رواية عشق شرف أنتقام الفصل العاشر 10 – بقلم نور كرم
الفصل العاشر
_ اعتذري… قولتلك!
قالها بغضب مالي عيونه، ولم يلقَ منها سوى الصدمة والصمت… فهواها بصفعةٍ أخرى، أشد وأقسى، وهدر بصوتٍ عالٍ:
_ قولتلك اعتذري… ولا إيه؟ القط أكل لسانك دلوقتي؟!
_ إنتَ بتضربني!
قالتها بصدمة، وهي بتبصله بنظرات مليانة غضب وحقد… لتشير عليها باشمئزاز وتكمل بفحيح:
_ عشان مين… عشان دي؟!
_ وأكسر دماغك لو حبيت…
قال بنبرة صارمة، وهو يرمقها بعينين جاحظتين تشتعلان بالنار… فقابلته هي بنبرة أشد:
_ وأنا مش هعتذر لحد! متبقاش هي داخلة عليّا تاخدك مني… وفي الآخر أعتذر لها؟ ده أقل حاجة ممكن أعملها!
_ بقى كده… إنتِ بتتحدّيني؟!
قالها بصوتٍ هادئ، هدوء يسبق العاصفة… فرفعت الأخرى أنفها بشموخ، وقالت بتحدي:
_ أيوه… وأنا مش هعتذر لحد!
علا صوتهم أكتر… وهو بيزعق فيها، بينما الأخرى اكتفت… وتراجعت للخلف، وخرجت من ساحة المواجهة.
هي مش فاهمة هو بيعمل كده ليه!
هيفرق في إيه الاعتذار… إذا كانت هي ناوية تموتها أصلًا؟!
ولو كانت ماتت دلوقتي… كان هيبقى إيه رد فعله؟ أكيد مكنش هيطلب برضه إنها تعتذر!
بصتله أمه بنظرات توتر وخوف، وقربت منه وقالت برجاء:
_ خلاص يا ريان يا ابني… هو إيه اللي حصل لكل ده؟!
_ إيه اللي حصل لكل ده… البنت كانت هتموت بسببها وأنتِ عارفه كل حاجه وسكتِ!
بصلها بنظرة قاسية أخرستها وهدر بوجهها بفحيح ، ثم عاد يُكمل بنبرة هادية عكس اللي جواه تمامًا:
_ ياريت متتدخليش في الموضوع ده… عشان حسابك معايا بعدين يا أمي.
بص وراه، وكان لسه هينادي عليها… لكنه اتفاجئ إنها مش موجودة أصلًا.
قطّب حواجبه باستغراب، ورجع يبص لمراته اللي عيونها مليانة تحدي وحقد، وقال بتهديد واضح:
_ متفتكريش إن حسابك خلص… لسه بدري وهتشوفي أنا هعمل فيكِ إيه!!
ثم تركهم ورحل من أمامهم قبل ما ينفجر فيهم.
وصعد الدرج بخطوات تقيلة، كأن الأرض نفسها بتئن من تحت رجليه من كتر غضبه.
• • • •
وفي الأوضة فوق…
كانت قاعدة على السرير، ضاغطة بكفوفها عليه كأنها بتحاول تهرب من الوجع اللي بيقطع في بطنها… نفسها بقى تقيل، وملامحها باين عليها التعب بشكل مرهق.
فجأة انتفضت من مكانها بخضة، أول ما شافته داخل عليها مرة واحدة كده…
وقبل حتى ما تستوعب وجوده، صوته ضرب فيها وهو بيهدر بغضب خلّى جسمها كله يرتجف:
_ أنتِ إزاي أبقا انا ضربتها قدامك وبجبلك حقك وأنتِ تسبيني.. وتطلعي كده!!
بصتله باستغراب ممزوج بوجع، إيدها متشبثة ببطنها كأنها بتحاول تمسك الألم بإيديها…
لكن هو، أول ما لمح تعبها بالشكل ده، غضبه سكت فجأة… واتبدل بحاجة أخطر… قلق.
قرب منها بسرعة، ملامحه اتشدت بخوف واضح، وصوته نزل درجة وهو بيقول:
_ مالك في حاجه وجعاكي..!
إيده كانت لسه هتلمس بطنها… لكنها بسرعة بعدتها بعنف، كأن لمسته نفسها بتوجعها…
رفعت عيونها ليه، مليانة دموع وكسرة، وقالت بصوت مخنوق:
_ شيل إيدك عني… إنتَ بدال متتشرط عليا وتقولي تطلعتِ ليه كُنت عرفت تجيبلي حقي.. وحق ابني اللي كان هيموت.. إنتَ ضعيف يا ريان…ضعيف.
