتير يا زيدان البنت هتفضل موجودة معانا، وهبه لما تحب تشوفها تيجي القصر بمعاد لكن البنت هتعيش مع باباها، ومش عايزين كلام كتير.

ثم مال للأمام وصوته أصبح أشد قسوة: الست اللي تقتل ولادها، متستاهلش تبقى أم.

زيدان بصوت مجروح: يعني ده آخر كلام؟

صمت للحظه وكانه يحاول امساك باخر خيط: بس نالا عمرها ما هتبقى مبسوطة وهي عايشة مع مرات أبوها!

عزت بسخرية قاسية: أنا أدري بمصلحة حفيدتي يا زيدان، أنا مش هآمن على بنت ابني تعيش مع واحدة زي دي مرة تانية، واحده قتلت أحفادي وحرمتهم من حياتهم، أنا إيش ضمني إنها متحاولش تقتل البيت كمان..

تجمد وجه زيدان، وقاطعه بصدمه: ايه اللي بتقوله ده يا عزت!

ضرب عزت المكتب بكفه بنبره صارم: عزت باشا يا زيدان متنساش نفسك.

تنهدت وابتلع غضبه وتحدث في نبره مليئه بالسيطره والهدوء: انا بقول الحقيقة! هي مش بنتك قتلت ولادها بدل المره اتنين بحجه إننا مش عاجبينها؟ واللى تعمل كده مره تعملها التالته عادى..

ثم أشار باصبعه بنبره شديده اللهجه: أنا قولت مش هنتكلم كتير البنت هتفضل في القصر، وهبه تيجي بمواعيد تشوفها ومش دلوقتي، بنتك هي اللي بدأت يبقي تستحمل نتيجه أفعالها، أنا عديت إهانتها لينا وقتلها لأحفادي علشان خاطر ياسين، بس لو فضلت تزعجني كتير رد فعلي مش هيعجبك.

رمش زيدان ببطء، كأن جفنيه يثقلان من وقع الصدمة، كان قلبه يتضخم من الحزن والألم من تلك الإهانة وذلك التهديد، ومن الموقف المهين الذي وضعت فيه ابنته، لكنه رغم كل ما يشتعل داخله، لم يستطع أن ينطق بحرف واحد.

انخفضت كتفاه كأن الهزيمة نزلت عليه دفعة واحدة، وهز رأسه ببطء، في محاولة يائسة لإخفاء ما يشعر به، ثم اعتدل واقفا، وصوته خرج مبحوحا، هادئا رغم الانكسار الذي يحاول ستره: تمام يا باشا

خرج وهو يشعر بالاختناق والضيق والمهانة.

بعد خروجه، كسرت فايزة الصمت وقالت بانزعاج: بجد ناس وقحة! إيه الوقاحة دي؟ بعد كل اللي عملوه جايين بمنتهى البجاحة يطلبوا ياخدوا البنت؟ مش كفاية إن احنا سكتنا على عملتها السودا وسايبنها عايشه بعد اللى عملته في ولاد ياسين.

عزت بتنهيده: خلاص، هو مش هييجي تاني، أنا عارف زيدان كويس، عنده كرامة.

رفعت فايزة حاجبها بأمر: اسمع يا عزت البنت دي لا يمكن أسمح ان رجليها تدخل القصر تاني، وطبعا أنا مش هطمن علي نالا معاها خارج القصر، حدودها تروح الجنينه والحراس يكونوا معاها ولو فكرت تعمل حاجة رصاص مسدسهم يكون الرد، مع إن الرصاص دي أغلى من هبة.

عاد عزت بظهره على المقعد وهو يشير بيديه لتهدئتها: اهدي يا فايزة، احنا عندنا حاجات أهم نفكر فيها غير هبه.

فايزه بتساؤل: صحيح عملت إيه ف موضوع ماسة؟

هز رأسه باستياء: مفيش جديد.

تنفست بقلق شديد: أنا كل ما الموضوع دي بيطول بتوتر من اللي ممكن تتكلم في أي لحظة دي.

زفر بضجر: عندك حق، استنى اكلمه واشوف منفذش ليه لحد دلوقت.

رفع هاتفه وأجرى مكالمة، وملامحه متجهة: ميخائيل، ماذا أنجزت حتى الآن؟

جاءه الصوت متوترا من الطرف الآخر: لم أستطع تنفيذ المهمة حتى هذه اللحظة.

تقلص فكه، وقال بغيظ مكتوم تسلل من بين أسنانه: كيف لم تقتلها حتى هذه اللحظة؟!

توقف لحظة، ثم تابع بحدة أشد: إن لم تكن قادرا على أداء عملك أخبرني لأبحث عن غيرك، يبدو أنني أخطأت حين وثقت بك ميخائيل.

