رواية وجع مخفي الفصل التاسع عشر 19 – بقلم خديجه احمد
البارت التسعتاشر
تُقى
صحيت من النوم وأنا حاسة بتقل غريب في جسمي…
كأني نمت دهر كامل مش مجرد كام ساعة.
فتحت عيني وبصيت حواليا.
لقيت أحمد محاوطني بدراعه…
وتايه في النوم.
وقتها استوعبت اللي حصل امبارح…
إزاي كنت بعيّط بهستيرية،
وإزاي خدني في حضنه وفضل يهديني
لحد ما غلبني النوم.
وشي احمر من الإحراج.
حاولت أبعد دراعه عني بهدوء…
لكن كان ماسك فيا بقوة،
كأنه حتى وهو نايم مش عايز يسيبني.
فضلت أحاول شوية…
لحد ما أخيرًا قدرت أحرر نفسي من حضنه.
قومت بهدوء ودخلت الحمام.
وقفت قدام المراية.
عيوني كانت مورمة من كتر العياط…
ووشي باين عليه الإرهاق.
وصورة ياسين…
مش راضية تسيب دماغي.
دموعي وقفت على أطراف عيوني…
بس كأنها مش قادرة تنزل تاني.
أخدت نفس عميق أحاول أتماسك…
عشان ما أعيطش من جديد.
غسلت وشي كويس…
وحاولت أظبط ملامحي شوية.
وبعدها خرجت بصيت ناحيته…
كان لسه نايم.
وشه كان هادي بطريقة غريبة…
كأنه طفل غلبه النوم.
اتنهدت بهدوء وقربت من تليفوني.
كنت مستنية اتصال من جاد..
هو عارف إن اليوم ده بالذات بيبقى صعب عليّا…
وإني غالبًا بكون منهارة.
بس…
ما اتصلش.
اتنهدت بوجع خفيف
وحسيت بوخزة صغيرة في قلبي.
كنت لسه هطلع من الأوضة…
لما سمعت صوته واطي، تقيل من أثر النوم، وهو بينادي:
__تُقى…
كنت لسه هطلع من الأوضة…
لما سمعت صوته واطي، تقيل من أثر النوم، وهو بينادي:
__تُقى…
وقفت وبصيت له.
كان لسه مغمض عينيه، لكن إيده بتتحرك على السرير كأنه بيدور عليا.
قربت شوية وقلت بهدوء:
__أنا هنا.
فتح عينيه ببطء وقعد نص قعدة، وبصلي وهو بيمسح وشه بإيده.
قال بصوت مبحوح من النوم:
__رايحة فين بدري كده؟
هزيت كتفي بخفة:
__ولا حاجة… كنت طالعه برا.
فضل باصصلي لحظة…واضح إنه بيقرا وشي.
وبعدين قال بهدوء:
__نمتي كويس؟
هزيت راسي آه.
سكت شوية… وبعدين قال بنبرة أهدى:
__أنا عارف إن اليوم ده صعب عليكي.
نزلت عيني للأرض من غير ما أتكلم.
فمد إيده ومسكني من كفّي بخفة.
وقال:
__لو عايزة تفضلي لوحدك شوية أنا هسيبك براحتك.
سكت لحظة وبعدين كمل:
__ولو حابة تتكلمي… أنا موجود.
رفعت عيني له.
كان باصصلي بهدوء… من غير ضغط ولا فضول.
كأنه بس بيديني اختيار.
بلعت ريقي وقلت بهدوء:
__أنا كويسة.
ابتسم ابتسامة صغيرة… واضح إنه مش مصدق أوي، لكنه قرر ما يضغطش عليا.
وفجأة سأل:
__جاد كلمك؟
هزيت راسي بالنفي.
عدّل قعدته وقال بهدوء:
__أكيد مشغول… بس هو أكتر واحد بيخاف عليكي.
وبعدين مد إيده وربت على راسي بخفة:
__وأنا كمان.
الكلمة دي خلتني أسكت…
مش عارفة أرد بإيه.
لكن قبل ما أقول حاجة، قام من على السرير وهو بيقول:
__يلا… غيري هدومك.
بصيت له باستغراب:
__ليه؟
لف لي وهو بيقول بهدوء:
__هننزل نتمشى شوية.
_______________
جاد
بدأت أشتغل على الصفقة.
