رواية في مدينة الاسكندرية الفصل السابع 7 – بقلم صابرين عامر

رواية في مدينة الاسكندرية – الفصل السابع

7- غصن الريحان
النهاردة يصادف أفضل حدث في اليوم كله قابلت في صلاة العيد واحدة من متابعين الرواية وتكون صاحبتي من أيام الطفولة السكرة ضحى علي وأبدت إعجابها الشديد بالرواية وإنها متابعاها فصل بفصل وانا مبسوطة بجد إنها عجبتك يا ضحى💜
كل عام وأنتم بخير مرة أخرى + زيدوا التعليقات حبة ده احنا في عيد لما البارت نزل واختفى عملتوا صياح غير كده صامتين طب ليه🙂👀
صلي على خاتم الأنبياء والمرسلين 💜
يستمعون للنداء في كل مكان لكن لا يعلموا إلى أين يذهبوا في متاهات الذرة هذه، والأصوات تصبح بعيدة كلما تحركوا وكأنهم يتحركون في الطريق الخطأ، وما يزيد الأمر سوءًا هو الأفرع التي تجرح أذرعتهم المكشوفة ووجوههم التي أصبحت خريطة حمراء
بالإضافة إلى ذلك الحرارة الشديدة والاختناق في المكان وكأن الأكسجين مسحوب من هنا، حتى أن يوسف قد أحمَّر وجهه كثيرًا وهو على شفا جرفٍ من نوبة ضيق تنفس
سقط كريم أرضًا بعدم انتباه لبؤرة تعثرت قدمه بها والأسوء من هذا أنه سقط على أرض مرتوية بالماء لذا أصبحت ركبتيه وكفيه عبارة عن وحل، جذبه حمزة بسرعة حتى يقف فصرخ الآخر بتلف الأعصاب وهو ينظر إلى حالته المزرية المثيرة للشفقة :
-احـيــه خرجوني من هــنــا
كانت صرخته أشبه بامرأة تلد وهذا ما جعل يوسف ينفجر ضحكًا رغمًا عنه فهجم عليه كريم يفرغ به غيظه المكبوت من هذا المكان الخانق :
-انت بتضحك على ايه بتضحك على ايــــه، تايهين وهنموت مخنوقين هنا وانت بتضحك
جذب حمزة شقيقه بقوة وهو على شعرة من الانفجار بهما وحرق كل هذه الذرة التي حولهم، دفعه أمامه ودفع بيوسف كذلك حتى يتحركوا صائحًا بهما :
-مسمعش صوت حد فيكم علشان مش ناقص خلينا نشوف حل ونخرج من هنا
بدأوا بالسير مرة أخرى وقد تفقد حمزة هاتفه للمرة العاشرة وللأسف لا توجد إشارة هنا، استمعوا إلى نباح كلاب ظهر فجأةً وقد افزع ثلاثتهم ولا يعلموا من أين قادمة الأصوات، والمشكلة هنا أن يوسف يخاف الكلاب ولا يطيقها لذا تحرك بخطوات سريعة في إتجاه عكس الأصوات حتي يبتعد عنهم
لحق به حمزة بسرعة وهو يجذب شقيقه حتى لا يضيعوا من بعضهم فيكفي أنهم قد ضاعوا من حسن والبقية :
-استنى يا يوسف
وتوقف الآخر بالفعل ولكن ليس لطلبه بل لأن قدميه قد غاصت في وحل ولم يتمهل حتى ينذرهم أن يتوقفا إلا ووجدهما جانبه وأقدامهم أيضًا قد غاصت في الوحل
تحولت ملامح كريم للبكاء بينما حمزة للإشمئزاز الشديد، ورغم أن الوحل ليس به شئ بل هو عبارة عن تربة قد اختلطت بالماء إلىٰ أنه لا يطيق إتساخ جزء منه أبدًا وحذائه بأكمله قد أصبح طين
تحرك بسرعة للخلف حتى يعود للأرض اليابسة وبسبب سرعته هذه انزلقت قدمه بسبب الوحل، وقبل أن يسقط قد تمسك في قميص يوسف والآخر كرد فعل أمسك بكتف كريم لتكون النتيجة هى سقوط ثلاثتهم وإتساخهم وإتساخ ملابسهم
وهنا لم يعد كريم يتحمل شئ آخر في هذه القرية ليطلق صرخة قوية مقهورة على ملابسه وحاله وذراعيه وعنقه والحكة الشديدة التي يشعر بها فيهم
ولم يكن حال حمزة أفضل حال، إذ حاول مسح أصابعه من الطين وملامحه عبارة عن الازدراء الشديد عكس ملامح يوسف الهادئة، أجل يشعر بالضيق مثلهم ولكنه هادئ وليس مثل كريم الذي لا يزال يصرخ كسيدة تم إلقائها في الشارع كالمشردين رفقة أبنائها الخمسة
حاول حمزة أن يقف وبدأ يشعر بالندم أنه أتى إلى هنا، لما لم يجلس مكانه كافي خيره شره مثل يونس الذي رفض أن يأتي معهم وبقى مع البقية في منزل عبد الجواد، تبًا لكريم الذي جذبه رغمًا عنه حتى يأتي معهم إلى هذه الحقول الممتلئة بأفرع الذرة الطويلة من أجل التنفيس عن أنفسهم
نظر إلى حاله بإزدراء شديد فالوحل كان يغطي حذائه وكفيه، ومؤخرة البنطال أصبحت عبارة عن طين، هذا غير الحكة التي يشعر بها في كل جزء مكشوف من جسده، والعرق الذي أغرقه بالمعنى الحرفي وجعل رائحته لا تطاق
حاول كريم أن يقف ولكن كان ينزلق في كل مرة فتحرك ببطء على ركبتيه وكفيه بعيدًا عن هذا الطين ثم صاح بصوت مرتفع :
-أنا لما أطلع من هنا هاخد القطر وأرجع على بلدنا عدل وأقطع رجلي إن فكرت أروح الصعيد تاني
-يعني مش هتحضر كتب كتابنا
نطق بها يوسف ببسمة ساخرة غير معتادة منه وهو يشير إلى هو وحمزة فصاح الآخر بهما بصوت ثرثري حاد :
-أولعوا انتوا الإتنـيـــن
استقام من مكانه وقد مسح الطين الذي في يديه بملابسه المتسخة على أي حال ثم جلس على الأرض في انتظار النجدة ليجد يوسف قد جلس إلى جانبه هو أيضًا بينما حمزة لا يزال يقف ينظر حوله بحيرة وقد اختفى تمامًا صوت حسن المنادي عليهم
جلس إلى جانبهما عندما شعر باليأس وقد كانت حالتهم أشبه بالمتسولين وهم يجلسون إلى جانب بعضهم وملابسهم متسخة يملؤها العرق
-طب ايه هنطلع من هنا إزاي، انا خايف الشمس تغيب ومحدش يلاقينا لحد الليل وأعتقد المكان هنا بالليل هيبقى أسوء
نطق بها يوسف محاولًا البحث عن حل فقال حمزة بضيق شديد :
-انا تليفوني مفيش فيه إشارة الشبكة قاطعة خالص وانت سيبت تليفونك في البيت وكريم تليفونه مع لؤي
-بس خلاص يا جماعة إحنا هنموت في المكان ده
نطق بها كريم وقد ذم شفتيه بطريقة توشك على انفجار وشيك في البكاء، وقبل أن يتحدث حمزة سبقه هو عندما صاح فزِعًا وهو يستقيم من مكانه مهرولًا بعيدًا عنهم :
-اجــــروا ده في قطيع كلاب جاي علينا
استدارا حمزة ويوسف بسرعة ليجدا أكثر من عشر كلاب قادمين نحوهم، ويلي من أي تأتي كل هذا الكلاب؟!
