رواية عشق شرف أنتقام الفصل الخامس عشر 15 – بقلم نور كرم
اافصل الخامس عشر
_ إزاي… إزاي حامل وإنتَ مبتخلفش؟!
صرخت في وجهه بغضبٍ مشتعل، لكنّه لم يُبدِ أي رد… كان تركيزه بالكامل منصبًّا على تلك الغارقة في دمائها بين ذراعيه.
وقفت الأخرى أمامه تمنعه من الرحيل، تهدر من جديد:
_ بقولك رُد عليا… إزاي حامل؟!
لكنّه جحظ بعينيه بشكلٍ مخيف، ثم صاح بها هادرًا:
_ هو ده وقته؟! غوري من وشي!!
تراجعت للخلف بخطواتٍ مرتبكة، والغلّ يتطاير من عينيها، بينما اندفع هو راكضًا يحملها بين ذراعيه، ودموعه الساخنة بدأت تتساقط رغمًا عنه…
الخوف ينهش قلبه، وصوته خرج مرتجفًا برجاء:
_ أرجوكِ استحملي يا “شرف”… كل حاجة هتبقى كويسة… أرجوكِ استحملي!!
وضعها في المقعد الخلفي، ثم اندفع إلى مقعده يقود السيارة بسرعةٍ جنونية، وكأن قلبه على وشك أن ينفلت من بين ضلوعه من شدة الفزع.
دموعه لم تتوقف، يرجوها في داخله أن تبقى… ألا تتركه الآن…
لم يكتفِ بها بعد، لم يعش معها ما يكفي من العمر ولا الذكريات…
خلال دقائق، وصل أمام المستشفى، حملها بين ذراعيه واندفع صارخًا:
_ فين الدكاترة؟! بسرعة الحقوني!!
ترولّي بسرعة!!
لم تمر ثوانٍ حتى اندفع الممرضون نحوه بالتروالي، وأخذوها منه مسرعين إلى غرفة الطوارئ…
حاول الدخول خلفهم، لكن الطبيب منعه بعنف، وأُغلق الباب في وجهه.
تراجع للخلف بخطواتٍ تائهة، كأنه فقد الاتجاه…
عقله وقلبه يرفضان فكرة الخسارة.
لم يصل إلى هنا ليخسرها… ليس الآن.
كيف له أن يتخيل حياته بدونها؟
لو أصابها مكروه… سينهار كل شيء داخله.
قلبه لن يُفتح لأحدٍ بعدها… أبدًا.
مرّت ساعة عليه كأنها دهر…
وأخيرًا خرج الطبيب من غرفة العمليات، وعلى وجهه ملامح لم تُطمئن قلبه.
اقترب منه بخطواتٍ بطيئة، وأنفاسه تُسحب منه سحبًا…
نزع الطبيب الكمامة وقال بنبرةٍ حزينة:
_ أنا بصراحة مش عارف أقول لحضرتك إيه… بس
البقاء لله.
جحظت عيناه، وكأن روحه سُحبت منه…
لكن قبل أن يسقط بالكامل، أردف الطبيب سريعًا:
_ مقدرناش ننقذ البيبي… لكن المدام الحمد لله بخير.
_ آااااااه!!
خرجت صرخته كمن عاد للحياة بعد موت، وسقط على المقعد خلفه، وقدماه لم تعودا قادرتين على حمله…
انهارت دموعه وهو يردد:
_ الحمد لله… الحمد لله إنها بخير… الحمد لله يا رب!
رفع عينيه بسرعة، ومسح دموعه، وسأل بقلق:
_ قولي يا دكتور… هي كويسة؟ مفيش خطر عليها؟!
تنهد الطبيب وأجاب:
_ الحمد لله هي بخير… لكن واضح إنها اتخبطت جامد. هي حصلها إيه بالظبط؟
_ وقعت من على السلم في البيت.
قالها بألم، فأومأ الطبيب متفهمًا:
_ عشان كده حصل نزيف شديد… للأسف الحمل كان ضعيف جدًا، والبيبي ما استحملش.
_ أنا عارف… ومش مهم أي حاجة، المهم إنها كويسة… أي حاجة تتعوض بإذن الله.
قالها برضاٍ موجع، بينما قلبه يحمد الله فقط على نجاتها.
أكمل الطبيب:
_ هننقلها لأوضة عادية، وتقدر تشوفها أول ما تفوق.
هز رأسه بهدوءٍ لا يشبه العاصفة بداخله…
لكن فكرة واحدة كانت تقتله:
كيف ستتحمل خبر فقدان طفلها؟
تراجع للخلف، يشعر أن الجدران تضيق حوله…
أنفاسه تختنق…
بدونها، لا طريق… ولا حياة.
الخوف لم يعد شعورًا… بل أصبح شيئًا يلتهمه.
جلس على ركبتيه، وكأنه يحمل جبالًا فوق كتفيه…
يزفر بصعوبة، وعيناه لا تثبتان على شيء.
كيف سيواجهها؟كيف سيخبرها؟
مرّت نصف ساعة…
خرجت على التروالي، ساكنة كجسدٍ بلا روح…
رأسها ملفوفة بالشاش، وشفاهها مائلة للزرقة، ويدها موصولة بالكانولا…رآها… فتجمّدت أنفاسه.
