رواية قلبي لمن – الفصل الثاني
الجزء الثاني
بينما كانت ياسمين غارقة في نشوة نجاحها الأخير، والمكافأة التي تسلمتها للتو عن تصميمها المبدع، شعرت بظل يقطع عليها حبل أفكارها. رفعت بصرها لتجد “جمال”من كان خطيب اختها، يقف أمام مكتبها في الشركة. تجمدت ملامحها، واكتسى وجهها بغضب لم تستطع مواراته، وقبل أن ينطق بكلمة، هبت فيه بصوت خفيض وناقم:
ـ “أنت إيه اللي جابك هنا؟ وبأي عين جاي بعد ما فسخت خطوبتك من أختي وخرّبت اللي بينكم؟”
رسم جمال قناع العقل والهدوء، وتحدث بنبرة حاول أن يجعلها “مسالمة” لتجاري ثورتها:
ـ “ياسمين، ارجوكِ.. أنا مش جاي أعمل مشاكل. أنا بس عايز أتكلم معاكي كلمتين، مش هينفع هنا وسط زمايلك.. ممكن نقعد في مكان هادي؟”
انتفضت ياسمين بعصبية، ورفضت بشدة أي حديث جانبي معه، فجرح أختها “سما” لا يزال ينزف، والبيت الذي تحول إلى مأتم دائم بسببه. لكن جمال لم يستسلم، وألحّ بحجة بدت لياسمين كأنها طوق نجاة:
ـ “اسمعيني بس، الكلام اللي هقوله يخص علاقتي بسما، وفي حاجات لازم تعرفيها عشان تفهمي ليه الأمور وصلت لكدة.. يمكن ده يكون في مصلحتها.”
رغم نفورها الشديد منه، إلا أن صورة والدها ووالدتها وهما حزينان على “سما” التي جعلت حياتهم “مناحة” مستمرة، جعلت ياسمين تتردد. فكرت أن ربما يكون كلامه بداية لرجوعه إليها وإنهاء هذه الأزمة. وبدوافع بريئة ممزوجة بالقهر، وافقت أن تخرج معه للحظات لتسمع ما عنده.
وفي تلك اللحظة الفارقة، وبينما كانت ياسمين تهمّ بالخروج من الباب الخارجي للشركة بصحبة جمال، كان “عبد الرحمن” يصف سيارته للدخول. وقعت عيناه عليهما وهما يسيران معاً، وتسمرت نظراته على ياسمين التي بدت مرتبكة، وعلى هذا الغريب الذي يسير بجوارها ويبدو عليه الإصرار.
اشتعلت في صدر عبد الرحمن تساؤلات لم يعرف لها جواباً: “مين ده؟ وإيه علاقته بـ ياسمين؟ وهي اللي دايماً رافضة أي كلام بره حدود الشغل، إيه اللي يخليها تخرج مع واحد غريب في وقت العمل؟”
لم تكن ياسمين تدري أن غلطة “الاستجابة” لجمال، لم تكن مجرد جلسة عادية، بل كانت الشرارة التي هزت صورة “الجوهرة المتحفظة” في عين الرجل الوحيد الذي بدأ قلبه يميل إليها بصدق.
…………………..
كانت ياسمين تجلس على طرف الكرسي وكأنها فوق صفيح ساخن، عيناها تلمعان بشرار الغضب وهي تراقب حركات “جمال” البطيئة والمستفزة. في هذا الكازينو الهادئ، بدا صخبه الداخلي أعلى من أي صوت حولها. حين بدأ يتحدث بنعومة مصطنعة، ويسألها بلطافة تثير الغثيان عما تحب أن تشربه، لم تتمالك نفسها:
ـ “أنا مش جاية هنا عشان أضيفك ولا تضايفني يا أستاذ جمال! اخلص وقول اللي عندك، إيه الكلام المهم اللي يخص أختي وخلاك تجرجرني وراك لحد هنا؟”
لم يهتز له جفن، بل أشار للنادل بسماجة وبرود وهو يقول: “واحد ليمون للأنسة.. هدي أعصابك يا ياسمين، الكلام محتاج رواقة.”
