رواية وجع مخفي – الفصل الأول
البارت الأول
أمل
رجعت اليوم ده وأنا تايهة.
مش فاكرة ازاي وصلت للبيت أصلاً.
كإن جسمي كان بيتحرك لوحده، وروحي في مكان تاني.
دخلت الشقة بهدوء.
ملقتش ماما.
حمدت ربنا إنها مش موجودة.
مش قادرة تشوفني في الحالة المذرية دي!
قعدت على الكنبة.
جسمي سايب، ودماغي بيدور.
وألف سيناريو بدأ يلف في دماغي!
يا ترى نتيجة التحاليل هتبقى إيجابية ولا سلبية؟
طب لو إيجابية… هعمل إيه؟
هقولهم ازاي؟
ماما… ازاي هشوف الخوف في عينيها؟
ازاي هكسر قلبها بالخبر ده؟
جاد… هو اللي كان بيخطط لمستقبلنا.
ازاي هقوله إن المستقبل ده ممكن ميكملش؟
أصحابي… اللي فاكريني القوية.
ازاي هواجههم وأنا محطمة من جوا؟
ومتابعيني… اللي بيشوفوني كل يوم مبتسمة.
ازاي هقولهم الحقيقة؟
ازاي هقدر أمارس حياتي عادي؟
ازاي… هتجوز؟
ازاي هحقق أحلامي؟
وألف سؤال… مفيش ليه ولا إجابة.
دخلت أوضتي ونمت.
نمت هربانة من الأسئلة اللي ملهاش إجابة.
نمت وأنا بدعي ربنا إن كل ده يكون كابوس.
كابوس هصحى منه وألاقي نفسي كويسة.
بس… جوايا كنت عارفة.
عارفة إن ده مش كابوس.
ده… حقيقة.
صحيت على صوت موبايلي بيرن.
فتحت عيني بصعوبة.
الأوضة كانت ضلمة، والساعة بتقول 9 مساءً.
يعني نمت حوالي 4 ساعات.
بصيت على الموبايل.
جاد.
قلبي اتقبض.
مش عارفة أواجهه.
مش عارفة أكدب تاني.
رديت بصوت متخشب من النوم:
__ألو؟
رد بتنهيده وتسرع:
__أمل! صحيتي أخيراً.
قلقتيني، كنت هاجي أطمن عليكي.
ابتسمت ابتسامة حزينة:
__أنا كويسة يا جاد، كنت تعبانة فعلاً.
رد بقلق حقيقي:
__صوتك غريب… إنتي متأكدة إنك كويسة؟
دموعي نزلت من غير ما أحس.
عايزة أقوله.
عايزة أصرخ وأقوله إني مش كويسة.
إني خايفة.
إني محتاجاه.
بس مقدرتش قولت بكدب:
__آه يا حبيبي، أنا كويسة.
بس عايزة أنام تاني، هكلمك بكرة.
رد وكأنه عارفني أكتر من نفسي:
__حبيبتي… أنا حاسس إنك مش كويسة.
بس مش عايز أضايقك.
نامي وارتاحي، وبكرة نتكلم.
بحبك.
الكلمتين دول كسروني
وقولت بابتسامه باهته:
__وأنا… بحبك.
قفلت التليفون.
وانهرت بالعياط.
قومت صليت ركعتين.
وبدأت أدعي… أدعي بكل قلبي:
__يا رب… خليني أكون بخير.
مش عشاني.
عشان أمي… اللي مش هتقدر تستحمل.
عشان جاد… اللي بيحلم بمستقبل معايا.
عشان كل اللي بحبهم وبيحبوني.
دموعي كانت بتنزل وأنا بدعي
__يا رب… أنا خايفة.
بس واثقة فيك.
مهما كانت النتيجة… قويني.
مسحت دموعي.
ونمت تاني.
بس المرة دي… على أمل.
أمل إني أصحى على خبر يريح قلبي المقبوض.
أمل إن ربنا يكتبلي الخير.
أمل إن كل ده يعدي بسلام.
ونمت… وقلبي بيهمس:
“يا رب… استرها.”
صحيت الصبح وأنا حاسة بتقل رهيب.
استعديت بسرعة وطلعت من البيت بهدوء.
ماما كانت لسه نايمة، والحمد لله.
ركبت العربية ورحت المستشفى.
وأنا ماشية في الطرقة البيضا الطويلة،
كل خطوة كانت أتقل من اللي قبلها.
ريحة المطهرات… الهدوء المخيف… الأصوات البعيدة.
كل حاجة كانت بتقولي: حياتك ممكن تتغير النهاردة.
دخلت على الدكتور.