ورغم أن حمزة لا يخاف الكلاب إلىٰ أن أي رجل سيجد أمامه كل هذا العدد سيفر نافدًا بجلده لذا هرول خلف يوسف الذي لحق بكريم بسرعة وثلاثتهم باتوا يركضون خلف بعضهم وسط الحقول
ولكن وكأن الحظ السيئ طاقته عالية في هذا المكان، تائهين وخلفهم بعض الكلاب وأمامهم متاهات لا آخر لها من حقول الذرة ذات الأفرع الحادة، ليجدوا بصعوبة قطعة أرض مزروعة برسيم
وهنا قد سقط كريم على البرسيم متنفسًا بعنف وبجانبه قد ألقى يوسف نفسه والاكسجين هنا أفضل من الداخل ألف مرة، بينما وقف حمزة أمامهما يرى الكلاب لم تتوقف عن اللحاق بهم
بل وقد أخذوا في الظهور من بين الذرة يذومون عليهم في علامة إستعداد للعض، ليصدح صوت فتاة حاد في المكان بكلمة لم يفهمها ثلاثتهم ملقية بعض الحجارة نحو الكلاب ففروا فورًا خوفًا من الحجارة
استدارت الأعين نحوها ليبصروا نور في مظهر لم يبصروها به من قبل، إذ كانت ترتدي جيب أسود مبقع بالطين عند ركبتيها وقميص صيفي بكم، بالي نوعًا ما وحجابها عليه قبعة ولكن ليست أي قبعة بل تلك التي يرتدنها الفتيات على البحر، ويديها ملوثتين بالتراب وفي يدها أداة حادة تشبه سكين الموز لكن بشكل أكبر
كان مظهرها رث ولكن ليس مثلهم أبدًا
صاح كريم بإستنجاد بالأمل الذي سيخرجهم من هنا، وقد كان يحاول أن يستقيم من على الأرض ولكن لم يقدر فجلس على ركبتيه قائلًا :
-نورهان ربنا بعتك نجدة طلعينا من هنا يا شيخة إلهي تنستري
وقد كانت الأخرى ترمقهم بذهول شديد على حالتهم السيئة بل شديدة السوء، لتظهر عائشة في الخلفية ترتدي مثلها ولكن بدون قبعة ثم وقفت من مكانها بعدما كانت تقتلع بعض الحشائش الضارة، ترمقهم بإندهاش شديد :
-مين عمل فيكم كده؟! انتوا أصلًا جيتوا الغيط إزاي وحدكم؟؟
لم يجبها أحدهم فما سيقولونه يخجل بشدة يكفي حالتهم البشعة أمامهما، خاصةً حمزة الذي جلس محاولًا إخفاء نفسه عن نور فهو مهووس بالمظهر الجميل المنمق ويوأد حي ولا يظهر أمام شخص غريب بهذه الهيئة البالية
ولكن قد فات الأوان ورأته نور بل وتقدمت نحوه حتى تراه بشكل كامل، ملابس متسخة بشدة، حذائه لا يظهر من الطين، جسده متعرق من كل مكان، وجهه به خدوش حمراء كثيرة، وشعره لأول مرة تراه بهذا الشكل الفوضاوي
لذا لم تمنع نفسه من الضحك على هذا الشكل الذي لم تتخيل حمزة الوسيم المنمق به، فقد كان أشبه بأولاد الشوارع :
-حمزة
همست بأسمه وهى تضم ضحكتها فقال الآخر عاكسًا عينيه بعيدًا، يشعر بالخجل الشديد منها، عجبًا حمزة يشعر بالخجل ومن مَن؟! من نور!!
-انا في أسوء أسوء حالاتي أرجوكِ بلاش تعليق يا نور
حدق بهما كريم بتشنج ثم صاح بغيظ شديد ولا يزال جالسًا مكانه على ركبتيه
-يا جدعان خرجوني من هنا وابقوا حبوا في بعض بعدين، انا ويوسف بننهار هنا
خجلت نور بشدة مما قال وعكست عينيها إلى عائشة التي كانت تقف تتابع ما يحدث ببسمة مستمتعة فقالت لها :
-شيلي المناشير وشيلي شوية من الربيع وانا هشيل الباقي ويلا علشان نمشوا
تحدث يوسف وهو يقف من مكانه غير آبه بنفض التراب فهو متسخ من الأعلى للأسفل :
-هو بيتكم بعيد عن هنا؟! هنمشي كتير؟؟
نفت نور وهى تحمل بين ذراعيها بعض البرسيم وقد حملت عائشة البعض الآخر مثلها :
-لأ قريب من هنا
سارت أمامهم داخل طريق بعمق صغير عن الأراضي التي حولها ويُستخدم هذا الطريق لكي تسير داخله المياه من أجل ريّ الأرض، ولكن للأسف هذا الطريق يقع على جانبيه الذرة من كل مكان وإن مروا به لن يسلموا من أفرع الذرة الحادة هذه
أو لن نقول هم لن يسلموا فعائشة ونور يرتديان قمصان بأكمام وتلك القبعة لن تجعل الافرع تصطدم في وجوههم حتى، تحدث كريم برفض وهو يرى عائشة توغلت في البداية وخلفها وقفت نور تنتظر تحركهم :
-لأ متقولوش هندخل الدرة دي تاني؟!