حبست ياسمين أنفاسها، وقررت أن تمنحه دقيقة واحدة أخيرة لتعرف أين يصل به المطاف. بدأ ينسج كلماتٍ مطاطة عن النصيب والاختيار والاسباب التي أدت لتطور الخلافات الدائمة بينه وبين سما وهي تسمع على مضض في انتظار انتهاءه حتى تدلي برأيها الصريح بوجهه، ذلك الذي يرمي على شقيقتها كل الأخطاء وكأنه هو المنزه المستقيم، إلا أن القي بقنبلته التي جمدت الدماء في عروقها:
ـ “أنا ندمان يا ياسمين.. ندمان أشد الندم. كنت مغمى العين لما خطبت سما، البنت التافهة اللي عقلها على قدها وما بتفكرش غير في المظاهر. مخدتش بالي إن الكنز الحقيقي والشخصية اللي بجد كانت قدامي من الأول.. كان المفروض إنتِ اللي تكوني من نصيبي، مش عارف دماغي كانت فين وقتها؟.”
انتفضت ياسمين من مكانها كأنها لُدغت، لكنه لم يترك لها فرصة للرد، بل استرسل بوقاحة وهو يحاول تثبيتها بنظراته:
ـ “أنا انبهرت بجمال سما المزيف، وعميت عن جمالك الحقيقي، جمال الروح والعقل والنجاح اللي بتعمليه.
انفرجت شفتيها وكادت أن تصعقه بردها الا إنه استرسل بخبثه ضاغطا على احرف الكلمات:
ـ قبل ما تتعصبي افتكري ان سما داست على مشاعرك وما فكرتش فيكي لحظة لما وافقت عليا وهي عارفة إني كنت جايلك.. يبقى ليه إنتِ اللي تعملي حساب للعواطف اللي محدش قدرها؟ بصي لنفسك يا ياسمين، إحنا نستاهل بعض.”
في تلك اللحظة، لم تعد ياسمين ترى أمامها إلا سواداً. انفجرت فيه وصوتها تردد في أرجاء المكان، ضاربةً بكل تحفظاتها عرض الحائط:
ـ “يعني إنت جاي دلوقتي، بكل بجاحة، عايزني أدخل حرب مع أهلي وأخسر أختي وأكسر قلبها تاني عشان خاطرك؟ على أساس إيه؟ إنك أنت الغنيمة اللي تستاهل الواحد يحارب الدنيا عشانها؟”
وتابعت وهي تلملم حقيبتها بيد ترتجف من فرط القهر:
ـ “أنت بني آدم معندكش ريحة الدم ولا الأصول! لو كنت فاكر إن خيانة أختي هي الطريق لقلبي، تبقى متعرفش مين هي ياسمين. أنا فعلاً غلطت لما جيت أسمع لواحد زيك، مش فاهمة انا جايب الثقة والغرور دا على ايه؟ بص لنفسك في المراية يا استاذ الاول حضرتك صورة وبس، صورة تتعلق على الحيط، او تتحط فوق الكمودينو، انما راجل الواحدة تتمناه ويبقى سند…. لأ، يتزعل عليك لو سيبتني وروحت لغيري برضو….. لا، عشان انت مش….
توقفت الكلمة بحلقها، منعتها أخلاقها الكريمة انت تبصقها بوجهه الكريه، ولكنها وصلت لتشعل جذوة الحقد بداخله، يرمقها بنظرات نارية ومتوعدة وهي تتحرك لتذهب
فتركت الطاولة وخرجت تجري من امامه. فتسيل على خديها دموع تحرق عينيها، لم تكن دموع ضعف، بل دموع صدمة من بشر يبيعون ويشترون في المشاعر وكأنها بضاعة رخيصة. لم تكن تدري أن “عبد الرحمن”، الذي كان يراقب خروجها من الشركة بقلق، قد تملكته الظنون، وأن مواجهتها القادمة معه ستكون اختباراً آخر لكرامتها.
…………………….
عادت ياسمين إلى المنزل، تجر أذيال خيبةٍ لم تتوقعها وقرفاً يملأ حلقها من ذلك المتبجح. دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها، وكأنها تغلقه على العالم أجمع. رمت حقيبتها بعنف، وجلست على طرف سريرها تحاول التقاط أنفاسها المتهدجة.