اندفع خلفهم حتى الغرفة، وحين حاولوا حملها، هدر فجأة:
_ استنّوا… محدش يشيلها!!
احمرّت عيناه، وامتزج الخوف بغيرةٍ غريبة…
اقترب منها، وحملها بنفسه بحذر، كأنها شيءٌ هشّ قد ينكسر بين يديه…
أسند رأسها إلى صدره، ودخل بها الغرفة، ثم وضعها برفقٍ على الفراش.
وقف يراقبهم وهم يثبتون الأجهزة، وعيناه لا تفارقها…
خوفٌ صامت، لكنه قاتل.
خرج الممرضون، وبقي هو والطبيب حتى سأله بصوتٍ متحشرج:
_ هتفوق إمتى؟ بقالها كتير مغمضة عينيها.
أجابه الطبيب بهدوء:
_ الإصابة كانت قوية، وكمان خدّت جرعة بنج كبيرة… بس متقلقش يا “ريان” بيه، هي بخير.
وغادر الطبيب…
وبمجرد أن أصبح وحده، انهارت دموعه دون مقاومة.
لأول مرة منذ سنوات… يبكي هكذا.
مسح دموعه، وجلس بجوارها، يمسك كفها بين يديه…
يربّت عليها بحنانٍ مرتجف، ثم همس:
_ أنتِ عارفة إني بحبك يا “شرف”… صح؟
بس… أنا عايزك تسامحيني المرة دي…أنا للمرة التانية مقدرتش أحميكِ…
صوته انكسر، وأنفاسه اختنقت، لكنه أكمل:
_ بس أرجوكِ… متسبنيش. أنا من غيرك معيش…
أنا بحبك يا “شرف”… ومصدقت لقيتك…
بيقولوا دموع الراجل ضعف… بس أنا لو عشت من غيرك… قلبي مش هيستحمل.
مال عليها، وطبع قبلة خفيفة على وجنتها المتورمة…
كأنه يحاول يطمّن قلبه قبلها.
جلس بجوارها، يراقبها في صمت…ينتظر أن تفتح عينيها…
أن تقول له : “يلا نمشي من هنا”
لكنها لم تستيقظ.
مرّت الساعات، وجفّت دموعه على وجهه…
لكن عينيه ظلّتا ممتلئتين بالخوف، وفي صباح يومٍ جديد…
غلبه الإرهاق، وسقط في نومٍ عميق…
وعيناه لا تزالان معلّقتين بها…
• • • •
في منزل “ريان”…
وبالتحديد داخل غرفة “هنا”…
كانت واقفة قدامه، وعيونها مليانة غِل واضح، وقالت بنبرة قاطعة:
_ أنا بقولك… الولد ده مش ابن “ريان”. أنا عارفة كويس إن “ريان” مبيخلفش.
ضحك نص ضحكة ساخرة، وهو بينفث دخان سيجارته ببطء، وقال باستهزاء:
_ إيه يا “نونو”… هو إنتِ كدبتي الكدبة وصدقّتيها ولا إيه ؟ مين ده اللي مبيخلفش؟
بص لها بنظرة أتقل، وأضاف بحدّة خفيفة:
_ ولا نسيتي إنك إنتِ اللي عندك المشكلة…؟ وإلا كان زمانك حامل مني دلوقتي.
اندفعت عليه بسرعة، وكتمت صوته بإيدها:
_ واطي صوتك! إنتَ عايز تودينا في داهية؟!
بعدت خطوة، وابتدت تتكلم بعصبية مكتومة:
_ الموضوع ده محدش يعرفه غيري أنا وإنت…
الكل فاكر إن “ريان” هو اللي مبيخلفش… حتى “شرف”.
سكتت لحظة، وعينيها لمعت بشك قاتل، وكملت:
_ بس أنا متأكدة… اللي كان في بطنها ده مش ابنه.
رفع حاجبه بسخرية، وقال:
_ بجد ومالك متأكدة أوي كده ليه؟
تنهدت بضيق، وردّت وهي بتقرب منه شوية:
_ عشان سمعت… هو وأمه.
اتعدل في وقفته، وملامحه اتشدت:
_ قصدك “كريمة” عارفة وساكتة؟! دي بتكرهها كُره العمى!
ابتسمت ابتسامة باردة، وقالت:
_ عشان ابنها… طبيعي تداري.
وبصت له بنظرة أعمق، وأضافت:
_ وبعدين… لو البنت دي مكانتش حامل، مكنش أخوها جرّها من شعرها قدام الكل زي معمل؟
سكت لحظة، مستوعب الكلام… لكنها قطعت تفكيره وهي بتقول ببرود:
_ المهم دلوقتي… لو “شرف” فاقت وعرفت إن إحنا اللي وقعناها… إحنا الاتنين انتهينا.
_ هااا…!
شهقة مكتومة خرجت من خلف الباب…”سميرة”.
كانت واقفة، إيديها بتترعش، وقلبها بيدق بعنف…
سمعت كل كلمة.
عن خيانتها … وكدبها… ده غير ومحاولة قتلها لـ”شرف! رجعت لورا خطوة، مش قادرة تستوعب…
الدنيا لفت بيها، ومبقتش عارفة تقف حتى.
