رواية النغم الحزين الفصل العاشر 10 – بقلم فاطيما يوسف
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
قبل القراءة ادعوا لي دعوة حلوة من قلبكم بالرزق الحلال وربنا ييسر لي حالي يا رب.
في زحامِ العمرِ حين تتيهُ الأرواحُ بلا أمان،
ويغدو اللِّقاءُ حلمًا بعيدًا لا يبلغهُ إنسان،
وفي ليلةٍ يشهدها القمرُ وتغازلها نجومُ السماءِ يتلهف عاشقان لعِناقٍ طويلٍ وحينها يسكنُ الشوق الجَنان،
فيـا سـَـعد مـن نـالَ حـبـيبـُه، ويـا سـَعد مـن لـهُ مـُحـب يُقاتلُ الحـياة لأجله دون ظمآن؛
فذاكَ لِقاءٌ تبلغُ فيهِ الرُّوحُ هناها بعد طولِ حِرمان،
وتذوبُ فيهِ المسافاتُ وتلمع العيون بنصرٍ ويصيرُ القلبُ وطنًا وسُكْنان،
فأقسم برب السماء الذي سوَّاها أنه عشقٌ متينٌ إذا صدقَ لا يُطفئهُ بُعدٌ ولا يطويهِ نسيان.
#بقلمي_فاطيما_يوسف✍️✍️
ـ على فين يا حبيبة قلب “سند” .
فجأة عيونها برقت برعب وسحبت ايديها من ايده وجريت من قدامه وقفلت على نفسها الباب بدرجة صدمته وخلته واقف مكانه بيتفرج على اللي عملته بذهول وأعصابه مشدودة وعيونه متعلقة بالباب اللي اتقفل في وشه وكأنه باب الجنة، والحيرة زادت وأعصابه مشدودة وقلبه بيدق برعب من تحولها المفاجئ، من جواه مقهور على موجوع على مصدوم ، مش عارف يتصرف ازاي يروح وراها ويطلب منها تفتح الباب ولا يسحب نفسه وكرامته اللي اتهانت،
مسح على شعره وهو لسه مكانه بيبص للباب بأسى وبيفكر يمشى وميكررش محاولاته تاني ولا يذل نفسه معاها أكتر من كدة ولا يرجع ويحاول ويحاول لحد ما نفسيا تستقر وتستقبل علاقتهم بالترحاب ، وبعد تفكير طويل قرب من الباب وخبط عليه ولما قرب سمع أصوات شهقاتها اللي جننته:
ـ طيب ممكن تفتحي الباب وتقولي لي مبرر واحد للي حُصل دي، وليه البكا دي كلاته ؟
كد اكده قربي منك وان علاقتنا تُبقى طبيعية هتبكيكي يا “نغم” ؟!
وكمل كلامه بنبرة وجع وقهر سكن قلبه وخصوصاً لما صوت بكاها بيعلى أكتر وأكتر ، كان واقف حاسس كأن سككاين بتقطع في قلبه :
ـ طب ونظرة عيونك ودقة قلبك ولمعة الشوق واللهفة اللي شفتهم وحسيتهم وياكي دول كلاتهم كدب؟!
لو كدب يُبقى قلبي اللي حس بيكي وصدقك كداب وعمري ما هصدقه تاني وان طلت هخلعه من بين ضلوعي علشان ضحك علي ووهمني إنك هتعشقيني كيف ما هعشقك.
كانت واقفة ورا الباب بمنظرها اللي يفطر القلب وهي ساندة عليه بكفوفها وجبينها ومقهورة من جواها على وجعه قبل وجعها، كانت في قمة جمالها وشياكتها لكن حزينة وموجوعة وفي حيرة وخوف من “سمير” وخوف على ان حب “سند” يضيع من بين ايديها بسبب خوفها وضعفها ، وخصوصاً لما سمعت نبرته وعتابه ليها وكسرته على ايديها، مقدرتش تتحمل وجعه وحيرته وشوقها وخوفها على إنه يضيع من ايديها غلب خوفها من “سمير” على نفسها وولادها وفتحت الباب واتقابلت نظراتهم وفجأة ارتمت في حضنه وهي بتتمسك بيه، ومعاه وجوة ضلوعه بتحضن أمانها وعشقها الضايع، وبكاها منتهاش بل زاد للأكتر وكل ده وهو مستغرب منها ومن تحولها المفاجئ، خرجها من حضنه المتشبسة بيه وحضن وشها بين ايديه وهو بيسألها بعيون كاسيها القلق والأسى على حالتها:
ـ طيب ممكن تهدي يا حبييي وتحكي لي مالك يا “نغم”؟
ايه اللي حولك مرة واحدة اكده وخرجتيني من جنتك وبعد ما طلعتيني معاكِ سابع سما هبدتيني لسابع أرض ولحد دلوك هحايلك مع إنها صعيبة قوي على كرامتي يا بت الناس ؟
حاولت تهدي من بكاها وتطلع الخوف من دماغها وقلبها ونظراتها بتبص على صدر سند العريض وعقلها بيقويها إن صدره هو الضلع الحصين اللي عمره ما هيفشل انه يحميها، واتملمت بين كفوفه وشفايفها حرارتها وصلت لإحساسه خلته بقى ماسك نفسه بأعجوبة قدام ضعفها المليان أنوثة، ونطقت أخيراً بصوت ضعيف مهزوز وهي بتستعطفه:
ـ أني خابرة زين اني هغلط وخوفي هيحاول يخليني أخسرك ،
وعارفة كماني إني أستحقك يا “سندي” ولكن الظروف اللي حوالي هترعبني وممديانيش فرصة أتنفس عشقك ولا قربك.
