رواية عشقت محتالة الفصل السابع والعشرون 27 – بقلم سلمى جاد

رواية عشقت محتالة الفصل السابع والعشرون 27 – بقلم سلمى جاد

البارت 27
جميلة كانت قاعدة في مكتبها الجديد، ساندة خدها على إيدها وبتبص للفراغ بملل واضح. المكتب كان أنيق جداً، وخطوات قليلة بس بتفصلها عن مكتب أدهم . كانت بتفكر في التحول الرهيب اللي حصل في حياتها؛ من بنت بسيطة لسكرتيرة ومساعدة لأكبر رجل أعمال في القاهرة.
بعد دخولها لكليه التجارة بعد ظهور النتيجة وحصولها على معدل 80% .. أدهم كان مُصر إنها تنزل الشركة، مش عشان محتاج سكرتيرة، لكن عشان عايزها تحتك و تتعامل مع الناس، وتكتسب خبرة وقوة شخصية تليق بكونها مدام أدهم السويسي. بقالها شهر كامل بتتعلم من رزان السكرتيرة إزاي ترتب المواعيد، وجدول الأعمال، وإزاي تتعامل مع الملفات اللي كانت بتشوفها طلاسم في الأول.
كان مضايق جميلة وواجعها حاجه واحده .. في البيت هو الحبيب، السند، اللي بيدلعها وبيخاف عليها من الهوا الطاير.. لكن هنا؟ هنا شخص غريب تماماً، بارد، جدي لدرجة تخوف، ومبيفرقش بينها وبين أي موظف غلط في الشركة، وده كان بيخليها طول الوقت حاسة بغصة في قلبها.
فاقت من شرودها على صوت رزان وهي بتميل عليها:
“جميلة.. خلصتي ملف الصفقة الأخيرة؟ مستر أدهم محتاجه حالاً عشان يمضيه.”
جميلة دورت بعينيها بتوتر لحد ما شافت الملف الأحمر، لقطته بسرعة وقامت وقفت وهي بتبلع ريقها بصعوبة. رجعت خصلة متمردة من شعرها ورا ودنها، وأخدت نفس عميق عشان تهدي ضربات قلبها قبل ما تخبط على باب مكتبه.
في اللحظة دي، جوه المكتب، أدهم مكنش شغال ولا بيمضي ورق.. كان قاعد ساند ضهره، ماسك موبايله في إيده وعينه مش مفارقة الشاشة، كان فاتح أبلكيشن الكاميرات اللي بره، ومركز في كل حركة بتعملها جميلة في مكتبها.
ابتسامة خفيفة ودافية اترسمت على وشه وهو شايفها وهي بترفع شعرها بملل، وبعدين تبدأ تلعب بالقلم بطريقة مضحكة وتلفه بين صوابعها، وفجأة تنفخ بقها بطفولة وكأنها بتعترض على الوضع اللي هي فيه . أدهم كان مستمتع جداً وهو مراقب كل تفاصيلها العفوية، وهي المسكينة مكنتش تعرف إن فيه عيون صقر مراقبة كل نفس بتطلعه، وبتعشق تفاصيلها قبل ملامحها.
أول ما شافها قامت ومسكت الملف وجاية ناحية الباب، ساب الموبايل بسرعة، ورسم ملامح الجمود والجدية على وشه في ثانية واحدة، وسحب ورقة قدامه وعمل نفسه بيدقق فيها.
خبطت جميلة بخفة، فجاوبها بصوته الرخيم والخشن :
“ادخل.”
دخلت جميلة وهي باصة في الأرض، ملامحها كانت مهزوزة، وحطت الملف قدامه على المكتب بصمت، وهي مش عارفة إن الشخص اللي قدامها ده كان لسه من ثواني بيدوب في تفاصيلها ورا الشاشة.
دخلت جميلة بخطوات هادية، وقلبها بيدق بعنف كالعادة. شافت أدهم قاعد بهيبته اللي بتخطف الأنفاس؛ لابس قميصه الأبيض الناصع، ومشمر أكمامه لحد كوعه فظهرت عروق إيده القوية، ولابس نظارته الطبية اللي كانت مدياه جاذبية ووقار خلوها تبلع ريقها بصعوبة. رغم إنها معاه في الشركة بقالها شهر، إلا إن تأثيره عليها لسه زي أول مرة شافته فيها، هيبة أدهم السويسي في مكتبه ملهاش حل.
قربت من المكتب وحطت الملف الأحمر قدامه، وقالت بصوت واطي:
“مستر أدهم.. ده ملف الصفقة الأخيرة اللي رزان بلغتني إن حضرتك محتاج تمضيه دلوقتي.”
أدهم سحب الملف بجمود ومن غير ما يرفع عينه، بدأ يراجع البنود بدقة وسرعة، وجميلة واقفة مستنية وهي بتسأل نفسها: “إزاي ده هو نفسه اللي كان الصبح بيفطرني بإيديه ؟”
فجأة، رمى القلم على المكتب بعنف، وبصلها بنظرة حادة خلت جسمها يتنفض:
“الملف ده ناقص يا جميلة.. فين ملخص الميزانية اللي طلبت من رزان ترفقه؟”
جميلة اتوترت وبلعت ريقها بصعوبة:
“أنا.. أنا افتكرت إن رزان حطته، هي قالت لي الملف جاهز للمضي..”
رد عليها بنبرة جافة وقاسية خلت عيونها تلمع بالدموع:
“مفيش حاجة اسمها ‘افتكرت’ في الشغل يا جميلة.. الورق لازم يتراجع كلمة كلمة قبل ما يوصل لمكتبي.”
ضمت شفايفها وهي بتمنع نفسها من العياط بصعوبة، وهمست بصوت مخنوق: “حاضر.. أنا آسفة.”
جميلة مدت إيدها المرتعشة وأخدت الملف، ولفت وشها بسرعة عشان تداري دموعها اللي خانتها ونزلت، وخرجت من المكتب وهي حاسة بكسرة في قلبها من قسوته.
