رواية قلبي لمن – الفصل الأول
الجزء الاول
ـ وافقي يا بنتي خليكي عاقلة وريحي قلبنا
تلك الكلمات التي كانت تتردد على اسماعها وهي مازالت حتى لا تستوعب اهو حقيقة أم مزحة
تجمدت ياسمين في مكانها، وكأن كلمات والدتها خناجر اخترقت صدرها. نظرت إلى إعتدال بذهول، وهي غير مصدقة أن هذا هو المنطق الذي يُطلب منها اعتماده لتبرير كسر قلبها.
“رزق؟” همست ياسمين بصوت مرتجف، ثم ارتفعت نبرتها تدريجيًا: “يا ماما، إنتِ بتسمي خيانة الوعود والأصول ‘رزق’؟ الراجل ده دخل البيت عشان يخطبني أنا، قعدنا مع بعض، اتكلمنا، وأنا كنت فاكرة إننا اتفقنا على كل حاجة. وفجأة، وبجاحة غريبة، يقرر إن أختي هي ‘نصيبه’؟”
زفرت إعتدال بضيق، محاولة الحفاظ على هدوئها المصطنع وهي تعدل شالها: “يا بنتي افهمي، اللي حصل حصل، والراجل شافه في سما اللي مشافوش فيكي، وده نصيب. إنتِ عايزة واختك وافقت قالت تمام يبقى انتي توقفي حالها بقى وتكوني سبب في تعاستها؟ وبعدين إحنا في بيت إيجار قديم، ومصاريف الحياة مش محتاجة عواطف، ده عريس لقطة، وميضيعش من إيد العيلة.”
ضحكت ياسمين ضحكة مريرة، والدموع تترقرق في عينيها: “لقطة؟ تقصدي إنه لقطة عشان معاه قرشين؟ يعني نبيع كرامتي عشان نستر أختي؟ ومين يضمن لي إن ‘اللقطة’ ده لما يزهق من سما بكرة، ميرجعش يدور على ‘رزق’ جديد في الشارع؟ إنتِ بتجبريني أبارك للي كان هيبقى جوزي المستقبلي على إنه اختار أختي بدل مني، وعايزاني أبتسم كمان؟”
اقتربت إعتدال منها بحدة، خافضة صوتها: “ياسمين، اسمعيني كويس. الفضيحة مش إنك تترفضي، الفضيحة إننا نضيع فرصة زي دي. ابلعيها يا بنتي، بكرة الأيام تنسيكي، وأختك تشكرك إنك ضحيتي عشانها.ومشالتيش في نفسك، اعتبريه متقدملكيش من الأساس.
نظرت ياسمين إلى باب الغرفة حيث تقف سما خلفه، تتنصت بخوف وارتباك، ثم نظرت إلى والدتها وقالت ببرود مفاجئ: “الرزق اللي بييجي على حساب كرامة أهله يا ماما، عمره ما بيدوم. لو سما عايزاه، فـ أنا مش هقف في طريقها، بس ما تطلبيش مني أكون شاهدة على مهزلة.”
……………..
ساد صمت ثقيل في أرجاء الشقة الضيقة، ذلك الصمت الذي يسبق العاصفة، حين لا تجد الكلمات مسلكاً إلا عبر نبراتٍ مشحونة بالقهر. خرجت سما من غرفتها، تتصنع وجهاً شاحباً وعيوناً تدعي الحزن، لكن لمعة الانتشاء كانت تفضح سريرة قلبها. اقتربت من ياسمين ومدت يدها المرتجفة لتلمس كتفها، وقالت بصوت متهدج:
ـ “ياسمين.. أرجوكِ متظلمنيش، أنا والله ما كان لي يد في اللي حصل. هو اللي فاجئنا كلنا باللي قاله، أنا كنت داخلة بس بالقهوة.. صدقيني قلبي واجعني عليكي، ومش عارفه اعمل ايه من زن بابا وماما على راسي، اصلهم مقتنعين بيه اوي، اكمنه غني يعني، مستخسرين يروح لواحدة تانية غيرنا.
نظرت ياسمين إلى يد أختها التي تستقر على كتفها، كأنها قطعة ثلج باردة تحاول إيهامها بالدفء. سحبت ياسمين كتفها بعيداً ببطء، والتقت عيناها بعيني سما؛ فكانت النظرة التي رأتْها هي ذاتها التي عرفتها طوال حياتها، تلك النظرة التي تلمع في عينيّ الطفلة المدللة حين تظفر بقطعة حلوى لم تكن من نصيبها.