كلامها نزل عليه تقيل… سكت، وعينه اتمليت وجع حقيقي، كأنه اتصاب في أكتر نقطة بيهرب منها…
لكن هي مكملتش، صوتها خرج مبحوح من كتر البكا اللي كتمته:
_ بس أنا هعرف اجيبه لوحدي.. مش إنتَ أتجوزتني عشان تنتقم.. وانا كمان هستغل الفُرصه دي وهنتقم من كل حد كان السبب في اذايَّ في يوم من الأيام..
لو طريقي آخره الموت مفهاش حاجه هيكون قدري وانا راضيه بيه..
حاول يتمسك بأي مبرر، أي حاجة تدافع عنه قدامها، فقال بسرعة:
_ أنا كنت هجبلك حقك.. وأنتِ اللي استعجلتي!
لكنها انفجرت فيه… انفجار موجوع، مش بس غضب:
_ وهايفيد بأيه الحق… دي كانت هتموتني..
هو إنتَ فاكر لما تلطشها قالمين.. وتخليها تعتذرلي بالعافيه.. يبقا كده حقي رجع!
هزت راسها بعنف، وعيونها بتلمع بنار:
_ لاء… أنا حقي ميتخدش كده… انا متوجعتش منها بس!
أنا لو إنتَ فاكر، قبل مهي تهّجم عليَّ وتطلع تضربني..
قبلها أنتَ كنت بتزلني… وبتعايرني إني جايبه عيل في الحرام..
مقولتش إني ضحيه.. مقولتش إني موجوعه.. وموقلتش إني السبب هو الاهل وإني ضحيه بين عيله كلها أوسـ””
وقفت لحظة تاخد نفسها… بس وجعها كان أكبر من السكوت، فكمّلت وهي بتشاور على قلبها:
_ انا وجعي مش هيهدي غير لما انتقم.. أنتقم من كل حد اتسبب في كسرة ده.. وذلة وأهانـتـــه تحت رجلُـه…
عيونها اتحولت لتحدي صريح، وصوتها علي رغم ضعفه كان مليان قوة:
آخد الحق حرفه يا ريان بيه..
ولو إنتَ جي تنتقم! ومراتك وامك..
واخويا وابويا وكلكم جايين عليّا.. فطول مربنا جبني لا إنتَ ولا حد فيهم يقدر يلمس شعره مني ..
وقف قصادها، واخد نفس تقيل… وحاول يتكلم بهدوء وهو فعليًا بيكتم اللي جواه:
_ أنا عارف أن اعصابك تعبانه يا “شرف” دلوقتي.. وأنا مش جاي أنتقم منك في حاجه..
انا واحد بس في بالي ومش
هسكت غير لما اجيبه تحت رجلي ويبرد نار قلبي في كل سنين حياتي اللي لي فاتت.
ضحكت… ضحكة مليانة سخرية مرّة، كأنها بتكسره بيها:
_ يبرد نار قلبك!
وبدون تردد، زقته في صدره بعنف، دموعها نازلة وهي بتصرخ:
_ ليه شاف إيه ده هااا
رجعت وزقته تاني، المرة دي أقوى:
_ مترُدَ… شاف إيه؟
كل الناس مكنتش متقبّلاه هااا؟
أمك كانت أنانيه ومكنتش بتعترف بيك وأهم حاجه عندها الفلوس وبس؟
ولا أبوك كان قاسي والعقاب عنده يبقا سجن ووضرب وأهانه؟
ولا ليك آخ عايز يقتلك عشان سبب إنتَ ملكش دعوه بيه ولا حبيت!!
صوتها اتكسر خالص، وبكائها بقى مسموع، وهي بتكمل بالعافية:
_ ولا حبيت شخص وأعتبرته الدنيا كلها؟
وهو.. هو مكنش شايفك غير حاجه تملي بيها رغبته القذره وبس قول ساكت ليه؟!
كانت بتخبط في صدره ضربات ورا بعض…
بس الحقيقة؟ ولا ضربة وجعته قد كلمة واحدة من اللي قالتهم.
وفي لحظة انهيار أخير، صرخت فيه:
_ مــــــــــــــــتــــــــــــــرد… ساكت ليه؟
شوفت كل ده في حياتك!!
يوم… يوم متكسرت واتخذلت… حاولوا يقتلوك بدل ميخدوك في حضنهم…
بدل ميطبطب علي جرحك…
بدل ميقفوا في وش كل واحد ظلمني… بدل ملاقي ضهر اسند عليه..