همست لنفسها بصوت مهزوز:
_ أعمل إيه…؟ أقول؟ ولا أسكت…؟
دموعها نزلت، وهي بتبص للسقف كأنها بتدور على إجابة:
_ لو اتكلمت… محدش هيصدقني… وأنا اللي هلبس كل حاجة.
عضّت على شفايفها بألم، وكملت:
_ ولو سكت… هعيش إزاي وأنا شايفة القرف ده كل يوم؟
رفعت عينيها للسماء، وصوتها خرج مكسور:
_ يا رب… دلّني… أعمل إيه؟
• • • •
وفي المستشفى…
كان يقفُ رجلٌ مُلثّم، يرتدي زيّ طبيب، متوارٍ خلف الجدران الباردة، يُخفي ملامحه خلف كمامةٍ تُغطي نصف وجهه، وبين أصابعه حقنةٌ فارغة… لكن نواياه لم تكن أبدًا كذلك.
تحرّك ببطءٍ مدروس حين تأكد أن “ريان” غير موجود داخل غرفة “شرف”… خطواته كانت محسوبة، ونظراته حذرة، يُخفي وجهه عن أعين الأطباء والممرضين، وكأنه شبحٌ يتسلل في وضح النهار.
وبالفعل… لم يستغرق الأمر سوى ثوانٍ قليلة، حتى كان داخل الغرفة.
أغلق الأنوار خلفه، فغرقت الغرفة في عتمةٍ ثقيلة، لا يقطعها سوى صوت الأجهزة الطبية… تُعلن ببرودٍ عن أنفاسٍ ما زالت تُقاوم.
تقدّم بخطواتٍ بطيئة، ثقيلة، وعيناه تشتعلان بشرٍ خالص… وفي داخله يقسم أنه لن يتراجع، وأن هذه المحاولة… يجب أن تنجح.
اقترب من السرير، وحدّق بها بلا شفقة، بلا ذرة إنسانية… كأنها لا تعني له شيئًا.
وبدون تردد، رفع يده… مستعدًا ليغرز الحقنة في رقبتها
لكن…
انفتح الباب فجأة ودخل “ريان”.
تجمّد المشهد لثوانٍ، قبل أن يعقد “ريان” حاجبيه بتعجب، ويخرج صوته حادًا، مخيفًا:
_ اي ده إنتَ بتعمل إيه هنا يبني… مين أمرك تدخل هنا!!!
ابتلع الآخر ريقه بصعوبة، وشعر برهبةٍ زحفت إلى أوصاله، بينما تصاعد التوتر في الهواء
وفجأة، ارتفع صوتٌ آخر بعصبية:
_ يا دكتور…. مين اللي أذان للممرض ده يدخل هنا!!
اقترب الطبيب بخطواتٍ مترددة، والخوف واضح في عينيه من عواقب ما يحدث، قبل أن يقطب حاجبيه بدهشةٍ حادة وقال:
_ إيه ده إيه ده إنتَ مين يبني شيل الماسك ده!!
وقف المُنتحل متجمّدًا، كأن الأرض سُحبت من تحت قدميه… لا يعرف أين يهرب، ولا كيف ينجو
لكن عينيه لمحتا المخرج الوحيد.
الشباك.
وفي لحظةٍ خاطفة… اندفع نحوه، فتحه بعنف، وقفز.
جحظت أعين الجميع في صدمةٍ مشلولة، بينما اندفع “ريان” نحوه بسرعة، يحاول اللحاق به
خصوصًا وهو يعلم جيدًا أن الارتفاع شاهق… مستحيل أن ينجو!
وصل إلى الشباك، وألقى نظرةً سريعة
ليجده في الأسفل… غارقًا في دمائه، والناس ملتفة حوله، يحدقون بذهول في ذلك الجسد الساقط من هذا الارتفاع المرعب.
تراجع “ريان” خطوةً إلى الخلف، والصدمة تُقيّد أنفاسه… غير قادرٍ على استيعاب ما حدث خلال ثوانٍ معدودة.
رجلٌ ألقى بنفسه من الشباك… بكل هذا البرود؟!
وفجأة
اتسعت عيناه برعب.”شرف!”
استدار بسرعة، وعاد يركض نحوها، وكأن قلبه عاد ينبض بالخوف من جديد.
اقترب منها بلهفة، وعيناه تراقبان الأجهزة… النبض منتظم… والتنفس مستقر كما هو.
زفر بارتياحٍ ثقيل، كأن روحه عادت إليه للتو.
يعني كده إن المستهدف “شرف” إزاي ومين يتجرأ
ويحاول يقرب منها… هما مكفهمش اللي حصلها كمان عايزين يقتلوها!!
هدأت أنفاسه قليلًا بعد أن اطمأن أنها ما زالت بخير…
لكن داخله لم يهدأ.
قلبه ما زال يضرب بعنف، بالخوف… وبشيءٍ أخطر.
غضب.
وعيناه امتلأتا بشرٍ صامت، قاتل…
كأن داخله بدأ يرسم، وبهدوءٍ مرعب، الطريقة التي سيُحاسب بها كل من تجرأ… وحاول أن يلمسها بسوء.
• • • •
وفي مكانٍ آخر…
كانت سيارةٌ سوداء مصطفّة أمام المستشفى، تقف في صمتٍ مريب، كأنها تراقب كل ما يحدث من بعيد.
