رواية عشقت محتالة الفصل السادس عشر 16 – بقلم سلمى جاد

رواية عشقت محتالة الفصل السادس عشر 16 – بقلم سلمى جاد

البارت 16
فتحت عينيها ببطء، حاسة بتقل غريب في راسها وجسمها مكسر كأنها كانت في معركة، والمخدة اللي نايمة عليها كانت صلبة بشكل مش مريح أبداً. أول ما رفعت راسها عشان تشوف إيه اللي مضايقها، الشهقة محبوسة في زورها لما استوعبت إنها نايمة على دراعه، وهو غرقان في نوم عميق جنبها.
ملامحه وهو نايم كانت جذابة؛ شعره الفحمي متمرد على جبينه، ونفسه الهادي المنتظم . لقت إيديها، من غير ما تفكر، بتترفع لوحدها وتمشي ببطء على حواجبه الكثيفة المرسومة بدقة، ونزلت لغاية مناخيره المستقيمة ودقنه المنبتة اللي بتدي لوشه هيبة حتى وهو مغمض.
لسه صوابعها بتلمس تفاحة آدم البارزة في رقبته بفضول، فجأة فتح عينيه!
النظرة كانت مباشرة وصارمة، وصوته طلع محشرج وناعم من أثر النوم وهو بيقول بخبث:
“مستغلية نومي وبتتحمرشي بيا؟ إنتي معندكيش أخوات ولاد يا بنتي؟”
اتنفضت من مكانها وحاولت تقوم بسرعة من الخضة، بس إيده القوية كانت أسرع، لفت وسطها ومنعتها تتحرك. ضمت شفايفها بكسوف ووشها بقى زي الطماطم، وبدأت تتلجلج:” أنا .. أنا بس كنت ..”
ضحك ضحكة رجولية واطية وهو بيقرص خدها بخفة:
“متبرريش.. أنا عارف إني لا أقاوم.”
بص في ساعته واستغرب إن الوقت دخل في 8 الصبح، وهو في العادة بيصحى قبل كدة بساعتين، بس الظاهر إن النوم جنبها خلاه ينسى الدنيا. قام بكسل وهو بيمدد جسمه، وبصلها نظرة أخيرة قبل ما يخرج وقال :”أنا هروح جناحي أخد شاور وأجهز عشان أروح الشركة. “
أول ما قفل الباب وراه، حدفت نفسها على السرير وغطت وشها بإيديها وهي بتشتم قلبها اللي بيدق زي الطبول:
“يا غبية.. فضحتي نفسك بنفسك.”
__________________________________
ياسمين كانت واقفة في المطبخ بتجهز الفطار بتركيز، وفجأة حست بإيدين بتحاوطها من وسطها، شهقت بخضة ولفّت بسرعة:
“علي! خضتني يا علي.”
علي ضحك وهو بيقرب منها أكتر: “سلامتك من الخضة يا قلبي.. بتعملي إيه؟”
ردت وهي بترجع تقطع الخيار بمهارة: “هعملكم طبق جبنة بالطماطم والخيار، إنما إيه.. هتاكل صوابعك وراه.”
علي قال بتمثيل الانهيار: “آه ياني.. عضلاتي اللي تعبت فيها في الجيم السنين دي كلها هتختفي بسبب أكلك ده، وهيبقى مكانها كرش الرجالة المتجوزة!”
ضحكت بمرح وهي بتبص له: “مش مشكلة، أهو حبة عضلات يروحوا عشان متبقاش ضخم وشكل هالك كده.”
علي كشر بضيق طفولي وسألها بجدية مفاجئة: “ياسمين.. إنتي فعلاً بتضايقي من جسمي الضخم ده؟ قولي الحقيقة.”
ياسمين ضيقت حواجبها باستغراب من لهجته اللي قلبت حادة، ولمحت في عينيه نظرة حزن مكتومة وكأنه مستني إجابة تحدد مصيره. لفت بجسمها كله ولمست وشه بخفة:
“علي.. إنت بتتكلم بجد؟”
علي بجمود: “أيوة، ولو سمحتي عايز إجابة.”