كنت قاعد في مكتبي، لابس نظارة النظر عشان أعرف أركز في الورق قدامي.
تالت كوباية قهوة كانت محطوطة جنب إيدي على المكتب.
مسكت الملف وبدأت أراجع كل بند…
أعدل هنا، وأشيل هنا، وأضيف نقطة تانية.
كنت بحاول ألاقي المعادلة الصح:
حاجة ترضي الزبون…
ومن غير ما تضر الشركة.
ماعرفش قعدت قد إيه.
الوقت عدى من غير ما أحس.
بس كان كفاية يخلي ضهري يتكسر من القعدة…
وإيدي توجعني من كتر ما أنا ماسك القلم.
لكن كل ده…
ماكانش حاجة قدام إصراري إني أخلص الصفقة دي قبل ما المدة تخلص.
رفعت عيني على الساعة اللي على الحيطة.
كانت “واحدة بالليل”
الموظفين كلهم مشيوا من بدري…
والدور بقى هادي بشكل غريب.
لكن أنا…
كنت لسه قاعد في مكاني.
عيوني بقت مرهقة ودبلانة.
اتنهدت وأنا بفرد ضهري…
وفركت عيني بتعب.
وفجأة…
سمعت صوت **خطوات كعب** واضحة في الممر.
اتجمدت مكاني.
قلبي خبط جامد من الخضة.
المفروض إن مفيش حد هنا دلوقتي!
رفعت عيني ناحية الباب…
ولما شفت مين واقف هناك، اتنهدت براحة.
كانت أستاذة ميادة… المديرة.
واقفة قدامي،
وفي إيديها فنجانين قهوة.
وعلى وشها ابتسامة خفيفة.
قربت مني وحطت فنجان قدامي على المكتب وهي بتقول بنبرة هادية:
__قولت أكيد هتحتاج دي.
بصيت للفنجان… وبعدين لها.
قلت بتعب خفيف:
__حضرتك لسه هنا؟
رفعت كتفها ببساطة وقالت:
__زيك.
وبعدين بصت للورق المنتشر على المكتب وقالت:
__واضح إنك واخد الموضوع بجد.
ابتسمت ابتسامة خفيفة وأنا بقول:
__لازم.
سكتت لحظة وهي بتراقبني…
واضح إنها بتلاحظ الإرهاق اللي باين على وشي.
وبعدين قالت بهدوء:
__جاد… أنت بقالك كام ساعة هنا؟
بصيت للساعة… وبعدين رجعت بصيت لها.
وقلت بصراحة:
__تقريبًا من بعد الشغل الأساسي على طول.
عينيها اتسعت شوية بدهشة.
وقالت:
__يعني… ما روحتش؟
هزيت راسي بالنفي.
فبصتلي لحظة طويلة…
كأنها بتحاول تقرأ اللي جوايا.
وبعدين قالت بنبرة أخف:
__لو فضلت تضغط على نفسك كده… مش هتعرف تكمل.
رفعت الفنجان وخدت رشفة قهوة قبل ما أرد:
__لازم أكمل.
سكتت لحظة…
وبعدين قالت بهدوء:
__عشان مراتك.
رفعت عيني لها فورًا.
لكنها ما قالتش حاجة تاني…
بس اكتفت إنها تبصلي بنظرة فيها فهم…
كأنها عارفة إن السبب الوحيد اللي مخليني واقف لحد دلوقتي… هو أمل.
وفجأة قامت من مكانها.
وقفت وقربت مني بهدوء…
وحطت إيديها على كتفي تطبطب عليه بخفة وقالت:
__أنا همشي دلوقتي…
لو احتاجت أي حاجة، متترددش واتصل بيا على طول.
اتوترت شوية من قربها المفاجئ…
وهزيت راسي بهدوء وقلت:
__شكرًا لحضرتك جدًا.
ابتسمت ابتسامة خفيفة…
وبعدها لفت عشان تمشي.
مشيت كام خطوة ناحية الباب،
لكن قبل ما تخرج وقفت فجأة.