داخلها…
أخرج ذلك المجهول هاتفه، ورفعُه إلى أذنه، قبل أن يقول بنبرةٍ يغلبها الأسف:
_ الو يا “كريمه” هانم… للآسف “عباس” مات ومقدارش يكمل المهمه!!
جاءه صوتها فورًا، حادًا، مرتجفًا بين القسوة والقلق:
_ إنتَ غبي… وحصل إيه و”ريان” عرف…. عرف إني أنا اللي وراها!!
تنهد بعمق، محاولًا أن يهدئ من روعها، رغم التوتر الذي تسلل إلى صوته:
_ لاء الحمد لله مفيش حاجة من دي حصلت… الواد أول ما شاف “ريان” بيه نط من الشبّاك ومسبلوش فرصة يسأل!!
وضعت يدها على صدرها، تشعر بدقات قلبها التي كادت تفضحها، وأغمضت عينيها بقوة، تستعيد توازنها بصعوبة…
لكن سرعان ما عادت، بنبرةٍ أكثر حدة وعصبية:
_ خلاص يا حيوان أقفل…. عارف لو حد عرف بالموضوع ده هندمك وهقتلك زي ما صاحبك مات بالظبط!!!
كانت كلماتها الأخيرة مشبعة بتهديدٍ صريح، ونار الغضب تتأجج في عينيها، كأنها مستعدة لحرق كل من يقف في طريقها.
أغلقت الهاتف بعنف، وأسنانها تضغط على بعضها بغيظٍ قاتل…
تتمنى في تلك اللحظة لو أنها هي من أنهت الأمر بيديها… لتتخلص من كل هذا القلق، وترتاح.
• • • •
وفي المستشفى… لم يتحرّك من جوارها لثانية، ولم تجرؤ عيناه على الغفوة ولو للحظة…
كأنه إن أغفل عينيه، فقدها… أو خذلها مرة أخرى…
قلبه يهبط من مكانه كلما وقعت عيناه عليها…
وللمرة الثانية، يشعر بذلك العجز القاتل…
عجز رجلٍ لم يستطع أن يحميها من الألم… ولا من القدر…
كان جالسًا بجانبها… عيناه معلّقتان بوجهها الشاحب…
قلقٌ صامت ينهش صدره بلا رحمة مرّ يومٌ وليلة… وهي على حالها…
لم تفتح عينيها… لم يسمع صوتها…
وكأن الحياة انسحبت منها… وتركت خلفها جسدًا ساكنًا… ينهش روحه ببطء…
هي لم تكن مجرد امرأةٍ في حياته…
كانت عالمه… وصوته… ونبضه…
وكأنها، دون أن يشعر، أصبحت إدمانه الوحيد
دفن وجهه في كفّها… الذي احتواه بين راحتيه…
وعيناه ذابلتان، مثقلتان بحزنٍ عميق…نظر إليها برجاءٍ خافت…
رجاء رجلٍ أنهكه الانتظار… ويتوسّل عودتها كما كانت…
_ هو أنتِ هتفوقي أمتى يا “شرف” أنا مش عارف ليه الغيبه دي كلها…
خرج صوته محمّلًا بالوجع… كأن قلبه هو من نطق، لا لسانه…
تنهد بعمق، وازداد الألم وضوحًا في نبرته… حتى غلبه ضعفه هذه المرة:
_ ولا أنتِ بتعملي كده عشان…. عشان توريني إني ضعيف… بتعذبني بعدك عشان تعرفيني إني مقدرتش احميكِ
ابتلع ما تبقّى من صموده…
وصوته انكسر أكثر وهو يهمس برجاءٍ موجوع:
_ فوقي بقا يا “شرف” مبقتش قادر علي بُعدك أكتر… مكنتش اعرف إن من غيرك مسواش حاجه كده!!
كانت كلماته قليلة… عاجزة…
لا تسعف ما يعتمل بداخله من انهيارٍ كامل…
يأس من الانتظار… ومن الصمت الذي لا يُجيب…
فعاد يدفن وجهه بين يديها…
وقبّل كفّها برفق… قبلةً تلو الأخرى… بحنانٍ مرتجف…
لكن فجأة تجمّد مكانه…شعورٌ غريب تسلّل إليه…
أناملها… تتحرّك…!
رفع رأسه بسرعة، وعيناه تتعلّقان بها بلهفةٍ متوترة…
ينتظر… يتشبّث بأي علامة حياة وبالفعل…
بدأت رموشها ترتجف ببطء… وكأن جفونها مثقلة عليها…
ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة… وخرج اسمها همسًا مرتجفًا:
_”شــــــــــــــرف”!!!
وما إن نطق اسمها… حتى فتحت عينيها…
وتسلّط الضوء عليهما، فكشف عن بريقٍ خاطف رغم التيه…
كانت نظراتها شاردة… تائها لا تدرك أين هي… ولا ما الذي حدث…
جالت عيناها في المكان برهبة…
والذكرى الأخيرة تقتحم وعيها… سقوطها من على السلم…
حاولت أن ترفع رأسها…
لكن الألم جذبها بقسوة… فعادت تتأوه… وهمست بصوتٍ مرتجف:
_ أنـ….. أنـا فين؟
اقترب منها فورًا، وصوته يغلبه القلق:
_شرف حبيبتي… إنتِ في المستشفي… قوليلى أنتِ كويسه حاسه بوجع انادي الدكتور!!!