وقولت:
__صباح الخير.
رد عليا بابتسامة طمأنينة:
__صباح النور. اتفضلي اقعدي.
قعدت وقلبي بيدق بجنون
اتكلم الدكتور بعمليه وقاا:
__النهاردة هنعمل فحص نخاع العظم.
الفحص ده هو اللي هيأكدلنا التشخيص بشكل قاطع.
بلعت ريقي:
__هيوجع؟
ابتسم بحنية:
__هنخدرك موضعي، مش هتحسي بحاجة كبيرة.
بس ممكن تحسي بضغط شوية.
هزيت راسي:
__تمام… يلا نبدأ.
دخلت أوضة الفحص وعملت فحص نخاع العظم.
الدكتور قالي إن النتيجة هتطلع بعد 3 أيام.
يوم السبت الجاي، الساعة 10 الصبح.
طلعت من المستشفى وأنا مش حاسة بنفسي.
3 أيام.
3 أيام بس… وحياتي هتتغير للأبد.
الـ3 أيام دول كانوا أطول أيام في حياتي.
كل ثانية كانت بتمر كإنها ساعة.
كل ساعة كإنها يوم.
كنت بحاول أعيش عادي.
بروح الشغل.
بضحك مع زمايلي.
بكلم جاد كل يوم.
بس جوايا… كنت بموت.
جاد حس إن في حاجة غلط.
كان بيسألني كتير:
“إنتي متأكدة إنك كويسة؟”
“ليه حاسس إنك بعيدة؟”
وأنا كنت بضحك وأقوله:
“أنا كويسة يا حبيبي، بس شوية تعب من الشغل.”
الكدبة كانت بتقتلني.
بس مكنتش عارفة أقوله الحقيقة.
مش قبل ما أعرف أنا نفسي إيه اللي بيحصل.
ماما كمان لاحظت.
كانت بتبصلي بقلق.
بس أنا كنت بتجنبها.
بدخل أوضتي وأقفل الباب.
وأقعد… أقعد وأفكر.
لو طلعت فعلاً عندي لوكيميا…
إيه اللي هيحصل؟
هفقد شعري.
هضعف.
هبقى عبء على الكل.
وجاد… هو هيفضل معايا؟
ولا هيسيبني لما يعرف إني مريضة؟
والأسئلة دي كانت بتقتلني أكتر من المرض نفسه.
لحد ما جه يوم السبت.
روحت للدكتور اللي بقيت كل ما أروحله قلبي يتقبض.
ووشي يصفر.
وأنا شايفة إني على حافة الموت.
دخلت.
والدكتور كان ماسك التحليل في إيده.
قلبي وقف.
بصلي… وأنا شفت في عينيه كل حاجة قبل ما يتكلم:
__اقعدي يا أمل.
صوته كان هادي… هادي بشكل مخيف.
قعدت وإيديا مرتعشة.
فتح الملف ببطء:
__نتيجة فحص نخاع العظم طلعت.
سكت شوية.
__عندك لوكيميا حادة نخاعية – AML.
المرحلة المبكرة.
الدنيا وقفت.
صوته كمل بس أنا مش سامعة.
شايفة بس شفايفه بتتحرك:
__نسبة الخلايا السرطانية في النخاع 35%…
محتاجين نبدأ العلاج الكيماوي فوراً…
هتحتاجي تدخلي المستشفى الأسبوع الجاي…
ودموعي نزلت.
نزلت من غير صوت.
نزلت وأنا حاسة إن حياتي انتهت
قال بشفقه بكرهها:
__أمل… أنا عارف إن الخبر صعب.
بس لازم تفهمي حاجة مهمة…
بصلي في عيني:
__المرض ده… مش نهاية العالم.
إنتي لسه في مرحلة مبكرة.
نسبة الشفاء كويسة جداً لو التزمتي بالعلاج.
هنحارب… سوا.
قولت بصوت متقطع، وكأني مسمعتش آخر كلامه:
__هو… هو أنا ممكن آخد الكيماوي وأروح البيت؟
وأرجع الصبح؟
مش عايزة حد من أهلي ياخد باله.
بصلي الدكتور بحزن وهز راسه:
__لأ يا أمل… مش هينفع.
الكيماوي اللي هناخده قوي جداً.
لازم تفضلي في المستشفى تحت الملاحظة.
صوتي طلع مختنق:
__ليه؟ أنا مش عايزاهم يعرفوا!
مش عايزة أشوف الخوف في عينيهم!
مش عايزة أبقى عبء عليهم!
الدكتور سحب كرسيه قريب مني:
__أمل… اسمعيني.
الكيماوي ده مش زي أي علاج عادي.
هيضعف مناعتك جداً.
أي عدوى بسيطة ممكن تبقى خطيرة على حياتك.