خمس دقايق بالظبط، قضتها مع رزان وهي بتراجع الورق وعيونها حمرا من أثر الدموع، لحد ما اتأكدت إن ملخص الميزانية في مكانه والملف كامل على الشعرة. أخدت نفس عميق، ومسحت وشها بمنديل، ورجعت خبطت ودخلت بهدوء تام.
قربت من المكتب وحطت الملف الأحمر قدامه بصمت، مرفعش عينها فيه ولا نطقت بكلمة، كأنها بتنفذ أوامره بالحرف. لفت ضهرها بجمود عشان تخرج، لكن خطواتها اتسمرت في الأرض لما سمعت صوته الرخيم، بس المرة دي كان صوته مختلف.. مكنش آمر، كان نداء دافي طالع بلهفة:
“جميلة..”
وقفت مكانها وهي مدياله ضهرها، حست بحركته ورا المكتب، وصوت الكرسي وهو بيتحرك، وبعدين خطواته اللي بتقرب منها ببطء لحد ما وقف وراها بالظبط، لدرجة إنها حست بأنفاسه قريبة من كتفها.
أدهم مد إيده وحطها على كتفها برقة، ولفها ليه بهدوء. جميلة كانت منزلة راسها في الأرض، وشعرها مداري وشها، فمد إيده التانية ورفع دقنها بصباعه، وبص في عيونها اللي لسه بتلمع من أثر العياط.
“بصيلي يا جميلة.”
غمضت عينها أكتر وبدأت دموعها تنزل بصمت، وفجأة حست بملمس صوابعه الدافية وهي بترفع دقنها ببطء وحنان مناقض تماماً لصوته من شوية. رفع وشها لحد ما عيونها المليانة دموع اتقابلت مع عيونه اللي ملامحها بدأت تلين تدريجياً.
أدهم همس بنبرة هادية وبصوت واطي مسمعهوش غيرها:
“الدموع دي مكانها مش هنا.. أنا بقسى عليكي عشان تتعلمي تبقي قوية، مش عشان أشوفك مكسورة. في المكتب إنتي مساعدة أدهم السويسي، وفي القصر إنتي نبض قلبه.. افصلي بينهم يا جميلة.”
جميلة حاولت تشيل إيده وهي بتبعد وشها بوجع:
“خلاص يا مستر أدهم، الملف اتراجع ورجع لحضرتك كامل.. اتفضل سيبني عشان ألحق أخلص شغلي.”
أدهم محركش إيده، بالعكس، ضغط برقة على دقنها وخلاها تبص له غصب عنها، وهمس بصوت واطي ومبحوح:
“مستر أدهم؟؟”
جميلة صوتها طلع مهزوز ومحشرج بالدموع:
“أومال أقول إيه؟ مش حضرتك اللي قولت هنا مفيش “أدهم”؟ مش إنت اللي لسه مزعقلي ومحسسني إني غريبة عنك؟ أنا كنت فاكرة إن شغلي معاك هيقربنا، مش هيخليني أخاف منك كدة.”
أدهم اتنهد تنهيدة طويلة وطلعها ببطء، وقرب منها خطوة كمان لحد ما بقى مفيش بينهم غير سنتيمترات، وقال بحنان:
“جميلة.. بصيلي في عيني. أنا لو مكنتش خايف عليكي وعايزك تبقي أحسن واحدة في الدنيا، مكنتش ههتم لو غلطتي. عايزك قوية يا جميلة، والدموع دي مش بتبني شخصية قوية.”
جميلة مسحت دموعها بظهر إيدها بطفولة وقالت بلهجة فيها عتاب:
“بس إنت قسيت عليا أوي..:
أدهم ميل على ودنها وهمس بنبرة رومانسية خلت جسمها يتنفض:
“طب ولو قولتلك إن فيه مفاجأة في البيت؟ وإن مستر أدهم ده ناوي يعتذر لجميلة هانم بطريقة تليق بيها أول ما نوصل؟ لسه برضه زعلانة؟”
جميلة بصت له بطرف عينها وحاولت تخبي ابتسامتها:
“مفاجأة إيه؟”
أدهم غمز لها وهو بيرجع لورا خطوة وبيرجع لملامح الجدية بسرعة لما سمع صوت حركة بره المكتب:
“لما نوصل القصر هتعرفي.. ودلوقتي يا مدام جميلة، روحي كملي شغلك، وإلا هضطر أديكي جزاء إضافي، بس المرة دي هيكون في البيت، مش هنا.”
جميلة ضحكت غصب عنها دوقالت بدلال:
“ماشي يا مستر أدهم…”
خرجت جميلة من المكتب وهي حاسة إن روحها ردت فيها، وقلبها بيرقص من الفرحة، بينما أدهم رجع قعد على مكتبه وهو بيبتسم وبيبص في الشاشة تاني، متابع خروجها والابتسامة اللي نورت وشها .
______________________________
في عيادة النسا، كان الجو هادي، بس ضربات قلب علي كانت مسموعة في الغرفة كلها من كتر الحماس. ياسمين كانت ممددة على شيزلونج الكشف، والدكتورة بتحرك جهاز السونار ببطء وحذر على بطنها اللي بدأت تدور بشكل جميل.
ياسمين كانت عينها مش مفارقة الشاشة، وبتحاول تفهم أي تفصيلة من الخطوط البيضاء والرمادية اللي بتظهر، وإيدها كانت متبتة في إيد علي بقوة، وكأنها بتستمد منه الأمان في اللحظة التاريخية دي.
علي كان واقف منحني شوية، عين على الشاشة وعين على ملامح ياسمين، وجواه خليط غريب من المشاعر؛ سعادة مفرطة، خوف من المسؤولية، وشوق مش طبيعي لحتة منه ومنها.. كان بيغمض عينه ويهمس في سرّه بدعاء واحد مبيفارقش خياله:
“يارب بنوتة.. يارب تطلع شبه ياسمين، تاخد قلبها ورقتها.. نفسي في بنوتة يا رب.”