ابتسمت ياسمين ابتسامةً خاوية من أي معنى، وقالت بصوتٍ تقطره المرارة:
ـ “سيبي إيدي يا سما.. وبلاش تعملي فيها المجبورة. أنا عارفاكي كويس، وعارفة نظرة عينك دي، دي نفس النظرة اللي كانت بتجيلك لما تشوفي فستان عجبك وأنا لابساه وتقوليلي ‘يا ريتني كنت أنا’. خلاص يا سما، اللعبة بقت بتاعتك، مبروك عليكي.”
استشاطت سما غضباً، واحمرّ وجهها وهي تحاول استجماع تماسكها المنهار:
ـ “إيه الكلام ده؟! إنتِ فاكراني خطفتُه؟ بقولك بابا وماما هما اللي صمموا! قالوا ده نصيبها، وأنا أعمل إيه يعني؟ أقولهم لا وأكون عاقة؟ عايزاني أخسر أهلي عشان خاطر عريس؟”
لم تملك ياسمين إلا أن تطلق ضحكة قصيرة، خالية من أي طرب، ضحكةٍ تنبع من قاع الجرح:
ـ “عاقة؟ يا شيخة حرام عليكي! قولي إنك عايزاه وخلاص. ما تخافيش يا ست البنات، أنا مش هقف في طريقك ولا هعمل خناقة، ولا هبقى الأخت ‘الغلاوية’ اللي بتنكد على أختها، زي ما هما هيحكوا للناس ويطلعوني أنا الوحشة.”
دنت ياسمين من وجه أختها، وهمست بنبرةٍ جمدت الدماء في عروق سما:
ـ “بس أمانة عليكي.. ما تطلبيش مني أباركلِك. المباركة دي بتطلع من القلب، وأنا قلبي دلوقتي مكسور ومفيش فيه مكان غير للوجع. افرحي يا سما، وجهزي نفسك، بس خليكي فاكرة طول عمرك.. إن جوازتك دي اتبنت على أنقاضي، والحيطان دي شاهدة.”
تركتها ياسمين واقفة في الصالة، وقد انطفأت في عينيها شرارة الفرح المزيّف، ووقفت سما تتجرع مرارة الحقيقة التي لم تكن ترغب في مواجهتها.
……………….
تجسد رشدي توفيق في هيئة الأب الذي يرى أن قراراته هي “القدر” الذي لا يُناقش، دخل الصالة بخطواتٍ واثقة، ووجهٍ لا يحمل أي أثر لتأنيب الضمير، وكأن ما يفعله هو عين الصواب. جلس على المقعد الخشبي القديم، وأشار بيده ببرود وكأن الأمر لا يتعدى كونه صفقة تم إبرامها بنجاح.
تطلعت إليه ياسمين، التي كانت لا تزال ترتجف من أثر مواجهتها مع سما، لتصطدم ببرود والدها الذي لم يترك لها مجالاً حتى للاعتراض.
نظر رشدي إلى ياسمين، ثم مسح لحيته بهدوء وقال بصوتٍ أجشّ:
ـ “بصي يا ياسمين.. أنا عارف إن الموقف مش سهل عليكي، بس اللي حصل ده نصيب، والراجل اتمسك بسما من أول دقيقة، وأنا مش هضيع فرصة زي دي من بيتي عشان كلام فاضي بتاع عواطف.”
توقفت أنفاس ياسمين، وشعرت بجدران الشقة تضيق عليها، وسألته بصوتٍ خافتٍ مشحون بالقهر:
ـ “يعني إيه يا بابا؟ يعني أنت اللي قررت؟ حتى من غير ما تسألني أو تراعي اللي حصل بيني وبينه؟”
لم يرمش لرشدي جفن، بل زاد من استفزازها بكلماته:
ـ “أنا أب، وأعرف مصلحة بناتي أكتر منهم. الراجل محترم، ومركزه كويس، ومفيش داعي نفتح الكلام في اللي فات. أنا كلمته وأديته الكلمة، والموافقة تمت، وهو جاي النهاردة بالليل عشان نحدد ميعاد الخطوبة ونكتب الكتاب.”