رفعت نور منكبيها ثم أجابت ببسمة بسيطة :
-أومال نعدوا طايرين من فوق؟! الناس كلها زارعة شامي وبعدين الغلط عليكم من قالكم تعالوا بنص كم، حسن ليه مقالكومش المفروض تيجوا بكم؟!
استقام حمزة من مكانه ثم هتف متبرمًا وهو يمسح يديه في ملابسه من الطين الذي لوثهما بشدة :
-والله عندي شعور إن حسن هو اللي سابنا نتوهوا، نيتوا مش صافية عمك ده وفي الآخر يقولي انا اللي مش سالك ده؟!
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
فتح هاتفه وأتى برقمها للمرة التي لا يعلم عددها، يضع إصبعه على زر الإتصال ولكن يتراجع وهو على هذا الحال منذ ما يقارب الربع ساعة لا هو يتصل ولا يترك الهاتف
مسح وجهه بضيق من حالة التردد هذا فقد مر يومان على موافقة شروق على الخطبة وحتى الآن لم يتصل عليها وقد قام حمزة ويوسف بتعنيفه هذا الصباح على اللامبالاة التي هو به وقد قال له حمزة بالنص :
-هو انت مستنيها تتصل عليك ولا ايه؟! أومال ليه اتعملت فترة الخطوبة دي مش علشان تكلموا بعض وتتعرفوا على بعض
حسنًا محقٌ في كل كلمة قالها ولكنها في أمور الحب والإهتمام هذه أقل ما يقال عنه أنه حمار، ليته حتى يجيد التصرف بعفوية مثل يوسف إلىٰ أن حتى هذه يفشل بها
اخفض الهاتف على الأريكة يمسح على وجهه ولحيته الخفيفة يفكر في الكلام الذي سيقوله إن اتصل عليها، بالطبع بداية الكلام ستكون جملة “عاملة ايه” وستجيب أنها بخير، إذًا ما الذي بعد هذا؟؟
-الو
ارتفع هذا الصوت من الهاتف فحدق به يونس بصدمة فمن الذي رن وهو لم يفعل، ارتفع صوت شروق مرة أخرى فرفع الهاتف على أذنه وقد وضعه القدر أمام الأمر الواقع، إذ حمحم بخشونة ثم قال :
-الو يا شروق
-مين معايا؟؟
-انا يونس
هتف بها عاقدًا حاجبيه بتعجب أنها لم تتعرف على صوته بينما الأخرى ابتسمت وهى تصعد بسرعة إلى الأعلى وبالطبع تعرفت على صوته بل وهى تحفظ رقمه ولكن عليها ألا تظهر اللهفة له فكما تقول زوجة عمها دائمًا
ابخلي على الرجل يتلهف إشتياقًا لكِ
وهذه النصيحة تسير بها نساء العائلة جمعيهن وأكثرهن نور التي تسحل حمزة خلفها من ثقلها عليه
حك يونس خصلات شعره ثم قال بأول شئ خطر على باله :
-فين المحفظة بتاعتي مينفعش امشي في بلد غريبة من غير البطاقة
رفعت شروق إحدى حاجبيها بتلاعب قائلة :
-وماله هبعتلك البطاقة مع اخويا والمحفظة هتقعد وخلاص مبقتش هتسيبها مع حد غريب
-طب وكارنية الشغل
-ماشي
-وصورة ليا انا ويوسف وولاد عمي وإحنا صغيرين معلش علشان متضعش
-ما…. لا لحظة مفيش الصورة دي
نطقت بها شروق متعجبة فهى قد قلبت محفظته كلها بفضول ولكن لم ترى هذه الصورة، استقامت من مكانها بسرعة وولجت لغرفتها ثم جذبت محفظته التي تخبئها بين ملابسها وقد فتشتها مرة أخرى جيب جيب، لتجد بالفعل صورة صغيرة لعدة أطفال لم تعرف منهم غير إسماعيل فهى رأت من قبل صورة له وهو صغير
ارتفعت ضحكاتها بصخب وهى تحدق في هذه الأشكال المعاقة، لا تقصد السخرية على خلق الله ولكن أشكالهم وهم أطفال مثيرة للضحك، عجبًا لما الجميع يظهر في منظر عبثي في الصور وهو صغير؟؟
صمت يونس يستمع لضحكاتها الصاخبة على الناحية الأخرى وعلى سخريتها أيضًا وهى تقول :
-يخربيت العته ايه المناظر دي، وايه اللبس ده جالي حول من الألوان الفاقعة، استنى هعرف انت مين
همهمت بتفكير وهى تحدق في الولدين اللذان يشبهان بعضهما بشدة حتى أنهما يرتديان نفس الملابس وكلاهما يضعان ذراعه على الآخر :
-انت اللي لابس تيشيرت بطيخي كأنك طالع من نص بطيخة وجنبك علطول واحد لابس تيشرت بنفسجي وشعره نازل على وشه، أكيد حمزة ده يخربيت شعره يا جدع أنعم من حياتي أموت وأعرف بيستخدمله ايه
كان يونس مبتسم بسمة جذابة مندهش لأنها عرفته بهذه السهولة وهو طفل ولكن انقلبت ملامحه وانعقدا حاجبيه بضيق عندما غازلت خصلات حمزة الذي يثير الجدل بشعره منذ كان صغيرًا :
-احترمي نفسك طيب
ظنت شروق أنه يقول هذا لأنها سخرت من شكله لذا اكملت استفزازه أكثر، تعشق استفزاز هذا الرجل تُغرم بشكله عندما يكون غاضبًا :
-طب والله شكلك يضحك بس مش أكتر من الواد الأحول اللي واقف على الحرف القصير اللي فيكم ده، مين ده؟؟
-كريم
-قول والله ده كريم اللي ما شاء الله طوله مترين؟! ده أطول واحد فيكم دلوقتي، سبحان الله قزم في الصورة وعمود دلوقتي، بس أحول ليه كده تحس المصور قاله بص على صباعي فعمله زي الواد في فيلم شيكامارا، هى فين اللوحة دي
ختمت حديثها بقهقه عالية جعلت يونس يبتسم بشكل لا إرادي عاضضًا على طرف شفتيه فلم يسبق وأن سمع ضحكتها هذه من قبل، أرهف السمع بتركيز عندما أكملت سخريتها على باقي مَن بالصورة قائلة :
-يوسف طبعًا اللي واقف جنبك سبحان الله شكله كيوت حتى وهو صغير، وأكبر واحد فيكم أكيد إسماعيل
زادت البسمة على وجه يونس وهو يستمع لكل كلمة تخرج منها بتركيز وإذ بهذه البسمة تختفي ويحل محلها ملامح مشتعلة عندما قالت :
-صحيح مين أمير في ولاد عمتك التلاتة دول؟! اللي قاعد على ركبة ونص ده صح؟؟
اندلعت النيران في قلبه عندما قالت هذا فبالفعل أمير هو من كان يجلس أرضًا في الصورة :
-رجعي الصورة مكانها يا شروق
-طب هو؟؟ والله عندي شعور إن هو ده، نفس ملامحه وهو كبير
-وانتي شوفتيه فـيــن؟!
