رواية صندوق أسرار الفصل الثالث والعشرون 23 – بقلم ميادة يوسف
أسعد…
رمى التليفون جنبه بعصبية…
وسند راسه ورا الكرسي…
“لا… الكلام مش هينفع.”
غمض عينه لحظة…
وبعدين فتحها فجأة كأنه خد قرار:
“لازم أشوفها.”
دور العربية بسرعة…
والطريق كله كان سايق كأنه بيهرب…
من نفسه…
من تأنيب ضميره…
من فكرة إنه ممكن يكون خسرها.
قدام الفيلا—
وقف بعربية فجأة…
قلبه بيدق بعنف…
إيده على الدركسيون…
متردد ينزل.
“هتكون زعلانة؟…”
“ولا… خلاص؟”
نزل…
وخطواته كانت تقيلة…
بس قلبه بيجري.
فتح الباب بهدوء…
الدنيا كانت ساكتة بشكل غريب.
دخل…
ولسه بينادي—
“منيرة…؟”
لكن صوته وقف…
عنيه وقعت عليها—
قاعدة على الأرض…
جنب الكنبة…
ماسكة صورته بإيدها…
وبتبكي.
دموعها نازلة بصمت…
وصوتها مكسور وهي بتكلم الصورة:
“أنا كنت مستنية منك كلمة واحدة بس…”
شهقت وهي بتكمل:
“حتى لو كدب… كنت هصدقك.”
أسعد اتجمد مكانه…
قلبه اتقبض بشكل عمره ما حسه قبل كده.
منيرة كملت…
وهي بتحضن الصورة أكتر:
“أنا مش زعلانة إنك مشغول…”
“أنا زعلانة إني بقيت مش مهمة.”
الكلمة دخلت في قلبه زي السكينة.
رجع خطوة لورا…
كأنه مش قادر يستحمل يسمع أكتر…
بس مقدرش يمشي.
منيرة مسحت دموعها بإيد مرتعشة…
وبصت للصورة:
“كنت فاكرة إني لقيت حد يخاف عليا…”
“يحميني…”
سكتت لحظة…
وبعدين قالت بصوت أهدى… بس موجوع:
“بس شكلي غلطت.”
أسعد مقدرش يسكت أكتر—
“منيرة…”
الصوت خرج واطي…
بس أول ما وصل لها—
منيرة لفّت بسرعة…
وعيونها اتملت دموع أكتر…
بس الغريب—
إنها ما اتكلمتش.
وقفت…
ببطء… كأنها مش واعية لنفسها…
والصورة وقعت من إيدها على الأرض…
وبدون تفكير…
ومن غير ولا كلمة عتاب—
فتحت إيديها له.
لحظة صمت…
بس كانت كفيلة تقول كل حاجة.
أسعد اتصدم…
ثانية واحدة بس—
وبعدين…
جرى عليها.
شدها لحضنه بقوة…
كأنه بيستخبى فيها…
كأنه لقى الأمان بعد تايه.
منيرة حضنته…
بكل وجع الأسبوع اللي فات…
دموعها نزلت أكتر…
وإيدها شدت عليه…
كأنها خايفة يبعد تاني.
أسعد صوته خرج مكسور وهو في حضنها:
“أنا آسف…”
منيرة ما ردتش بالكلام…
بس حضنها كان الرد.
ثواني…
بس كانت كأنها عمر كامل من الاشتياق…
أسعد دفن وشه في كتفها…
وقال بصوت واطي:
“وحشتيني…”
منيرة غمضت عينيها…
وأول كلمة تطلع منها كانت همس:
“إنت أكتر…”
لكن رغم الدفا—
كان في خوف مستخبي جواها…
وفجأة—
موبايل أسعد رن.
الصوت قطع اللحظة…
أسعد سكت…
بس ما بعدش عنها.
بص للموبايل…
وبعدين ليها…
ومنيرة…
كانت لسه في حضنه…
بس قلبها…
ابتدى يقلق من اللي جاي.
موبايل أسعد رن تاني…
بص عليه—
الاسم كان واضح:
كريمان
لحظة…
عينه فضلت على الشاشة…
وبعدين—
قفل التليفون.