ساد صمتٌ قاتل، لم تقطعه إلا أنفاس ياسمين المتسارعة، بينما استطرد الأب وكأنه ينهي نقاشاً تافهاً:
ـ “عايزك تكوني عاقلة، وتستقبليه النهاردة بوش بشوش، مش عايز ‘نكد’ ولا وش خشب قدام الناس. اللي يروح يروح، والرزق اللي ييجي لحد باب البيت مش بنقوله لأ.”
وقفت ياسمين، وقد شعرت أن كيانها كأنثى وكابنة قد تفتت أمام هذا “القرار” الذي صُدر في حقها كأنه حكمٌ بالإعدام. نظرت إليه بعيونٍ ملؤها الوجع والرفض الصامت، ثم قالت بصوتٍ كاد يختفي:
ـ “يعني أنت بعتني، وبعت كلمتي اللي كانت في رقبتك، عشان عريس جاي يشتري أختي؟”
زفر رشدي بضيق، ونهض من مقعده بحدة:
ـ “إياكِ أسمع الكلمة دي تاني! أنا بعمل ده لمصلحة العيلة كلها، وبلاش شغل الدراما ده، جهزي نفسك، الناس جاية بليل وعلى رأي امك اعتبريه متقدملكيش من اساسه ، عشان ربنا يرزقك بغيره ويكرمك انتي كمان زي اختك ، كل واحدة وليها نصيبها، هي وقفت عليه يعني.
استدار رشدي وغادر الغرفة، تاركاً ياسمين تواجه وحدها صمت الحيطان الذي بات الآن ثقيلاً وموحشاً كقبرها.
…………….
مساء
في غرفتها، كانت ياسمين تجلس وسط خيوط المكرمية وقطع الجلد، أصابعها تتحرك بمهارةٍ آلية، بينما قلبها يتمزق في صمت. كان ضجيج الصالة يصل إليها كأنه طعنات؛ أصوات الضحكات، “زغرودة” مكتومة، ووقع خطوات العريس وأهله الذين جاؤوا لترسيم “الخيانة” في إطارٍ شرعي.
تتجاهل ياسمين الوجع بتركيزها في عملها اليدوي، تُحكم عقدة الخيط بقوة كأنها تخنق أحزانها، لكن “ملح” الجرح كان أشد من أن يواريه الانشغال. فجأة، انفتح الباب دون استئذان، وطلت والدتها “اعتدال” بوجهٍ يملؤه التوتر والإصرار، وألقت نظرة شامتة على شنط الهاند ميد:
ـ “يا بنتي حرام عليكي نفسك، لسة بتضيعي وقتك في الشنط اللي لا بتودي ولا بتجيب دي؟ قومي يا ياسمين، الناس بره بيسألوا عليكي، وأمه عايزة تسلم عليكي مخصوص.. ما تخليش شكلنا وحش قدامهم، أرجوكي، خلّي الليلة تعدي على خير.”
حاولت ياسمين أن تصمد، أن ترفض، أن تقول إن كرامتها أغلى من “الأصول” الزائفة:
ـ “يا ماما حرام عليكي، سيبيني في حالي.. عايزاني أخرج أعمل إيه؟ أبارك لهم؟ أضحك وأنا قلبي بيتقطع؟ مش هقدر يا ماما، كفاية اللي أنا فيه.”
لم تستمع اعتدال لرجائها، بل بدأت في شدها من ذراعها بقوةٍ تداريها خلف نبرةٍ حنونة زائفة:
ـ “يا حبيبتي ده أصول، والناس بره بقوا سمن على عسل، وما صدقوا يصفوا النية، بلاش تطلعينا بمظهر الوحشة اللي بتحسد أختها ولا بتغل منها، قومي، البسي طرحتك واطلعي ارمي السلام، وبعدها ادخلي تاني.”
تحت “زن” والدتها القاسي، استسلمت ياسمين، ليس اقتناعاً، بل لتكف عن ملاحقتها. خرجت وهي تجر أقدامها، وما إن وطئت قدماها الصالة حتى كانت الصدمة الأولى: سما تجلس بجوار عريسها، يتهامسان بابتساماتٍ خجولة، جسدهما متلاصق في مشهدٍ استفزازي يعلن انتصار “المدللة”.
وقبل أن تستوعب ياسمين الموقف، انتفضت والدة العريس، سيدة ترتدي قناعاً من الود المفتعل، لتخطف ياسمين في حضنٍ خانق، هامسةً في أذنها بمكرٍ لا يدركه إلا أهل الخبرة:
ـ “كنتِ غايبة فين يا حبيبة قلبي؟ مفيش فرحة هتكمل من غيرك يا ياسمين.. إحنا برضه كنا عايزين نطمن إنك معانا ومباركة للنسب اللي يجمع ما بينا ايا كانت ياسمين ولا سما، انتوا الاتنين بنات اصول وعيلة محترمة.”