وكملت كلامها وهي بتسأله بصوت مبحوح رقيق من أثر بكاها وهي بترفع عيونها المكسية دموع ومع انه منظر يخليه يشفق عليها إلا إنها حتى في عز ضعفها ولمعة عيونها بالدموع تملك جمال بيهز كيانه ، بيزلزل كل خلية صبر جواه ناحيتها ، والاتنين دقات قلوبهم بتعلن الحرب عليهم جوة ضلوعهم:
ـ هو انت ممكن تزهق مني وتبَعد عني وتنفرني بسبب ضعفي وقلة حيلتي ؟
اتنفس بأنفاس بطيئة وصدره بيعلى ويهبط في نفس اللحظة اللي بيحارب فيها قربها وبعدها في نفس الوقت وهو مازال حاضن وشها بين ايديه وفجأة لقى شفايفه بتقرب منها وبيقبل جبينها بحب وهو بيأكد لها:
ـ أولا أني قبل ما أقول أي حاجة رايد منك تطمني وإنتي وياي ، رايدك تعرِفي اني عمري ما هتخلي عنيكي يا “نغم”، حوار إني أزهق من النكد علشان بالي مش طويل دي غلط بس هزهق من النكد علشان خاطرك إنتي يا حبيبي، رايدك تفرحي وتنبسطي باللي اتحرمتي منيه، ولازمن تعرِفي إن ربنا هو اللي قدر لك اكده علشان من حقك تفرحي وتتنفسي الحب وتعيشيه .
خلص كلامه معاها وهو بيبص لها علشان يعرف ايه السبب التغير ده مرة واحدة، في لحظة سابها وراح يتكلم في التليفون رجع لقاها اتبدلت ١٨٠ درجة، ودماغه وقفت عند النقطة دي وهو مسهم نظراته عليها وتفكيره بيقول له؛ إن ممكن أمه تكون عرفت من “دعاء” سفرهم فـكلمتها تاني تهددها؟!
ألف سؤال وسؤال بيدور في باله لحد الحيرة ما لعبت بأعصابه وكل ده ونظراتها هي كمان زاغت واترعبت من صمته إنه يكتشف إن
“سمير” بعت لها، لحد ما قلبها دق بخوف وهو بيسألها بمغزى ونظرات غير مفهومة:
ـ هي الحاجة “رابحة” كلَمَتك ولا حاجة؟!
وياريت لو اتصلت بيكي واتحدتت وياكي في حاجة تحكي لي بدون ما تخافي.
بلعت ريقها بصعوبة وبقت واقفة قدامه مش قادرة تصلب طولها وتفكيره خلاص قرب يوصل للي مخوفها، وأسئلة جواها إنه لو عرف مش هيسكت وخصوصي إنه عشقها وهيغير عليها والحوار هيكبر بين أخ وأخوه وخصوصاً إن “سمير” الشر لعبته ولا بيهمه أخ ولا أب وأخيراً جاوبته بنفي بعد صمت خلى الشك زاد في قلبه أكتر ونبرتها مهزوزة وبتحاول تبعد نظراتها عن عينيه علشان ميكشفش كدبهم :
ـ لاااااه والله ما كلَمَتني خالص ليه هتقول اكده؟
منظرها وهيئتها ولجلجتها قدامه وهروبها من عينيه خلاه أتأكد إن شكه صح فحاول يجاريها ويهديها وبعد كده هو يدور وراها ويعرف إيه سر تغييرها المفاجئ، وسحب نفس طويل وهو بيقرب منها اكتر ورمى حجابها اللي حطاه على شعرها بإهمال وايديه الاتنين حاضنين رقبتها بتملك وسند جبينه على حبينها وهمس بصوت أجش خشن :
ـ طب ممكن تهدي بقى علشان ليلتنا تُبقى مباركة، معايزش نكد الليلة داي يا “نغم” أني رايدك بجمالك وأنوثتك ورقتك في عز صفا روحك ولهفتك علي.
وكمل كلامه وهمسه وهو بيرفع وشها وبيجبر عينيها إنها تستقر جوة عيونه:
ـ من الآخر مهتنازلش عن الليلة داي يا نغمي، أني قتيل قربك الليلة يا زوجتي العزيزة، ها قلتي ايه عاد؟
كانت مغمضة عيونها واتسحرت من كلامه وهمسه وصوته الدافي قرب مسمعها ، كانت بتتململ بين ايديه وهي بتتمسح فيه زي القط الوديع و أنفاسه الساخنة طيرت عقلها وخوفها وتفكيرها من كل حاجة ومحت كل خوف،
همساته ولمساته ليها وحنانه وأمانه كلها أحاسيس اول مرة تحس بيها، إحساس إنها ست وأنثى اول مرة تحس بيه في حياتها بالرغم من إنها كانت متجوزة قبل كده إلا إن مشاعر “سند” معاها حاجة تانية، وإحساس تاني كأنها طايرة فوق السحاب ودقات قلبها بتنبض جوة ضلوعها بخفقان شديد، أخيراً قررت إنها متضيعش لحظات السعادة من ايديها وهتسيب أمرها لرب العباد هو اللي يتولاها طالما ده حلالها، وزارت البسمة أخيراً
وش القمر وهي بتجاوبه برقة :
ـ قلت اللي يشاور عليه “سند” هو اللي يمشي ويكون ، بس اديني فرصة اخد شاور علشان حالتي مبقتش زينة خالص.
داعب أنفها وهو بيغازلها ومسك ايديها وخلاها تلف حوالين نفسها زي الأميرات:
ـ حبيبي كيف القمر ليلة تمامه ، وبعدين المثل هيقول ايه؛ الحلو حلو لو لساته صاحي من النوم، يالا روحي متتأخريش علي .
سابته ودخلت وأول ما اطمن انها بتاخد الشاور مسك الموبايل بتاعها وفتحه يشوف آخر مكالمة ملقاش مكالمات من حد، دخل على الوتساب وعيونه برقت لما شاف الرسالة من برة من رقم غريب، فتحها وقرأ محتواها، وعيونه برقت من شدة غضبه، وعروق رقبته برزت من الكلام اللي كاتبه أخوه لمراته، وقرر إنه هيجيب لها حقها منه لكن بعد ما يعدي الليلة وكمان مش هيكلمه قدامها، لكن من جواه نـ..ــار بتـ..ــغلي زي البركان بسبب غيرته عليها من أخوه وغضبه الشديد من إنه هددها وهي على ذمته، وده في حد ذاته عمر “سند” ما هيسكت عنه أبدا، وفي نفس الوقت جواه فرحة إن سبب تغييرها مش إنها ما حبتهوش، أو مش عايزاه، لكن بسبب تهديد أخوه الشديد ليها، وقرر إنه يسيب الموبايل وينسى الرسالة خالص ويعيش ليلته مع نغمه وبعدين يقرر هيعمل معاه ايه .