الدكتورة فضلت تحرك الجهاز وتغير الزاوية، وهما الاتنين حابسين أنفاسهم، وفجأة الابتسامة نورت وش الدكتورة وهي بتبص لهم وبتقول بصوت مبهج:
“ألف مبروك يا جماعة.. زي ما الأستاذ علي كان بيتمنى بالظبط.. أنتم جايلكم بنوتة زي القمر.”
في اللحظة دي حسه إن الدنيا مش سيعاه، ساب إيد ياسمين ومسح على وشه بذهول وفرحة، وبعدين ميل وباس راسها بقوة وهو مش مصدق:
“بنوتة يا ياسمين! الحمد لله يا رب.. الحمد لله. دي هتبقى ست البنات كلهم.”
ياسمين أول ما سمعت كلمة “بنوتة”، ابتسامتها هديت شوية، وسكتت لثواني وهي باصة للشاشة بتركيز وكأنها بتدور على الولد اللي كان في خيالها. علي لاحظ ملامحها اللي اتغيرت، فمسك إيدها وضغط عليها بحنان وهو بيحاول يفهم مالها.
ياسمين بصت للدكتورة بصوت واطي وفيه نبرة خيبة أمل بسيطة:
“يعني مفيش أمل يا دكتورة تطلع غلطة سونار؟ أصل أنا كنت حاسة إنه ولد.. كنت مجهزة نفسي إني هخلف ولد .”
الدكتورة ابتسمت بتفهم وهي بتمسح الجل من على بطن ياسمين:
“يا حبيبتي البنت رزق واسع، والمرة دي السونار واضح جداً مفيهوش مجال للشك. وبعدين البنات هما اللي بيحنوا على أهاليهم أكتر، بكره تشوفي.”
ياسمين اتنهدت وهي بتقعد بمساعدة علي، ولفت وشها له وقالت بضيق طفولي:
“أنا كان نفسي في ولد يا علي.. ولد يشيل اسمك ويكون قوي زيك، البنات بيبقوا محتاجين رعاية وخوف طول الوقت.”
علي ضحك بصوته كله وسحبها لحضنه وهو بيطمنها، وباس راسها قدام الدكتورة:
“يا روح قلب علي.. إنتي زعلانة عشان بنوتة؟ ده أنا كنت بدعي ليل نهار تطلع بنت عشان تطلع رقيقة زيك كدة وتثبت قلبي. وبعدين يا ستي، ربنا لسه بيدي، والمرة الجاية إن شاء الله نجيب الولد.”
ياسمين بدأت تهدا وكلامه ريحها، بصت له بعيون لمعت تاني:
“يعني مش زعلان يا علي؟ مش كان نفسك في ولد تتسند عليه ،ويبقى راجل من صغره؟”
علي هز راسه بنفي قاطع وهو بيعدل لها هدومها بوقار:
“أبداً والله.. دي البنت دي هتبقى ست الكل، وهتلاقيني أول واحد بيجيب لها الفساتين والعرايس. والولد مسيره ييجي، إحنا لسه في أول المشوار يا ياسمين.. قولي الحمد لله، دي هتبقى أجمل هدية من ربنا لينا.”
ياسمين ابتسمت أخيراً وحست إن الفرحة بدأت تتسرب لقلبها تاني:
“الحمد لله.. فعلاً البنت رزق. بس إنت اللي هتتحمل دلعها بقى، أنا مش مسؤولة لو طلعت شبر ونص وطلعت عينك”
علي غمز لها وهو بيخرجها من الأوضة:
“تطلع عيني وتطلع روحي كمان، أنا راضي.. ياللا بينا بقى نروح نبشر العيلة، زمانهم قاعدين مستنين على نار.
_________________________________
في ركن هادئ من المكتب المشترك، كانت جميلة ساندة ظهرها على الكرسي، بتابع رزان وهي بترتب شوية ملفات. العلاقة بينهم مابقتش مجرد زمالة شغل ،اتحولت لصداقة ، خصوصا وهي الوحيدة اللي عارفة السر اللي مخبيينه عن كل اللي في الشركة ..وإن جميلة تبقى مرات أدهم .
“قوليلي يا رزان ، إيه الأخبار؟عامله إيه مع خطيبك باسم؟”
رزان بابتسامة: “الحمد لله إحنا كويسين جداً..”
” بس قوليلي يا رزان، مش ناوين تتجوزوا بقى؟ الفرح امتى؟ ”
رزان وشها نور بابتسامة دافية وقالت بخجل:
“هانت يا جميلة.. رتبنا كل حاجة، والفرح إن شاء الله الشهر اللي جاي. باسم بدأ يخلص توضيب الشقة، وأنا بدأت أجيب الرفايع اللي بتخلصش دي.”
لسه جميلة هترد عليها وتبارك لها، قطع حديثهم صوت تكتكة كعب عالي ومنتظم بيقرب من المكتب. صوت فيه ثقة وغرور خلى جميلة ترفع عينها باستغراب.
دخلت واحدة، أقل ما يقال عنها إنها قنبلة أنوثة. كانت لابسة بلوزة شيفون وسكيرت فوق الركبة بشوية، ميكب صارخ مرسوم بدقة على وشها، وريحة عطرها نفاذة مالت المكان في ثواني. شعرها الأصفر الطويل كان واصل لآخر ظهرها وبيهتز مع كل خطوة بتخطيها.
جميلة اتسمرت مكانها وهي بتبص لها بذهول، أما رزان فوقفت بسرعة وباحترام واضح وقالت:
“جومانة هانم ..أهلاً بحضرتك.. حمد لله على السلامة.”