شعرت ياسمين أن الهواء قد انقطع عنها، نظرت إلى والدتها التي كانت تتابع المشهد بابتسامة انتصار، وإلى والدها الذي أومأ لها برأسه بصرامة تأمرها بالصمت والابتسام. فكانت “قعدة النفاق” قد اكتملت، وكان عليها الآن أن تلعب دور “الشقيقة الكبرى” التي تبارك التمثيلية الهزلية بابتسامة مصطنعة تحرقها كالجمر
…………………..
تحدث العريس المدعو جمال، واضعاً ساقاً فوق الأخرى ببرودٍ يثير الأعصاب، وهو يوزع نظراته بين الحضور، حتى استقر ببصره على ياسمين التي كانت تحاول تثبيت ملامح وجهها لتخفي بركان الغضب بداخلها. بابتسامةٍ باردة تتوشح “البراءة المصطنعة”، تحدث وكأن شيئاً لم يكن بالأمس:
ـ “يا أهلاً يا ياسمين.. اخيرا نورتينا. مكنش ينفع نتمم الاتفاق من غيرك، إنتِ برضه غالية علينا كلنا، وبما إنك أخت سما الكبيرة، فأكيد رأيك يهمنا.. مش كدة يا سما؟”
شعرت ياسمين أن الدم يغلي في عروقها، وأن سقف الغرفة يكاد يهبط على رأسها. نظرت إليه محاولةً ألا تظهر ارتجافة صوتها، وردت من بين أسنانها بكلماتٍ مقتضبة:
ـ “ألف مبروك.. ربنا يتمم لكم على خير.”
لم تكد تصمت، حتى تحدثت سما، التي كانت تجلس ملتصقة به كأنها تحميه من “سرقة” أخرى، لتمسك بيد ياسمين وتضغط عليها بابتسامةٍ كاذبة بلغت حد الغثيان:
ـ “يا روحي يا ياسمين! والله كنت عارفة إنك أطيب قلب في الدنيا. إنتِ اللي علمتيني كل حاجة، وإنتِ أحلى وأجدع مني بمراحل.. بجد، ربنا يرزقك باللي يقدر قيمتك ويستاهل قلبك الطيب ده، لأنك بجد جوهرة.”
هزّ باقي الجالسين رؤوسهم بالموافقة، وكأنهم في “مسرحية” مُعدّة جيداً لتلقين ياسمين دور “المضحية المثالية”. أم العريس أضافت بصوتٍ رخيمٍ مفعم بالنفاق:
ـ “طبعاً يا حبيبتي، ياسمين دي غالية، والرزق بييجي في وقته، وكل اللي بيحب الخير لغيره ربنا بيفتح له أبوابه.”
كل كلمة كانت تنزل على قلب ياسمين كأنها ضربة مِعول. شعرت بقبضةٍ حديدية تعتصر صدرها، ونَفَسها بدأ يضيق لدرجة الاختناق. لم تعد قادرة على تحمل هذا “الاستعراض” المفضوح للنفاق. نهضت فجأة، وهي تستند بيدها على حافة الطاولة لتتماسك:
ـ “عن إذنكم.. مش قادرة أكمل، مصدعة شوية وهدخل أستريح.”
لم تنتظر رداً، بل تحركت بخطواتٍ متعثرة نحو غرفتها، وأغلقت الباب خلفها بقوةٍ لم تقصدها، لكنها كانت تعبيراً عن رغبتها في عزل العالم. ألقت بنفسها على السرير، ووضعت يديها فوق أذنيها لتحجب أصوات الضحكات والمجاملات التي كانت تتسرب عبر الشقوق، لتصل إلى مسامعها كأنها سكاكين تنغرس في صميم كرامتها. تمنت لو أن الأرض تنشق وتبتلع تلك الليلة، أو أنها تغفو لتستيقظ وتجد كل هذا مجرد كابوسٍ سخيف، لا واقعٍ مرير يفرض عليها أن تكون “المبارِكة” لخذلانها
…………..