صاح بها بغيرة رجل على حبيبته فقالت الأخرى وعلى ثغرها اتسعت بسمة ماكرة :
-عند عمك محفوظ شوفته هناك كذا مرة وفي الصورة اللي ورتهالي أمه، بس تصدق شكله…
-شروق
-اممم
-رجعي الصورة مكانها وابعتي المحفظة مع حد
-لأ
ضغط على كفه بقوة وود لو يخترق الهاتف حتى يمسك بعنقها بين يديه صائحًا بها أن تتوقف عن استفزازه، عجبًا هذه الفتاة تخرج أعنف ما به :
-شروق بلاش تستفزيني، انا عصبيتي مش حلوة
-طب قولي هو ولا مش هو
وصاح بها قائلًا :
-ايوه هو زفـــت رجعي الصورة بــــقـى
-طب انت بتزعق ليه دلوقتي، لا متقولش إنك غيران
نطقت بها ببرود أعصاب استفز يونس على الناحية الأخرى فهدر بعصبية مفرطة :
-ايوه انا غيران مش خطيبتي وليا حق أغير عليكي لما تركزي في راجل غيري كده
اتسمعون دقات قلبها الصاخبة الآن والفراشات التي اخذت تحلق في معدتها عقب جملته هذه، حتى أنها لم تستطع ان تخفي سعادتها هذه فأخذت تضرب بقدميها في الأرض من فرط سعادتها فقال يونس على الناحية الأخرى متعجبًا الأصوات التي يسمعها
-الو، ايه الخبط ده؟!
-لأ مفيش خبط
زفر يونس علي مهل ليس وكأنه انفجر بها منذ قليل، ثم قال بصوت رجولي جعل الإبتسامة تتسع على وجه شروق من هذه الأذن إلى الأخرى :
-لما تيجي الفرح هاتي المحفظة معاكِ
-لأ ما انا مش جاية الفرح لأنه مفيش فرح عند عمي جابر أهل العروسة بس هما اللي عاملين الحنا، الفرح بكرة في القاعة
-بكرة يوسف وحمزة هيعملوا التحاليل المطلوبة لكتب الكتاب اكيد هتيجي مع اختك
-لأ مين قال، بابا وماما هما اللي هيروحوا
مسح يونس وجهه بضيق ثم قال :
-تمام في الفرح ابقي هاتيها، ومتجبيش سيرة أمير تاني علشان متعصبش عليكي سلام
أغلق دون أن تبادر بقول كلمة فألقت الهاتف على الفراش مبتسمة بشدة حتى كادت بسمتها تشق وجهها، وسرعان ما ارتفع رنين هاتفها برقمه مرة أخرى فالتقطته بلهفة وردت عليه قائلة :
-الو
-بكرة تيجي مع أختك والمحفظة تكون معاكي
نطق بها بنبرة شبه آمرة فقالت شروق بعبث :
-اجي علشان المحفظة بس؟!
-ايوه علشان المحفظة بس، سلام
ومرة أخرى هو من أغلق فأخفضت شروق الهاتف ترمقه بضيق ثم قالت :
-أبو تقلك يا شيخ، وأبو حلاوتك في نفس الوقت
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
كانت تسير عائشة في المقدمة وخلفها نور وخلفها حمزة وفي المؤخرة كريم ويوسف، كان الطريق كالمتوقع ضيق بشدة وممتلئ بالذرة على الجانبين، ولكن عائشة ونور يسيران وكأنهما يحفظان الطريق عن ظهر قلب وهم خلفهما، وكل دقيقة والأخرى تلتفت نور لترى إن ضاع أحد أم لا يزالون على الطريق
ضيق حمزة عينيه ينظر إلى نور من الأعلى إلى الأسفل بتركيز شديد ولأول مرة يراها بهذه القامة القصيرة، حتى أن عائشة أطول منها، بل ورحمة شقيقته الصغيرة تكاد تكون هى أيضًا أطول منها :
-نور هو انتي طولك قد ايه؟!
استدرات له الأخرى نصف بإستدارة، ذاممة شفتيها بتذمر ثم قالت :
-عيب يا حمزة متتنمرش
-لأ بجد شكلك أقصر من كل مرة، تقريبًا دي أول مرة أشوف فيها طولك الطبيعي
-١٥٧ أو ١٥٨ حاجة ما بين دول
-ده طولك؟!!
هتف بها مذهولًا فقال كريم بنبرة ساخرة وهو يدفعه من الخلف حتى يتحرك :
-لأ عرضها، امشي يا حمزة الله يباركلك انا بسيح ويوسف توفاه الله وراء.
تحرك حمزة سريعًا ثم وقف خلف نور مباشرة ناظرًا لفرق الطول ثم قال بنبرة ضاحكة :
-انا ١٨٤ انتي متخيلة لو وقفتي جنبي هتبقي فين
إستدارت له الأخرى سريعًا وضربته على ذراعه بعقدة البرسيم التي تحملها بين ذراعيها ثم صاحت بضيق :
-قولتلك متتنمرش
وضع الآخر كفه على ذراعه يفركه بألم ثم قال ضاحكًا :
-ايه العنف ده؟!
-خلاص يا بسكوتة ينفع تسكت
هزت نور رأسها بموافقة ثم أكملت لاحقة بعائشة التي نطقت بها فقال حمزة عاقدًا حاجبيه :
-اختك مش طايقاني ليه؟!