“كيف؟” سألت نفسها بقهر، “كيف يجرؤ أن يظن ولو للحظة أنني سأقبل به؟ أيظنني سلعة تُباع وتُشترى، أو جائزة ترضية ينتقل إليها بعدما ملّ من أختي؟” لكن العجب سرعان ما تلاشى ليحل محله إدراكٌ مرّ؛ فأهلها هم من رسموا له هذا الطريق. تساهلهم معه، وفتحهم أبواب البيت له وكأنه واحد منهم قبل الأوان، وتدليلهم لسما على حساب كرامة ياسمين.. كل ذلك غدّى داخل “جمال” هذا الإحساس البغيض بأنه “الغنيمة” التي يحق لها الاختيار والتبديل كما يشاء.
حانت ساعة الغداء، وارتفع صوت والدتها “اعتدال” من الصالة تناديها بآلية مفرطة، دون حتى أن تقترب من باب غرفتها:
ـ “ياسمين.. يلا الغدا جاهز، اطلعي كلي لقمة معانا”
ردت ياسمين بصوتٍ مخنوق، محاولةً قدر الإمكان أن تبدو طبيعية:
ـ “مليش نفس يا ماما.. سيبوني دلوقتي.”
لم تكلف الأم نفسها عناء الدخول لتسأل: “ما بكِ؟ لماذا لا تشتهين الطعام؟” بل استمرت الحياة في الصالة وكأن ياسمين مجرد قطعة أثاث في زاوية الغرفة. لم تدخل سما، “المكتئبة” التي لا تخرج من غرفتها إلا لمصلحة أو لتطلب “شغلة” من ياسمين، ولم يدخل الأب ليطمئن.
استلقت ياسمين على سريرها، ونظرت إلى سقف الغرفة بمرارة. شعرت أنها منسية تماماً؛ ففي هذا البيت، يُسمح لسما بالانهيار والاكتئاب لأنها “الصغيرة المدللة”، ويُسمح للأب والأم بالحزن عليها ومواساتها. أما ياسمين، فمن حقهم أن يتركوها وحيدة ليومين أو أكثر، لا لثقتهم في “عقلها وحكمتها” كما يدّعون، بل لأنهم استسهلوا صمتها، واعتبروا صمودها فرضاً واجباً.
“إحساسي فليذهب إلى الجحيم”؛ هكذا همست لنفسها وهي تغمض عينيها بقوة. فالجميع هنا مطمئن لأن ياسمين “عاقلة”، والعاقل في شرعهم هو من يبتلع جمره ويصمت، بينما “المجنون” والأناني هو من يحصد كل الاهتمام.
وسط هذا القهر، قفزت إلى مخيلتها فجأة صورة “عبد الرحمن”.. نظرته الطويلة لها أمام الشركة، وشكوكه التي لمحتها في عينيه. شعرت بوخزة في قلبها؛ فبينما يتجاهلها أهلها تماماً، هناك من يراقب تفاصيل حركتها ويشعر بنقص فرحتها، حتى وإن كان ذلك بطريقة “مستفزة” تثير أعصابها.
…………………….
دخلت ياسمين الشركة في الصباح كمن يدخل معركة، عيناها المحتقنتان من قلة النوم أخفتهما بتركيز مبالغ فيه على أوراقها وخيوطها. انغمست في العمل لدرجة الإرهاق، كانت تعاقب جسدها حتى يتوقف عقلها عن استرجاع كلمات “جمال” المسمومة أو مشهد خذلان أهلها.
ومع ذلك، لم يكن من السهل تجاهل وجود “عبد الرحمن”. كان يمر من أمام مكتبها كغريب، معاملته أصبحت رسمية لدرجة الجليد، وجمل المشاكسة التي كانت تملأ المكان اختفت تماماً. كانت تلمح في نظراته عتاباً مكبوماً وكلاماً كثيراً يرفض الخروج، مما جعل الحيرة تنهشها. “أكيد أنا موهومة.. هو ماله ومالي؟ أنا هنا موظفة وبس”، هكذا كانت تبرر لنفسها وهي تغرس إبرتها في الجلد بقسوة.
حانت لحظة الاجتماع لمناقشة تسليم الطلبية الجديدة. جلس عبد الرحمن أمامها بوقار حاد، ودار النقاش جافاً، تقنياً، وخالياً من أي روح. بعد أن انتهيا واتفقا على كل التفاصيل، جمعت ياسمين أوراقها وهمت بالمغادرة، لكن صوته استوقفها عند الباب، كان صوتاً مخنوقاً بالفضول والقهر:
ـ “آنسة ياسمين.. واضح إن المشاوير الخارجية واللقاءات ‘المفاجئة’ بدأت تأثر على المواعيد، يا ريت نركز في الشغل الفترة الجاية أكتر.”