ولقي آخ أب أم.. أخت عيله عم كله… كله كان عليا!
ملامحها اتشدت، بوجع ظهر من كتر القهر… وزقته ضربة المرة دي وجعته فعلًا:
_ رد ساكت ليه؟
كانت لسه هتزقه تاني…
بس المرة دي، إيده مسكت كفوفها بقوة… وقربها منه بعُنف، وصوته خرج أخيرًا:
_ أيوه شوفت… شوفت كل!
االي بتقولي عليه ويمكن أكتر.
أنا واحد مـعش حياته بالساهل وانا مطرود من أرضي وبيتي
وتحرمت من كلمة طفوله وأمان من وأنا عشر سنين…
كان عندي عشر سنين…
عشر سنين وأبوكـي جيه خد أمي من بتها بجلبيتها… ورمها ورماني بره البيت بتاع أبويا..
صوته بدأ يهتز… وعينيه بقت مليانة ذكرى لسه بتدبح فيه :
_ مسـ… مستحيل أقدر أنسى اليوم ده… لأنه محفور هنا وهنا…
شاور على قلبه وعقله…
وهي واقفة قدامه… مصدومة، مش متخيلة اللي بتسمعه.
لكن الصدمة زادت… لما صوته علي فجأة:
_ أيوه عشت كل اللي عشتيه يا”شرف”.. وانا كمان شوفت المر والعذاب بعد مأبوكـي قتل ابويا…
وطرد أمي من بيتها.. بأبنها من غير ولا مليم واحد..
مليم واحد تقدر تستر بيه نفسها ولا تدوي بيه أبنها…
الحقد ملي قلبُه..
وكره وأعمله كلها هتسلط عليه لأن زي مقولتي ربنا مش بينسي ومش بيسيب..
ابتسم… بس كانت ابتسامة مفيهاش حياة، عكس النار اللي جواه:
_ شوفتي بقا يا شرف أن أنا، عشت نفس اللي عشتيه..
لولا إني أجتهدت واشتغلت..
والست اللي تحت دي قدرة تكبرني..
وكانت عامله حسابها علي ندالة أبوكـي، كان زماني مرمي في الشارع..
لو حد ليه فضل عليا في الدنيا دي مش هيبقا غير أمي… اللي أستحملت وشافت ڪُل السنين دي…
سكت لحظة، بياخد نفسه بالعافية… وبعدين قال بنبرة فيها وعد تقيل:
_ وصدقيني… مش همشي من هنا غير وانا شايفه في تُربته…
وخلاص قربت… أكتشفت أن الفلوس حلوة وتقدر ترجع حق إي حد…
خليته يلف حولين نفسه يخسر ملاين الملاين وهو متكتف لا عارف يتصرف ولا يعمل حاجه…
لف ضهره… وكأنه شايل جبل فوق كتفه، وبص لها آخر نظرة ثم قال بفتور :
_ وآه صح الف حمدلله علي سلامتك..
وخرج… وسابها لوحدها سكون تقيل نزل على الأوضة…
وهي واقفة مكانها، مش قادرة تستوعب… مش قادرة تصدق إن أبوها ممكن يكون بالجبروت ده كله…
بس السؤال اللي خبط فيها فجأة:ه
وهي مستغربه ليه؟!
وهي نفسها مداقتش منه غير القسوة؟
قعدت على طرف السرير…
عيونها ثابتة في نقطة قدامها، فاضية… بس مليانة دموع بتتجمع بالعافية.
أخدت نفس طويل، ورفعت عيونها للسما… وصوتها خرج مكسور:
_ يا رب مليش غيرك… يا رب.
• • • •
خرج من غرفتها وهو بيطوي الأرض من تحته…
تعب، هي فاكرة إنه مداقش اللي داقته، مع إنه عانى كتير… ويمكن أكتر منها.
هينفجر عقله، وبقى زي التايه اللي مالوش مكان يروحه… مفيش مكان مريح… لا هو قادر يبقى هادي جنبها… ولا قادر يحب مراته… ولا أمه قادر يصدقها بعد ما كدبت عليه.
لو في حد مالوش أمان بجد، يبقى هو… هو لسه ضايع، طفل وحيد وسط عالم متوحش، في هيئة راجل على مشارف التلاتينات.
دخل مكتبه ودفن وشه بين كفوفه، خلاص طاقته خلصت… هو بيمثل إنه بخير، بس للأسف من ساعة ما رجع البلد افتكر إن الانتقام هيبرد قلبه ويطفي ناره.