*******
طمنيني ياما نغم عامله ايه هتشوف حالها وهتتنفس حريتها وسند هيسيبها تعمل اللي على كيفها ولا هتعيش على النهج اللي كنت هعيشها عليه هتخاف وتكش ولساتها تحت رجليك هتخدمك طمنيني.
مطت شفايفها بسخريه وهي بتجاوبه بكل تلقائيه لانها واخده على نوعيه الكلام دي مع سمير بالذات ما بتحبش تخبي عنه اي حاجه حتى لو كانت هتولع الدنيا:
ـ اسكت يا ولدي البت بقت شايفة كيفها وهتلبس هدوم كيف المصاروة هدوم حتى “دعاء” مرت اخوك ما هتلبسهاش ولا عمرها جابتها وشكلها اتبدَل 180 درجة وبقت ولا الحور العين، وهتلبس الوانات وقلعت عبايتها السودا اللي كانت هتلبسها وشكل ما يكون صغرت عشر سنين وما شافتش الجواز قبل سابق.
وكملت شكواها وعلامات الحزن الحقيقي اترسمت على وشها:
ـ ولا عادت تخدمني ولا هتقول لي حتى صباح الخير ياما “رابحة” واخوك هيقف بيني وبينها كيف الشوكة في الضهر، وما هيخلينيش اقول لها حتى اغسلي لي جلابية وانت خابر زين إني خدت على وكلها وانها هي اللي هتخدمني وهتشوف أموري كلاتها، ومعارفاش أكل ولا لقمة من وقت ما اتعزلت لحالها بسبب أوامر أخوك والبيت حالتَه من بعد ما مشيت وهملتنا عفش قوي يا ولدي، شكل ما يكون انت سبت البيت وخدت الفرحة وياك.
وقربت منه وهي بتبص له بحزن وحطت ايديها على ضهره بحنية وسألته:
ـ هترجع ميتى يا “سمير” يا ولدي ما عارفاش أعيش من غير وجودك.
“سمير” من جواه اتغاظ والغيرة بقت تضـ.ــرب في عروقه بسبب اللي سمعه عن حالة “نغم” ، ما بقاش طايق نفسه وهو قاعد قدام أمه وعيونه بتلمع بغضب شديد ومن جواه خاف إن أخوه يكون نقض عهده معاه وسأل أمه وهو بيجز على اسنانه بغضب:
ـ قولي لي يا حاجة وصارحيني اخوي نقض عهده وياي وهيعيش ويا مرتي زوج وزوجة، ولا لساتَه باقي على العهد؟
احكي لي وما تخبيش عني حاجة علشان ما أحسش اني بقيت طرطور وان غيبتي هتخليهم ينسوا ان لساتاتي عايش على وش الدِنيا، وما حدش يطول حاجة تخص “سمير الناجي” وقتها هتبقى خراب على الكل واظن الغلط النوبادي يا حاجة مش من تلاي علشان تكوني شاهدة.
أمه عيونها زاغت لأن جواها شك إن في بينهم حاجة لكن مش متأكدة وجاوبته وهي حيرانة زيه:
ـ شوف يا ولدي هو لحد دلوك وقبل ما اجي لك أني كنت حداها ومن الواضح ان هي على عهدها وياك، واخوك من قبل ما يتجوَزها كان هيدافع عنيها وهيقف قصادي وقصادك علشانها يعني داي حاجة طبيعية منيه، بس برده “سند” خوك عمره ما ينقض عهده ابدا اطمَن يا ولدي اني مربياه راجل لا يخون ولا يغدر أبدا وخصوصي باخوه.
واتنهدت بحيرة ووجع لما افتكرت قضيته وسألته:
ـ بس طمني انت الاول على قضيتك اللي انت وقعت فيها، اخوك هيقول انهم ناس اكابر وان ولدهم ما راضيش يتنازَل عن القضية ولا يتراضى، قل لي المحامي هيطمنك ولا الموضوع ما يطمنش يا ولدي وانت ما هتتحملش تتسجن تاني، وأني مهتحملش قهرتك وكسرتك هيجرالي حاجة؟
ضرب على رجله بخوف وعيونه اتهزت لما جت سيرة القضية وشتم على أخوه ولام أمه:
ـ هو “سند” اخوي ما هيستريحش الا لما يفضحني؟!
كان لازمتها ايه يقول لك على حوار القضية داي؟
ولا هو طول عمره هيحب يطلعني عيل خايب وضايع وهو اللي على الحجر، طول عمره هيكرهني وهيغير مني وابوي هيقويه علي ما صدق اني وقعت في ضيقة راح قال لك، واني كنت فاكر انك جاية تشوفيني وانك اتوحشتيني وما قدرتيش على بعادي اكتر من اكده يا حاجة، وانك جايه تطمَني على ولدك اللصغير، اتاريكي جايه تشمتي فيا انتي كمان علشان حوار القضية دي وتسممي بدني على حاجة مقصدتهاش.