-مين قال
-هو ايه اللي مين قال؟! انا اللي بقول، ده انا متكلمتش معاكي خمس دقايق على بعض لما قعدت معانا
ابتسمت نور بسمة خفية متذكرة ما فعلته عائشة يوم طلب حمزة الجلوس معها، ولم تكتمل هذه الجلسة أكثر من ثلاث دقائق بسبب عائشة، ولم يتعدى حديثه معها أكثر من جملتين ثم خرج
وعندما سألوه في الخارج لما لم تتأخر وخرجت بهذه السرعة كانت اجابته الصريحة هى
“مش عارف اتكلم معاها من أختها، قعدالي بالمرصاد هاتوا محرم غيرها معلش”
وقح وجرئ وصريح هذا الحمزة
وما لم تتوقعه هو أن جعلت والدتها عائشة تخرج وجلسوا هم برفقة والدته، ولكن أيضًا لم يتهنى بهذه الجلسة بسبب خجلها الشديد إذ أغلب إجاباتها له كانت إماءة، وللعثمتها دور إذ كانت تجعلها تتوقف في منتصف الكلام ولا تريد أن تكمل
لذا سئم حمزة أن تخرج مني جملة مفيدة وقال أننا سنتحدث في الهاتف في المساء، يظن أني أبالغ في الخجل ولكن لا والله لا أبالغ فلا أتعامل مع الرجال إلا نادرًا وأغض بصري حين أمر من جانبهم، هكذا انا وهذه شخصيتي
خجولة هادئة زيادةً عن اللزوم
-غصن ريحان
نطق بها حمزة بصوت مسموع فإستدارت إليه نور هاتفة بحسن نية :
عايز ريحان؟!
-ريحان!!
-ايوه قولت غصن ريحان لو عايز ماما زارعة على السطح عندنا هجيبلك عود
عادت ونظرت أمامها فابتسم حمزة بشدة، عجبًا لم يقصد غصن ريحان بالمقصد الذي فهمته بل كان يقصد قامتها القصير تشبه غصن الريحان ولكن نيتها أنظف من تفكيره، على أي حال سيحصل منها على غصن ريحان
وصلوا أخيرًا إلى منزلهم وحمدًا لله جيرانهم ليسوا في الخارج وإلا ما كانوا ليستطيعوا المرور بهذه الهيئة السيئة، وضعت عائشة ونور البرسيم بجانب الحائط ثم ولجت بسرعة بينما نور أحضرت دلوًا ووضعته أسفل الصنبور الخارجي بجانب الباب تمامًا ثم قالت :
-اغسلوا دراعاتكم ووشوشكم هنا
ضم حمزة شفتيه بحيرة ثم قال :
-طب ينفع أدخل الحمام؟؟
-ثواني بابا يطلعلكم دلوقتي أنا مقدرش أدخلكم من غير ما يعرف إنكم هنا
ابتسم يوسف على إحترامها لوالدها، يعجبه في هؤلاء الفتيات أنهن على تربية سليمة وكأن أخلاق كل واحدة بهن تصرخ قائلة لقد رباني والداي واحسنا تربيتي :
-شكرًا يا نور تعبناكي
فتح حمزة الصنبور وأخذ يزيل الطين عن ذراعيه وكفيه ثم غسل وجهه وعنقه ومسح على خصلاته، أما نور كانت على بعد منه تحاول ألا تبدي تركيزها به، ولكن عندما التصقت خصلاته الطويلة ببعضها بسبب الماء عقدت وجهها بعدم رضا، تحب رؤية شعره مفرقًا عن بعضه ويسقط على جانبي وجهه لا ملتصقًا هكذا فوق رأسه فشكله لا يبدو جذابًا حينها
أنهى حمزة ثم تحرك حتى يدع يوسف يغتسل فولجت نور بسرعة وأحضرت فوطة نظيفة واعطتها لحمزة الذي أخذ يمسح الماء عنه فقالت مشيرة إلى شعره :
-إمسح شعرك
استجاب الآخر دون جدال ومسح خصلاته بخفة فقالت معترضة :
-افرك شعرك زين
-هو فيه طين على شعري؟!
نطق بها مستفهمًا فقالت نور بشكل عفوي :
-لأ بس شكلك مش حلو وشعرك لاصق في بعضه كده
ابتسم حمزة بعدم تصديق فهذه أول مرة تبدي إعجابها _بشكل غير مباشر_ بشئ يخصه، وما إن أبصرت نور هذه الضحكة حتى سارعت في الإبتعاد عنه بالتزامن مع خروج والدها من الداخل ثم هتف متعجبًا حالتهم البالية هذه :
-ايه اللي حصلكم؟!
روى له يوسف ما حدث بإختصار فقال علي محدثًا ابنته :
-اتصلي على حسن طيب تلاقيه لسه بيدور عليهم
تحدث حمزة بسرعة بطلب قائلًا :
-معلش لو كان رجع البيت قوليله يجبلنا هدوم علشان انا على جثتي أرجع بالهدوم اللي مليانة طين دي
آماءت نور بخفة ثم تساءلت :
-أقوله يجيبلكم هدوم من عنده؟!
-لأ من الشنط بتاعتنا، خليه يقول ليونس يجيبلنا، أو بلاش يونس مثقش فيه في المواقف دي، خليه يقول لماما وهى تتصرف
آماءت الأخرى بإيجاب وولجت فنادى علي على ابنته الأخرى بأن تحضر لهم ماء بارد لكي يشربوا، وبينما كان يحضر علي الشاي والماء من ابنته وجد حمزة شئ يسقط على قدميه من الأعلى جعله ينتفض بفزع لوهلة ثم ابتسم ورفع عينيه عندما أبصره غصن ريحان
زادت بسمته لنور التي بادلتها البسمة بحرج وسرعان ما عادت للخلف عندما رأت يوسف وكريم قد رفعا أنظارهما أيضًا، اخفض حمزة نظره لغصن الريحان متعجبًا أنها ألقته له من أعلى ولكن سرعان ما رجح أنها قد خجلت من وجود والدها لذا ألقته له من الأعلى
يالا الرومانسية المضحكة
حاول كريم جذب الغصن منه فأبعد الآخر يده بسرعة قبل أن يأخذه ناظرًا له بإعتراض :
-لأ عندك ممنوع
طالعه الآخر ببلاهة لا يفهم ما الممنوع إذ قال :
-مش هاخده والله هشمه بس
-ممنوع برضو دي أول هدية من حبيبتي يعني لا شم لا لمس
وضعها بسرعة في جيبه حين عاد علي بينما قال كريم بضيق خفي :
-أول مرة أقولك عايز حاجة وتقولي لأ يا حمزة
أحاط الآخر بذراعه هاتفًا بمزاح يكسوه الحنو، لا يدري لما يتصرف كريم بهذه التصرفات الطفولية مؤخرًا :
-تاخد كليتي لو محتاجها بس دي بقى مش محتاجها وبطل غيرة العيال دي، لما تحب بكرة هتبقى عايزها بكل ما يخصها ليك لوحدك
قدم لهم علي الشاي فعقد حمزة حاجبيه رافضًا بذوق :
-لا شكرًا مش عايز
-عايز نسكافية دقيقة هقولهم يعملولك
نظر حمزة نحو يوسف الصامت بشدة فقال بهدوء مازح :
-ايه يا يوسف زعلان علشان خطيبتك تعبانة؟!