دلوقتي حقه وحق أبوه بيرجع…
بس عشقها اللي ولّع في قلبه لسه بيزيد، ولسه هيجننه أكتر من زمان… هو غلط لما عشق طفلة، بس هو كمان مداقش يعني إيه طفولة!
يمكن حب براءتها… حب عيونها وملامحها الهادية، اللي كل ما يبصلها يحس إن الدنيا لسه فيها خير…
قبل ما يفقد كل حاجة في دقيقة، وأبوه يموت، وأمه تتطرد من بيتها…
قبل ما يعيش اللي أي طفل ميتمناهوش…
هز راسه بيأس… هو عارف إنه مستحيل يطلع من الفخ ده، ده وقع فيه واتربط كمان… وجعه كبير أوي، لدرجة إنه مش عارف يشرحه.
بس هو نفسه يكون بخير… ناره لسه بتولع فيه، وغروره مش سامحله يهدى… اتوجع، وده مكنش متوقعه.
هي… هي مش حاسة بقلبه المسكين، اللي لسه بيقع منه أول ما يشوفها ويفتكر اللي حصلها…
هو ناوي ينتقملها من كل اللي كان السبب في وجعها…
وآه…
مش قادر يتخيل إزاي حد غيره لمسها… إزاي قرّب منها كده… ده جنون…
بقى مهووس بيها، ولو هنتكلم عن نار، فهي البنزين اللي بيولّع فيه أكتر…
غمض عينه بعمق… بيحاول ياخد نفسه ويظبط أعصابه، بيحاول يكون قد قراره… ويحاول يخليها تحبه…
بس إزاي؟ إزاي وهي شايفاه ضعيف؟
عمرها ما هتحبك… وده مش يأس، ده يقين…
إنتَ واحد متستاهلهاش… هتحب فيك إيه؟!
وفي غمضة عين اندفع باب المكتب فجأة، ودخلت والدته وهي بتولع زي النار، وقفت قدامه بعصبية وقالت بحدة:
_ ريان عايزة أتكلم معاك!!
_ مش فاضي والله يا أمي!
قالها ببرود وهو بيبص في الحاسوب قدامه، فـ انفجرت في وشه وقالت:
_ وهو إنت مالك؟ بتكلمني كده ليه؟!
ده أنا أمك!
ولا ده كله عشان واحدة جايبها تستر عليها!!
وعلى اللي في بطنها!!
جحظت عينه بصدمة من كلامها، وقام من مكانه وقرب منها بخطوات بطيئة، وقال بنبرة تقيلة:
_ إنتِ جبتي الكلام ده منين؟
أندفعت في وجهه فجأة:
_ جبته من مطرح ما جبته!
ولا هتنكر يا ريان؟ولا هتكدبني زي المرة اللي فاتت؟!
مسح وشُه بغضب، ورجع خطوة، وقال بهدوء ما قبل العاصفة:
_ المرة اللي فاتت كنتِ باصة في عيني، وبتقولي إنها وقعت من على السلم…
مع إنك عارفة، وأنا عارف، إنك كنتِ بتكدبي عليا!
لف ضهره شوية، ورجع و كمل بنبرة حازمة:
_ والكلام اللي قولتيه صح، مش هنكر…
بس قسمًا بالله يا أمي، لو كلمة واحدة طلعت لحد، همشي من حياتك ومهتعرفيش تجيبيني.
قرب منها، وربّت على كتفها بهدوء وقال:
_ ماشي يا أمي، نمسك العقل بقى…تمام
فضيحة واحدة ملهاش ذنب مش هترجعلك حقك…
وأنا عارف إن عقلك أكبر من كده…بلاش تمشي ورا اللي بيوسوسلك.
ضيّقت عينيها وقالت بنبرة غامضة:
_ أفهم من كده إنك بتهددني يا ريان؟
تنهد بعمق وقال قبل ما يمشي بلا مبالاة وحيرة تملي نبرته :
_ سميها زي ما تسميها…
المهم الموضوع ده ميتفتحش، حتى بينك وبين نفسك.
خالص.
كان لسه هيمشي، لكنها وقفته بصوت مليان شك وهتفت:
_ الموضوع ده مبقاش مريحني يا ابن بطني…
وشايفة في عينك حاجة مش مريحاني… ولو ظني طلع صح، متزعلش من اللي هيحصل بعدين!!
لف لها وقال كلمته الأخيرة:
_ صدقيني، ولا أنا مرتاح…يا أمي
افتكرت إني باخد حقي من اللي أذاني…
طلعت بموّت نفسي بالبطيء.