ضـ.ــربت على صدرها باستنكار من كلامه وهي بتقرب منه وبتشده لحضنها وبتطبطب عليه وبتبوسه من راسه ومن ايديه وبتصحح له مفهوم الخطأ وسوء الظن اللي دار في دماغه:
ـ لااه يا ولدي، لااه يا حبيبي اني ما هشمتش فيك عمري، ولا هسمم بدنك انت خابر زين اني هحبك كيف يا “سمير” ، دي اني دقت المر سنين وسنين علشان اجيبك للدنيا يا ولدي واحضنك بين يدي واشم ريحتك، رحت لدكاترة ما لهمش أول من اخر، وعِملت عمليات واتمرمط علشان تاجي للدنيا يا “سمير” واضمك لصدري وتبقى اخ لاخوك، أني جايه اطمَن عليك ونحل المشكلة اللي وقعت فيها، هو في ام هتشمت في ضيقة ولدها وخصوصي لما يكون اللصغير؟
بقى ينوح في حضن امه وهو بيشتكي لها اللي جرى له:
ـ أني في مصيبة يا حاجة وهلبس قضية شروع في قتل والواد ابن ناس اكابر وما راضيش يتنازَل غير لما اعتذر له قدام اللي ضربته قدامهم، وداي كَبيرة علي قوي ما قادرش اعملها وكمان عايز يصورني واني هعتذر له وينزلها على النت كيف ما الموبايلات صورتنا واني هضربه ونزلت على النت، يرضيكي ولدك يبقى مُسخة لخلق الله؟!
هنزل البلد كيف بعد اكده وهما رايديني اوطي على يد واحد وأحب عليها واستسمحه إنه يسامحني، الهيبة هتضيع يا حاجة واصغر عيل في البلد هيتريق عليا بعد اكده لو عِملتها.
طبطبت عليه وقلبها مولع من جواها على المصيبة اللي ابنها وقع فيها وخصوصا “سمير”، وسألته بحزم:
ـ ما عاش ولا كان على وش الدنيا اللي يقهر “سمير الناجي”، اطمَن يا ولدي، مابقاش “رابحة ” وشعري دي على راسي إن ما خلصتك منيه الموضوع دي قبل ما أعاود البلد، بس عرِفني عنوان البيت بتاع الواد دي بس .
خرج من حضنها وهو بيمسح وشه ودموعه بكمه وسألها باندهاش:
ـ عنوان البيت!
ليه يا حاجة رايدة تعرِفي عنوان البيت؟
رفعت ايديها في الهوا وجاوبته:
ـ مليكش صالح يا ولدي، انت ليك حداي إنك تُخلُص منيه الموضوع دي غير اكده متسألش .
اداها العنوان بالكامل وطلبت منه إنه يتصل بفكهاني وجزار ومحل جاتوهات وطلبت منهم طلبيات تملى عربية نص نقل علشان تنفذ اللي في دماغها وتنقذ ابنها .
********
خدي اهنه يابت يا “جليلة” ، تعالي قدامي دلوك يا بلوة إنتي.
أول ما سمعت صوتها وهي بتزعق جامد لوت شفايفها وهي بتكلم نفسها بصوت واطي:
ـ منك لله يا بعيدة على هدة الحيل اللي اني فيها بسببك من يوم ما جيت اهنه، ولية مفترية.
وعلت صوتها:
ـ نعم يا ست “دعاء” جاية اهو .
أول ما خرجت زعقت لها بصوت عالي واتكلمت معاها بطريقة كأنها بتستحقرها:
ـ خدي اهنه يا بقرة انتِ، أني مش منبهة عليكي الحافظات داي تغسليها وتنشريها بالفرشة ويدك مش تحطيهم في الغسالة ؟!
هو إنتي من اولها اكده مهتسمعيش الكلام وهتخالفي أوامري .
وكملت طريقتها الغير آدمية وهي بتأمرها:
ـ انجري من قدامي متنشريهمش وتروحي تفرديهم وتغسليهم بالفرشة تاني وتلمعيهم، رايدة اسمع صوت الفرشة والخرطوم واني قاعدة مكاني يا واكلة ناسك .
“جليلة” انصدمت من أمرها وعيونها برقت واعترضت وهي حاسة بالظلم :
ـ بس هغسلهم كيف وهما نضاف وزي الفل يا ست “دعاء” اكده حرام!
قربت منها وهي بتبص لها بعيون مليانة غضب وصوتها علي :
ـ وانتي بقي اللي هتعرِفيني الحلال من الحرام والله عال مبقاش إلا الخدامين كماني ، غوري من قدامي اعملي اللي طلبته منيكي وبعد ما تخلصي تنزلي المطبخ دي كلاته وتغسلي اللي فيه وتلمعيه تلميع.
“جليلة” بقت حاسة بالظلم والقهر من طلبات “دعاء” ورغم إن دي شغلانتها أصلا، كانت طول النهار تخرج من بيت دي لبيت دي وتعمل نفس الحاجات اللي بتأمرها بيها “دعاء” إلا إن طريقتها معاها غير آدمية والكره باين في عينيها ليها،
دخلت تعمل اللي قالت لها عليه وهي بتدعي وتحسبن عليها، وقبل ما تدخل سمعت صوت “سما” بتنادي على امها وهي بتقول لها:
ـ ماما ، تعالي رايداكي في حاجة مهمة بس تعالي ندخل الأوضة جوة .
دخلوا الأوضة بعد “دعاء” ما بصت على “جليلة” وشافتها ماسكة الفرشة وبتغسل وملهية، راحت هي وبنتها ودخلت الأوضة وأول ما الباب اتقفل جريت “جليلة” وراهم برجل هلامية علشان محدش يسمعها، واللي طمنها أكتر إن “مازن” مش موجود، ورمت ودنها على الباب وسمعت “سما” وهي بتطلب من امها :
ـ احنا اتفقنا على الجروب بتاعي أني وأصحابي إننا نطلع الساحل تلت أيام وملقتش وقت احسن من دي وأبوي مسافر، أني جهزت كل حاجة وهنطلع المغرب .
وكملت كلامها وهي بتمثل الحزن والضيقة:
ـ أني مخنوقة جداً ونفسيتي وحشة ، وكمان معرفاش اقعد على الفون كَتير بسبب الروارتر اللي هيفصل كل شوي، والشبكة اهنه عفشة وكمان مهخرجش من البيت واصل، أني اكده هموت يا ماما ويُبقى احسن كماني بدل العيشة الهم داي.