جومانة قلعت نظارتها الشمسية بدلع وقالت بنبرة فيها دلع أجنبي شوية:
“أهلاً يا رزان.. إزيك يا حبيبتي؟ أدهم جوه مش كده؟”
رزان ردت بجدية: “أيوه يا جومانة هانم، مستر أدهم موجود.”
من غير ما تستنى إذن أو حتى تخبط، جومانة دخلت مكتب أدهم بطلة واثقة. جميلة كانت بتابع المشهد ده وهي حاسة بنار بدأت تأيد في قلبها، ملامحها اتغيرت مية وتمانين درجة، ومسكت كتف رزان بقوة خلت رزان تتخض:
“آه! فيه إيه يا جميلة؟”
جميلة سألتها وعينها لسه على باب المكتب اللي اتقفل:
“مين.. مين الصاروخ اللي لسه داخلة دي يا رزان؟ وإيه أدهم اللي بتقولها دي من غير ألقاب؟”
رزان اتنهدت وقالت بصوت واطي:
“دي جومانة، مساهمة معانا في الشركة، بس مابتيجيش كتير عشان عايشة أغلب وقتها في ألمانيا. وأهم مستثمرة عند مستر أدهم، وكانوا بيدرسوا مع بعض بره من سنين، وعشان كدة مابينهم صداقه، ومن كام سنة اتعاقدت شركتها مع شركة مستر أدهم.”
جميلة عضت على شفايفها بغضب مكتوم،وكلام رزان بيتردد في ودنها. فضلت قاعدة مكانها بتغلي، وبدأت تعد في سرها بتركيز رهيب: “واحد.. اتنين.. تلاتة..”
رزان بصت لها بجهل: “جميلة؟ أنتي بتعدي إيه؟”
جميلة ماردتش، وكملت بجمود: “عشرة.. حداشر.. لا مش قادرة!”
فجأة قامت جميلة من مكانها وفتحت باب المكتب بشر بيطاير من عينيها. دخلت والغيرة واصلة لقمة رأسها، ولقت المشهد اللي كان كفيل يخلي أعصابها تفلت تماماً.
أدهم كان قاعد على الكنبة الجلد اللي في ركن المكتب، وجومانة قاعدة جنبه لازقة فيه بمعنى الكلمة. كانوا بيتكلموا وبيضحكوا بود غريب، وأدهم كان مرسوم على وشه ابتسامة واسعة، وماسك اللابتوب بيوريها حاجة.
أدهم أول ما شاف جميلة، ضيق بين حواجبه واستغرب دخلتها، وقال بنبرة فيها تحذير وبرود:
“جميلة؟ أنتي إزاي تدخلي كدة؟”
جميلة صوتها طلع حاد ومليان غضب، وقالت وهي بتبص لجومانة بتحدي:
“وأنت إزاي تسمح لنفسك تقعد القعدة دي يا مستر أدهم؟”
أدهم قام وقف بوقار وهيبة، وقال بصوت جهوري فيه نبرة غضب:
“جميــــلة!”
جميلة أول ما سمعت نبرة صوته العالية باسمها، حست بشيء اتكسر جواها. بصت له وعيونها مغلغلة بالدموع، نظرة عتاب قوية خلت أدهم السويسي يتنفض من جواه. الدموع كانت بتلمع في عينيها .
من غير ولا كلمة، لفت ضهرها وجريت لبره المكتب. أدهم ملامحه اتغيرت مية وتمانين درجة، ساب الورق من إيده وقام بسرعة وهو بينادي بلهفة:
“جميلة ..استني يا جميلة”
خرج وراها بسرعة، لكن جميلة كانت وصلت للأسانسير وضغطت على الزرار بانهيار، والباب اتقفل قبل ما إيده تلحق تلمسه. وقف أدهم قدام الباب المقفول وهو بيخبط عليه بقبضة إيده بغضب مكتوم، ونفخ بضيق وهو حاسس إن الدنيا اسودت في عنيه.
رجع أدهم لمكتبه وهو بيحاول يرسم ملامح الجمود تاني، لقى جومانة واقفة مكانها، بتبصله بشك وبتحاول تفهم إيه اللي بيحصل. سألته بصوت ناعم وفيه نبرة قلق:
“أدهم.. أنت كويس؟ هي البنت دي مالها؟”
أدهم قعد على مكتبه ببرود، وسحب اللابتوب قدامه وقال بلهجة قاطعة:
“أنا كويس يا جومانة.. مفيش حاجة، يلا نرجع لشغلنا عشان منضيعش وقت أكتر من كدة.”
جومانة مقتنعتش، مالت بظهرها على المكتب وبصت له بتركيز وقالت:
“أدهم.. هي البنت دي حبيبتك؟ طريقتها ودخلتها دي مابتقولش إنها سكرتيرة أبداً.”
أدهم فضل باصص في شاشة اللابتوب لثواني، صباعه فضل معلق على الكيبورد، وبعدين رفع عينه وبص لجومانة بنظرة هادية وواثقة وقال:
“لا مش حبيبتي..”
سكت ثانية واحدة كمل فيها بلهجة خلت جومانة تتصدم:
“.. دي مراتي.”
جومانة فتحت عينها بذهول، وحطت إيدها على بوقها من الصدمة:
“إيه؟! مراتك؟! أنت اتجوزت يا أدهم؟”
أدهم رد ببرود وهو بيرجع يكمل شغله:
“أيوه.. اتجوزت.”
جومانة بصت له بعتاب حقيقي وقالت:
“تتجوز من غير ما تقولي؟ ده إحنا أصحاب من أيام الكلية، والعشرة اللي بينا مش قليلة يا أدهم عموماً.. ألف مبروك، بجد فاجئتني.”
سكتت جومانة شوية وهي بتفتكر شكل جميلة وهي بتجري، وقالت بابتسامة خفيفة:
“بس على فكرة، هي واضح جداً إنها غيرانة، وعشان كدة زعلت وجريت لما شافتني قاعدة جنبك.”