لفت ناحيتي تاني وقالت:
__على فكرة…
رفعت عيني لها باستغراب.
فكملت بابتسامة هادية:
__لو ينفع نشيل الألقاب يبقى أحسن.
ضيقت عيني شوية وأنا مش فاهم قصدها.
فقالت ببساطة:
__يعني بلاش حضرتك دي.
وسكتت لحظة قبل ما تكمل:
__ناديني ميادة.
اتلبكت شوية من كلامها…
لكن هزيت راسي باحترام وقلت:
__تمام… يا أستاذة ميادة.
ضحكت بخفة وهي بتهز راسها وقالت:
__واضح إن الموضوع هيحتاج وقت.
وبعدها خرجت من المكتب.
رجع الهدوء يملأ المكان تاني…
بصيت لفنجان القهوة اللي سابته قدامي.
وبعدين رجعت بصيت للأوراق اللي على المكتب.
أخدت نفس عميق…ومسكت القلم من تاني.
لسه قدامي كتير أعمله…
ولو في حاجة اتعلمتها الفترة دي،
فهي إن التعب مش مهم… طول ما أمل مستنياه أقف على رجلي.
_______________
تُقى
كنت قاعدة جمب أحمد في العربية… وهو سايق بصمت.
باصه من الشباك على الطريق، وأنا مش عارفة إحنا رايحين على فين.
كل شيء حواليّ ضبابي… قلبي بيخبط بسرعة، وإحساسي بالتوتر مش طبيعي.
وفجأة، قربنا من المكان… حسّيت إن قلبي وقع من مكانه… مألوف، بطريقة مخيفة.
ومع كل خطوة نازل من العربية… الحقيقة فضحت نفسها…
بصيت، ووشي اصفر من الصدمة!
إحنا… إحنا في المقابر اللي اتدفن فيها ياسين!
مروحتش من ساعة ما اتوفى… سنتين كاملين!…
وكأني كنت بتهرب من الحقيقة، برفض أصدق إنه مات.
رجعت بضهري لورا، صوتي مختنق وقلبي بيصرخ:
__لا… يا أحمد… لا، أرجوك…
لكن قبل ما أهرب…
لقيت إيده حاوطتني بقوة، وحنان صوته بيطمني وفي نفس الوقت بيخليني أواجه خوفي:
__لازم تواجهي خوفك يا تُقى…
مش هو وحشك؟
يلا، تعالي… اتكلمي معاه…
قولي له قد إيه وحشك!
هزيت راسي شمال ويمين، بهستيرية… أكتفيت بالهمس:
__لا… لا… يا أحمد…مش هقدر
لكن أحمد شد عليا أكتر…
وسحبني بحنية وهو بيقولي:
__انتي قدها… صدقيني…
تعالي معايا… وأنا جمبك… مش هسيبك والله.
بدأت أسترخي بين إيديه…
وامشي معاه خطوة خطوة.
كنت بمشي ببطء…
قدم ورجلي ورا التانية…
لكن أول ما وقفنا عند قبره… قلبي اتقبض فجأة.
دموعي اتجمعت في عيوني من غير أي إنذار…
وف وسط هدوء المكان…
كان شهقاتي هي اللي ماليه المكان كله.
قربت من قبره…
وحسيت عليه بإيدي…
رجلي كانت بترتجف من الخوف والوجع على اللي راح.
قعدت على الأرض… وأنا ببكي بحرقة…
أحمد قرب مني…
ومسك إيدي بين كفوفه…
كأنه بيحاول يمدني بالقوة…
بكيت أكتر… وأنا بشهق وبقول:
__وحشت مامتك يا ياسين…
وحشتني أوي يا حبيبي…
الأرض كانت ساكتة حوالينا…
بس دموعي كانت بتتكلم بدلاً مني…
وأحمد فضل ساكن جنبيا…
يمسح دموعي برقة…
وكل مرة بشهق فيها… كان بيشد إيدي أكتر…
كأنه عايز يضمن إن أنا مش لوحدي.
أحمد قرب من قبر ياسين…
وقف هناك بابتسامة هادية وعيونه مليانة حنية.