من غير تفكير…
رماه على الكرسي جنبهم.
رجع بص لمنيرة…
اللي لسه في حضنه…
كأن الدنيا كلها اختفت…
وما بقاش فيها غيرها.
وفجأة—
شالها بين إيديه.
منيرة اتفاجئت…
بس ما اعترضتش…
بالعكس—
حطت إيدها حوالين رقبته…
وسندت راسها على صدره.
أسعد اتحرك بيها بخطوات سريعة…
وقلبه بيدق بعنف…
فتح باب أوضتهم…
ودخل…
وقفل الباب وراه.
كأن اللحظة دي—
قرار.
في مكان تاني—
كريمان كانت واقفة برا أوضة ماجى ……
وإيدها ماسكة الموبايل بعصبية.
“بيرفض يرد؟!”
اتصلت تاني…
مرة… واتنين…
“التليفون مغلق.”
وشها اتشد…
وعينيها ضاقت بخطورة.
“تمام…”
فتحت رقم تاني—
“أيوه… أنا كريمان.”
صوتها بقى هادي…
بس مليان سم:
“عايزة أعرف… هو فين دلوقتي؟”
ثواني صمت…
وبعدين صوت واطي من الناحية التانية:
“موجود يا هانم…”
كريمان شدت نفسها:
“فين؟!”
الرد جه واضح:
“في الفيلا…”
“ومش لوحده…”
كريمان سكتت لحظة…
بس قلبها كان بيغلي:
“كمل.”
الصوت قال بتردد:
“مع مدام منيرة…”
كريمان ابتسمت ابتسامة باردة…
“طبيعي…”
لكن اللي جاي—
كان أقوى:
“ودلوقتي… دخل بيها أوضة نومهم.”
الصمت نزل…
ثانية…
اتنين…
وفجأة—
ملامح كريمان اتغيرت تمامًا.
الغضب بقى أوضح…
وأخطر.
“تمام…”
قالتها بهدوء مرعب…
“خلي عينك عليهم… وكل حاجة تحصل… تبلغيني فورًا.”
قفلت التليفون…
وبصت قدامها…
بس مش شايفة حد.
جواها قرار بيتكون…
“كده اللعب بقى على المكشوف يا أسعد…”
وعينيها لمعت بشيء أخطر من الغضب—
انتقام.
كريمان دخلت أوضة ماجي بعصبية…
فتحت الباب بعنف…
ماجي كانت قاعدة على السرير…
ساندة ضهرها…
وباصّة قدامها بشرود غريب.
كريمان قربت منها بسرعة:
“كده طفشتي جوزك؟!”
ماجي ما اتحركتش…
ولا حتى بصت لها في الأول.
كريمان كملت بعصبية:
“أنا بقالى أسبوع مخلياه زي الخدام تحت رجليكي!”
“محسساه بالذنب ناحيتك!”
سكتت لحظة… وبعدين صرخت:
“وانتي بكل غباء تسيبيه يروح لبنت البواب؟!”
ماجي ببطء…
لفّت راسها ناحيتها…
نظرة فاضية…
باردة… بشكل غريب.
قالت بهدوء تام:
“ما يروح.”
كريمان اتجمدت:
“إيه؟!”
ماجي كملت… بنفس البرود:
“ياريت ما يرجع تاني.”
الصمت وقع…
كريمان عينيها وسعت بصدمة:
“انتي بتقولي إيه؟!”
ماجي رجعت تبص قدامها…
وقالت بهدوء:
“مش فارق معايا.”
كريمان قربت منها أكتر…
“إنتي اتهبلتي؟!”
ماجي ضحكت ضحكة خفيفة…
بس من غير روح:
“يمكن.”
سكتت لحظة…
وبعدين قالت ببطء:
“أصلاً… عمري ما حبيته.”
الكلمة خبطت في كريمان—
“ماااجي!”
ماجي كملت كأنها بتحكي حاجة عادية:
“أنا كنت عايزة حاجة تانية…”
كريمان بصت لها بحدة:
“عادل؟!”
ماجي ما أنكرتش…
بس عينيها لمعت لحظة…
وبعدين رجعت تبرُد تاني:
“كان فاهمني على الأقل.”