ياسمين هزت راسها بعدم تصديق: “إنت بتسأل يا علي؟!.. وبعدين إنت مكسوف إنك مهتم بجسمك ومخليه رياضي؟ ده غيرك شباب في سنك ولا على بالهم، يا إما رفيعين زي عقب السيجارة وعندهم نحافة، يا إما تخان وكرشهم قدامهم مترين.. وإنت ما شاء الله جسمك رياضي وقوي.”
علي بحيرة وعيونه بتلمع: “يعني عاجبك بجد؟”
ابتسمت بحب وهي بتقرب منه: “امممم عاجبني جداً جداً يا هالك قلبي.”
استغرب وقال: “هالك قلبك؟”
ردت بدلال: “أيوة.. إنت زي هالك الشخصية اللي بتتحول وتبقى ضخمة جداً، بس إنت مش أخضر زيه، إنت هالك قلبي.”
علي رفع حاجبه بغيرة: “يعني إنتي بتشبهيني براجل تاني؟”
ياسمين ضحكت بصفاء: “علي! إنت بتغير من شخصية كرتونية يا حبيبي؟”
حاوطها بغيرة وهو بيشدها ليه: “أنا أغير عليكي من أي ذكر، حتى لو كان كرتون”
فجأة دخلت منى المطبخ وحمحمت بحرج، علي بعد بسرعة وهو بيعدل قميصه بتوتر: “طيب يا ياسمين.. هشوف أنا الموضوع ده وأرد عليكي.. إيه ضاااااا ! خالتي إنتي هنا؟ طيب بما إننا كلنا متجمعين، هستأذن أنا بقى عشان اتأخرت جداً.”
ياسمين بلهفة: “مش هتفطر؟”
علي وهو خارج: “اعمليلي ساندوتش أكله في العربية.”
ياسمين: “ماشي، هجهزه حالاً عبال ما تخلص لبس.”
بعد شوية
علي كان خارج من باب الشقة، ووقف لما سمع صوتها الرقيق بتناديه: “علي!”
لف لقاها جاية بتجري وماسكة لانش بوكس صغير: “أنا عملت شوية ساندوتشات، متنساش تفطر والنبي.”
اتنهد بعشق وهو بيبص لها: “يا لهوووي.. هي دي أخرتها؟ أمشي بلانش بوكس؟ هاتي يا ستي.”
خد منها العلبة ومشي والابتسامة مش مفارقة وشه،
وبعد ربع ساعة وهي في الأوضة بتنضف، برقت عينيها بصدمة: “ايه ده ؟ علي نسي موبايله!”
________________________________
في الشركة
أدهم كان قاعد مع محمود الشافعي وبيخلصوا كلام عن صفقة جديدة. بعد ما خلصوا، محمود قال بابتسامة:
“بمناسبة الصفقة دي، أنا عازمك إنت وعيلتك عندي في القصر بكرةبإذن الله.”
أدهم حاول يعتذر: “يا محمود بيه ملوش لزوم التعب ده..”
محمود صمم: “مفيش أعذار، هستناكم.”
محمود خرج من المكتب ووقف يستنى الأسانسير، وأول ما الباب فتح، اتفاجئ ببنت رقيقة وجميلة جداً واقفة جواه. ياسمين أول ما شافته، توترت من هيبته وخرجت بسرعة،
ومحمود دخل الأسانسير وفضل باصص لها بتركيز وهي بتتلفت حواليها بتوتر وخوف.. كان حاسس بإن البنت دي فيها حاجة بتشده، حاجة ميعرفش يفسرها.
أدهم كان خارج من مكتبه، وباله مشغول بتفاصيل الصفقة اللي كان بيناقشها مع محمود الشافعي، لكن بمجرد ما وقعت عينه على البنت اللي واقفة قدام السكرتارية، حركته وقفت تماماً.
أدهم حس بضربات قلبه بتتسارع بشكل مفاجئ وغير مفهوم، وكأن فيه تيار كهربائي لمس روحه. هو شافها قبل كدة يوم كتب الكتاب، بس النهاردة، وفي وسط زحمة الشغل وهيبته كمدير، شاف فيها سحر خلاه يتنفس بصعوبة.