تسمرت ياسمين مكانها، واستدارت ببطء مستغربة من نبرته المبطنة:
ـ “حضرتك تقصد إيه؟ أنا تسليماتي في موعدها، ومفيش لقاءات أثرت على شغلي.”
بدأ عبد الرحمن يفقد سيطرته على هدوئه المزيف، ووقف خلف مكتبه وهو يرمقها بنظرة حادة:
ـ “أنا مقلتش أثرت على الجودة، أنا بتكلم عن ‘الجو العام’. الشركة هنا مكان للشغل، مش لمقابلات شخصية عند الباب الخارجي مع ناس غريبة.. إلا لو كان الشخص ده يهمك لدرجة إنك تخرجي معاه في وقت العمل.”
شعرت ياسمين بالإهانة، وقررت مراوغته ببرود مستفز:
ـ “والله دي أمور شخصية، وأنا حرة في وقتي طالما شغلي خلصان، متهيألي مفيش داعي للتحقيق ده.”
هنا انفتح بركان الغضب عند عبد الرحمن، وضرب بيده على المكتب وهو يصيح بعصبية:
ـ “لا بقى مش حرية شخصية لما أشوفك خارجة مع واحد وانا معرفش مين ده؟ لازم اضايق. حضرتك عاملة فيها الوقورة والمتحفظة، تخرجي مع الشخص ده بالذات ليه بقى؟”
فقدت ياسمين أعصابها هي الأخرى، واشتعلت عيناها بالدموع والغضب، وصرخت فيه دون وعي:
ـ “عشان ده كان خطيب أختي يا أستاذ عبد الرحمن! ‘جمال’ اللي كان جاي بخصوص أختي بعد ما حصل مشكلة كبيرة ما بينهم أدت لفسخ خطوبته منها.. ارتحت دلوقتي؟ ارتحت لما عرفت اني أجبرت على الخروج معاه عشان أوفق ما بينهم رغم أني ما بطيقهوش من الأساس.
ساد صمت مفاجئ وصادم في الغرفة. تراجع عبد الرحمن خطوة، وانطفأت نيران غضبه ليحل محلها ذهول وندم شديد. أما ياسمين، فقد كانت أنفاسها ملاحقة، وندمت في داخلها أنها كشفت ستر بيتها أمام رجل غريب، لكن قهرها كان أكبر من قدرتها على الكتمان.
………………………….
عادت ياسمين إلى البيت وروحها كأنها ورقة شجر جافة تعصف بها الرياح؛ فمعركتها مع عبد الرحمن لم تستنزف أعصابها فحسب، بل أجبرتها على تعرية جرحها العائلي أمام رجل كان بالنسبة لها الملاذ الأخير للاحترام. كانت تمني النفس بساعة من الهدوء خلف باب غرفتها، لكن القدر كان يخبئ لها طعنة أخرى خلف باب الصالة.
بمجرد أن فتحت الباب، تجمدت الدماء في عروقها.وهي ترى ذلك الوقح يجلس في وسط المنزل بزهو وكأنه فاتحٌ عظيم، وبجواره والدته التي ترتسم على وجهها ابتسامة “النصر” والمكر. أما المفاجأة التي شقت قلب ياسمين، فهي وجه والدها ووالدتها اللذين أشرقا بفرحة غامرة، وكأن غمة وانزاحت عن صدورهما.
ـ “تعالي يا ياسمين.. تعالي يا حبيبتي شوفي الفرحة! جمال ووالدته جم وصالحونا، وكان سوء تفاهم راح لحاله. الميه رجعت لمجاريها بين جمال وأختك سما.