قال كلمته، ورحل من قدامها بخطوات تايهة، مالهاش ملامح ولا راحة.
بينما الأخرى فضلت واقفة، بتبص في الفراغ، وعيونها بتولّع، وقالت:
_ ماشي يا بنت سميحة… لو موريتك!!
• • • •
وفي نفس اليوم.. قد ذهب من البيت ولم يعد حتى.. جلست هي بغرفتها، وكانت تتكئ على نفسها كـ العادة.. تنظر في الفراغ…. شاردة، ضائعة، لا شيء فيها ولا حول ولا قوة!
لا تقدر على البكاء، وكأن دمع عينيها قد جفّ.. بداخلها انهيار وصراخ لن تنكره أبدًا…
ولن تستطيع الهروب منه، أغمضت عينيها بعمق وتنهدت بيأس… محاولة فاشلة ڪالعادة إنها تتخطى اللي حصلها، الأذى جالها من كل ناحية وده ولّع في قلبها أكتر.
مسحت دمعة احتضنتها رموشها، وبصت للسما بروح مؤمنة، كلها أمل إن ربنا يكون معاها… ومفيش غيره فعلًا بيحبها، هي عارفة إن ده ابتلاء… وإن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها!!
ربنا جميل… وأكيد هيرحمها زي ما رحم كتير من عباده…
وفجأة، اندفع الباب عليها بعنف… ومن غير ما تلف بوشها، حست بنار أنفاسها المتلهف، ابتسمت ببرود وقالت:
_ كنت عارفة إنك جاية… كنت مستنياكي صراحة!
لفت وشها، والابتسامة الساخرة مالية ثغرها…و مقابلها الاخرى تُطالعها بعيون مشتعلة، وأنفاس متسارعة من الغضب، فقالت الأخرى بفحيح:
_ إنتِ فاكرة إن اللي عملتيه ده هيعدي؟!
وإن ضربي وإهانتي قدامك… هتكون سهلة؟!
_ تؤ تؤ… لا… وأنا هوريكِ دلوقتي أنا هعمل فيكِ إيه!
اندفعت عليها مرة واحدة، وكانت لسه هتمسكها من شعرها…
لولا إيد “شرف” اللي منعتها، وهي بتضحك بسخرية وقالت بنبرة صارمه وهي بتتك علي سنانها من كتر الغضب:
_ تؤ تؤ… إنك تمدي إيدك عليا وأنا أسكت، ده كان زمان يا ماما!
لكن دلوقتي أنا أقدر أخد حقي.
دفعتها للخلف، وصفعتها بعُنف، وصاحت بقسوة:
_ تالت ومتلت… يا بنت الـ…!
_ آه يا عار! بقى بتضربيني أنا؟!
حاولت التانية تهجم عليها، لكن في لحظة…
ورغم فرق الحجم، شرف جذبتها من شعرها بقوة وقالت بفحيح:
_ لااا… الكلام ده كان زمان…
مش بيقولك اتقي شر الحليم إذا غضب؟
أنا كنت بتقي ربنا الفترة اللي فاتت…
بس من غبائك افتكرتي إني ضعيفة… وهبقى ملطشة للي يسوى واللي ميسواش!
غوري بره!
رمتها على الأرض بعُنف، وصرخت فيها:
_ بــــــــــــــــــــــره!!… قولتلك مشوفش وشك قدامي!!!
رجعت التانية لورا، بس قالت بوعيد:
_ مش هسيبك يا شرف… أنا هوريكِ!
خرجت من الأوضة بسرعة…
أما شرف…
فرجعت وقعدت على السرير، بتتنفس بعنف، وكانت هتموت وتضربها تاني…
لكن استعاذت بالله، وخدت نفس عميق، وقالت بوعيد صادق:
_ من النهارده… في “شرف” تانية يا أوباش!!
• • • •
وفي المساء… كان بيدور بعربيته في نص الليل، على الطريق السريع… وكلامها بيرن في دماغه باستمرار، كأنه بيقتل قلبه ببطء:
“إنتَ ضعيف يا ريان… ضعيف!”
لتلحقها كلماتها التانية، أقسى… أعمق… تخبط فيه من جوّه:
“أنتَ شوفت إيه هااا؟.. عندك أم أنانية.. أب عنده العقاب يبقى ضرب وإهانة وسجن؟ ولا آخ عايزه يقتلك ويحسبك على حاجة ملكش علاقة بيها!”
دماغه لفت… وبقى مش شايف قدامه.