أدهم رد عليها من غير ما يرفع عينه، وبصوت جاف تماماً:
“أنا مبحبش الدلع يا جومانة، والشغل شغل.. الغيرة دي مكانها بره باب الشركة.”
جومانة هزت رأسها بأسى وضحكت بقلة حيلة:
“يا ابني أنت مش هتتغير أبداً؟ طول عمرك دبش وطريقتك قاسية، البنت رقيقة وشكلها مبيتحملش، ارحمها شوية يا أدهم، مش كل الناس عندها أعصاب حديد زيك.”
أدهم فضل باصص لشاشة اللابتوب، بس الحقيقة إنه مكنش شايف ولا كلمة من اللي مكتوبة. كلام جومانة “أنت مش هتتغير، طول عمرك دبش” رن في ودنه زي الجرس، وفجأة صورة جميلة وهي واقفة والدموع محبوسة في عينيها قفزت قدام خياله.
____________________________
في ركن دافي من فيلا محمود، كانت القعدة ليها طعم خاص، مزيج من حكمة السنين وهدوء النفوس. محمود كان قاعد وساند ضهره، وعينه على نادية اللي كانت ملامحها هادية ومطمئنة وهي بتسمع لـ منى، خالة علي.
منى مكنتش مجرد ضيفة، دي بقت مع الوقت الصديقة المقربة لنادية ومحمود، التلاتة بقوا بيلاقوا في كلام بعض ونس ليهم، بيسترجعوا ذكريات زمان ويحللوا أحوال الدنيا بخبرة ناس عاشوا وشافوا كتير. وسطهم كان يزن، حفيد العيلة زي ما محمود بقى بيعتبره، قاعد بيخلص واجباته الدراسية بعد ما رجع من مدرسته على الفيلا علطول، ومحمود مكنش بيفوّت لحظة إلا ويتابعه فيها بنظرة فخر، كأنه بيعوض فيه سنين فاتت.
فجأة، انقطع هدوء القعدة بدخول علي وياسمين، والضحكة كانت سبقاهم ومنورة وشوشهم بطريقة خلت الكل ينتبه. محمود قام من مكانه بلهفة الأب اللي مستني خبر يفرحه، ومنى وقفت وهي بتعدل شالها وقالت بلهفة:
“خبر إيه يا ولاد؟ تأخرتوا كدة ليه عند الدكتورة؟ طمنونا قلبي كان واكلني عليكم.”
محمود سأل وصوته فيه نبرة حنين:
“ها يا علي.. طمن قلبي يا ابني، الدكتورة قالت لكم إيه؟”
علي مكنش قادر يخبي سعادته، بص لياسمين اللي كانت وشها أحمر من الخجل والفرحة، وقال بصوت عالي وواثق:
“الحمد لله يا جماعة.. ربنا رزقنا بأجمل هدية.. زي ما كنت بتمنى ، الدكتورة أكدت إنها بنت.”
في ثانية، الفيلا اتقلبت لسرادق فرح؛ منى أطلقت زغرودة رنت في أركان المكان، ونادية ملامحها نورت بابتسامة واسعة وهي بتحاول تقلد زغاريد منى بفرحة، أما محمود ففتح دراعاته وحضن ياسمين بحنان أبوي حقيقي وقال لها:
“ألف مبروك يا بنتي، البنت رزق واسع وبركة بتملى البيت، تتربى في عزكم وتكون وش السعد علينا كلنا.”
بعدها لف لعلي وحضنه بقوة، والاتنين قعدوا وسط العيلة وهما بيحكوا تفاصيل الزيارة. يزن اللي كان متابع المشهد ، ساب القلم من إيده وقرب من ياسمين بخجل، وعلي لقط نظراته فناداه بضحكة:
“تعالى يا بطل.. إيه رأيك في الخبر ده؟ طنط ياسمين هتجيب لنا بنوتة صغيرة.”
يزن سأل ببراءة وهو بيبص لبطن ياسمين:
“يعني كدة طنط ياسمين حامل في بنوتة بجد؟”
ياسمين نزلت لمستواه ولعبت في شعره بحب:
“أيوه يا زوزو، بنوتة وهتكون شقية زيك كدة.”
يزن سأل بفضول طفولي: “وهتسموها إيه؟”
علي رد وهو بيغمز له: “والله يا زوزو لسه بنفكر، بس المهم إنك أنت اللي هتكون مسؤول عنها، موافق؟”
ياسمين كملت وهي بتمسك إيد يزن الصغير: “أصلا يا يزن لما تيجي، أنت اللي هتاخد بالك منها وتلعب معاها، صح؟”
يزن هز راسه بحماس طفولي وعيونه لمعت بتحدي:
“أنا هفضل أشيلها دايماً، وهحميها من أي حاجة، ومش هخلي حد يزعلها أبداً…”
في اللحظة دي، الباب اتفتح ودخلت جميلة. كانت ملامحها باهتة وعيونها فيها أثر حزن واضح، ودموعها كانت لسه بتلمع من اللي حصل في المكتب مع أدهم. يزن أول ما شافها جري عليها وهو بيتنطط:
“جميلة! جميلة! الحقي طنط ياسمين هتجيب بنوتة، ووعدتني إني أنا اللي ههتم بيها لما تيجي”
جميلة بمجرد ما سمعت الخبر، وكأن فيه سحر مسح الحزن من على وشها؛ ابتسامتها رجعت نورت تاني، ونسيت وجعها من أدهم للحظات. جريت على ياسمين وحضنتها بقوة وهي بتبارك لها من قلبها:
“ألف مبروك يا ياسمين … يا روحي بجد فرحتيني.. أحلى خبر سمعته النهاردة، البنات هما اللي بيحلّوا البيت والله.”
قعدوا كلهم مع بعض، والضحكة رجعت تملى المكان، وجميلة بدأت تندمج في الكلام عن تجهيزات البيبي ، وكأن الخبر كان هو الدوا اللي محتاجاه عشان ينسيها قسوة اللي حصل.