جاءه الرد ثابتا لكن يحمل ضيقا هو الآخر: ماذا عليا أن أفعل سيد عزت، سليم لم يتركها وحدها قط!!

هز رأسه بعدم اقتناع، وضاقت عيناه بغضب: أتريد أن تقنعني أن سليم لم يتركها حتى الآن؟!

جاءه الرد بصرامة واضحة: نعم لا يتركها قط، وكثير ما أكون على وشك قتلها ثم يظهر فجأة ويفسد كل شيء، ماذا تريدني أن أفعل؟

ثم أضاف بلهجة حاسمة: أعطني الإذن، وسأنهي لك أمرها في الحال، اخبرتك من القبل أن رصاصتي لا تخونني أبدا، فقت مرر لى أذنك وستقرأ خبر مقتلها غدا في جميع الصحف، ولا تقلق بشأن سليم.

قاطعه عزت بعصبية حادة: قلت لا تقترب منها وسليم معها ابدا.

آتاه الرد ببرود قاتل: إذا لا تجادلني، انتظر حتى أجدها بمفردها وسأقوم بقتلها في الحال.

أسند ظهره إلى المقعد، واندفعت من صدره زفرة طويلة أثقلت الجو، فيما مدت فايزة يدها لتضعها على ذراعه بخوف هامسة: بالراحه يا عزت.

ساد صمت قصير، مسح وجهه براحة كفه ببطء، وحاول كبح الغضب المتصاعد في داخله، ثم قال بصوت حاد كالسكين: ابقي خلفها، إلى أن تجد الوقت المناسب وأسرع بالتنفيذ، أنا لن انتظر كثيرا.

أغلق الخط، ويده تضغط على الهاتف بشدة، وحرارة الغيظ تشتعل في ملامحه.

الجالري الذي تعمل به سلوى،11:00ظهرا

جلست سلوى خلف المكتب، رأسها منحني، وأصابعها تعمل بخفة على قطع الإكسسوارات الصغيرة بدقه وتركيز.

وبعد دقائق، اقترب سليم بخطوات محسوبة، وصوته قطع هدوء المكان: صباح الخير يا سلوى.

رفعت عينيها إليه ببطء، أخذت نفسا عميقا محاولة إخفاء ضيقها، أشارت بيد مرتعشة: صباح النور، اتفضل.

هز رأسه برفض: مش هينفع نتكلم هنا، تعال نروح في حتة تانية، خمس دقايق بس وبعدها ارجعي لشغلك تاني.

اخذت نفس عميقا بتردد لوهله، نظرت لصديقتها: أميرة انا هخرج شويه وراجعة تاني.

تحركت امامه وهو خلفها حتى وصلوا الى الحديقه، ووقفا مقابل بعضهما، كانت سلوى تحاول أن تبدو هادئه، لكن ضيقها كان ظاهرا بوضوح علي ملامحها.

تساءل بصوت منخفض لكنه مباشر: إيه اللي حصل بينك وبين ماسة يا سلوى وخلاها زعلانة بالشكل ده؟

رمشت سريعا، وحكت أصابعها بتوتر، تحاول الهروب من عينيه: مفيش حاجة حصلت.

هز راسه وهو ينظر في ملامحه بتركيز قال بإصرار: لأ فيه، اليوم اللي اتقابلتوا فيه رجعت منهارة،وامبارح مطولتش عندكم ورجعت علطول وماما جت وراها ومكانتش كويسه بردوا؟!

ابتلعت ريقها، وقالت بحدة خافتة: زعلت منها، لما قالتلي انها سامحتك لان شايفه انك متستاهلش بعد اللى عملته فينا وفيها..

بدات نبره صوتها تهتز وقالت بتاثر: زعلت مني علشان خوفت عليها منك يا سليم، أنت لما بتتعرض لضغط بتخرج ده كله على أختي؛ ضرب وإهانة وحبس وإحنا بنشوف ده من بعيد وبنتحرق، واحيانا بينوبنا من الحب جانب أحنا كمان..

هبطت الدموع من عينيها بعتاب وتاثر: ليه أختي تعيش مهددة؟ ليه تمشي على سطر وتسيب سطر؟ النهارده كويس بكرة محدش ضامن؟! كان لازم أفوقها وأقولها الحقيقة علشان حبها عميها، لكن…

وقفت ثواني، وصوتها اهتز: زعلت مني وضربتني بالقلم، اختي أول مرة تمد إيدها عليا علشانك.

