رواية ملك بلا مملكة – الفصل العاشر
العاشره
عاد يامان في الطريق الطويل نحو غابة الذئاب لا كما خرج منها يومًا، بل كما يعود نهر بعد أن تعلّم مجرىً جديدًا في أرض بعيدة
كانت خطواته ثابتة لا تحمل عجلة ولا تردّد، وكأن كل حجر يطأه يعترف بثقله الجديد، لم تعد حركته اندفاع محارب يريد أن يثبت نفسه، بل اتزان رجل عرف حدوده ثم تجاوزها في صمت، قوته البشرية التي صقلها في غابة الانكا لم تختفِ حين غادرها، بل استقرت فيه كجذع شجرة غليظ لا يُرى نموّه لكنه يُحَسّ في ثباته.
كانت عضلاته قد استقامت على نظام جديد، لا تضخم أعمى فيه ولا استعراض، بل مرونة محكمة، سرعة محسوبة، ونفس طويل لا ينكسر بسهولة، وحين كان يتذكر صخر الكهف الذي حمله بيديه العاريتين كان يشعر أن جسده صار أداة واعية لا كتلة قوة خام، أداة تطيع العقل ولا تسبقه.
أما تحوّله، فقد تغيّر هو الآخر، لم يعد انفجارًا غضبيًا كما كان، بل انتقالًا سلسًا بين حالتين، كأن الذئب داخله لم يعد وحشًا منفصلًا، بل امتدادًا واعيًا لجسده البشري، وحين كان يستدعيه لم يكن يفقد السيطرة، بل يوسع نطاق حضوره، تصير أنفاسه أعمق، وحواسه أحدّ، وقوته مضاعفة فوق أساس بشري متماسك
كان يسمع الغابة قبل أن يراها
وحين اقترب من حدود المنطقة المحرمة، حيث كوخه الخشبي القائم بين الظلال القديمة، شعر بشيء يتردد تحت التربة، همس خافت، كأن الأرض نفسها تحفظ ذكريات الألم، لم تكن الأصوات كلمات واضحة، لكنها كانت حكاية تُروى بلا لسان، حكاية عن ليل طويل مرّ، عن صرخات مكتومة، وعن عرش سقط وراية انكسرت
توقف لحظة وأغمض عينيه، فانبثقت في وعيه صور لم يرها بعينيه، أبراج أُطفئت أنوارها، حراس فرّوا في فوضى، وسلاسل ثقيلة سُحبت فوق حجارة القصر القديم، لم يكن هذا سحرًا صريحًا، بل مهارة اكتسبها في تأمله الطويل، صار عقله يلتقط ما يتركه الحدث من أثر في نسيج المكان
كانت الغابة تحكي له، لا تشكو، بل تُخبر، تنقل إليه اضطرابها كما ينقل الجسد ألَمه إلى القلب، وحين فتح عينيه لم يكن الغضب أول ما شعر به، بل إدراك عميق بأن ما تغيّر فيه لم يأتِ عبثًا، وأن تدريباته لم تكن لنزال عابر، بل لهذا الطريق
تقدم نحو كوخه في المنطقة المحرمة، المكان الذي تجنبه كثيرون رهبةً أو احترامًا، وكان البيت الصغير ينتظره كما تركه، لكن الهواء حوله أثقل، كأن الغابة نفسها تنتظر قراره
في تلك اللحظة فهم أن عودته ليست زيارة، بل بداية مرحلة، وأن ثباته الجديد سيُختبر أمام جراح مملكة كاملة، وأن قوته البشرية وقوة تحوله معًا لن تكونا كافيتين إن لم يصحبهما ذلك السكون الذي تعلّمه، السكون الذي جعله يسمع الغابة وهي تهمس له بأن زمن الصمت يوشك على الانتهاء
حين وطئت قدماه أرض الغابة شعر يامان بأن شيئًا خفيًا قد انكسر في روحها، لم تكن الأشجار أقل ارتفاعًا ولا الهواء أقل نقاءً، لكن الإيقاع تبدّل، صار الحفيف أبطأ، وصارت الطيور أكثر حذرًا، حتى الضوء الذي يتسلل بين الأغصان بدا باهتًا كأنه يمر عبر طبقة من حزن غير مرئي
لم يحتج إلى سؤال ليعرف أن عرش إيمير قد سقط، كان السقوط واضحًا في ارتباك المسارات وفي غياب الدوريات وفي ذلك الصمت الذي يخلفه الخوف حين يصبح عادة يومية، القلاع التي كانت تلوّح براياتها من فوق التلال لم تعد تلمع كما كانت، وبعضها بدا مطفأ الروح كبيت تُرك على عجل