_________________________________
في بيت علي الجديد، اللي كان عبارة عن فيلا صغيرة بلمسات عصرية دافية، كان الهدوء بيغلف المكان كله. ياسمين خرجت من الحمام وهي لابسة روب قطني مريح، وشعرها مبلول ومنسدل على كتفها، وبطنها بدأت تبرز بشكل جميل ومستدير، وكأنها شايلة جواها أغلى كنز في الدنيا.
كانت بتمسح شعرها بفوطة صغيرة وبتتحرك ببطء، وعينها جت على علي اللي كان قاعد على السرير، ساند ضهره وسارح تماماً في شاشة موبايله، لدرجة إنه مسمعش صوت خطواتها.
سابت الفوطة وقربت منه ،ميلت براسها بفضول وبصت في شاشة الموبايل، وفي لحظة فتحت عينيها بذهول وضحكة مكتومة بدأت تظهر على وشها. علي أول ما حس بوجودها وبنظراتها اللي اخترقت خصوصية البحث بتاعه، انتفض مكانه، وقفل الموبايل بسرعة وحطه تحت المخدة، وبدأ يمسح على شعره بإحراج وتوتر واضح، وكأنه طالب اتمسك بيغش في لجنة امتحان.
ياسمين بضحكة رقيقة قالت له:
“علي.. حبيبي، بجد؟ أنت كنت بتقرأ مقال عن كيفية التعامل مع ابنتك في سن المراهقة؟ إحنا لسه في الشهر الخامس يا علي! لسه بدري أوي على الكلام ده، أنت بتقرأ هتعاملها إزاي لما تكبر، وهي لسه يدوب بتتحرك خبطات بسيطة جوه ،أنت شاغل بالك بمرحلة هتحصل كمان 14 سنة؟”
علي حاول يداري توتره، بس الابتسامة خانته وقال بجدية مصطنعة:
“أنا بس بستعد يا ياسمين.. البنت مش زي الولد، محتاجة معاملة خاصة، وعايز أكون جاهز لكل مرحلة في حياتها. مش عايزها في يوم تحس إني مش فاهمها، أو إن فيه فجوة بيننا. عايز أكون أب كويس لبنتي.”
ياسمين اتأثرت جداً بكلامه، مالت عليه وحضنته بحنان، وهو لف دراعه حواليها وقربها منه أكتر، وكأنه بيحتويها هي والبيبي في حضنه. ياسمين همست بصوت دافي:
“أنا واثقة إنك هتكون أفضل أب في الدنيا.. حنيتك دي وخوفك عليها من دلوقتي، هما اللي هيخلوها تطلع أسعد بنت في العالم.”
علي بصلها بعمق وسألها بتوتر طفولي: “بجد يا ياسمين؟ تفتكري هعرف؟”
ياسمين هزت راسها بثقة وهي بتبتسم، وبدأت ملامحها تدبل من التثاؤب بنوم وهدوء: “أيوة يا حبيبي، هتعرف وأكتر كمان.. ياللا بقى ننام عشان أنا والكتكوتة دي محتاجين نرتاح.”
علي باس راسها المبلولة اللي كانت ريحة الشامبو طالعة منها ومنعشة جداً، واستناها لحد ما غمضت عينيها واستسلمت للنوم وهي في حضنه. وبمجرد ما اتأكد إنها راحت في النوم، سحب موبايله تاني براحة، وفتحه وكمل قراءة المقال بتركيز رهيب، وكأنه بيذاكر لأهم امتحان في حياته.
______________________________
في جناح أدهم وجميلة بالقصر، كان الجو هاديء ومحمل بريحة عطرها اللي بتملى المكان. جميلة كانت واقفة قدام التسريحة، بتراجع آخر لمساتها؛ الروج الأحمر الصارخ كان راسم شفايفها بدقة مذهلة، ومخلي بشرتها تنور زي اللؤلؤ، والفستان الأحمر بفتحة الصدر الرقيقة وطوله اللي واصل للركبة كان مبرز أنوثتها بطريقة تسحر أي حد يشوفها، وخصوصاً شخص معين .
فجأة، سمعت صوت عربية أدهم وهي داخلة القصر، جريت على الشباك وفتحت الستاير الدانتيل، شافته وهو نازل من العربيّة، قالع الجاكيت وراميه على ساعد إيده، وماشي بخطوات واثقة رغم علامات الإرهاق اللي مرسومة على وشه من يوم طويل وشغل مبيخلصش.
جميلة بذكاء أنثوي، جريت بسرعة على السرير، قعدت وحطت رجل على رجل بوضعية فيها دلال وأنوثة طاغية، وسحبت كتاب كان محطوط جنبها، وعملت نفسها مندمجة في القراءة تماماً. ثواني، وباب الجناح اتفتح، جميلة بلعت ريقها بصعوبة وحست بقلبها بيدق في ودنها، لكنها فضلت ثابتة وعينها على السطور، مابتتحركش.
أدهم أول ما دخل، اتسمر مكانه عند الباب. كان متوقع يدخل يلاقيها نايمة، أو حتى بتبكي من أحداث الصبح، لكن المنظر اللي قدامه خلاه ينسى تعبه وينسى هو مين أصلاً. الأحمر.. نقطة ضعفه الأولى والأخيرة، وجميلة في الأحمر كانت حرفياً خطر على أعصابه.
قفل الباب وراه ببطء وهو لسه عينه منزلتش من عليها، رمى الجاكيت على الكنبة بإهمال، وبدأ يقرب منها بخطوات هادية ومسموعة، صوت خطواته على السجاد كان بيزود توتر جميلة اللي كانت صوابعها قابضة على ورق الكتاب بقوة لدرجة إن الورق بدأ يتكرمش تحت إيدها.