قال بصوت واطي لكنه ثابت:
__عارف يا ياسين… مامتك بتحبك أوي…
وكانت نفسها تفضل معاك أوي أوي أوي…
بس دا قدر ربنا يا حبيبي.
ابتسم بحنية… وكمل:
__متقلقش… أنا هفضل جمبها… وهخلي بالي منها.
وبضحكة صغيرة وهز بإيده وهو بيفركها، قال:
__لغاية ما تحبني… زي ما بتحبك يا ياسين.
ضحكت أنا كمان بين شهقاتي…
دموعي كانت لسه بتنزل… لكن قلبي بدأ يحس بدفء غريب…
حسيت إن وجود أحمد جنبنا… كلامه ده… بيخفف عني جزء من الوجع…
وبيخليني أقدر أواجه الحزن بدل ما أهرب منه.
كنت قاعدة هناك… ضاحكة وباكية في نفس الوقت…
وبشعور غريب بالسلام… لأول مرة من يوم وفاته.
_____________
ميادة
كنت قاعدة قدام المراية…
لابسة بيجامة مريحة،
وحاطة ميكاب هادي.
مسكت البرفان بإيدي…
رشيته بخفة، وبعدين وقفت أتأمل نفسي في المراية.
شكلي جميل… راقي…
أنثى بمعنى الكلمة.
ومع ذلك…ما اتجوزتش.
يمكن عشان مفيش حد قدر يملى عيني لحد دلوقتي؟
ولا عشان شغلي واخد أغلب وقتي؟
ماكنتش عارفة.
كل اللي كنت متأكدة منه…
إني أنا اللي اخترت أكون لوحدي.
لا عيلة…
لا أهل…
شغلي بس هو اللي مالي حياتي.
قطع أفكاري صوت الموبايل وهو بيرن.
بصيت له بضيق.
لقيت فؤاد… شريكي في الشركة.
رفعت حواجبي باستغراب.
بيتصل ليه في الوقت المتأخر ده؟
الفضول غلبني… فرديت.
أول ما فتحت الخط، جالي صوته غاضب وهو بيقول:
__إيه اللي انتي هببتيه ده؟
تصرفي لموظف “100 ألف جنيه” ليه يا ميادة؟”
عقدت حواجبي… لكن صوتي خرج هادي وحاد في نفس الوقت:
__أولًا… اتكلم معايا بأسلوب أحسن من كده.
وقفت من قدام المراية وأنا بكمل بثبات:
__ثانيًا… اسمي أستاذة ميادة
ياريت تحافظ على الألقاب.
سكت لحظة…
وبعدين كملت بنبرة أقوى:
__وثالثًا… وده الأهم.
إنت ملكش دعوة خالص باللي أنا بعمله…
لأن ده مجالي!… وأنا عارفة كويس أنا بعمل إيه.
جالي صوته ساخر من الناحية التانية:
__مجالك؟
ولا عشان الموظف ده عاجبك؟
اتجمدت مكاني لحظة…
لكن ضحكت ضحكة قصيرة باردة وقلت:
__لو كنت باخد قراراتي على أساس الإعجاب…
كانت الشركة دي قفلت من زمان.
سكت شوية…
واضح إنه مش عاجبه الرد.
فكملت بهدوء قاتل:
__الـ100 ألف دول سلفة… وهترجع.
والموظف ده شغال على صفقة لو نجحت…
الشركة هتكسب ملايين.
قربت من الشباك وأنا ببص للشارع الهادي تحت وقالت:
__فـ بدل ما تضيع وقتك في الاعتراض…
استنى النتيجة.
سكت لحظة…
وبعدين قلت الكلمة الأخيرة بنبرة حاسمة:
__ولما الصفقة تتم…
ابقى كلمني عن الـ100 ألف تاني.
وقفلت الخط.
بصيت للموبايل لحظة…
وبعدين رجعت بصيت لنفسي في المراية.
لكن المرة دي…
الصورة اللي في دماغي ماكنتش أنا.
كانت صورة جاد …
قاعد لوحده في المكتب…
وبيحارب عشان ينقذ مراته.
وهمست لنفسي:
“أتمنى ما تخيبش ظني يا جاد.”
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية وجع مخفي) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.