أمها حضنتها وهي مخضوضة من كلامها :
ـ يا حبيبتي يا بتي بعد الشر عليكي يا نور عيني ، يارب ما يضرني في حد فيكم أبداً، ومتدعيش على نفسك تاني، وكل اللي إنتي رايداه ونفسك فيه هعمله لك ياضي عين أمك ، بس الاول اطمَن بت شفيع بيه رايحة وياكي هي وبت شيخ البلد ؟
حركت البنت راسها بسعادة وجاوبتها:
ـ وه آمال ايه ، ما انتِ خابرة زين أني مهصاحبش غيرهم وانتي كماني اللي هتتفقي ويا العربية والسواق اللي هيودينا وهيفضل ويانا هناك علشان تطمَني علينا إننا بخير .
حضنتها “دعاء” ووافقتها على طلبها :
ـ تمام يا حبيبتي من العين داي قبل داي ، بوكي هيرجع من سفره كمان أربع أيام ولازمن ترجعي قبليه وإلا إنتي خابرة زين إنه ايه الله هيحصُل لو رجع قبلك وعرف بالسفرية داي، وخصوصي إن داي اول مرة تسافري لحالك من غيرنا .
وراحت ناحية الدولاب طلعت منه موبايل جديد بكرتونته وادته لها :
ـ خدي دي موبايل جَديد وفيه خط جَديد، علشان تعرِفي تتعاملي زين بعيد عن رنات وضغط ابوكي عليكي عارفة إنك هتتخنقي بس دي طبع بوكي ولازمن كلاتنا نتحمَله.
رجعت “جليلة” للحمام تاني تكمل اللي كانت بتعمله بعد اللي سمعته وقررت انها تخرج برة البيت خالص بأي حجة وتحكيه له اللي سمعته ، بس الحظ مسعفهاش إنها تخرج قبل سفر “سما” لأن “دعاء” كانت مركزة معاها جامد وحالفة لا تطفشها النهاردة،
وأخيراً قدرت تخرج من البيت بعد العشا وكلمت “سند” وحكت له على كل اللي سمعته فغضب جامد وهو بيزعق في التليفون:
ـ إنتي اتجنيتي ومعرفاش تشوفي شغلك ولا امرتك بيه ؟ ليه مقلتليش يا واكلة ناسك قبل البنت ما تسافر ولا تخرج من البيت؟
جاوبته بتعقل :
ـ لسببين يا سي “سند” بيه أولهم إن الست “دعاء” هتبهدلني وياها في البيت، وطول النهار من ساعة ما رجلي دقت عتبه البيت وهي هتمرمطني في شغل البيت ومش اي شغل عاد؛ دي من صباحيتها لغطستها وهي هتهد حيلي واني صابرة علشان خاطرك والاتفاق اللي بيناتنا،
وما خلتنيش أخرج غير لما اعمل الحاجات اللي هي امرتني بيها وكانت الست “سما” سافرَت،
ولو كنت قلت لك ولحقتها قبل ما تسافر كانت هتعرِف اني هتصنت عليهم لأن ما فيش حد في البيت غيري ولا حتى الحاجة “رابحة” كانت هتخبرك بيه الموضوع دي ولا حتى سي “مازن” الصغير كان موجود وقتها.
مسح “سند” على شعره بقلة حيلة من عمايل مراته وسألها:
ـ يعني هي خدت موبايلها القديم وياها ولا سابته في البيت؟
ـ لاااااه الموبايل ويا الست “دعاء” كيف ما انت أمرتهم وهي اشترت لها موبايل جَديد بخط جَديد اني سمعتها هتقول لها اكده، ونبهت عليها إنها تعاود من السفر كمان تلت أيام قبل ما حضرتك ترجع.
نفخ بضيق شديد وهو بيفكر هيعمل ايه ودماغه فضلت تجيبه يمين وشمال وما لقاش غير حل واحد غير انه يقطع اجازته ويرجع بكره ويكتشف بنفسه ان بنته مش موجودة ووقتها هيهد الدنيا على راس “دعاء” .
******
انتِ فين يا “مهرة” مستنيكي بقى لي كتير اتاخرتي قوي النهاردة في الجامعة انا محضر لك مفاجأة ما تتاخريش بقى.
استلمت رسالته وهي في المواصلات مروحة على البيت وردت عليه:
ـ خلاص اها هنزل من العربية و عشر دقايق و أوصل، يا ترى ايه المفاجاه اللي هتحضرها لي ياسي “نعمان” ويا رب ما يطلعش مقلب من المقالب اللي انت هاريني بيها بس المره دي ما هفوتكش لو طلع مقلب وهاخذ حقي منيك تالت ومتلت .
وصلت بعد عشر دقايق لقيته واقف مستنيها واول ما وصلت كان واقف في الركن الجانبي اللي دايما بيقعدوا فيه يشربوا الشاي مع بعض وفي ايده بوكس كبير حطه قدامها، وطلع بوكيه ورد وقدمه لها بشياكة ومنتهى الرومانسية، وكل ده وهي حاطه ايديها على بقها ومصدومة من المفاجأة اللي هو عاملها لها وعيونها لمعو بالدموع، عمر ما حد افتكرها بهدية ولا حد افتكر يقول لها كل سنة وهي طيبة بمناسبة عيد ميلادها حتى، و”نعمان” مش بس افتكر عيد ميلادها؛ ده عمل لها كمان عرض تقديم زي اللي بتشوفه في التلفزيون، أخدت منه الورد وحضنته وهي بتشمه وعيونها مغمضة بسعادة وقال لها :
ـ كل مليون سنة وانتي طيبة يا ست البنات حبيت أعمل لك حاجة بسيطة في يوم ميلادك تفرحك، حبيت أكون أول واحد يهنيكي بيوم ميلادك، وكمان يا ريت تقبلي مني الهدية البسيطة دي.
ابتسمت بسعادة غامرة وهي حاضنه الورد بتملك كانها حاضنه أغلى حاجة في الكون وبصت للهدية وعيونها لمعت بالفرحة زي الطفل اللي جاله لبس العيد، وعيونها اتسهمت جوه عيونه وهي بتشكره بامتنان و رِقة لأول مرة تعهدها في شخصيتها:
ـ وانت طيب يا “نعمان” اني ما مصدقاش ان انت كلفت حالك وصرفت الفلوس داي كلاتها علشان بس تفرح قلبي وتَجيب لي هدية عيد ميلادي، ما مصدقاش إن في إنسان في الدنيا افتكر عيد ميلادي وهناني بيه ، لااااه وكمان هتقدمه لي كيف نجوم السيما، تعرِف المشهد دي لو حلمت بيه واتمنيته عمره ما هيحصل كيف دلوك.
