رواية ملك بلا مملكة الفصل الثلاثون 30 – بقلم اسماعيل موسى
اقترب يامان وبريسا من بحيرات الشمال المتجمدة وكانت الأرض هناك قاسية والهواء باردًا يلسع الوجه بينما تمتد المياه المتجمدة كمرآة شاحبة تعكس السماء الرمادية وكانا يسيران بصمت حتى اهتز الهواء فجأة بحركة سريعة بين الأشجار الجليدية المحيطة بالبحيرة
توقف يامان ونظر حوله بحذر بينما ضيقت بريسا عينيها تستشعر وجودًا خفيًا ثم ظهرت المحاربات فجأة وخرجن من بين الأشجار كأشباح الغابة وكانت أجسادهن مغطاة بدروع خفيفة مزينة بالريش وأيديهن تمسك بالرماح والأقواس وعيونهن ثابتة لا ترمش
أحاطت المحاربات بهما في لحظات بصمت تام كأن الأرض نفسها أنجبتهم ثم تقدمت الزعيمة بخطوات واثقة نحو يامان وكانت ملامحها حادة وقوية وعيناها تحملان معرفة قديمة به وتوقفت أمامه مباشرة ونظرت في عينيه وكأنها تبحث عن شيء مفقود
لكن يامان لم يتحرك ولم يظهر عليه أي رد فعل وظل ينظر إليها كأنها غريبة فعقدت الزعيمة حاجبيها قليلًا قبل أن تتكلم لكن بريسا سبقتها بخطوة وقالت بهدوء إن يامان كان مريضًا مرضًا شديدًا وهذا أثر ما زال عليه وربما فقد ذاكرته لكنه سيتذكر مع الوقت
ساد صمت قصير بين المحاربات وتبادلن النظرات وفي تلك اللحظة تقدمت محاربة أخرى من الخلف وكانت تولين واقتربت بخطوات سريعة ثم توقفت أمام يامان للحظة وكأنها لا تصدق ما تراه
ثم اندفعت نحوه واحتضنته بقوة فتجمد يامان في مكانه وارتسمت الدهشة على وجهه ولم يعرف كيف يرد أو ماذا يفعل وشعر بحرارة ذلك العناق وقوة المشاعر التي لا يفهمها
ابتعدت تولين قليلًا ونظرت إلى وجهه وعيناها تلمعان بشيء بين الفرح والألم ثم قالت بصوت ممتلئ بالعاطفة إنها تعرف أنه لا يتذكر لكنها لن تسمح له بأن يضيع مرة أخرى
أخذت نفسًا عميقًا ثم قالت إنهم جاؤوا لأنهم تلقوا طلبه للحرب وأنهم هنا لمساعدته مهما حدث وأضافت بنبرة قوية أنه حتى لو فقد ذاكرته فإنه سيظل هو يامان أقوى المحاربين وأكثرهم شجاعة
وقف يامان صامتًا ينظر إليها دون أن يفهم كل ما يقال لكنه شعر بشيء يتحرك داخله شيء قديم لم يمت تمامًا
أما بريسا فكانت تراقب المشهد بعينين ضيقتين ثم ارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة عندما أدركت أن هذا الرجل الذي أنقذته ليس مجرد شخص عادي بل محارب له مكانته وقوته
اقتربت خطوة وقالت بهدوء إنها ترحب بمرافقتهم وإنها لن تتركه الآن بعد أن أصبحت جزءًا مما يحدث ولم تعترض الزعيمة واكتفت بإيماءة خفيفة ثم أصدرت أمرًا قصيرًا فتحركت المحاربات فورًا
ومع أول خيط من الفجر دقت الطبول وكان الصوت عميقًا قويًا يهز الأرض ويعلن بداية مسيرتهم نحو الحرب وتحرك الجيش عبر الثلوج والغابات باتجاه الأرض المحرمة وكانت أصوات الطبول تتردد مع خطواتهم كنبض واحد لا يتوقف
خلال الطريق كانت تولين تحاول الاقتراب من يامان والتحدث معه على انفراد محاولة أن تذكره بأي شيء أو تلمس داخله ما تبقى من ماضيه لكن في كل مرة كانت بريسا تظهر وتقترب منه وتقاطعه وتعيده إلى جانبها وكانت تراقب كل نظرة وكل كلمة وكأنها لا تسمح لأي شيء أن يعيده بعيدًا عنها
أما يامان فكان يسير بينهما بين ماضٍ لا يتذكره وحاضر يلتصق به ودون أن يدرك كان يُسحب ببطء نحو صراع أكبر مما يتخيل
وصل جيش يامان إلى حدود الأرض المحرمة مع أول ضوء للنهار وكانت التلال الخربة تمتد أمامهم كأطلال معركة قديمة لم تنته آثارها بعد بينما وقف يامان في المقدمة ينظر إلى المكان دون أن يشعر بأي ذكرى تعود إليه وكأنه يرى أرضًا غريبة لم تطأها قدمه من قبل
كان الصمت يسبق العاصفة ثم بدأ المشهد يتضح أمامهم تدريجيًا ومعه انقبضت القلوب
امتدت جحافل الموتى الأحياء على مد البصر أجساد متحركة بلا روح تقف في صفوف لا نهاية لها وبينهم تحركت مجموعات ضخمة من مصاصي الدماء المدرعين يملؤون الأرض كطوفان أسود يسيطر على كل شيء
كانت الأرض نفسها تبدو وكأنها سقطت في قبضة ذلك الجيش ولم يعد فيها مكان للحياة
وقف يامان صامتًا وعيناه تتفحصان المشهد وكأن غريزة قديمة تحاول أن تستيقظ داخله لكنه لم يتذكر شيئًا ومع ذلك شعر بثقل الحرب يهبط على صدره