طلعت شمس اليوم التالي وياسمين في عينيها سواد سهر طويل، لكنه لم يكن سهر بكاء فحسب، بل كان سهر “خلاص”. قررت ياسمين أن هذه الليلة السوداء كانت آخر عهدها بانتظار “النصيب” الذي يأتي في جلسة صالون ليُقيمها كسلعة. أحكمت غلق قلبها، وفتحت عقلها على مشروعها الصغير، وظلت طوال الليل تتنقل بين المواقع والصفحات حتى وجدت خيطاً لشركة تسويق كبرى تدعم الحرف اليدوية.
ارتدت ملابسها الرسمية، وحملت حقائبها التي صنعتها بدم قلبها، وتوجهت إلى مقر الشركة. هناك، وفي مكتب يفوح منه عبق العمل والنظام، كان اللقاء مع “عبد الرحمن”.
كان عبد الرحمن شاباً عملياً، حاد النظرات، يبدو عليه أنه لا يجامل في العمل. تفحص حقائبها ببرود استفزها، ثم ألقى بواحدة منها على المكتب بإهمال قائلاً:
ـ “شوفي يا آنسة ياسمين.. الشغل كفكرة كويس، بس الفنش فيه عيوب كتير، والغرزة هنا واسعة، واللون ده مش موضة السنة دي خالص.. إنتِ فاكرة إن أي حد بيمسك إبرة وخيط يبقى فنان؟”
شعرت ياسمين بشرارة غضب تشتعل في صدرها؛ فجرحها لا يزال ينزف، ولم تكن في حالة تسمح لها بتقبل إهانة لعملها الذي هو مهربها الوحيد. وقفت بحدة وقالت ونبرة صوتها قوية:
ـ “عيوب؟ حضرتك بتتكلم عن غرزة ‘هاند ميد’ مش مكنة صينية! لو كنت بتفهم في التعب اللي بيتبذل في كل عقدة خيط، مكنتش قولت الكلام ده. وبعدين لو اللون مش عاجبك، فده ذوق سوق، مش عيب في الصناعة!”
رفع عبد الرحمن حاجبه، وظهرت على شفتيه ابتسامة خفيفة، وكأنه كان ينتظر هذه الانتفاضة منها ليخرجها من حالة الوجوم والجمود التي دخلت بها المكتب. رد ببرود مدروس:
ـ “والله؟ وأدينا طلع لنا صوت وبنرد أهو! أنا قولت إنك جاية مغصوبة على الشغلانة دي من كتر ما وشك كان مقفول ومش طايقة كلمة. بس كويس، العصبية دي معناها إنك غيورة على شغلك.”
احتدت ياسمين أكثر، واقتربت من مكتبه وهي تشير لشنطتها:
ـ “أنا مش جاية هنا عشان تحلل شخصيتي أو تقيم وشي ‘مقفول’ ولا ‘مفتوح’. أنا جاية لشركة محترمة تعرض شغلي. لو مش قد المقام، آخد حاجتي وأمشي، والسوق مليان!”
ضحك عبد الرحمن هذه المرة بوضوح، وسند ظهره إلى الكرسي قائلاً بنبرة أهدأ:
ـ “اقعدي بس يا آنسة ياسمين وهدي أعصابك. أنا كنت بختبر صبرك وثقتك في منتجك، لأن اللي يسوق لازم يكون نفسه طويل. وشغلك الحقيقة فيه لمسة غريبة وجميلة، بس فعلاً محتاج توجيه بسيط عشان يكتسح. هاه.. لسة عايزة تمشي؟”
نظرت إليه ياسمين بريبة، وأنفاسها لا تزال متلاحقة، لكنها شعرت لأول مرة منذ ليلة أمس أن هناك من يراها “كياناً” مستقلاً، لا مجرد عروس بديلة في جلسة صالون.
……………………….
عادت ياسمين إلى المنزل وخطواتها تكاد تسبق الريح، وجهها الذي كان مطفأً ليلة أمس استرد نضارته بفضل شعور “الإنجاز”. دخلت الصالة حيث كانت والدتها اعتدال تجلس مع سما، وبمجرد أن رأتهم، لم تستطع كتمان الفرحة:
ـ “ماما.. سما.. أنا اتقبلت! الشركة وافقت تسوق شغلي كله، وهبدأ معاهم من الأسبوع الجاي بطلبية كبيرة.”