عقد الآخر حاجبيه ثم اعتدل في جلسته هاتفًا بتركيز شديد :
-براءة تعبانة!!؟
~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
في صباح اليوم التالي
وفي إحدى السيارات على الطريق السريع كان علي وحسين ويوسف يجلسون في المقعد الأمامي، وخلفهم حمزة ووالده ويونس الذي أصر على أن يأتي معهم، وخلفهم صفية وشروق ونور وبراءة التي كانت في حالة مخيفة من الشرود للأحداث الغريبة التي تمر بها
خاصةً الاكوابيس التي تورق ليلها وأهم ما بكوابيسها هو يوسف وكأن هذه الكوابيس تطلب منه الإبتعاد عنه، أخبرت والدتها بهذا لتكون ردة فعل الأخرى الصمت الشديد ثم تحدث مع والدها في شئ لم يخبروها به، بل أخبروها أن تستمر في تلاوة القرآن والأذكار لعل هذا البلاء يزاح
هى ليست حمقاء حتى لا تعلم ما الذي بها فإما هى مصاب بمس شيطاني أو بمس السحر، تشعر بالتعب الشديد ودوار ملازم لها بل وفقدت الوعي البارحة في حفلة الحناء
كم يخيفها أن الأمر مرتبط بشكل غير مفهوم بيوسف وظنت أنها تعاني فقط من أضغاث أحلام مرتبطة به لشدة تفكيرها به هذه الفترة، ولكن عندما التقت به هذا الصباح على الطريق السريع من أجل أن يذهبوا إلى مركز طبي لأجل تحاليل عقد القران تغيرت الأوضاع
فما إن قابلت عينيه عينيها حتى شعرت بقشعريرة قوية تصيبها جعلتها ترتعش في مكانها، تشوشت رؤيتها وشبه انفصل عقلها حتى أنها لم تسمع صوته وهو يلقي عليها الصباح، بل وكادت تسقط من طولها لشدة الدوار الذي لفح رأسها فجأةً
ولكن أسندتها شروق ونور قبل أن تسقط وقد قلق الجميع عليها حتى أن عثمان طلب أن يعودوا إن كانت غير قادرة على الذهاب اليوم، ولكن اعترض حمزة إعتراض عقلاني وهو أن موعد عقد القران اقترب والتحاليل تحتاج أيامًا حتى تخرج، فإن تأخروا في التحاليل سوف يؤخرون موعد عقد القران
اشترى لها والدها عصير وأصبحت بخير نوعًا ما ولكن كلما نظرت إلى يوسف تشعر بتشوش شديد لذا عكست عينيها عنه حتى عندما سألها عن أحوالها، شعرت أنه ضاق لهذا التصرف ولكن ماذا تفعل هناك شئ غريب يحدث
وها هى الآن تنظر له من مكانها حيث كان يجلس في الأمام وهى في الخلف، غير قادرة على التحدث وماذا ستقول إن تحدثت هى
جذبت صفية ذراعها قليلًا ثم تساءلت بنبرة خافتة بشدة :
-براءة هى أمك مجتش ليه!؟
رفعت الأخرى منكبيها بعدم معرفة لا تعلم لما رفضت والدتها الذهاب وذهبت منذ الصباح الباكر رفقة خالتها جمالات إلى مكان مجهول هويته، فقط طلبت من شروق أن ترافقها بدلًا منها لأنها ستذهب إلى مكان هام هى وخالتها
لا تدري ما هذا المكان الأهم منها والعجيب أن والدها لم يعترض :
-مش عارفة يا خالتي طلعت الصبح هى وخالتي جمالات ومقالتش رايحين فين
وبدا على صفية أنها تعلم أين ذهبوا إذ أماءت بهدوء وعادت على وضعيتها بينما هى نظرت نظرة عابرة إلى نور التي كانت تجلس على هاتفها تحدق به بتركيز لذا خطر على بالها أن تراسل يوسف ولكن لا تدري أهو متصل بالإنترنت الآن أم لا
أما نور كانت ترمق آخر منشور أنزله حمزة بحساب كاتب الظل، إذ نشر صورة لغصن الريحان الذي أعطته له وكتب فوقه
“هدية من محبوبتي ذات العينان الناعستان… هى قصيرة، ناعمة، جميلة… طولها يشبه غصن الريحان”
كتمت بسمتها بكفها وقد اغمضت عينيها بقوة لشدة المشاعر التي هاجت بداخلها، إن حمزة مجنون لدرجة أنه يصرح بحبه لها للجميع دون خجل، ويل قلبي من هذا الرجل يجعلني أغرق في حبه وانا كنت أظن أني على الشاطئ بعيدة عن أمواجه
رفعت رأسها له عندما استمعت لهمهمات قادمة منه وهو يحادث يونس، لم تسمع هذه الهمهمات ولكنها أرسلت له مكافئة بسيطة تتكون في عدة جمل، حسنًا يكفي بخلًا على الرجل لترويه قليلًا لكن بحذر حتى لا تتعدى حدودها فهو لا يزال أجنبي عنها حتى لو كانت تجمعهما خطبة
أغلقت هاتفها وأصبحت متلهفة لرؤية رد فعله على الرسالة ولكن يبدو أن هاتفه ليس متصلًا بالإنترنت فلم تسمع إشعار الرسالة عنده
أما حمزة كان يحادث يونس عن سبب مجيئه معهم ليكون رد الآخر إستفزازي كالعادة مع بسمة ماكرة :
-جاي أمسك مع الدكاترة هناك علشان نسحب منك عينة دم، ابقى أمسك نفسك يا حمزة قدام خطيبتك لتنزل من نظرها لما تشوفك مرعوب من حقنة
برم حمزة شفتيه متمتمًا ببعض الكلمات بالفصحى، مشيحًا بوجهه الناحية الأخرى :
-عسى أن يتأجج لسانك في سقر
لم يفهم يونس ما المقصود وذلك الوغد بالتأكيد يسبه متستغلًا أنه لا يفهم اللغة العربية الفصحى المعقدة هذه، ولكنه أبى أن يُسب دون أن يرد عليه لذا قال جملة سمعها من قبل ولكن لا يدري أين ولا يفقه معناها حتى :
-سكلتلك أمك
ضحك حمزة ضحكة ساخرة بالكاد ظهرت عليه ثم قال بتحدٍ :
-لو انت فالح أوي كده ما تقولي يعني ثكلتلك أمك ثم هى بالثاء مش بالسين
صمت يونس وضم شفتيه إلى الداخل عاصرًا عقله حتى يجيب ولكنه حقًا لا يدري لذا قال رافعًا أنفه بأسلوب مراوغ :
-أسأل نفسك لساني مش فاضي يرد عليك
-لسانك مش فاضي يرد ولا انت مش عارف معناها أصلًا