أبعدت وجهها قليلًا، وبدت ملامح الألم واضحة عليها، ثم قالت بضعف:
_ “ريان”! أنا إيه…. إيه حصلي!؟
انحنى نحوها، وقبّل رأسها بحنان…
واقترب أكثر… حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أنفاسٍ متداخلة…
كأنه يستعيد بها روحه الضائعة…
_ حبيبتي أنتِ وقعتي من فوق السلم!! وأنا نقلتك وجبتك المستشفي!!!
أغمضت عينيها متألمة…ثم فجأة، فتحتها بقلقٍ مفزع… ورفعت يدها تتشبّث به:
_ ريان…. وأبني…. أبني عامل إيه طمني عليه هو… هو كويس!!!
تجمّد…كانت تلك اللحظة التي يخشاها…
أطبق الصمت على لسانه…ففضحه سكوتُه!
لمحت هي ذلك… فامتلأت عيناها بالدموع فورًا، وهمست برجاءٍ يمزّق القلب:
_” ريان” أرجوك قولي إنه كويس…. متسكتش رُد عليا!!
أدار عينيه بعيدًا…
ومسح دموعه سريعًا في كتفه… كأنه يخجل من ضعفه…
ثم عاد إليها… بصوتٍ حنون، لكنه مثقل:
_”شرف” حبيبتي… أنتِ عارفه أن ربنا لو حرمنا من حاجه فعشان ده في خير لينا صح!!
ومش معني إن حاجه راحت مننا يبقا كده. نهيت الدنيا لاء ولازم نكون مؤمنين أن ربنا هيعوضنا..
انعقدت ملامحها بعدم فهم…وعقلها يرفض استيعاب كلماته…قبل أن تهمس بانكسارٍ واضح:
_ أنا مش فاهمه حاجه!!
ثم أكملت، وصوتها يرتجف:
_ إنتَ قصدك إيه… أبني يا”ريان” بخير ولا لاء!!
سؤالٌ بسيط…لكنه أثقل من أن يُجاب، اختنق صدره…
وكأن الهواء أصبح عبئًا عليه…
أغمض عينيه… واستجمع شجاعته بصعوبة…ثم نطق، بصوتٍ خافت يحمل النهاية:
_ البقاء لله يا”شرف” الولد أتوفى… بسبب أن الوقعه كانت تقيله عليه وأنتِ حملك كان ضعيف فمستحملش وأتوفى.
اتّسعت عيناها بصدمةٍ جامدة…وانهمرت دموعها بصمت…
أسندت رأسها على الوسادة…
وعيناها معلّقتان في الفراغ… بلا صوت… بلا حركة
كانت الصدمة… أكبر من البكاء…
_أنا عايزه اروح!
خرج صوتها أخيرًا… بعد صمتٍ ثقيل…
فزفر هو بعمق، محاولًا إخراج ما يثقل صدره، ثم قال بهدوء:
_ “شرف” حبيبتي أنتِ لسه تعبانه خليـ….!!!
قاطعته بحدة… ونبرةٍ لا تقبل نقاشًا:
_ عايزه اروح انا مش بحب المستشفايات خدني من هنا!!
أغمض عينيه مستسلمًا…
وتراجع للخلف، يلتقط أنفاسه، قبل أن يخرج لإنهاء إجراءات الخروج…وبمجرد أن أغلق الباب خلفه…
حتي انهارت…هي انفجرت في بكاءٍ هستيري..
كأن كل ما كبته خرج دفعة واحدة…بكت حتى جفّت دموعها…
على صغيرها… الذي لم تره… ولم تحتضنه، لكنها كانت تشعر به جزءًا منها…اقتُلع منها فجأة…
ظنّت أنه سيكون عوضها…لكن القدر… كان له رأيٌ آخر…
أغمضت عينيها، وخرج صوتها متحشرجًا من أثر البكاء:
_ حقك عليا يا حبيبي….. مقدرتش أحميك زي مماقدرتش أحافظ علي إي حاجه… حقك عليا متزعلش مني إنتَ عارف إني كنت هحبك أكتر من روحي… ومع كده فضلت تأخد روحي وتروح بعيد عني!!
اعتدلت في جلستها فجأة…على أثر طرق الباب…
دخل “ريان”…
وتجمّد قلبه للحظة حين رأى عينيها المنتفختين من البكاء…
اقترب منها سريعًا، وجلس بجوارها، وقال بقلقٍ ولهفة:
_ شرف حبيبتي أنتِ كويسه!!
أغمضت عينيها…وهزّت رأسها بنعم…
وفي تلك اللحظة، قطع الطبيب الصمت قائلًا بثبات:
_ الحمد لله كده إحنا قدرنا نتطمن علي مدام “” شرف” وصحتها كويسه جدًا تقدر تاخدها في إي وقت يا “ريان” بيه!!
همّ الطبيب بالمغادرة… ثم أضاف بهدوء:
_ الف حمد لله علي سلامتك يا مدام “شرف!