زم دشفتيه باسف، مر الألم في عينه قال بهدوء: أنا عارف إنك زعلانة مني، وإن اللي عملته معاكي مكانش يصح، بس أنا كنت متلخبط ومضغوط والله يا سلوي ومش عارف بعمل ايه، ولأسف متعلمتش اتعامل غير الطريقة الغلط دي، بس أنا دلوقتي بروح لدكتور وبحاول أتعالج، واكون انسان جديد.

واضاف بعقلانيا مفسرا: والدليل على كده ان رغم إنها هربت 6شهور، معملتلهاش حاجه لما رجعتها، بالعكس اعتذرت وجيت أمد إيدي ليكم عشان نبدا صفحه جديده.

رفعت حاجبها بحدة: علشان المرة دي ماسة هربانة وأنت غلطان فيها، مش زي المرة اللي قبلها.

اقترب خطوة معارضا: أنا لو شخص وحش مكانش هيفرق معايا، كنت هفكر بس إن مراتي هربت
6شهور برا بيتي، وأهلها بيكلموها ومحدش قالي، لكن رغم اني كنت عارف إنها بتتواصل معاكم، معملتش حاجة، ولا حتي حاولت اتجسس عليكم علشان أسمع المكالمات، وشلت الكاميرات والميكروفونات من عندكم، وكل اللي عملته إني راقبت التليفون علشان أعرف المكالمة جاية منين مش أكتر.

اقترب خطوة، ونبرة صوته رقت بصدق: وصدقيني أنا مش ناوي أزعلها ولا اعمل اي حاجه من اللى عملتها دى تاني، وبعدين تزعلي مني انا ماشي، لكن اختك لا متبعديش عنها، ماسة بتحبك وإنتِ بتحبيها، متسيبوش أي حاجة تفرقكم.

أخفضت رأسها وقالت باختناق: هو أنت فاكرني مبسوطة إني مبكلمهاش؟ دي توأمي ومقدرش أعيش بعيد عنها، وكنت ناويه اجيلها اعتذرلها واصالحها، خصوصا إنها وجعتني اووى لما جت امبارح ومشيت أول ما شافتني من غير ما تبصلي حتي، انا عارفه ان كلامي كان وحش، واني غلطت، بس حسيت إنها خانتنا لما سامحتك بسرعة.

رد بهدوء عقلاني: انتِ مشكلتك يا سلوى إنك واقفة عند نقطه ومش عايزة تتجاوزها، أنا غلطت أه، بس كلنا بنغلط وربنا بيسامح، ليه إنتِ مش عايزة تسامحي علي الأقل علشان تريحي أختك؟

سقطت دمعة على وجنتها فمسحتها بعصبية: علشان وجودك في حياة أختي خطر! وأنا خايفة عليها.

ساد الصمت للحظه، وكلماتها ضربت عقله بقوة ! فحدق فيها لثواني بصمت، وتساءل: خطر أزاى يا سلوي؟!

ارتبكت ولم تعرف ماذا تقول، فقالت باهتزاز: أقصد يعنى علشان بتزعلها وكده.

لم يقتنع ولم يخفي عليه ارتباكها بالطبع، فرمقها من أعلى لأسفل بشك، وفجأة ارتطمت برأسه جملة سعدية، حين قالت لماسة “أن تخبره بما فعله رشدي بها”.

دقق النظر في ملامحها، وتساءل فجأة بطريقة غريبة، لعله يلتقط منها أي شيء: هو رشدي عمل إيه لماسة يا سلوى؟!

اتسعت عيناها، واهتز جسدها بعنف، شحب وجهها، وتسارعت دقات قلبها حتى خيل لها أنه يسمعها، لم تتوقع ذلك السؤال، فتلعثمت وصوتها خرج مرتجفا: رشدي؟! عمل إيه رشدي! معرفش اسألها.

اقترب منها وركز نظره في عينيها، مراقبا لانفعالاتها: متأكده يا سلوي؟! يمكن قالتلك حاجه، افتكري.

صمتت لوهلة تعشت من الداخل وهي تتشبثت بملابسها بيد مرتجفة، وقالت وهي تحاول اخفاء ارتباكها، بحدة زائفة: قولتلك معرفش، مفيش حاجة.

كانت تتمنى لو تنشق الأرض وتبتلعها في الحال، بينما ظل هو ينظر إليها مطولا في صمت، قد فهم أن هناك شيئا كبيرا يخفى، وأن الشك الذي استقر في قلبه لم يعد مجرد ظن، بل يقين، وكل ما عليه الان أن يعرف ما الذي حدث؟!

مسح وجهه بيده وقال بهدوء ثقيل: تمام، المهم دلوقتي أنتِ وماسة لازم تتصالحوا.

أخذت نفسا عميقا تحمد الله بداخلها أن الأمر مر بسلام، وأعادت شعرها إلى الخلف، تحاول أن تبدو ثابتة رغم أن كل شيء بداخلها كان ينهار.