كريمان قربت منها بسرعة…
ومسكت دراعها بعنف:
“انتي لو أسعد عرف—”
ماجي سحبت إيدها بهدوء…
وبصت لها نظرة ثابتة:
“يعرف.”
كريمان اتصدمت:
“نعم؟!”
ماجي قالت بمنتهى البرود:
“ياريت يعرف.”
سكتت لحظة…
وبعدين قالت الجملة اللي كانت أخطر:
“يمكن ساعتها… يسيبني بجد.”
كريمان رجعت خطوة لورا…
كأنها لأول مرة مش فاهمة بنتها.
“إنتي عايزة تدمرّي نفسك؟!”
ماجي ابتسمت ابتسامة هادية…
مخيفة:
“أنا… اتدمرت خلاص.”
الصمت نزل تقيل…
كريمان كانت بتبص لها…
لكن المرة دي—
ما كانتش شايفة بنتها…
كانت شايفة قنبلة…
ممكن تنفجر في أي لحظة.
تاني يوم الصبح—
منيرة كانت نايمة…
مغمضة عيونها…
وشها هادي لأول مرة من أيام.
فجأة—
صوت رنين موبايلها قطع السكون.
مدّت إيدها بتعب…
اتناولته من على الكومود…
ومن غير ما تبص—
قفلت الخط.
رجعت حطت راسها لحظة…
وبعدين بإيدها بدأت تتحسس السرير جنبها ببطء…
سكون.
عينها فتحت شوية…
وبصت مكانه—
فاضي.
قلبها دق بخفة…
وقعدت على السرير…
وبصت يمين… شمال…
وفجأة—
باب الحمام اتفتح.
أسعد خرج…
شعره مبلول…
وبيغني بصوت واطي خفيف…
كان باين عليه—
مرتاح…
مبسوط…
وكأن هموم كتير اختفت.
منيرة أول ما شافته—
حست إن روحها رجعت لها.
عينها لمعت…
وابتسامة صغيرة ظهرت على وشها من غير ما تحس.
أسعد وقف قدامها…
لسه بيغني…
وباصص لها بنظرة فيها خفة ودفا.
وفجأة—
سكت.
ابتسم وقال:
“إيه ده…؟”
قرب شوية وهو بيبص لها:
“صاحية بدري ليه؟”
منيرة فضلت باصة له لحظة…
كأنها بتتأكد إنه قدامها بجد… مش حلم.
وبعدين قالت بهدوء دافي:
“علشانك.”
أسعد رفع حاجبه بابتسامة:
“علشاني؟!”
منيرة هزت راسها…
وبصت له بنظرة صادقة:
“خفت أصحى… وما لاقيكش.”
الكلمة وقفت لحظة بينهم…
ابتسامة أسعد خفتت شوية…
وقرب منها أكتر…
وقعد قدامها على السرير.
مد إيده…
وشال خصلة شعر من على وشها بهدوء:
“أنا هنا أهو.”
منيرة غمضت عينيها لحظة…
وكأنها بتطمن.
لكن فجأة—
صوت موبايلها رن تاني.
المرة دي—
الصوت كان مُلح أكتر.
أسعد بص للموبايل…
وبعدين لها:
“مش هتردي؟”
منيرة اترددت…
وبصت للشاشة…
واول ما شافت الاسم—
وشها اتغير.
الهدوء اختفى…
والقلق رجع تاني.
رفعت عيونها لأسعد…
وقالت بصوت واطي:
“دي… كريمان.”
واللحظة الحلوة—
بدأت تتكسر…
أسعد بص للموبايل في إيد منيرة…
وبعدين بص لها…
هز راسه بمعنى: لا.
مد إيده بهدوء…
وأخد التليفون من إيدها…
ومن غير تردد—
قفله.
حطه على الكومود…
وبعدين رجع لها…
مسك إيدها…
وضغط عليها بخفة…
وقرب شوية وقال بابتسامة فيها شقاوة:
“أنا عندي خطة تانية.”
وغمزلها.
منيرة بصت له باستغراب…
بس ضحكة صغيرة هربت منها:
“خطة إيه؟”
أسعد وقف…
وشدها تقوم معاه:
“تعالي بس.”