محتاجين نراقبك 24 ساعة.
وقف شوية وكمل:
__وكمان… مش هتقدري تخبي المرض ده.
التساقط الشعر، الضعف الشديد، الغثيان…
هيلاحظوا.
وهيكون أصعب عليهم لو عرفوا متأخر.
حطيت وشي في إيديا وبكيت:
__أنا… أنا مش عارفة أقولهم إزاي.
مش عارفة أشوف ماما وهي بتنهار.
مش عارفة أواجه جاد وأقوله إن مستقبلنا… مش مضمون.
الدكتور حط إيده على كتفي:
__مش لازم تواجهيهم لوحدك.
أنا ممكن أكون معاكي لما تقوليلهم.
ده جزء من شغلي… ومن واجبي تجاهك.
هزيت راسي بعناد:
__لأ… أنا هقولهم لوحدي.
دي مسؤوليتي.
الدكتور بصلي باحترام:
__تمام… إنتي أقوى مما تتخيلي يا أمل.
بس لو احتجتي أي مساعدة، أنا موجود.
وقف وراح لمكتبه:
__هكتبلك بعض الأدوية دلوقتي.
مقويات ومضادات حيوية وقائية.
ويوم الأربعاء الجاي… نبدأ العلاج الكيماوي.
لازم تيجي الساعة 8 الصبح، وتكوني جاهزة تفضلي في المستشفى على الأقل شهر.
شهر!
شهر كامل بعيد عن البيت.
بعيد عن حياتي.
بعيد عن… كل حاجة.
أخدت الروشتة بإيد مرتعشة:
__شكراً يا دكتور.
وخرجت.
مشيت في ممرات المستشفى وأنا بحاول أمسك نفسي.
كل خطوة كانت تقيلة.
كل نفس كان صعب.
بس مش هعيط.
مش هنهار قدام الناس.
طلعت من المستشفى وركبت العربية.
سقت وأنا حاسة إن روحي مش موجودة.
وصلت البيت.
ركنت العربية.
أخدت نفس عميق.
خلاص يا أمل… إنتي قوية.
امسكي نفسك.
فتحت باب البيت.
ماما كانت في المطبخ:
__أمل؟ رجعتي يا حبيبتي؟
ابتسمت بصعوبة:
__آه يا ماما.
“هتتغدي؟”
رديت:
__لأ… مش جعانة.
عايزة أنام شوية.
ماما بصتلي بقلق:
__إنتي كويسة؟ وشك شاحب.
رديت بنفس الاجابه
اللي بقالي يومين برددها:
__كويسة يا ماما، بس تعبانة شوية.
ودخلت أوضتي بسرعة.
قفلت الباب ورا ظهري.
ووقفت لحظة… ثانية واحدة.
بعدين…
انهرت.
انهرت على الأرض وبكيت.
بكيت بصوت مكتوم.
بكيت وإيديا على بوقي عشان ماما متسمعنيش.
بكيت كل الخوف والألم والصدمة اللي كنت كاتماها.
عندي لوكيميا.
عندي سرطان.
أنا… ممكن أموت.
قعدت أبكي بالساعات وأنا بتخيل سيناريوهات… نهايتها واحدة!
موتي!
قاطعني صوت الموبايل.
كان جاد!
بقالي يومين رافضة أقابله بحجة إني مشغولة في الكتابة.
بصيت لاسمه على الشاشة.
قلبي اتقطع.
قفلت الفون وقررت مردش.
قررت أسكت وأكتم في قلبي.
قررت أبعده… بأي طريقة.
عشان ميتعلقش بيا أكتر.
لأني… ممكن أروح في أي لحظة!
رجعت تاني مسكت الموبايل.
وبدأت أقرا عن المرض.
كل مقال… كل معلومة… كانت بتكسرني أكتر.
عرفت إن قدرتي على الإنجاب… ضعيفة.
الكيماوي ممكن يخليني عقيمة.
يعني مش هقدر أبقى أم.
مش هقدر أحقق الحلم ده.
عرفت إن العلاج… مش أكيد.
دي مجرد محاولة إني أخف.
مفيش ضمانات.
مفيش وعود.
عرفت إن موتي… قرب.
وأنا محققتش لسه اللي بتمناه.
ولا بنيت عيلة.
ولا عشت حياتي زي ما كنت عايزة.
حطيت الموبايل جنبي.
وبصيت للسقف.
“يا رب… أنا لسه صغيرة.
لسه ماعشتش.
لسه عندي أحلام كتير.
ليه أنا؟”
بس مفيش اجابه غير صوت
عياطي المكتوم
وقلبي المكسور!
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية وجع مخفي) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.