هزت راسها: اكيد هنتصالح.

ثم اضافت برجاء: وانت ياريت متوجعهاش تاني هي بتحبك أكتر مننا كلنا، والست اللي بتغفر لزوجها كل اللي انت عملته ده سواء فيها او فينا، لازم تحطها فوق راسك.

أجابها بهدوء وحب: اكيد يا سلوى ماسه دى حته من قلبي، ومقدرش أزعلها ولا اوجعها.

تسال باهتمام: مبسوطة في شغلك؟

أجابته ببرود مهذب: اه عن إذنك.

تركت المكان، وتركته واقفا، يتأمل الكلمات الثقيلة التي اصطدمت بقلبه.

الجامعه الامريكيه، 12:00ظهرا.
كانت ماسة داخل المحاضرة تستمع بتركيز، وقد وضعت هاتفها على وضع الصامت.

وبعد انتهاء المحاضرة، اتفقت مع صديقاتها أن يذهبن إلى الكافيه المجاور للجامعة، لحين بدأ المحاضره التي تليها.

اما سليم فقد أنهي لقاؤه مع سلوي، وحاول الاتصال بها كثير لكن للأسف لم تكن ترد، فلسوء الحظ قد نسيت هاتفها على وضع الصامت، وحتى نسيت أن تخبره بذهابها معهم للكافيه برساله نصيه كما اعتادت.

ظل هاتفها يهتز في حقيبتها، وهي جالسة مع صديقاتها وغير منتبهة له تماما.

في أحد الكافيهات المكشوفة جزئيا

مظهر عام لذلك الكافيه الذي يطل على المباني المحيطة، جلست ماسة مع أصدقائها على الطاولة، يتبادلون الأحاديث بمرح.

لعبت ماسة بخاتمها، وقالت بضيق: أنا كنت فاكرة إن ربنا تاب على دكتور كريستين، بس طلعت زي ما هي.

ضحك صديقتها بخفة: يابنتي، هتفضل زي ماهي، مبتتغيرش.

مالت صديقة أخرى نحوها قائلة بمزاح: يا ريت تخلي جوزك يفسحها لنا شوية.

ضحكت ماسة: شكلي هعمل كدة وهستغل سليم فعلا.

وأخدت الضحكات المتقطعة تتردد بين الطاولات، والأكواب تتصادم بخفة، وكأن كل شيء حولها بعيد عن الهموم.
على إتجاه آخر.
نشاهد ظل رجل يرتفع بخطوات مدروسة على الدرج، بوجه جامد، وعيناه لا تفارقان الهدف.

وصل إلى السطح، ووقف خلفه لحظة يتفحص المكان بعين باردة، انحنى، وفتح حقيبته السوداء بهدوء، وأخرج منها بندقيته.

جلس على الأرض، وأخذ يركب الأجزائها قطعة قطعة، ثبت المنظار، ومسح عدسته بطرف قميصه الأسود، أخذ نفسا عميقا، وكأن العالم من حوله تجمد.

تحرك حتى صار متمركزا على حافة السور، مد ساقيه بثبات، استقر السلاح بين كفيه، وخفض رأسه ببطء حتى ألتصق خده بجانب البندقية.

من خلال المنظار، بدت له ماسة من بعيد – جالسة وسط أصدقائها في الكافيه، تضحك، وتحرك يدها بخفة، تفصل بينهما مسافة كبيرة، لكنها بدت قريبة بما يكفي، قريبة كأنها في مرمى أنفاسه.

على اتجاه آخر في الكافية

لوحت ماسة بذراعيها: مفيش يعني غير إللي اسمه جلال ده اتواصل معاه؟!

أجابتها أحد أصدقائها: يا بنتي، ده الليدر بتاع الدفعة، فلازم تكلميه عشان تعرفي هتبقي في أي مجموعة.

صديقة أخرى بمكر: شكل سليم بيغير.

ضحكت ماسة بخفة: أيوة، بيغير أوي.

صديقة ثالثة ببساطه: مفيهاش حاجة يعني، هتفهمي منه شوية حاجات مهمة، إحنا عندنا 2 ليدارات شباب وبنت واحده بس دي باردة وحربوقة.

مالت ماسة للأمام، تضحك وتخبط كف صديقتها: هي ناقصة حرابيق كفاية اللي في حياتي، خلينا مع جلال.

رقعت كوب العصير بخفة، وبالتزامن، ظهر شعاع الليزر الأحمر على رأسها، ثابت ومستمر يلمع بين ضحكاتها..
والرجل أصابعه تتحرك والسبابة تقترب من الزناد…
تفتكرو ايه هيحصل؟!

 

أضف تعليق

error: Content is protected !!