نظرت اعتدال إليها بدهشة ممزوجة بعدم التصديق:
ـ “بجد يا ياسمين؟ يعني الشنط اللي كنتِ بتقولي عليها دي جابت نتيجة؟ والشركة دي مضمونة ولا هيضحكوا عليكي؟”
ردت ياسمين بثقة لم تعهدها من قبل:
ـ “مضمونة جداً يا ماما، ده صرح كبير. والمسؤول هناك، رغم إنه شخص مستفز جداً واسمه عبد الرحمن، وشكله ناوي يطلع عيني في المراجعة، بس طلع بيفهم في الشغل. عرفني على طقم العمل، ناس ذوق وشاطرين جداً، وحسيت إني وسط عيلة تانية بتقدر التعب.”
سما حاولت تبتسم بس في عينيها كان فيه نظرة استغراب إن أختها “المكسورة” قدرت تقف على رجليها بالسرعة دي:
ـ “مبروك يا ياسمين.. ربنا يوفقك، أهو على الأقل تشغلي وقتك في حاجة مفيدة.”
لم تلتفت ياسمين لنبرة سما التي تحمل التقليل من شأن نجاحها، بل ظلت شاردة في تفاصيل يومها.. تذكرت كيف كان عبد الرحمن “ينكشها” أمام زملائها كلما مر بجانب مكتبها، وكيف كان يبتسم بمكر وهو يرى غضبها الطفولي من ملاحظاته الدقيقة.
……………………..
في اليوم التالي
داخل الشركة، كان عبد الرحمن يدخل المكتب بخفة دم ممزوجة بجدية العمل، يقف عند مكتب ياسمين ويقول بابتسامة مستفزة:
ـ “هاه يا فنانة؟ خلصنا الغرزة العبقرية ولا لسة بنفكر في لون الخيط؟ خلي بالك، السوق مش بيستنى حد يخلص قهوته!”
ترد ياسمين وهي تحاول كتم غيظها:
ـ “أنا مخلصة شغلي من بدري يا أستاذ عبد الرحمن، بس حضرتك اللي غاوي نكش ومش عاجبك العجب.”
يضحك عبد الرحمن وهو يبتعد قائلاً:
ـ “النكش ده هو اللي بيخليكي تطلعي أحسن ما عندك.. استمري، الشغل اللي فات ده ‘لوز’، بس استني شوفي ملاحظاتي على الطلبية الجديدة.”
رغم مشاكسته المستمرة، إلا أن ياسمين بدأت تشعر براحة غريبة في وجوده؛ فهو الشخص الوحيد الذي لم يشفق عليها ولم يعاملها كـ “ضحية” ليلة الخطوبة، بل عاملها كمنافسة وشريكة نجاح، وهذا كان الملح الذي داوى جرحها الحقيقي.
…………………
استمرت الأيام وياسمين كأنها في سباق مع نفسها، تحول وجعها إلى طاقة غريبة تصبها في كل غرزة خيط وكل قطعة جلد. كانت تصل إلى الشركة قبل الجميع، وتغادرها بعدهم، واضعةً حاجزاً صلباً بينها وبين “عبد الرحمن”. بالنسبة لها، هو المدير المشاكس الذي يحرك العمل، أما قلبها فقد أغلقته بالشمع الأحمر منذ تلك الليلة السوداء.
بينما كانت ياسمين تبهر الجميع بإبداعها وتفانيها، كان الوضع في المنزل يزداد سوءاً واستفزازاً. الصالة التي شهدت انكسارها، أصبحت الآن “ساحة صلح” دائمة بين سما وعريسها جمال
كانت ياسمين تعود من عملها محملة بنجاحات جديدة، لتجد والدها رشدي ووالدتها اعتدال غارقين في مشاكل سما:
ـ “يا ياسمين، تعالي شوفي أختك، جمال زعلان منها عشان اتأخرت في الرد على التليفون، ووالدته كلمتنا وعملت مشكلة.. ادخلي صالحيهم على بعض يا بنتي، إنتِ الكبيرة.”
كانت ياسمين تنظر إليهم بذهول مكتوم، وترد بهدوء يحمل جبالاً من القهر:
ـ “معلش يا ماما، أنا راجعة هلكانة من الشغل وعندي تسليم طلبية الصبح.. هما كبار ويقدروا يحلوا مشاكلهم.”
تدخل غرفتها، وتغلق الباب على أصوات “قعدة الصلح” ونفاق العائلتين، وتخرج أدواتها. كل غرزة كانت “تنتقم” بها من تجاهلهم لنجاحها، وكل حقيبة تخرج من تحت يدها كانت تبدو كأنها لوحة فنية ناطقة، مما جعل عبد الرحمن يقف أمام شغلها مبهوراً، لكنه كان يلمح “الغصة” في عينيها.