هزّت رأسها في صمت…
ملامحها باردة… ساكنة بشكلٍ مريب…
كأن داخلها يشتعل…
لكن عينيها… تخفي كل شيء… خلف فراغٍ لا يُفسَّر…
• • • •
وفي منتصف النهار… ، حتى جاء صدى أذان العشاء
ينساب في الأجواء، وكأنه يفرض سكونًا غريبًا على كل ما يحدث…
كان يدخل بها إلى الفيلا… أوقف السيارة بمحاذاة الباب،
ثم نزل بسرعةٍ تكاد تفضح توتره،
وفتح الباب لها فورًا…
مدّ يده إليها لتساعده على النزول… رغم أنها لم تكن ترغب في دخول هذا المكان مرةً أخرى… لكنها كانت مُجبرة.
مدّت يدها ببطء، وكأنها تُسلّم نفسها للواقع… فاحتضن كفّها بين يديه، وباليد الأخرى أسندها من أسفل قدميها، ثم حملها بين ذراعيه بحنانٍ واضح…
نظر إليها بهدوءٍ عميق، فبادلته النظرة نفسها… لكن بعينين مثقلتين بالحزن والانكسار…
أمالت رأسها على كتفه بتعب، وكأنها تحتمي به من العالم… أو تهرب إليه من كل ما يؤلمها.
دخل الفيلا بثباتٍ يخفي خلفه عاصفةً لا تهدأ…
وما إن وقعت أعينهم عليهما، حتى توقّف الجميع وكأن الزمن تجمّد للحظة…
تشنّجت الملامح، واشتعلت العيون بغضبٍ مكبوت…
من “هنا”… إلى والدته التي امتلأت نظراتها بشرٍ واضح، تتساءل في داخلها بغيظ: كيف تفلت كل مرة؟ كيف تنجو من الموت وكأن لها عمرًا آخر لا ينتهي؟
لم يُلقِ عليهم حتى السلام… لم يمنحهم نظرة واحدة…
اكتفى بأن يتجاوزهم بهدوءٍ بارد، وهو يصعد بها إلى الأعلى… وكأن وجودهم لا يعني له شيئًا…
فحسابهم… لم يأتِ بعد.
وبالفعل، مضى كما أراد…
تحت نظراتٍ مشتعلة، وعجزٍ واضح خيّم عليهم…
لم يستطيعوا فعل شيء… سوى الغليان في صمت.
_ هي مبتموتش أبدًا!!
خرجت كلمات “هنا” محمّلة بحقدٍ أسود، يكاد يختنق في صدرها…
فهزّت الأخرى رأسها بسخريةٍ لاذعة، وقالت بنبرةٍ جارحة:
_ وهتموت إزاي وابني الهبل ماشي وراها… دي بنت “راشد” و”سميحه”… يعني عندها سبع ترواح!!
• • • •
وفي الأوضة…
دخل بيها بهدوء حذر، كأنه شايل حاجة هشة وخايف عليها تتكسر…
أول ما حطها، سابت رقبته بخفة، وجسمها مال لورا وهي بتتأوه بضعف واضح…
قلبه انتفض جواه، وحس بالذنب بياكله، فصوته خرج ملهوف:
_ أسم الله عليكِ أنا آسف!!
هزّت راسها بألم… ورفعت عينيها له بنظرة خجولة هو مش فاهمها…
كانت هتقف، لكنه لحقها بسرعة ومنعها وقال بقلق واضح:
_ أستني يا “شرف” رايحة على فين؟ إنتِ تعبانة!!
خدودها احمرت جامد، وصوتها اتلخبط وهي بترد:
_ كـُ…. كـُنت عايزة أدخل الحمام أستحمي!!
ابتسم بعفوية وقال فورًا:
_ بجد؟ طب تعالي أساعدك!
بصتله بذهول بسيط، وقالت بسرعة:
_ لاء أنا هعرف أساعد نفسي… بس ممكن توصلني لحد هناك؟ عند الحمام.
فهم كسوفها من غير ما تشرح… ومحبش يضغط عليها، فرد بهدوء:
_ طيب تعالي هوصلك.
مدّت إيدها بتردد… وهو مسكها بحذر وسندها عليه…
ومشي معاها خطوة خطوة، ببطء شديد… كأن كل خطوة بتتعبه قبلها…
عيونه مكنتش بتفارقها… متابع سكوتها التقيل… وهدوها اللي مش شبه اللي جواها خالص…
لحد ما وصلوا لباب الحمام…
وقفت، وأشارتله يسيبها… فسابها بهدوء، وقفلت الباب
وراه.
وقف مكانه شوية، سرحان…
وكان هيمشي… بس صوتها نده عليه فجأة.
جري على الباب بقلق، قبل حتى ما يخبط…بس هي اللي فتحت…وشها كله احمر… وعينيها بتهرب منه…
واضح إنها بتحاول تقول حاجة صعبة عليها…
وقالت بتلعثم:
_ يـ.. ينفع… ينفع تساعدني أقلع هدومي؟!
عينيه وسعت بصدمة خفيفة…بس مردش يسيب نفسه يفكر، ورد فورًا:
_ أكيد طبعًا!