هكذا استقبلتها اعتدال بنبرة راقصة، بينما أومأ لها والداها “رشدي” بابتسامة نادرة تشير إليها بالجلوس ومشاركتهم هذه “الوليمة” من النفاق. نظرت ياسمين حولها بذهول؛ أيعقل أن ينسوا بكل هذه البساطة إهانته لابنتهم؟ أيعقل أن تمحى “المناحة” والدموع بجلسة صلح كاذبة؟
لكن الصدمة الحقيقية كانت حين التقت عيناها بعيني “جمال”. لم تكن نظرة خطيب عائد لنصيبه، بل كانت نظرة “خبيثة” لا يفهم شفرتها أحد سواها. كانت عيناه تقولان بوضوح: “شفتي؟ رجعت البيت من أوسع أبوابه، وبكرة هخليكي تشوفي الويل وتوافقي غصب عنك.. أنا اللي مسيطر هنا.”
حاول جمال أن يرسم دور الوقار أمام والدها، وقال بصوتٍ هادئ يستفز كل ذرة كرامة في ياسمين:
ـ “نورتي يا ياسمين.. كنا لسة بنقول إن البيت ميكملش من غيرك، وإنك كنتِ واحشانا في قعدة الصلح دي. اقعدي يا أختي، ده إحنا أهل.”
شعرت ياسمين بغثيان يكتسح كيانها. وقفت مسمرة في مكانها، بينما والدتها تلح عليها:
ـ “اقعدي يا بنتي سلمي على طنط وعلى جمال.. بلاش وش الخشب ده في ليلة زي دي.”
كانت ياسمين تنظر إلى والديها اللذين اشتريا “راحة البال” الزائفة على حساب كرامتها، وإلى جمال الذي يمارس لعبته القذرة تحت سمعهم وبصرهم. شعرت أنها غريبة في هذا البيت، وأن الغدر لم يأتِ من الغرباء فحسب، بل نبت في قلب صالتهم القديمة.
………………………
عادت ياسمين إلى غرفتها، لكن جدرانها لم تعد تمنحها السكينة. كانت أصوات الضحكات والهزار المتصاعد من الصالة تخترق الباب كأنها إهانات شخصية موجهة إليها. “هل يعقل أن يكونوا بهذه السذاجة؟ أم هو العمى الاختياري من أجل سترة بنية وراحة بال زائفة؟” تساءلت بمرارة وهي تشعر برأسها يكاد ينفجر من التفكير.
كانت تعلم أن كشف حقيقة هذا “الفاسد” مغامرة غير مأمونة العواقب. فمن صدقوه حين ترك ياسمين واختار سما في جلسة التعارف الأولى، ومن استقبلوه بالأحضان بعدما كسر قلب سما وفسخ الخطبة، هل سيصدقون الآن أنه يطارد ياسمين في الخفاء؟ سيقولون “غيرة”، أو “أوهام”، أو ربما يتهمونها بأنها تريد تخريب فرحة أختها للمرة الثانية.
لكن الكرامة كانت تصرخ بداخلها، ولم تعد تحتمل الصمت. نهضت فجأة، وبخطواتٍ يملؤها التصميم، توجهت نحو المطبخ حيث كانت والدتها “اعتدال” تنهمك في إعداد “واجب الضيافة” لهذا الضيف الثقيل.
وقفت ياسمين خلف أمها، وقالت بنبرة حاولت أن تجعلها هادئة رغم العاصفة التي تسكنها:
ـ “ماما.. إنتوا إزاي توافقوا على رجوع البني آدم ده تاني؟ إزاي قدرتوا تفتحوا له الباب بعد كل اللي عمله؟”
توقفت اعتدال عن تقليب الطعام، والتفتت إليها بضيق وهي تمسح يدها في المريلة:
ـ “ونرفض ليه يا ياسمين؟ ده إحنا ما صدقنا إنه رضي يرجع لأختك ويلم الدور. عايزانا نرفض الرزق ونقعد نندب حظنا؟”
هنا، قررت ياسمين أن تلقي بالقنبلة الأخيرة، لعلها توقظ هذا الضمير النائم:
ـ “رزق؟ ده جالي الشركة يا ماما! طلب يقابلني، وقعد معايا في كازينو، وقالها لي في وشي.. إنه ندمان إنه خطب سما، وعايزني أنا! البني آدم ده مش جاي عشان سما، ده جاي عشان يكسرنا كلنا ويشوف نفسه علينا.”