شاور لها بعيونه على البوكس بعد ما قعدوا الاتنين وطلب منها:
ـ ما تشكريش حبيب بيهني حبيبه في عيد ميلاده دي بديهيات لازم تاخدي عليها، ولازم تعرفي ان طالما في بينا مشاعر يبقى انتِ ليكي حقوق عليا، من حقك اني اهتم بيكي واهتم بكل حاجة تخصك، ممكن بقى تفتحي البوكس وتشوفي الهدايا اللي انا جايبها لك.
فتحت البوكس بفرحة وبسمة مرسومة على وشها ولأول مرة البسمة تكون خارجة من قلبها قبل ما تترسم على وشها وطلعت أول هدية وكانت عبارة عن رواية كانت نفسها فيها جدا واتكلمت عنها قدامه وهو طبعا منسيش وجاب لها الرواية وكانت ملفوفة بشريط ستان أحمر كانت هتفتحه فطلب منها بتصميم غريب:
ـ لااا ما هحبكيش تفتحي الكتاب بالذات غير لما تكوني لحالك يلا طلعي بقية الهدايا.
سمعت كلامه وبدات تطلع بقية الهدايا وأول حاجة طلعت في ايديها سلسلة فضة عبارة عن قلب مقفول طلب منها إنها تفتحه ولقيته كاتب فيها:
ـ “مهرة” وانتِ مهرة ويحق لك الدلال .
ابتسمت لأن دي أول كلمة قالها لها لما عرف اسمها وعمرها ما تنساها، وراحت تشوف الهدية التالتة بعد ما قفلت القلب ولبست السلسلة، كانت عبارة عن الكاب بتاعه اللي دايما تاخده منه وتلبسه كل لما تلاقيه لابسه فرفعت حاجبها باندهاش فوضح لها بخفة:
ـ ما تستغربيش أنا كل لما البسه الاقيكي بتاخديه من على راسي وبتلبسيه وبصراحة عينك فيه وعلشان كده سبته لك، وبرده ما فيش حاجه تتعز على حبيبي.
أخدت الكاب ولبسته هو كمان على راسها ومدت ايديها في الصندوق طلعت شوكولاتات كتير، وآخر حاجة رسالة في ورقة بخط ايده فتحتها لقيته كاتب فيها:
ـ أنا عمري ما قابلت حد شبهك، ولا أتخيل إن قلبي يشوف غيرك يوم،
وجودك في حياتي كان أحلى صدفة، وحاجة هفضل أحمد ربنا عليها دايمًا،
يمكن قصّرت في حاجات كتير، أو ماعرفتش أقول اللي جوايا صح، أو مقدرتش أعبر عن مدى أهمية وجودك في حياتي يا “مهرة” ،
بس صدقيني، كل حاجة كانت مني ليكي كانت طالعة من قلب بيحبك بجد
ولو في يوم حسّيتي إني ضايقتك سامحيني، وافتكريني دايمًا بالخير.
إمضاء: نعمان إلى حبيبة القلب والعمر والروح اللي عمرها ما هتتنسي ولا هتتبدل بحبيبة غيرها ولا حد هيسكن قلب النعمان وياخد مكانها لحد الروح ما تفارق الجسد “مهرة” ❤️💔.
لما قرأت رسالته على قد ما حست بالاطمئنان من ناحيته بإنه بيعشقها على قد ما حست بالخوف من كلامه، حطت كل حاجة في الصندوق وسهمت نظراتها جوه عيونه وهي بتسأله بخوف:
ـ رسالتك في الورقه هتخوفني وهتطمني في نفس الوقت يا “نعمان” ، وكمان هتحطي لي قلب سليم وقلب مكسور معناته ايه كلامك دي، لساتك هتحط في دماغك اننا ما ننفعش لبعض بسبب ظروفنا مع اني اكدت لك اني هكون معاك يد بيد وهنبني حياتنا سوا، ما بقتش مطمَنة من بعد رسالتك يا “نعمان” ، رغم المفاجأة اللي عِملتها لي الا ان رسالتك خوفتني قوي.
ابتسم بسمة غريبة وعيونه لأول مرة بتلمع بنظرة غريبة مهما حاولت تتعمق النظر فيهم مش هتفهم معناها وفي نفس اللحظة اتبدلت ابتسامته ونظرته لنظرة عاشق وهو بيطمنها:
ـ متخافيش يا “مهرة” واللي عايزه ربنا في علاقتنا هو اللي هيكون مش عايز انكد عليك ولا نفتح في حوارات ولا نقاشات مش وقتها النهاردة يوم ميلادك ولازم تكوني مبسوطة وتقولي لي ايه رأيك في الهدايا، طلع ذوقي حلو؟
حركت راسها بسعادة وهي بتحضن هداياه وكأنهم أثمن الأشياء:
ـ حلو ؟!
دي حلو كلمة قليلة قوي على اللي انت هتعمله معاي، بسطتني ووصلتني لقمة السعادة اللي ترضي أي بنت.
وكملت مدحها فيه وفي اللي عمله معاها وهي حاسة إنها راحت لدنيا جميلة غير دنيتها كأنها راحت الجنة على الأرض:
ـ انت متتصورش اني هحس إيه دلوك معاك يا “نعمان”، يعني اول دقة قلب كانت ليك طلعت صادقة ، أول مشاعر هحس بيها من جواي كبنت وولد كانت ليك، عرفت كمان إن قلبي مهيخونيش لما وثقت فيك وحبيتك، قلبي هيقول لي إن انت العوض من ربنا على شقى الأيام والليالي، قلبي دلوك سعيد سعادة تكفي الكون كلاته وانت السبب.