أصدرت الزعيمة أوامرها سريعًا فانتشر جيشهم فوق التلال الخربة واتخذوا مواقع مرتفعة تمنحهم أفضلية الرؤية بينما بدأت المحاربات والمستذئبون في ترتيب الصفوف وتجهيز الأسلحة
وقف يامان بينهم يستمع ويشارك في وضع الخطة وكأن جسده يعرف ما يجب فعله حتى إن عقله لم يتذكر كيف تعلم ذلك
تم تقسيم القوات إلى مجموعات صغيرة سريعة الحركة تعتمد على الكر والفر واستغلال تضاريس الأرض القاسية لتفريق صفوف العدو بينما تمركزت الرماة في الأعلى استعدادًا لإمطار ساحة المعركة بوابل من السهام
ومع أول اندفاع للظل فوق الأرض
بدأت الحرب
انطلقت صيحات القتال واهتزت الأرض تحت وقع الأقدام واندفعت القوات نحو بعضها البعض كأمواج متصادمة
كان القتال شرسًا منذ اللحظة الأولى وكانت الأعداد الهائلة للعدو تضغط عليهم من كل اتجاه لكنهم لم يتراجعوا
قاتلت المحاربات بشراسة وقاد يامان الهجوم الأمامي بجسده الذي يتحرك بقوة غريزية لا تحتاج إلى ذاكرة وكان يضرب ويصد ويهاجم وكأنه خُلق لهذا فقط
سقط المئات في اليوم الأول من الجانبين وتحولت الأرض مرة أخرى إلى ساحة دماء وصراخ ولم يكن هناك منتصر واضح مع غروب الشمس
مع حلول الليل خفتت أصوات القتال وتراجع الطرفان قليلًا لإعادة ترتيب صفوفهم بينما امتلأت التلال بالخيام والجرحى وصوت الألم المكتوم
جلس يامان أمام خيمته بعد أن هدأ القتال وجسده مثقل بالإرهاق وعيناه تنظران إلى الظلام وكأن شيئًا داخله يحاول أن يفهم كل ما يحدث دون جدوى
لم يمض وقت طويل حتى غلبه التعب واستسلم للنوم على الأرض الباردة أمام الخيمة،في هدوء الليل، ظهرت تولين
تقدمت نحوه بخطوات صامتة وعيناها تراقبان وجهه النائم وكأنها ترى شخصًا ضاع منها وعاد غريبًا
جلست بجانبه للحظات ثم أخرجت عشبة صغيرة من بين ملابسها ونظرت إليها بتردد قبل أن تضعها برفق في فمه
انتظرت قليلًا حتى تأكدت أنه ابتلعها ثم ظلت جالسة بجواره تنظر إليه بصمت وعيناها تحملان أملًا خافتًا بأن يعود كما كان
مدت يدها وكادت تلمس وجهه لكنها توقفت قبل أن تفعل
وفجأة،سمعت حركة قريبة
رفعت رأسها بسرعة ونظرت نحو الظلام حيث ظهرت ملامح ظل يقترب،كانت بريسا
تراجعت تولين في لحظة واحدة واختفت بين الخيام قبل أن تُرى بينما بقي يامان نائمًا لا يعلم شيئًا عما حدث حوله
وفي تلك الليلة، بدأت خيوط صراع خفي،أعمق من الحرب نفسها
استيقظ يامان مع أول خيط من الضوء وكان جسده ساكنًا للحظة بينما أنفاسه تتسارع كأن شيئًا انفجر داخله فجأة
فتح عينيه بسرعة وجلس منتصبًا وكأن قوة خفية أعادته من نوم عميق إلى يقظة كاملة،وضعت يده على رأسه وبدأ الألم يضربه من الداخل لكن هذا الألم لم يكن ضعفًا بل كان امتلاء
الذكريات عادت،اندفعت داخله كطوفان لا يمكن إيقافه صور معارك أصوات صرخات وجوه سيوف دماء غابات ظلال كل شيء عاد دفعة واحدة، اتسعت عيناه وهو يلهث كمن عاد من زمن آخر وبدأت ملامحه تتغير تدريجيًا من الحيرة إلى الإدراك،تذكر من هو، تذكر اسمه، يامان
تذكر الأرض المحرمة،تذكر الحرب،تذكر سولين
وتذكر ذلك الكائن المرعب أمير الموتى الأحياء الذي وقف أمامه كند لا يقل عنه قوة وتلك المعركة التي كسرت الأرض من تحت أقدامهم،تذكر كيف قاتل كيف سقط كيف عاد كيف وقف من جديد، كل شيء عاد، كل شيء، إلا شيء واحد
كان هناك فراغ، فراغ واضح وسط تلك الذكريات كأن جزءًا من حياته قد اقتلع بالكامل دون أثر
لم يشعر به في البداية لكنه كان موجودًا كصمت بين الضوضاء،حياة كاملة اختفت، اسم لم يعد له وجود
وجه لم يعد له ملامح، شخص كان يجب أن يكون هناك لكنه لم يعد، لكن يامان لم يتوقف عند ذلك،لأن ما عاد إليه كان كافيًا ليملأ عقله بالحرب،نهض ببطء ووقف أمام الخيمة وعيناه تنظران نحو الأفق حيث تمتد أرض المعركة،كانت نظرته مختلفة الآن،لم تعد نظرة رجل ضائع،بل نظرة قائد عاد إلى ساحة الحرب،تصلب جسده وكأن كل خلية فيه عادت لتتذكر دورها،لم يعد يتساءل من هو،بل ماذا يجب أن يفعل
وفي أعماقه دون أن يدرك،كان هناك شيء مفقود
شيء لو عاد،قد يغير كل شيء مرة أخرى
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية ملك بلا مملكة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.