دخل بإذنها…
وقعدت على طرف البانيو بمساعدته… جسمها بالعافية شايلها…
بدأ يساعدها… يخلع هدومها بهدوء شديد…
وعينيه بتهرب شوية… وترجع غصب عنه شوية…
وجواه صراع… بيدعي ربنا يثبته وميرتكبش غلطة في لحظة ضعف…
لحد ما بقت بالملابس الداخلية، مد إيده يكمل… لكنها وقفته فورًا…
عينيها في الأرض… وإيديها حوالين نفسها… كأنها بتحمي نفسها من نظراته…فهم من غير كلام…
وبعد فورًا… وهو من جواه بيحمد ربنا إنها وقفته…
بدأ يساعدها تستحمى…
بهدوء شديد… وحذر… كأنه بيتعامل مع جرح…
مش بيغسل جسمها بس… ده بيحاول يخفف عنها تعبها…
وهي كانت ساكتة… مستسلمة… مبتعارضوش…
كأنها سايبة نفسها ليه… بثقة… أو يمكن عجز…
أنتهى ونشفها بعناية… ولفها بالمنشفة كويس عشان تتدفى…
وشالها تاني بين إيديه…
فدفنت وشها في رقبته بخجل… وأنفاسها بقت قريبة منه جدًا…
ابتسم ابتسامة صغيرة… فيها راحة… وفيها امتنان…
حطها على الكرسي في غرفة اللبس…
فبصتله بخجل أكتر وقالت:
_ ممكن بس تغمض عينك عشان أخلع بقيت هدومي؟
قرب شوية وقال بهدوء:
_ شرف أنا جوزك… متقلقيش مني، أنا مستحيل أذيكِ بأي نظرة تجرحك… اسمحيلي المرة دي ومتتكسفيش.
هزت راسها برفض، وصوتها طلع ضعيف:
_ معلش يا “ريان”… عشان خطري أنا!!
تنهد بخفة ووافق… وغمض عينه فعلًا…
فضل كده لحد ما سمحتله… ففتح عينه بالراحة…
قرب منها وباس خدها بخفة، وهمس:
_ أنا بحبك أوي يا “شرف”… مكنتش هتوقع حياتي من غيرك… الحمد لله إنك بخير ورجعتيلي بالسلامة.
غمضت عينيها بعمق…
وأول ما خلص يساعدها تلبس… مسكت في رقبته وقالت:
_ عايزة أنام يا “ريان”… شيلني مش قادرة أقف.
شالها على طول… كأنها أغلى حاجة عنده…
وحطها على السرير براحة، وكان هيمشي… بس مسكت إيده وقالت:
_ تعالي… رايح فين؟ خليك جنبي.
قعد جنبها فورًا، وابتسم:
_ بجد عايزاني جنبك؟
_ آه… نيّمني في حضنك يا “ريان”… خايفة أنام لوحدي.
قالتها بصوت مهزوز، فشدها لحضنه فورًا…
حضنها بهدوء، كأن حضنه هو الأمان الوحيد ليها…
غمض عينه وهو بيشم ريحتها… كأنه بيطمن إنها معاه…
تنهدت… وقربت منه أكتر…
وفجأة بدأت تعيط…
_ أنا تعبانة أوي يا “ريان”…
كل حاجة بتمناها بتروح مني… كان نفسي يفضل أوي… بس هو مشي… ومفكرش فيا حتى!!
قلبه وجعه علي دموعها الغاليه اللي لمست بشرة عنقه وشدها أكتر… كأنه عايز يشيل عنها الوجع…وقال بحنية:
_ مش كل حاجة بنعوزها بنلاقيها يا “شرف”…
أوقات ربنا بيمنعها عننا عشان ممكن تكون مش خير لينا…
وربنا كبير… وعارف اللي جوا كل واحد…
ومش هيكسر قلبك إلا لو بعد كده هيجبره بحاجة أنتِ مكنتيش تتخيليها.
مسكت فيه أكتر… ومسحت دموعها في صدره وقالت:
_ احضني يا “ريان” جامد… خليني أنام… مش عايزة أفكر…مش عايزة أشوف الدنيا…
عايزة أنام بس… حاسة بخوف… متسبنيش… احضُني!!
باس راسها بحنية…وشدها معاه على السرير… وغطاها كويس…
وفضل يحضنها ويمسح على شعرها بهدوء…
عيونه مكنتش بتسيبها…
مليانة خوف… ووجع… ومش عارف يريّحها إزاي…
لحد ما حس بنفسها بقت منتظمة…
عرف إنها نامت… وهربت من كل حاجة…فضل باصصلها شوية… من غير ما يمل…
وهي في حضنه… هو محتاج إيه من الدنيا أكتر؟
مكنش عايز اللي حصلها ده كله يحصل…بس جواه جزء… كان مبسوط…إنها لما اتكسرت… ملقتش غيره…
غمض عينه بعد وقت طويل…وهو لسه حاضنها
وبعد شوية… نام هو كمان…
وهي بين إيديه… زي ما كان دايمًا بيتمنى
• • • •
في صباحِ يومٍ جديد…
كانت هي أول من استيقظ من غفوتها…
فتحت عينيها ببطءٍ شديد، كأنها تُجبر نفسها على العودة إلى واقعٍ لم تعد ترغب فيه…
تحركت عيناها في المكان من حولها… تبحث عنه…
لكن الفراغ إلى جوارها كان كافيًا ليُخبرها بكل شيء…
لم يكن هنا.