أدهم وقف قدامها بالظبط، ظلّه غطى الكتاب اللي في إيدها، فمال براسه شوية وهمس بصوته الرخيم اللي بيخلي كيانها يتهز:
“واضح إن الكتاب ممتع جداً لدرجة إنك مش حاسة باللي داخل الجناح.. ولا ده نوع جديد من أنواع العقاب يا جميلة هانم؟”
جميلة رفعت عينها ببطء، وحاولت ترسم نظرة باردة رغم البركان اللي جواها، وقالت بصوت ناعم ومستفز:
“أهلاً مستر أدهم.. حمد لله على السلامة. الكتاب فعلاً ممتع، بيتكلم عن الثبات الانفعالي في مواجهة الشخصيات الصعبة، ولقيت فيه معلومات مفيدة جداً لشغلي في الشركة.”
أدهم ابتسم ابتسامة جانبية خطفت أنفاسها، ومد إيده ببطء شديد، سحب الكتاب من بين إيديها ورماه على السرير وراها، وقرب منها أكتر لحد ما بقى مفيش بينهم غير سنتيمترات، وهمس وهو باصص لعيونها بتركيز:
“سيبي الثبات الانفعالي للشركة يا جميلة.. إحنا هنا في مملكتنا، واللون الأحمر ده مبيقولش إنك عايزة تقرئي خالص.. الأحمر ده بيقول إن فيه قطة عايزة تصالح حبيبها، بس كبريائها مأخرها شوية.”
جميلة حاولت تداري ارتباكها وقالت وهي بتبعد وشها:
“ومين قال إني بصالحك؟ إنت لسه معتذرتش اعتذار رسمي على اللي حصل الصبح.”
أدهم ضحك بخفوت، ورفع إيده ولمس خصلة من شعرها الحريري، وبعدين نزل بصباعه لحد ما لمس طرف شفايفها اللي بلون الكريز ،وقال بنبرة مراوغة:
“والاعتذار الرسمي عند أدهم السويسي مبيكونش بالكلام.. بيكون بالفعل. وأنا النهاردة ناوي أعتذر لحد ما تقولي اكتفيت … إيه رأيك؟”
أدهم أول ما شاف لمعة الدموع في عينيها، ملامحه لانت تماماً والجمود اللي كان راسم على وشه اتمسح في ثانية. نبرة صوتها المرتعشة كانت بتخزق في قلبه، وحس إن السخرية اللي في كلامها طالعة من وجع حقيقي مش مجرد غيرة عادية.
جميلة وهي بتبعد وشها عنه وبتحاول تمسح طرف عينها بسرعة:
“أنا الغلطانة إني دخلت من غير إذن، كان المفروض أخبط وأستنى لحد ما تخلصوا ضحككم … أسفة إني بوظت عليكم اللحظة الشاعرية دي، كان ناقص بس أجبلكوا اتنين لمون عشان الجو يكمل، مش كده يا أدهم بيه؟”
أدهم محركش إيده، بالعكس، ضغط برقة على كتافها وقعد جنبها على طرف السرير، ولف وشها ليه بإيده التانية وخلاها تبص له غصب عنها. همس بنبرة هادية :
“خلصتي؟”
جميلة لوت بوزها بطفولة وعناد وهزت راسها بـ “لأ”، فأدهم كمل وهو باصص لعيونها بتركيز:
“أولاً.. مفيش حاجة في الدنيا اسمها أدهم بيه وأنتي معايا هنا، أنتي عارفة إنك النفس اللي طالع ونازل مني. ثانياً.. اللمون ده تشربيه أنتي عشان تهدي أعصابك، لأن جومانة دي بالنسبة لي مجرد ورق وعقود، واللزقة اللي شوفتيها دي طريقتها المستفزة،هي عايشة طول عمرها في ألمانيا وده أسلوبها .”
جميلة صوتها طلع مخنوق بالدموع:
“بس كنت بتضحك يا أدهم.. كنت بتضحك معاها بصوت عالي، وأنا لما دخلت قلبت وشك عليا وزعقتلي”
أدهم اتنهد تنهيدة طويلة وسحبها لحضنه بقوة، ودفن راسه في رقبتها وهو بيشم ريحة عطرها اللي بتجننه، وقال بصوت واطي:
“ضحكت عشان كانت بتحكي على خساير الشركة المنافسة، وده بيزنس يا جميلة. وزعقت ليكي عشان خفت عليكي.. خفت جومانة تاخد عنك فكرة إنك ضعيفة أو مهزوزة، وأنا عايزك قدامها وقدام الكل الكل يتمنى يلمس طرف فستانك. أنتي مش مجرد زوجة، أنتي برنسيسة السويسي.”
بدأ يبوس كف إيدها برقة وهو بيكمل:
“وبعدين، هو فيه حد بيلبس الأحمر ده وبيبقى قمر كدة ويفضل زعلان؟ أنتي عارفة إن الفستان ده والروج ده هما نقطة ضعفي اللي محدش يعرفها غيرك وعشان كده قصدتي تلبسيه النهاردة”
جميلة بدأت تهدأ ودقات قلبها تنتظم وهي في حضنه، بصت له بطرف عينها وقالت بدلع:
“يعني جومانة دي وحشة؟”
أدهم ضحك بصوته كله وهو بيشيلها فجأة من على السرير:
“وحشة وبشعة ومبشوفش غيرك.. ها؟ نرضى بقى ولا أطبق عليكي قانون الجزاءات بتاع مستر أدهم؟”
جميلة ضحكت غصب عنها وتعلقت في رقبته:
“خلاص.. سامحتك، بس بشرط.. مفيش ضحك مع أي ست تاني ،مفهوم؟”
أدهم بصلها بعمق، وعيونه اللامعة كانت بتقول كلام أكتر من اللي شفايفه نطقته. سحبها براحة من إيدها وخلاها تقعد قدام التسريحة وهي مدياله ضهرها، ووقف هو وراها بهيبته اللي بتملا المكان.