ساد صمتٌ قاتل في المطبخ، صمتٌ لم تقطعه إلا أنفاس ياسمين المتلاحقة. رمقتها والدتها بنظرة لن تنساها ياسمين ما حييت؛ نظرة مزيجاً من عدم التصديق، والإنكار الجاحد، وإشفاقاً مهيناً وكأنها تنظر لمريضة تهذي. لم يكن في عيني الأم غضب على “جمال”، بل كان فيهما لومٌ مبطن لياسمين لأنها تجرأت وعكرت صفو هذه “الفرحة” المستوردة.
شعرت ياسمين بنظرة أمها تجرح كرامتها أكثر من كلمات جمال نفسه. لم تلمس في أمها غيرة الأم على ابنتها، بل لمست رغبةً في “إخراس” الحقيقة حتى لا ينهار سقف البيت الهش.
لملمت ياسمين ما تبقى من عزة نفسها، ووقفت بصلابة وهي تتراجع نحو الباب، قائلةً كلمتها الأخيرة والجارحة:
ـ “على العموم.. أنا عملت اللي عليا، وبلغتك بالحقيقة عشان ذمتي قدام ربنا. إنتوا حرين، بس افتكروا كويس إني حذرتكم من التعبان اللي قاعد معاكم بره ده.”
خرجت ياسمين من المطبخ وهي تشعر أنها غريبة تماماً عن هذه العائلة، وأن معركتها الحقيقية لن تكون مع جمال وحده، بل مع “الخوف” الذي يسكن قلوب أهلها ويجعلهم يفضلون “الخيانة” على المواجهة.
…………………
وسط هذا السكون المخيف الذي أعقب مغادرة جمال ووالدته، تحول جدار غرفتها إلى مرايا تعكس عجزها. كانت ياسمين تشعر وكأن هناك جبلًا جاثمًا على صدرها، وصوت ضحكات سما في الصالة وهي تتباهى بهدايا “عريس الهنا” ينساب من تحت عقب الباب كأنه سمّ بطيء.
لكن تلك الرسالة كانت القشة التي قصمت ظهر صبرها. قرأتها مرة واثنتين، وعيناها تتسعان من فرط البجاحة: “كدة برضو يا ياسمين.. دا أنا اتصورت إني أشوف الفرحة لأختك في عينك بعد رجوعي ليها، حبيبتي الغالية، الاقي زيها فين بس!”.. كلمات تقطر مكرًا، كأنه يغرز خنجره في جرحها ويطلب منها أن تبتسم.
انهارت ياسمين على سجادة صلاتها، ورفعت بصرها نحو السماء بدموع محبوسة، ولسان حالها يصرخ بمرارة: “يا رب.. أنت الحليم وأنا الضعيفة، أنت الحق وأنا المظلومة.. ماليش غيرك يشوف لي حل في الكابوس ده.”
بينما كانت ياسمين في خلوتها مع الله، رنّ هاتفها مرة أخرى، لكن هذه المرة لم تكن رسالة من جمال، بل كانت إشعارًا من العمل.. رسالة من عبد الرحمن.
كانت الرسالة قصيرة وجادة، لكنها حملت في طياتها نبرة مختلفة تمامًا عما حدث في الشركة:
“آنسة ياسمين، أنا بعتذر لو كنت انفعلت بزيادة الصبح. الحقيقة إني كنت خايف على مصلحة الشغل.. وعلى كرامة بنت شاطرة ومجتهدة زيك من أي استغلال. أتمنى بكره نبدأ يوم جديد بعيد عن أي توتر.”
لم تدرِ ياسمين لماذا شعرت بغصة في حلقها حين قرأت كلمات عبد الرحمن. هل هو القدر الذي يرسل لها بصيص نور وسط هذا الظلام؟ أم أن اعتذار عبد الرحمن جاء ليذكرها بأن هناك من “يخاف” عليها حقًا، بينما أهلها يبيعون راحتها من أجل “سترة” مزيفة لأختها؟
نامت ياسمين ليلتها وهي تشعر أن الصراع لم يعد بينها وبين جمال وحده، بل أصبح صراعًا بين “ماضٍ” يحاول كسرها، و”مستقبل” بدأ يطرق بابها من خلال شخص لم تكن تتوقع منه الحنان أبدًا.
توقعاتكم في اللي جاي
يا ترى جمال هيسيب ياسمين في حالها؛
ولا اخر قصة عبد الرحمن معاها ايه؟
ولا سما دورها ايه في اللي جاي؟
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية قلبي لمن) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.