نطقت بها شروق ببسمة ماكرة فأدار الآخر رأسه نحوها عاقدًا ملامحه بضيق، هل الآن تكالبا عليه حمزة وشروق هذان الوغدان، ولكن مرة أخرى أبى كبريائه الإستسلام أمامهما لذا قال بعناد :
-لأ عارفها هقول حاجة انا مش عارف معناها يعني
-طب ما تقول
نطقا بها شروق وحمزة في آنٍ واحد وهنا شعر أنه مهزوم وظهر هذه عليه فأشفقت عليه نور وبما أنها تجلس خلفه مباشرة قالت بصوت هامس لعله يصل إليه :
-يعني فقدتك أمك
سمعها يونس لذا رفع رأسها للأعلى بتكبر قائلًا :
-خلاص بطلوا زن هقولها يعني فقدتك أمك اقعدوا انتوا الاتنين على جنب بقى
-طب علفكرة بقى سمعت نور قالتهاله
صاحت بها شروق بإعتراض فقال حمزة وهو ينظر إلى نور بلوم :
-غششتيه ليه كان عامل زي البطة الدايخة وهو مش عارفها
رفعت نور منكبيها بسرعة هاتفة ببراءة :
-لأ انا مقولتش حاجة
-آه هى مقالتش حاجة انا كنت عارفها
هتف بها يونس بإعتراض على إفتراء شروق وحمزة عليه فضحكت براءة من الخلف ويوسف من الأمام وهذا لأنهم يشبهون المدرس والطالب الفاشل، حمزة المدرس ويونس الطالب ونور الطالب المجتهد الذي يملي الإجابات لزملائه بالغش
ابتسم عثمان بجانبهم قائلًا :
-كداب يا يونس مكنتش عارفها ونور غششتها ليك فعلًا
ضيق يونس عينيه بعناد وتحد ثم قال موجهًا حديثه لحمزة :
-طب قول حاجة تاني كده
-بلاش يا يونس مش هتعرفها وتكسف نفسك
نطق بها يوسف من الأمام فضربه يونس في رأسه بخفة حتى يصمت ثم قال :
-بس اسكت انت ملكش دعوة، يلا يا حمزة طلعلي إبداعك
تابع الجميع هذه المشاحنة بإستمتاع وتركيز، فأعتدل حمزة في جلسته ثم قال ببسمة متسعة بخبث :
-قطفته من وجنةٍ من لثم ورد الخجلِ…. فقال لا لا لا وقد غدا مهرولِ…. يلا ترجمي يا أُلفت
ضحكت نور بشدة وقد فهمت نصف البيت الشعري فقط والنصف الآخر لا :
-لأ صعبة دي
حدق يونس بابن عمه بشرار ثم قال :
-إحنا اتفقنا على كلمة مش على قصيدة يا فقيه الشعراء
توقفت السيارة فور وصولها راحمة يونس من الإجابة ثم بدأ الجميع في النزول ولكن أبى حمزة الاستغناء عن الإجابة فقال :
-لما نرجع هستنى الإجابة
-انا أصلًا هكون نسيت التعويذة بتاعتك دي
هبط الجميع في موقف الاتوبيسات ليستقلوا أحدهم وقد اوصلهم إلى أحد ميادين أسيوط الواسعة، وبما أن حمزة ويونس ويوسف غرباء عن هذا البلد ساروا بإتباع علي وحسين وفي الخلف يسيرن الفتيات مع صفية
لم يسيروا كثيرًا ووصلوا إلى إحدى مراكز التحاليل الخاصة، واحدة من أكبر مخاوف حمزة وكأنه دلف إلى بيت أشباح مهجور منذ عشرات السنين، حتى أنه توقف على الباب بقلق وود لو يعود أدراجه ولكن دفعه والده من الخلف هامسًا بصرامة :
-عيب يا حمزة انت كبير مش صغير علشان تخاف من الحقن
ازدرد الآخر لعابه مردفًا بتوتر وعينيه تدور في الجالسين، إما ينتظرون تحاليلهم أو سيخضعون لإجراء تحاليل :
-هو لازم تحاليل علشان كتب الكتاب، مين طلع القانون الغبي ده؟؟
ضغط عثمان على ذراع ابنه يحدجه بنظرة قوية بادله الآخر بأخرى متوترة، ليس الأمر بيده كل إنسان لديه ما يخافه ويثير فزعه وهو مخاوفه بأكملها تتكون في ذلك الشئ البلاستيكي النحيف الذي لا يتعدى طوله الخمسة عشر سنتيمتر، ولديه سن حديدي حاد، رقيق يدخل في جسد الإنسان كله
كيف يتحمل المرء أن يدخل سن حاد داخل جسده دون أن يصرخ ألمًا وفزعًا، وهو الأمر الضعف عنده يخاف الإبر كثيرًا وإن مرض لا يأخذ إلا كبسولات أو شراب، ممنوع نهائيًا أن يأخذ حقنة أو محلول ولو سيموت
وذلك المحلول أشنع فعلى الأقل إبرة الدواء ستخرج بعد ثواني أما إبرة المحلول ستبقى داخل جسده وقد تبقى لأكثر من يوم، كيف بالله تتطلبون منه تحمل هذا
عاد حسين وعلي بعد أن تحدثوا مع الفتاة الموجودة وأخبروها بالمطلوب لتعد هى الأوراق اللازمة والإبر من أجل عينات الدماء ثم أتت لهم بعد ربع ساعة من الإنتظار وقالت :
-فين الأربعة اللي هيعملوا تحاليل كتب الكتاب، أول اتنين يدخلوا علشان نسحب منهم دم
هز حمزة رأسه رافضًا أن يدخل الأول فأستقام يوسف وبراءة ودلفا إلى غرفة منفصلة ومعهما حسين وتلك الفتاة ليقول حمزة مودعًا يوسف بطريقة كوميدية :
-مع السلامة يا يوسف تروح وترجع بالسلامة
قلب عثمان عينيه بضجر من دلال ابنه الزائد ثم قال :
-هو مش رايح يحارب على الحدود، ده هيسحب بس عينة دم أومال لو كنت دخلت صيدلة زي باقي أخواتك
-أومال انت فاكره دخل حقوق ليه يا عمي، ايه يا حمزة تيجي نروح
ولم تخرج هذه الجملة الإستفزازية إلا من يونس فرمقه حمزة بحنق لشماتته به ثم قال :
-سكت ابن أخوك يا بابا علشان ممدش ايدي عليه
أما بالداخل حضرت الممرضة الموجودة الإبرة لسحب العينة حتى تسحبها من يوسف الذي كان يجلس أمامها فاردًا ذراعه ولم يأخذ الأمر الكثير من الوقت ثم استقام من مكانه وجلست براءة ولكن قبل أن تكشف ذراعها أشارت إلى يوسف دون النظر إليه قائلة :
-طب وانت هتفضل باصص كده كتير؟! بص الناحية التانية
وعقد الآخر حاجبيه مستفهمًا :
-ابص الناحية التانية ليه!؟
-أومال انا هكشف دراعي قدامك؟!