انقبض قلبها بضيقٍ مفاجئ…
كانت تحتاجه… لا، كانت تحتاجه بشدة…في هذا الوقت تحديدًا… بعد كل ما حدث…
لكنّه لم يكن موجودًا…
أغمضت عينيها لحظة، كأنها تحاول أن تُقنع نفسها بعدم الاهتمام…
لكن ذلك الشعور الخانق… احتياجها له… لم يهدأ.
تكورت على نفسها ببطء…
تضم جسدها بذراعيها… وكأنها تحاول احتواء ذلك الألم الذي ينهشها من الداخل…ألمٌ لا يُرى… لكنه يُرهق الروح.
لكن قبل أن تغرق أكثر…
قطع أفكارها صوت طرقاتٍ خفيفة على الباب.
رفعت رأسها سريعًا…وعيناها امتلأتا بلهفةٍ واضحة…
واعتدلت في جلستها فورًا، وكأن الأمل عاد للحظة…
_ ادخل…
قالتها بصوتٍ خافت…
لكن الباب انفتح…لتدخل “سميرة”… تحمل بين يديها صينية طعام… وابتسامتها المعتادة تزين وجهها…
قطعت الصمت بمرحٍ لطيف:
_ يا صباح الفل على العسل!!
ابتسمت “شرف” ابتسامة باهتة… لم تصل إلى عينيها…
فقطبت “سميرة” حاجبيها واقتربت منها قائلة:
_ إخص عليكِ يا مدام “شرف”… بقا ده وش يستاهل يبقى زعلان ومقشر كده؟ اضحكي كده خلي الشمس تنور!!
ألف حمد لله على السلامة يا أميرة!!
اتسعت ابتسامتها قليلًا هذه المرة، وقالت بامتنانٍ صادق:
_ الله يسلمك يا حجة “سميرة”… أمال… هو فين “ريان” بيه؟ راح فين؟!
تنهدت “سميرة” بعمق…
ثم وضعت الطعام أمامها برفق، قبل أن تُخرج ورقة صغيرة وتُعطيها لها:
_ ريان بيه نزل الصبح بدري… كان في مشكلة كبيرة في الشغل…
وقالّي أخلي بالي منك لحد ما يرجع… واديها الورقة دي كمان…
تناولت “شرف” الورقة بهدوء…
وقبل أن تفتحها… شعرت بشيءٍ دافئ يتسلل إلى قلبها…
فتحتها ببطء… وبدأت تقرأ:
_ صباح الخير على أحلى عيون… أنا عارف إنك صاحيه دلوقتي وبتقولي يا ترى “ريان” راح فين…
حقك عليا يا أغلى من عيني… كان عندي شغل مستعجل فاضطريت أنزل… بس متقلقيش مش هتأخر…
عايزك تفطري وتاخدي بالك من نفسك لحد ما أرجع…
بحبك أوي…
توقفت عيناها عند الكلمة الأخيرة…
وارتسمت على شفتيها ابتسامة حقيقية هذه المرة…
ابتسامة وصلت إلى عينيها… وأضاءتهما بشيءٍ افتقدته منذ وقت…حمدت الله في سرّها…
فقد ظنّت للحظة… أنه كغيره… لا يهتم…
لكنه… لم يكن كذلك.
أغلقت الورقة بحنان… وكأنها تحتفظ بما فيها داخل قلبها…
ثم رفعت عينيها إلى “سميرة”…
لكنها هذه المرة… لاحظت شيئًا مختلفًا.
تلك النظرة…المليئة بالحيرة… والتردد.
قطبت “شرف” حاجبيها وقالت باستغراب:
_ خير يا طنط “سميرة”… في حاجة عايزة تقوليها؟
تنهدت “سميرة” بعمق…وتبدلت ملامحها…كأن ما بداخلها أثقل من أن يُقال بسهولة…طال صمتها…
فازداد قلق “شرف”، وقالت:
_ طنط سميرة… مالك؟ حصلك إيه؟!
ابتلعت “سميرة” ريقها…
وقالت بتوترٍ واضح، وهي تفرك أصابعها ببعضها:
_ بـ… بصراحة يا “شرف” هانم… في حاجة عايزة أقولهالك…
بس مش عارفة إنتِ هتصدقيني ولا لأ…
ازدادت حيرتها، وقالت بقلق:
_ حاجة إيه دي يا طنط سميرة؟ قوليلي… متقلقنيش!
اقتربت “سميرة” وجلست أمامها…
وقلبها يخفق بعُنفِ داخلها …ثم خرجت كلماتها سريعًا:
_ بصراحة… أنا عارفة مين اللي وقعك من على السلم؟
اتسعت عينا “شرف” بصدمةٍ حادة…
لكن صوتها خرج هادئًا… هدوء ما قبل العاصفة:
_ مين…؟
نظرت إليها “سميرة” بخوف…ثم قالت:
_ “هنا” و”شريف”…
سمعتهم هما الاتنين بيتفقوا على قتلك…
وكمان عرفت إن بينهم علاقة… يعني “هنا” هانم بتخون “ريان” بيه!!
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية عشق شرف أنتقام) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.