في المكتب، دخل عبد الرحمن ووجدها تعمل بتركيز مبالغ فيه، لدرجة أنها لم تشعر بوجوده. وقف يراقبها بصمت ثم قال بنبرة خالية من المشاكسة لأول مرة:
ـ “ياسمين.. الشغل ده مش مجرد هاند ميد، ده فيه روح بتصرخ. إيه اللي واجعك للدرجة دي؟”
توقفت يدها للحظة، لكنها لم ترفع عينها عنه، وردت ببرود مدروس:
ـ “مفيش حاجة وجعاني يا أستاذ عبد الرحمن، أنا بس بحب شغلي وبديله حقه. فين الملاحظات اللي كنت عايز تقولها؟”
اقترب عبد الرحمن خطوة، وقال بصوت خفيض:
ـ “أنا ملاحظاتي المرة دي مش على الشغل، ملاحظاتي عليكي إنتِ. إنتِ بتهربي في الشغل من حاجة كبيرة، وكل ما تنجحي بشوف في عينك فرحة ناقصة، هي ايه بالظبط بصراحة مش عارف رغم امتناني للمحن اللي بتصنع احلى ابداع
ارتبكت ياسمين، وجمعت خيوطها بسرعة وهي تقوم من مكانها:
ـ “متهيألك.. أنا تمام جداً ومبسوطة بنجاحي. عن إذنك لازم أسلم القطعة دي للمخزن.”
خرجت ياسمين وهي تشعر بأن أنفاسها تضيق، بينما ظل عبد الرحمن واقفاً مكانه، يدرك تماماً أن خلف هذا الإبداع المبهر حكاية وجع لم تُروَ بعد، وأنه مهما حاول “نكشها” فلن يصل لقلبها إلا إذا استطاع كسر هذا الدرع الذي تحتمي خلفه.
…………………………..
كانت ياسمين كمن يمر بحقل ألغام وهي مغمضة العينين، لا تلتفت يميناً ولا يساراً، كل ما يشغل بالها هو خيوطها، تصميماتها، والنجاح الذي صار هو “انتقامها” الوحيد من تهميش الجميع لها. أما أحمد (جمال)، فلم يكتفِ بما فعله، بل صار يتمادى في “بجاحته” وكأن البيت صار ملكه، يدخل ويخرج متى شاء، ولسانه لا يكف عن إلقاء السم في العسل.
في مراتٍ كثيرة، كان يتصل بهاتف ياسمين بحجة أن “سما” لا ترد، أو ليدخلها في تفاصيل مشاكلهم السخيفة، وكأنه يريد أن يذكرها دائماً بوجوده. كانت ترد عليه باقتضاب يقطر جفاءً:
ـ “يا أستاذ جمال لو سما تليفونها مقفول اطلب بابا، أنا مش وسيطة بينكم، وعندي شغل.”
لكن القشة التي كانت ستكسر ظهر البعير هي تلك الرسالة التي وصلت لهاتفها في منتصف الليل، كلمات غزل صريحة و”حنية” مفرطة لا تليق إلا بلقاءٍ رومانسي. حين واجهته في اليوم التالي وهو جالس في صالتهم ببروده المعتاد، انفجرت فيه بعيداً عن أعين أهلها:
ـ “أنت بتبعت الكلام ده لمين يا بني آدم أنت؟ احترم نفسك وخليك في خطيبتك، وإياك رقمي يظهر عندك تاني!”
رد بابتسامة صفراء لا تفارق وجهه، وهو يرفع يديه ببراءة مستفزة:
ـ “يا خبر يا ياسمين! أنتِ فهمتي إيه؟ دي رسالة كنت باعتها لسما وراحت لك بالخطأ، أصل الأسماء عندي جنب بعض، والواحد بيبقى مش مركز وهو بيكتب لحبيبته.. أنتِ قلبك أسود قوي يا ياسمين، خليكي ‘فريش’ زي سما.”
نظراته كانت تقول غير ذلك تماماً، كانت عيناه تلاحقها في ردهات الشقة، وتراقب نجاحها الذي بدأ يغير ملامحها ويجعلها أجمل وأقوى، كأنه نادم على اختياره السريع لـ “الطفلة المدللة” حين رأى “المرأة الناجحة” التي ولدت من رحم الوجع.