-يعني انتي هتكشفي شعرك؟! ثم انا سبق وادتيك محلول حديد في نفس الدراع
-كنت وقتها دكتور ومكنتش خطيبي انت دلوقتي مش دكتور
رمقتهما الممرضة بضجر ثم تحدثت :
-طب ايه طيب مش هنخلص فيه ناس كتير برا مستنين
وقف حسين أمام ابنته المزعجة يخفيها عن يوسف قائلًا :
-شمري وخلصي فيه غيرك عايز يحلل
رفعت الأخرى كُمها بالفعل ولكن أبصرت يوسف يميل قليلًا حتى يراها فقالت بغضب لذيذ :
-انا مش قولتلك متبصش
اعتدلت الآخر بسرعة فوالله لم تكن نيته سيئة بل فقط هذه الممرضة يدها ثقيلة في حقن الإبرة لذا كان يريد أن يرى إن كانت ستتألم أم لا، وها هى تأوهاتها ترتفع بقوة عندما حقنتها بقوة في شريانها :
-آه براحة شوية
-اهدي يا آنسة علشان الإبرة متتكسرش في دراعك
ولم تتوقف الأخرى عن إطلاق التأوهات تسب تلك الفتاة في سرها، يدها ثقيلة كثيرًا فكيف لم يخرج يوسف صوتًا منذ قليل، ضحك يوسف على تأوهاتها المضحكة فصاحت به براءة قائلة :
-متضحكش
-حاضر
نطق بها بكل طاعة لتصيح براءة في هذه الممرضة المعاقة من وجهة نظرها، ترى أن شريانها بدأ ينقلب لونه للأزرق بسبب كثرة تحرك الإبرة داخله :
-وانتي يا ستي خلصي بتسحبي كيس دم ولا عينة دراعي وقف
-لو سمحتي متزعقيش في ايه؟؟
-لا ازعق انتي شكلك جاية تتعلمي جديد إيدي زرقت طلعي الإبرة بقى كفاية اللي خدتيه
أمرها حسين بخشونة أن تتوقف فذراع براءة قد انقلب لونه بالفعل :
-زرقتي ايد البت انتي بتتعلمي فيها!؟
توترت الأخرى فجذبت الإبرة بعنف منها مما جعل حَد الإبرة يقطع جزء من الشريان لتتناثر دماء براءة، وهذا ما جعلها تنتفض فزعة بينما أخذ يتشاجر حسين مع الفتاة، تحرك يوسف من مكانه وكتم دماء براءة بقطنه ممسكة بذراعها من الأعلى حتى يبطئ تدفق الدماء
ولجت فتاة أخرى على أصواتهم وأخذت تهدئ حسين وتعتذر منه عن هذا الخطأ، بينما براءة كنت تشعر بنفس الدوار يداهمها ولا تعلم أبسبب فقدان الدماء ونقص الحديد عندها أم بسبب يوسف الذي كان يقترب منها بشدة، يمسح الدماء بالقطن بحنو بالغ وهو يقول :
-معلش لو كنت أعرف إنها لسه بتتعلم جديد كنت سحبت انا منك العينة
رفع نظره له ببسمة مُحبة سرعان ما انقلبت للقلق يرى براءة في حالة غريبة من التعب الشديد إذ كانت عينيها زائغة وبشرتها شاحبة وحبات العرق تنتشر على جبينها ووجنتيها حمراوتين دليلًا على تعبها، فقال بقلق وهو يتفحص بكفه وجهها :
-مالك يا براءة؟؟
ابعدت الأخرى وجهها بضعف عنه تشعر أن لمستها عبارة عن لسعات حارقة ثم خرجت الكلمات منها مبعثرة، متعبة، تجر أنفاسها بقوة وكأن الأكسجين سُحب من المكان :
-اوعى….. دايخة…. مش عارفة اتنفس….. طلعوني من هنا
ساعدها بسرعة على الوقوف من على المقعد فقال حسين وهو يقترب من ابنته :
-مالها؟؟ وشك بقى زي اللمونة كده ليه؟!
كاد أن يجيبه يوسف ولكن براءة نفضته بعيدًا عنها ولا تبالغ فحقًا لمسته ليدها وكأنها جمرة، همت بالإبتعاد عنه ولكن خطوة واحدة جعلت الغرفة تدور من حولها والأصوات تتداخل وأصبحت قدميها كهلام لم يحملاها فارتطم جسدها بعنف في الأرض
أصبحت بين الوعي واللاوعي، والدها وفتاة أخرى يساعداها على الوقوف بينما اقترب يوسف من تلك الممرضة التي سحبت العينة هاتفًا بغضب وصوت مرتفع لا يخرج منه إلا نادرًا ولكن حالة براءة المتدهورة هذه جعلته يخرج عن طور هدوءه :
-انتي عملتي فيها ايـــه؟! بتتعلمي فيها وقطعتي الشريان وانتي بتسحبي الإبرة بغباء، أقسم بالله لو حصلها حاجة من وراء راسك انتي هوديكي في داهـــــية

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية في مدينة الاسكندرية) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!