رغم صلابته وقسوته اللي دايمًا مرسومين على ملامحه الحادة… إلا إن قلبه، في الحقيقة، كان ألين من إنه يستحمل كل ده.
دمعة سخنة هربت من عينه… كأنها أعلنت استسلامها أخيرًا… خلاص، انتهى وقت الصمود.
غشاوة نزلت على عينه… وإيده كانت هتفلت من على المقود بس ربنا ستر المرادي.
لكن…!
مرة واحدة، نور قوي شق عيونه من عربية ضخمة جاية في وشه!
حط إيده على عينه بسرعة، ومسح دمعته قبل ما تتصدم بيه يمكن السواق مش شايفه!
قدر يتفاداها في آخر لحظة…
لكن لما بص في المراية، قلبه دق بعنف لقاها جاية عليه تاني… وكأنها قاصداه!
قطّب حواجبه بدهشة ممزوجة بغضب، وزوّد سرعته وهو بيتمتم بحدة:
“عارف كويس مين ورا المؤامرة دي!”
ثم أسترسل و صرخ بغضب:
_ آه يا ولاد الكلب!
فضل سايق بسرعة… لكن مكنش قدامه حل.
إما يموت جوا العربية… أو يخاطر!
فجأة، هدّى السرعة نسبيًا…
وفتح الباب… ومن غير ما يفكر كتير ولا يتردد ، رمى نفسه برّه العربية!
في لحظة، كان جسمه بيدحرج على الأسفلت بقوة…
الألم والخدوش كانوا بيمزقوا جسمه… لكنه استحمل لأنه كان عارف إن دي الطريقة الوحيدة يعيش.
وعلى بُعد أمتار…
قدر يشوف عربيته… وهي بتتخبط بعنف، لحد ما اتدَفعت ووقعت من فوق الكوبري بالكامل.
وعلى الجانب الآخر…
رفع واحد منهم الموبايل على ودنه، وقال بنبرة غامضة:
_ تم كل حاجة يا باشا… والبقاء لله!
ثم ضحك بسخرية وهو بيكمل:
_ ربنا يثبته عند السؤال!
أما عند “ريان”…
كان بيتأوه بضعف، بيحاول يقوم من على الأرض قبل ما عربية تانية تعدّي وتدهسه.
قام بصعوبة… ماسك دراعه المصاب، ووشه متكسر من الألم…
رفع إيده السليمة لأول عربية عدّت قدامه…
وقفت له صعد بها ورحل بسرعة قبل أن يعود مرةٌ آخرى.
• • • • •
وفي ڤيلا “الريـــــــــــــان”…
كانت قاعدة مش على بعضها… بتروح وتيجي في الأوضة، تايهة ومش عارفة تفكر.
أعصابها مشدودة لأقصى درجة…إزاي يتجرأ ويعمل حاجة زي دي؟!
وفي غمضة عين…
سمعت صوت الباب بيتفتح.
قلبها خبط بقوة… ولفّت بسرعة، وعلى طول جه في بالها “محمود”…
اللي طلع لها مرة واحدة قبل كده، وكان عايز يقابلها بره البيت… ويسمع قرارها.
لكن
اتصدمت!!!.
لما لقيت “ريان” داخل…
وبيوقع على الأرض فجأة، بيتأوه بضعف، وصوته طالع بالعافية:
_ الحقيني يا “شرف”… مش قادر آه!
جحظت عينيها، وجريت عليه بسرعة، ركعت جنبه وهي بتحاول ترفعه، إيديها بتترعش من الصدمة:
_ مالـ… مالك يا “ريان”؟!
قال بصعوبة، من بين أنفاسه المتقطعة:
_ آه… مش قادر… إيدي هموت… وجسمي كله واجعني بشكل مش طبيعي!
عيونه كانت مغمّضة… والخدوش حوالين عينه مخلياه مش قادر يفتحها.
قامت واقفة فجأة برعب، وقالت بسرعة ولهاث:
_ طب… طب خليني أنادي طنط! أو نكلم دكتور بسرعة!
كانت لسه هتجري وتقولهم
لكن صوته وقفها، وهو بيهتف بقوة رغم ألمه:
_ لا! متجيبيش حد… أمي لو شافتني كده ممكن تروح فيها!
سكتت لحظة… مترددة.
_ حاولي… بس سنديني أنام على السرير… عشان هرتاح!
قالها بتعب شديد.
من غير تفكير، راحت له وسندت دراعه حوالين رقبتها…
وقف بالعافية، لكنه صرخ فجأة:
_ آااه يا رب! نااار!