حتى جاء ذلك اليوم
كانت ياسمين قد خرجت من باب الشركة بخطوات متسارعة، وصوت رنين هاتفها لا يتوقف، وكأن (جمال) قد فقد صوابه أو قرر أن يحرق ما تبقى لها من أعصابها. نظرت إلى الشاشة بغيظ وقهر، ثم وبحركة حاسمة ضغطت على زر الإغلاق تماماً. سألت نفسها بمرارة: “بيرن ليه دلوقتي؟ مش كفاية اللي عمله؟ مش كفاية النظرات والرسائل؟ ده بني آدم معندوش دم!”
وقفت على الرصيف في انتظار تاكسي، والزحام من حولها يزيد من ضيق صدرها. وفجأة، هدأت سرعة سيارة سوداء أنيقة أمامها، وانخفض الزجاج ليطل وجه “عبد الرحمن” بابتسامته المشاكسة المعتادة التي تسبق كلامه دائماً.
ـ “ايه ده دا آنسة ياسمين.. هو الجميل واقف مستني القطر ولا حاجة؟
كان ردها ابتسامة خفيفة ليواصل هو
– التاكسيات في الوقت ده عملة نادرة، اركبي أوصلك في سكتي، وفري ‘تمن’ التاكسي لعلبة خيوط جديدة أحسن.”
حاولت ياسمين أن تحافظ على وقارها المعتاد وردت بخجل:
ـ “شكراً يا أستاذ عبد الرحمن، التاكسي زمانه جاي، مش عايزة أتعب حضرتك.”
لم يستسلم عبد الرحمن، بل زاد في إلحاحه بطريقة طريفة وهو يسند ذراعه على المقود:
ـ “تعب إيه؟ ده أنا مصدق ألاقي حجة عشان أراجع معاكي ‘التقفيل’ بتاع الشنطة الأخيرة وإحنا في الطريق. يلا يا ياسمين، السواقين النهاردة خلقهم ضيق ومش هيقفوا.”
رغم الحاحه اللطيف، أصرت ياسمين على موقفها، فهي لا تريد أن تفتح باباً للقيل والقال، خاصة وهي في حالة نفسية لا تسمح بالمزاح. حين وجدها متمسكة برأيها، تنهد عبد الرحمن بعمق، ورمقها بنظرة طويلة هادئة، نظرة كانت أبلغ من كل كلمات المشاكسة، نظرة جعلت دقات قلبها تتسارع وخجلها يفيض على وجهها.
ـ “ماشي يا ياسمين.. براحتك. بس خلي بالك من نفسك، وأشوفك الصبح في الشركة.”
انطلق بسيارته، وظلت هي واقفة تسأل نفسها بذهول: “هو ليه بيعمل كدة؟ ليه أنا بالذات اللي بيشيل قدامها قناع الرسمية والجدية؟ عبد الرحمن معروف في الشركة إنه راجل ‘سيف’ ومحترم جداً وجد، اشمعنى معايا أنا بيبقى شخص تاني؟”
هل لأنه يرى تحفظها فيريد كسر هذا الجدار؟ أم أن هناك شيئاً أعمق خلف تلك المشاكسات لم تجرؤ هي بعد على الاعتراف به؟ لم تكن تدري أن هذه النظرة الطويلة كانت بداية لشيء سيغير حياتها تماماً، قبل أن تصل لبيتها وتواجه “الزلزال” الذي ينتظرها هناك.
…………………
حين وصلت عائدة من الشركة، تحمل خبراً كبيراً عن تعاقد دولي بفضل مجهودها ومساندة عبد الرحمن (الذي بدأ يحترم خصوصيتها لكن عينه لم تغفل عنها لحظة). دخلت المنزل لتجد صراخاً وعويلاً؛ سما منهارة، ووالدها رشدي توفيق يضرب كفاً بكف.
بمجرد دخول ياسمين، التفتت إليها والدتها اعتدال بلهفة غريبة وقالت:
ـ “تعالي يا ياسمين، شوفي أختك والـ ‘مصيبة’ اللي إحنا فيها.. جمال بيقول إنه مش قادر يكمل مع سما،”
تسمرت ياسمين في مكانها، وسقطت حقيبة أوراقها من يدها
………………………
توقعاتكم للجزء الثاني
تفتكروا جمال هيعمل ايه
ولا سما هتسيب عبد الرحمن ولا قصدي جمااال ؟
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية قلبي لمن) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.