واتبدلت نظرات عيونها وهي بتفتكر كلام صاحبتها “نانو” عن الحب وجرح القلوب:
ـ تعرِف ليا صاحبة اسمها “نهلة” اللي دايما هروشك بحكاويها وهقول لك صاحبتي قالت وعادت، دايما تخوفني من الحب وإن البنت مينفعش تطمن لأي ولد، دايما تقول لي إن الولد قلبه هيحب ويساعي بدل الواحدة أربعة ، وإني مآمنش لأي ولد ولا أديله وعد بالحب والعشق مهما حُصل، هتسود الدنيا في عيني عن الولاد والحب واني كنت هسمع واطنش واقول حب ايه اللي هقع فيه اني مش بتاعت حب ولا غرام ، بس إنت طلعت لي من حيث لاأدري، دوبتني في غرامك وطلعت فارس جميل بعته القدر ليا يعوضني بمشاعر جميلة تغطيني من برد الأيام والسنين اللي عشتهم يا “نعمان”.
واتقابلت نظراتهم بعشق وغرام ودقات قلوبهم بتعلن عن حرب حب شديد لكن ياترى هل الحب هيستمر ؟
*******
ـ مساء الخير يا بتي، الست “غالية” والبيه “غريب” اهنه، حداي معاد من المحامي وياهم؟
ردت الخادمة وهي بتبص على الصناديق اللي وراها ملهاش أول من آخر :
ـ آه هما موجودين وفي انتظارك لكن ايه الحاجات دي كلها؟
بصت “رابحة” وراها وهي بتشاور على الحاجة وبتجاوبها:
ـ داي زيارة محبة وواجب كرم من صعيدية لأهل الدار خلي اللي هيشتغلوا حداكم يوصلوهم لجوة، ومتقلقيش الحاجات داي من أحسن وأغلى المحلات في البلد حداكم اهنه.
دخلتها لجوة كانوا في انتظارها ومقابلتهم ليها كانت ناشفة يدوب ترحاب عادي لحفظ ماء الوجه وأول ما قعدت اتكلمت براس مرفوعة ونبرة شامخة قوية :
ـ أني الحاجة “رابحة” مرت “عبدالعزيز الناجي” عين أعيان الصعيد شرقها وغربها ، حدانا من القصور ما اللي متنضرهوش العين ، وحدانا عزب وأطيان ومصانع تشتري مصر كلاتها ، حدانا الكرامة وعزة النفس تضيع قبالها رقاب، وإن شاء الله نضحي بعيالنا كلاتهم قصاد الكرامة وإن الراجل ميتهزش .
ردت عليها “غالية” بنفس القوة والشموخ والتفاخر بالأصل والفصل:
ـ يا مرحب يا حاجة “رابحة” في بيت النائب ورجل الأعمال “عزيز المهدي” اللي بيقعد جنب الوزرا والمستشارين وكبار البلد وعندنا من القصور والعماير والشركات اللي تشتري الصعيد بتاعتكم برده كلها، وبرده عندنا الكرامة وعزة النفس ما تشتراش بكنوز الدنيا، بس ابنك اللي غلطان وهو اللي اعتدى على ابني بالضرب الشديد لحد الموت لا قدر الله والسب والقذف والبادي أظلم وأظن انتو صعايدة وأهل الأصول ، وكل ده مصوراه كاميرات المكان اللي كانوا فيه، واظن انتي عارفة تفاصيل المحضر، فعايزين نجيب من الآخر على رأي الامثال البلدي بتاعتكم يا نحلة لا تقرصيني ولا عايزة عسل منك.
بصت “رابحة” لإيديها واتكلمت بقوة وجبروت واضحين في صوتها وهي بتقول لهم الحل بنبرة باردة :
ـ حداكي حق إننا هنفهم في الواجب والحق والأصول وعلشان اكده جيت بزيارة تليق بمقامنا قبل مقامكم عربون محبة يعني وفتح كلام، والدين شرع الدية وولدك يطلب من المال كيف ما يريد ويستكفى ، وفوقيهم كمان ولدي هيعتذر له.
ورفعت راسها وكملت وهي بتبص للمكان حواليهم بنظرات خاوية:
ـ هيعتذر له اهنه قدامكم وهيحب على راسه كمان ويطلب من صاحبَه السماح ويا دار ما دخلك شر ها اكده زين وعدانا العيب صُح؟
ناظرتها بقوة وهي بترمي لها الكلام كأنهم في ساحة حرب وكل ده وجوزها قاعد جنبها مبيتكلمش صامت، زي ما هي متفقة معاه إن ده حوار حريم ميدخلش فيه :
ـ لااا مش صح يا حاجة وما لهوش علاقه لا بالاصول ولا بالواجب، هو ابني ينضرب على مرأى ومسمع من الناس ويتصور ويتفضح وينزل على النت في كل الصفحات وابنك يجي يصالحه في خندق!
بذمتك ده يرضي ربنا، واذا كان على الفلوس انا ابني ما يكفهوش كنوز الدنيا بحالها ومش ناقص فلوس ولا مال، وبعدين يا حاجة اللي ما ترضيوش على ابنك ما ترضيهوش على ولاد الناس، ابنك لازم يعتذر قدام اللي ابني اتهان قدامهم ويتصور كمان واظن يبقى كده عدانا العيب احنا علشان ما كملناش في القضيه وابنك يتحبس فيها سنين ما يعرفش عددها، غير اللي احنا عايزينه وهيحصل يبقى القانون بقى ياخد مجراه.