_ أنا آسفة! معلش… معلش!
قالتها بخوف، وعيونها اتمليت دموع، وساعدته يقعد بهدوء:
_ اقعد… بالراحة!
وبصتلُـــــــه بحيرة وخوف ثم اردفت:
_ مين اللي عمل فيك كده؟!
ابتسم ابتسامة جانبية… خالية من أي روح، وقال بصوت مليان غضب:
_ هيكون مين غيرهم…
بس قسماً بالله، لدفعهم التمن غالي من روحهم كده… آآه!
اتجمدت مكانها… وهزت راسها بإنكار.
“أكيد لا…”
كرهها ليهم عدى كل الحدود…
وجعها منهم أكبر من أي وصف… ومش هتهدى غير لما تاخد حقها.
بصت له تاني… بنظرات مليانة حيرة وخوف… وشفقة كمان.
هي نفسها مش فاهمة… خوفها عليه ده كله جه منين!
فجأة مسحت دموعها بسرعة وقالت:
_ أنا هقوم أجيب حاجة أطهر بيها جروحك!
هز راسه بضعف… وعينه متعلقة بيها وهي بتجري.
الخوف اللي في عيونها عليه… نسى وجعه للحظة، وخلاه يبتسم وهو بيهمس:
_ يا ريتني كنت اتصبت من زمان… عشان أشوف النظرة دي في عيونك يا “شرف”!
رجعت بسرعة، ومعاها علبة الإسعافات الأولية.
قعدت جنبه على طرف السرير، وبدأت تجهّز الأدوات بإيد ثابتة رغم توترها.
قرّبت منه بهدوء… ومسكت قطنة، وبدأت تنظف الدم من على وشه.
اتأوه بضعف…
بصت له بخوف وقالت بنعومة:
_ معلش… حقك عليا… بس لازم أنضف الجرح عشان أخيطه!
ابتسم بهدوء، وسألها كأنه نسي وجعه:
_ بجد؟ وإنتِ اتعلمتي فين كل ده؟
ابتسمت بسخرية خفيفة، وقالت بصوت مكسور:
_ كنت بشتغل فترة في صيدلية جدو… أبو ماما…
علّمني كل حاجة… وكان دايمًا يقول إني هبقى دكتورة قد الدنيا.
وفجأة… دموعها نزلت:
_ بس ميعرفش إن الدنيا جت عليا من بعده… وبقيت دكتورة لجروحي…
اللي “راشد الهلالي” بيعملهالي في جسمي… لمجرد إني حلمت أبقى دكتورة!
سكتت…
رفع إيده السليمة، ومسح دموعها برفق، وقال بصوت هادي دافي:
_ طب ما إنتِ دكتورة قد الدنيا أهو…
وعرفتي تداوي قلب واحد… قبل جروحه!
رفعت عيونها له بدهشة… مش فاهمة قصده.
بس… فرحت.
قرّبت أكتر عشان تخيط الجرح… وبقت قريبة منه بشكل خلاها تتوتر.
نظراته كانت ثابتة عليها… جريئة… فيها حاجة مش مفهومة.
_ آه…!
اتأوه فجأة، بعدت بسرعة وقالت:
_ حقك عليا! مكنش قصدي!
_ ولا يهمك… كمّلي… أنا مش حاسس بحاجة.
قالها بهدوء غريب.
وده خلاها تتلخبط أكتر… ووشها احمر من الخجل.
كان باصصلها… مستغرب هي جايبة الدفا ده كله منين؟
وإزاي قربها بيريّحه أكتر من أي دوا؟
خلّصت، وحطت اللاصق على الجرح، وقالت بهدوء:
_ بالشفا إن شاء الله… ألف سلامة عليك!
ابتسم بحب واضح:
_ الله يسلمك يا شرف!
( الله مالوا الواد ده مسهوك ليه كده.. امال لو مكنتش هتتقلب من علي الطريق 


)!
قامت ترتب الحاجات… ورجعت تساعده يغيّر التيشيرت، وهي مديّة وشها الناحية التانية من كسوفها.
وهو… رغم وجعه، كان مبتسم على براءتها.
لكن هي… كانت تايهة في حاجة تانية.
“محمود” رجع تاني…
وقلبها متلخبط بين خوف وقرار لازم تاخده.
نام “ريان”…وهي فضلت جنبه طول الليل.
بتداويه… وبتبص له بحزن.
يمكن عشان هو الوحيد اللي عمره ما أذاها…
بالعكس… هو السبب في أنقذها قبل كده.