بعد شوية—
في الجنينه…
الشمس كانت دافية…
والهوا هادي…
أسعد قاعد على الكرسي…
ومدخل منيرة جوا حضنه…
إيده حوالينها…
وكأنه مش ناوي يسيبها تاني.
منيرة ساندت راسها على كتفه…
وعينيها مغمضة…
مستمتعة باللحظة…
اللي كانت نفسها فيها من زمان.
أسعد بص لها…
وبابتسامة هادية…
بدأ يحرك صوابعه في إيدها كأنه بيطمنها.
لكن فجأة—
الخدامة قربت بخطوات هادية:
“أسعد باشا…”
أسعد بص لها:
“أيوه؟”
قالت باحترام:
“والد حضرتك بيتصل عليك… على التليفون العمومي في الفيلا.”
الجو اتغير لحظة…
أسعد سكت…
وبعدين رفع إيده وحك دقنه بتفكير.
“تمام…”
بص لها وقال بهدوء:
“هاتِي تليفوني من جوه.”
الخدامة هزت راسها ومشيت بسرعة.
منيرة رفعت راسها من على كتفه…
وبصت له بقلق خفيف:
“هترد عليه؟”
أسعد ابتسم…
بس المرة دي ابتسامة فيها غموض:
“أهو نشوف… هو عايز إيه.”
لكن في عينه—
كان في حاجة تانية…
واضح إن “الخطة”
بدأت.
عدّى يومين—
وأسعد…
كان عايش مع منيرة حالة
مابين حب… ولهفة… وراحة غريبة.
كأنهم روح واحدة…
في جسدين.
نظرة منها…
تفهمه.
سكونه…
تقرأه.
وجودها جنبه—
كان كفيل يهدّي كل الفوضى اللي جواه.
وفي ليلة—
جرس الفيلا رن…
بشكل مفزع… متواصل… وعنيف.
منيرة اتفزعت:
“يا ترى مين؟!”
أسعد قام بسرعة…
وبدأ يلبس هدومه وهو بيقول بسخرية:
“هيكون مين اللي بيطب علينا كده؟!”
وضحك ضحكة خفيفة…
بس وراها توتر.
منيرة قامت هي كمان…
وبتلبس بسرعة:
“قولت لك يا أسعد نخلي الخدم موجودين…”
“إنت اللي مشيتهم بدري!”
أسعد ما ردش…
كان مركز في حاجة واحدة—
الباب.
خرج بخطوات سريعة…
وقلبه بدأ يدق أسرع من غير سبب واضح.
وصل عند الباب…
وقف لحظة…
إيده على المقبض…
فتح.
اتجمد مكانه.
قدامه—
محمد أبو بكر.
عين أسعد ضاقت…
وصوته خرج تقيل:
“بابا…”
محمد كان واقف بثبات…
وشه جامد…
وعينيه فيها نظرة ما تتقريش بسهولة.
بص له من فوق لتحت…
وبعدين قال بهدوء خطير:
“مش هتدخلني؟”
أسعد بلع ريقه…
وبعد خطوة لورا:
“اتفضل.”
محمد دخل…
بص حواليه نظرة سريعة…
وفي اللحظة دي—
منيرة خرجت من الأوضة…
أول ما عينه وقعت عليها—
سكت.
ثواني…
لكنها كانت تقيلة جدًا.
منيرة وقفت مكانها…
حست بنظراته…
وقلبها اتقبض.
محمد رجع بص لأسعد…
وقال ببطء:
“واضح إنك واخد قرارك.”
أسعد رد بثبات:
“أيوه.”
محمد ابتسم ابتسامة خفيفة…
بس مفيهاش أي راحة:
“تمام…”
سكت لحظة…
وبعدين قال الجملة اللي قلبت الجو:
“يبقى تستحمل نتيجته.”
أسعد شد نفسه:
“قصدك إيه؟”
محمد قرب خطوة…
“قصدِي… إن اللعبة كده بقت على المكشوف.”
منيرة بصت لأسعد بقلق…
لكن محمد كمل….
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية صندوق أسرار) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.