ابتسمت “رابحة” بسماجة وقربت منها وهي بتشاور لها بإيديها إنها تقرب وده خلاهم استغربوا من حركتها وطريقتها الغريبة فقربت هي كمان فحذرتها بفحيح وصوت واطي أشبه بالهمس المميت:
ـ يُبقى اكده لامؤاخذة في الوصف تُبقي غشيمة يا “غالية”، وإن الموضوع دي متفضش قبل الجلسة اللي هوكل فيها أكبر محامين في مصر وهطلعه دفاع عن النفس وهجيب شهود إن ولدك هو البادي، ومش هخلي ولدي يتحبس يوم واحد ، بس وقتها رقبة ولدك الحيلة هتطير ومهتشوفيهوش تاني،واني حداي غيرَه وحداي أحفاد بدل الوِلد عشرة، وحدانا كمان القناصة كَتير ومهياخدوش في ولدك يوم واحد ، فنحلها ودِّي بيناتنا من الاول اكده ، ها قلتي ايه اني طولت وياكي وأني نفسي قصير مهحبش المناهدة عاد ؟
خافت “غالية” من تهديدها على ابنها رغم قوتها إلا انها اترعبت على ابنها الوحيد وردت عليها بتوتر لكن حاولت ترسم قوتها ببراعة:
ـ سبيني أفكر في الموضوع وهرد عليكي لكن مش خوف منك على ابني، علشان بس مبحبش الشوشرة وكمان ابوه عضو مجلس شعب ومش عايزين سمعتنا تتأثر .
قامت “رابحة” من مكانها وهي بتنفض جلابيتها بتقزز قدامهم وده خلاهم بصوا لها باستغراب لقوتها وجبروتها وقالت لهم وهي خارجة:
ـ قدامكم يومين بالظبط تفكروا وتتشاوروا وردكم علي هيكون بالتنازل ووعد مني الاعتذار واجب وهجيب ولدي اهنه تاني يوم التنازل يعتذر لولدكم.
خلصت كلامها وسابتهم ومشيت و”غالية” كانت قاعده جنب جوزها تضرب على رجليها بغيظ وغل من تهديد “رابحة” وبتتوعد لها:
ـ يمين بعظيم على يمينها ما همشيها قانوني يا عزيز وان ما كنتش اجيب حق ابني من عينيهم وينضرب ويتبهدل ويتصور زي ابني ما بقاش انا “غالية” طالما القانون مش نافع معاهم يبقى هي اللي جابته لنفسها.
سألها باستغراب:
ـ ايه الكلام اللي بتقوليه ده يا “غالية” يعني ايه هتتعاملي معاهم بنفس اسلوب البلطجة بتاعهم؟
احنا هنكمل في القضية وما لكيش دعوة بكلام الست المخبولة دي التهديد ده اخرها واولها صدقيني، انتي ما شفتيش ابنها الكبير محترم وكان بيتعامل بذوق جدا معايا علشان نخلص الموضوع في هدوء.
حركت راسها برفض:
ـ متهيأ لك إنه تهديد الست دي بجحة وعينيها قوية واللي زي دي هتضرب من تحت لتحت، وزي ما هي قالت انا ما عنديش غير ابني ده ومش مستعدة أجازف بحياته، لكن هعرف أجيب له حقه واضـ.ــرب من تحت لتحت زيهم، وان ما كنتش اضـ.ــرب ابنها علقة مـ.ــوت زي اللي خدها ابني ما بقاش انا.
معرفش ياخد معاها حق ولا باطل ومصممة على اللي في دماغها انهم هيتنازلوا وهترضى بالحل بتاعها وبعد كده هتاخد حق ابنها من عينيه وهتدي له علقة تجيب له كساح طول حياته وهو ده القصاص بالنسبة لها .
*****
الجو كان هادي كأن الدنيا واخدة نفس طويل قبل ما تبدأ حكايتهم، نور خافت بيغمر المكان ولمعة عينيهم أوضح من أي كلام،
نسمة هوا عدّت بينهم كأنها بتبارك اللحظة دي
كل حاجة حواليهم ساكتة، بس قلوبهم بتتكلم بصوت عالي، وأول نظرة بينهم كانت كفيلة تقول إن اللي جاي عمره ما هيكون عادي ،والوقت بينهم بقى أبطأ كأنه رافض يعدّي عشان يسيبهم في اللحظة دي،
إيديهم قربت من بعض بتوتر جميل، وكأن اللمسة الأولى وعد بحياة كاملة،
والسكون اللي حواليهم اتحوّل لحكاية دافية بتتكتب من غير ولا كلمة، وبعد ما صلى بيها ودعى لهم بالبركة والمودة والرحمة ، نطق وهو بيشيلها بين ايديه وبيحطها برفق على السرير وهمس لها وهو حاسس إن الجنة ونعيمها بين ايديه في اللحظة دي:
ـ هيقولو الأنفاس هتدفي في عز البرد واني مشتاق لدفي أنفاسك يا “نغم” ، أني لو هوصف لك كد ايه قلبي هيرفرف من الفرحة مهتصدقيش.
واعترف لها بعشقه ليها وهي في حضنه وبين ايديه:
ـ ياه يا “نغم” ياه مكنتش متخيل إني هعيش لحظة قرب طبيعية بين راجل وست كيف ماهعيشها وياكي دلوك .
قرب من رقبتها وهو بيدفن أنفاسه فيها وهمس باحتياج ومشاعر متلهفة لقربها:
ـ محتاجك قوي يا “نغم”، ومتلهف لقربك ونعيمك، محتاج منك تضميني قوي و أنسى الدنيا والناس وأنسى نفسي وياكي .
كانت بين ايديه مشاعرها مفككة ولمساته كأنها كهربا بتسري في جسمها، كانت متعودة على العلاقة اللي بالغصب والعــ.ـنف، علاقة مفيهاش أي رحمة ولا سكينة، اما “سند” خلاها تحس إنها ست وطلع من جواها أحاسيس ومشاعر من اللي كانت بتسمع عنهم بس أول مرة تعيشها وتجربها ، واتمسكت بحضنه جامد، ومتحملش صبر أكتر من كدة قرب منها ونال حلاله بين ايديه، ودخل عليها في لحظة بيحضرها القمر وبتشهد عليها نجوم الليل ، كانوا في حضن بعض تحت سما مليانة نجوم بتنور كأنها شهود على بداية حكايتهم
والقمر بدر منوّر وشوشهم بنور هادي مخلي كل حاجة حواليهم أجمل وأحنّ،
والهوا جايب ريحة ليل صافي، والكون كله ساكت إلا نبض قلوبهم وهو بيحكي اللي بينهم بأصدق المشاعر.
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية النغم الحزين) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.