ابتسمت بوهن وهي فاكرة… لما دخل عليها المخزن، وداوى جروحها، وأكلها بإيده بصت له، وقالت بصوت مكسور:
_ أنا آسفة يا ريان…إنتَ مش ضعيف…
إنتَ أقوى حد وقف جنبي.
سكتت لحظة، وكملت:
_ جميلك ده… عمري ما هنساه وهيفضل فوق راسي طول العمر.
نظراتها اتحولت لغضب مكتوم وقالت:
_ منك لله يا رفعت… إنت وراشد الكلب!
حطت راسها جنبه على الوسادة…
وراقبت أنفاسه الهادية، مدت إيدها، ولمست جرحه برفق…
وبعدين طبعت قبلة خفيفة على إيده المصابة:
_ حقك عليا… مكنتش تستاهل كل ده…حقك عليا منهم كلهم
ضمت إيده لحضنها…
وكأنها بتستمد منه الأمان غمضت عينيها…
ولأول مرة من زمان نامت وهي قلبها مرتاح من غير خزف ولا ضغوط!.
• • • •
وفي صباح يومٍ جديد…
استفاقت على صوت عالي جاي من تحت…
صوت خبط وصريخ مليان غضب! دبّ الرعب في قلبها أول ما ميّزت الصوت”رفعت”!
قربت من الباب بسرعة، وخرجت تبص من فوق…
لقته واقف في نص الفيلا، رافع وشه لفوق، وبيزعق بكل قوته، وعينه مولعة بشر:
_ شـــــــــــــــرف! إنتِ فين؟! انزليلي هنا!
مــــــات اللي كان مقويكِ وحاميكي… وجيت أنا أخد روحك بإيديا!
اتجمدت مكانها لحظة…
وبعدين جريت برّه الأوضة، بتبص له برعب من فوق.
وفي نفس اللحظة، خرجت “هنا” و”كريمة” على صوته، وقالوا بصدمة:
_ إيه ده؟! إزاي دخل هنا؟! يا حرس!وفين الرجاله اللي بره يجو يخدو البتاع ده من هنا!
بصلهم باحتقار، وهدر بصوت مرعب:
_ اسكتي يا مرا إنتِ! بدل ما أجي أجيبك من شعرك!
اتراجعت “هنا” بخوف…وفي اللحظة دي
بدأت “شرف” تنزل السلم… بخطوات ثابتة، عكس الرعب اللي جواها، وقالت بنبرة متحدية:
_ نورت يا خويا… والله كنت مستنياك!
ضحك بسخرية سودا، وقال:
_ أيوه… جيت أزورك… وأعمل اللي معرفتش أعمله من سنين…
وأمسح عارنا بإيديا… وأخليكي عبرة!
وقبل ما يكمل…
هجم عليها فجأة، ومسكها من شعرها بعنف!
شهقت “هنا”… بس ابتسامة خبيثة ظهرت على وشها.
أما “شرف” صرخت، وحاولت تفلت نفسها…
وملقتش قدامها غير فازة مسكتها وضربته بيها على دماغه!
اتراجع خطوة وهو بيتأوه:
_ آه يا بنت الـ…!
لكن عيونه احمرت أكتر…
وفي لحظة، رفع إيده في الهوى لينزل بينا بڪف قوية على وشها، وبدأ يجرّها وراه بعنف زي الدبيحة وهي بتعافر في إيده وبتقول بصريخ ووجع من قبضته علي خصلاتها:
_ آه أبعد إيدك…يكش تتقطع!.
لكن في لحظة… كل حاجة وقفت.
رجالة “ريان” دخلوا فجأة…
ومسكوه من دراعه، ووقّعوه على الأرض، وانهالوا عليه ضربه وفي نفس الوقت…
نزل “ريان” من على السلم… خطواته تقيلة… وجسمه لسه موجوع…
بس عيونه؟ كانت مليانة هيبة وغضب.
وقف قدامهم، وقال بنبرة هادية… بس تقطع الانفاس:
_ طب ما كنت تقول يا ابن عمي إنك جاي… تضرب مراتي وتعزي…كنت أعمل معاك الواجب!
صدمة ضربت المكان كله.
جحظت عيونهم…
جريت “شرف” عليه بسرعة، واستخبت في حضنه وهي بتعيط…وإيده اتحطت عليها بحماية واضحة.
أما “رفعت”…
فبص له بصدمة ممزوجة بحقد، وهدر:
_ إنتَ… لسه عايش؟!
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية عشق شرف أنتقام) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.