ومع ذلك لم يندفع يامان نحو قلب الأحداث، لم يشعر بنداء يدفعه إلى رفع سيفه فورًا، كانت الحرب التي اجتاحت الغابة واسعة متشابكة، مليئة بديون قديمة وصراعات سلطة لا تعنيه في أصلها، هو لم يخرج طلبًا لعرش، ولم يعد سعيًا لانتقام، بل عاد لأنه يعرف الأرض، لا لأنه يطلب حكمها
قال لنفسه إن الانسياق الأعمى خلف كل نار مشتعلة ليس شجاعة، وإن ما تعلّمه أن يزن الخطوة قبل أن يخطوها، فتقدم نحو كوخه في المنطقة المحرمة محافظًا على مسافة بينه وبين طرق الجيوش ومسارات الدوريات، عيناه ترصدان، وقلبه ثابت لا يتعجل اتخاذ موقف
لكن القدر لم يتركه في عزلته طويلًا
من خلف صف أشجار كثيفة سمع أولًا صوت احتكاك حديد بحجر، ثم وقع أقدام جماعي ثقيل، فتسلل إلى ظل مرتفع يطل على الممر الترابي، وهناك رأى الطابور
كان مئات الأسرى من المستذئبين يُساقون في صفوف طويلة مكبّلين بسلاسل داكنة تلتف حول أعناقهم وأذرعهم، يسيرون ببطء مرهق، وعلى جانبيهم يتحرك حرس من أتباع سولين بوجوه باردة لا تُظهر شفقة ولا غضب
لم يكن المشهد صداميًا فحسب، بل مهينًا، إذ لم يُترك للأسرى حتى كرامة الانكسار الفردي، كانوا كتلة واحدة من التعب تُدفع إلى مصير مجهول، بعضهم مطأطئ الرأس وبعضهم يرفع عينيه في تحدٍ صامت، وآخرون يسيرون كأنهم فقدوا الإحساس بالاتجاه
ثم رآها
وسط الصف، وإن حاولت السلاسل مساواتها بغيرها، بقيت في هيئتها ما يميزها، كانت جود تمشي مكبّلة مثلهم لكن رأسها مرفوع، في وجهها أثر إرهاق واضح، وعلى جبينها جرح قديم لم يلتئم تمامًا، غير أن عينيها ظلّتا حادتين لا تعرفان الاستسلام
شعر يامان بشيء يتحرك في صدره، ليس اندفاعًا أعمى ولا غضبًا صاخبًا، بل انقباض عميق، إدراك أن الحرب التي قال إنها لا تعنيه قد مرّت الآن قربه، تمشي مكبّلة في وضح النهار
ظل في ظله لم يتحرك، يراقب الطابور وهو يبتعد ببطء، والسلاسل تترك خلفها أثرًا خافتًا في التراب، وكان يعرف أن قراره القادم لن يعود بسيطًا كما أراد له أن يكون، لأن بعض المشاهد لا تسمح للمرء أن يبقى محايدًا مهما حاول أن يقنع نفسه بذلك
هبط يامان من الظلال إلى الممر الترابي بهيئته البشرية ثابت الخطوة واضح الملامح حتى اعترض مقدمة الطابور ورفع يده إشارة حازمة فتوقفت السلاسل لحظة وتباطأت الأقدام ونظر الحراس إليه بشيء من الدهشة المشوبة بالاحتقار
تقدم نحو أقرب حارس وقال بصوت مسموع إنه يطالب بتحرير جود فورًا وأن الطابور لن يواصل سيره قبل أن يتلقى ردًا واضحًا ثم تحرك قائد مصاصي الدماء من قلب الصفوف يتبعه حارسان وتوقف قبالته بعينين باردتين وسأله وماذا لو لم نفعل
أجاب يامان بثبات وثقة إذا لم تفعل فاعرف أن حربًا سوف تقوم فارتفع حاجب القائد وقال باستخفاف حرب من أجل امرأة
مال يامان قليلًا وهمس دون أن يخفض نظره إنها ليست مجرد امرأة بل امرأة تعنيني وتخصني
تصلب وجه القائد وصرخ غاضبًا وماذا يمنعني أن أحطمك الآن وأنتهي منك
ضم يامان قبضته دون أن يرفع سيفًا وقال سولين لن تسامحك إذا تسببت في بداية حرب لن تنتهي إلا وعنقها تحت قدمي
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية ملك بلا مملكة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.