مكتفاش باعتذاره بس ،بكل رقة وعشق، بدأ يلم خصلات شعرها الحريرية اللي كانت مفرودة على ضهرها، ورفعها وحطها على كتفها ببطء، وكأن كل لمسة منه هي قصيدة حب مكتوبة بلمسات إيده.
جميلة كانت باصة لصورته في المراية وقلبها بيدق لدرجة إنها حاسة إن أدهم سامع دقاته.
فجأة، طلع من جيبه علبة قطيفة زرقاء ملكية، وفتحها بهدوء.. لمعة السوليتير خطفت عيون جميلة. أدهم طلع العقد اللي كان عبارة عن تحفة فنية؛ خيوط من الألماس المتشابكة بدقة متناهية، وفي منتصفها جوهرة ياقوت باللون الأحمر القاني، لونها كان ماتش جداً مع لون فستانها ولون شفايفها، وكأنها قطعة ناقصة من جمالها النهاردة.
أدهم ميل عليها، ولف دراعه حوالين رقبتها وهو بيلبسها العقد، وصوابعه الدافية لمست بشرتها بخفة خلت جسمها كله يتنفض. قفل العقد وبص لصورتها في المراية، والجوهرة الحمراء كانت بتلمع على رقبتها ببريق ساحر.
جميلة رفعت إيدها ولمست العقد بذهول وانبهار، وقالت بصوت هامس:
“أدهم.. ده جميل أوي، كتير عليا بجد.”
أدهم لفها ليه وخلاها تواجهه، ومسك إيديها الاتنين وباسهم بحنان وقال بنبرة مليانة صدق:
“مفيش حاجة في الدنيا كتير عليكي يا جميلة.. دي هدية بسيطة جداً عشان كنت السبب في إن دموعك تنزل النهاردة. أنا ميهونش عليا أشوف لمعة الوجع في عينيكي، والجوهرة دي لونها بيفكرني بيكي.. قوية..نادرة ،بتخطف قلبي في ثانية.”
جميلة مقدرتش تقاوم حنيته دي، رمت نفسها في حضنه ودفنت راسها في صدره وهي بتستنشق ريحته اللي بتطمنها. أدهم حوطها بدراعاته وقفل عليها بتملك وعشق، وكأنه بيخبيها من الدنيا كلها جوه ضلوعه، وهمس في ودنها بصوت كله مشاعر:
“بحبك يا جميلة.. بموت فيكي، ومستعد أحارب العالم كله بس ملمحش دمعة في عينيكي تاني.”
جميلة ضغطت على قميصه وقالت بابتسامة دافية وسط حضنه:
“وأنا بعشقك يا أدهم.. ومسامحاك على كل حاجة، بس خليك دايماً أدهم بتاعي أنا وبس.”
رد بعشق وبنبرة هيمانة :”أنا ملكك يجميلة.. ملكك انتي وبس ياحبيبتي .”
_______________________________
في شقة بسيطة في حي شعبي من أحياء القاهرة، الحيطان المتشققة باين عليها الفقر ، كان قاعد …طفل ميكملش عشر سنين، بس اللي يشوف الجدية اللي مرسومة على وشه والرزانة اللي في عينيه، يحس إنه شاب لف الدنيا وفهم ألاعيبها بدري أوي.
كان غرقان وسط كتبه، بيذاكر بهدوء مبيقطعهوش غير صوت ورق بيتقلب من وقت للتاني، لحد ما جاله صوت والدته الضعيف والمبحوح من الأوضة اللي جنبه:
“سليم.. يا سليم.”
قام سليم في ثانية، ساب قلمه بنظام ودخل لأمه.. ست في أواخر الأربعينات، بس المرض آاكل من ملامحها ومنشف عودها، والسرطان راسم تعبه وشحوبه على وشها بوضوح. قرب منها بلهفة وقلق :
“نعم يا ماما.. خضرتك محتاجة حاجة؟”
ابتسمت بوهن وهي بتمسح على شعره بإيد مرتعشة:
“بتعمل إيه يا حبيبي؟”
“كنت بذاكر يا ماما.. عشان عندي درس كمان شوية.”
بصت له بعيون مليانة دمع ودعاء:
“أيوة كدة يا سليم.. عايزك تذاكر وتشد حيلك عشان تبقى دكتور وتشرفني، وتنسيني تعبي فيك يا حبيبي. أنت اللي باقي لي في الدنيا دي، وإحنا ملناش غير بعض.”
سليم هز راسه بوقار وسكوت، وحس بتقل المسؤولية اللي الأيام رمتها على كتافه من غير استئذان. بص في ساعة الحائط القديمة وقال بصوت هادي:
“ميعاد درسي جه يا ماما.. هروح وأنا جاي هجيب لك الدوا معايا.”
غطاها بحنان واتطمن إنها ارتاحت، وخرج وقفل الباب وراه براحة جداً. أخد شنطته وكتبه، وقبل ما يفتح باب الشقة، عينه راحت تلقائياً لصورة قديمة متعلقة على الحيطة المتشققة.
صورة لراجل كبير، ورغم سنه، إلا إن ملامح القسوة والشر كانت باينة في نظرة عينيه…
سليم وقف قدام الصورة، وهمس بنبرة فيها غل مكتوم ووعد بالانتقام:
“أوعدك يا بابا.. هاخد بالي من ماما، وهجيب حقنا من عيلة السويسي. هخلي أدهم السويسي يندم إنه ظلمك وسجنك لحد ما مت بحسرتك ورا القضبان.. وانا مكانش من حقي حتى إني أحضر عزاك.”
خرج سليم من الشقة، وفي قلبه نار مش هتطفيها الأيام، نار وقودها الانتقام من الراجل اللي فاكر إنه دمر عيلته، وفي الوقت اللي أدهم فيه كان بيعيش أجمل لحظات حياته، كان فيه شبح بيكبر في الضلمة ..الكره والانتقام مالين قلبه، يستعد عشان يهد القصر ده كله على دماغ اللي فيه.

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية عشقت محتالة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!