حمحم أدهم عشان يداري ارتباكه ، وقرب منها وقال بصوت حاول يخليه ثابت:
“مدام ياسمين؟!”
ياسمين اتخضت ولفّت له، وأول ما شافت عيونه السوداء الحادة، توترت جداً وافتكرت ملامحه فوراً؛ ده الشخص اللي كان وكيلها وشاهد على أهم لحظة في حياتها. ردت بتوتر وهي بتفرك إيدها:
“أهلاً يا أدهم بيه.. أنا أسفة إني جيت الشركة فجأة، بس علي نسي موبايله في البيت، وأنا خوفت يكون محتاجه ضروري لأن شغله كله عليه، فـ عرفت العنوان من خالتو وجيت فوراً.”
أدهم كان بيسمعها وهو مركز في كل تفصيلة في وشها، ونبرة صوتها الرقيقة . ابتسم بجهد عشان يطمنها وقال:
“ولا يهمك يا مدام ياسمين.. ده كتر خيرك، علي فعلاً كان قالب الدنيا عليه جوه. اتفضلي، هو في المكتب معايا، ادخليله.”
ياسمين هزت راسها بشكر وهي لسه حاسة بقلبها بيدق بسرعة،دخلت المكتب، وعلي أول ما شافها قام من على الكرسي كأنه شاف ملاك:
“ياسمين !! انتى كويسه؟؟ إيه اللي جابك ؟؟”
ياسمين مدت إيدها بالموبايل وهي بتنهج:
“نسيته يا علي.. خوفت تعطل في الشغل، وأنا عارفة إن الموبايل ده هو روحك في المكتب.”
علي أخد الموبايل وباس إيدها قدام أدهم اللي كان داخل وراها: “تسلميلي.. إنتي اللي روحي والله، مش الموبايل.”
أدهم ضحك وقال بمرح:
“خلاص يا علي، كفاية نحنحة في المكتب.”
ياسمين أول ما شافت أدهم، بعدت عن علي بكسوف وحطت وشها في الأرض، ومدت إيدها بالموبايل لعلي وهي بتفرك في إيدها التانية بتوتر.
علي أخد منها الموبايل وبص لأدهم بإحراج وقال:
“معلش يا أدهم بيه .. أنا هروح ياسمين البيت بسرعة وأرجع فوراً عشان نكمل شغلنا .”
أدهم، اللي كان لسه بيحاول يسيطر على سرعة ضربات قلبه اللي اتلخبطت من وقت ما شاف ياسمين، هز راسه بجمود مصطنع عشان يداري تأثره، وقال بصوت عميق ورجولي:
“ولا يهمك يا علي .. وصل مدام ياسمين.”
علي مسك إيد ياسمين وخرجوا من الشركة وأدهم اتنهد بهدوء ودخل مكتبه .
__________________________________
أدهم قفل باب القصر وراه، ولأول مرة من سنين يحس إن البيت مابقاش مجرد حيطان وسلالم رخام باردة. القصر كان هادي، بس هدوء يطمن، هدوء فيه حياة.
خلع جاكيت بدلته ورماه على الكنبة في الصالون، وفك أول زرارين من قميصه وهو بيتنهد بتعب، ورجليه خدته لوحدها ناحية أوضة يزن.
طلع السلم بهدوء، وكأنه خايف يكسر حالة السكون دي. فتح الباب ببطء شديد، وبالفعل المشهد اللي شافه خلى ضربات قلبه تدق بنغمة مختلفة تماماً. يزن كان نايم في نص السرير، وجنبه جميلة نايمة بوضعية غريبة، حاطة إيدها تحت دماغ يزن بحماية ، وشعرها كان مفرود بغزارة ومغطي جزء من وشها ووش يزن.
أدهم وقف مكانه، ملامحه اللي كانت صارمة طول اليوم في الشركة لانت تماماً. مكنش قادر يمنع نفسه إنه يبتسم، إحساس غريب اجتاحه، إحساس الراجل اللي بيرجع من وسط المعارك والصفقات والدياب اللي برا، عشان يلاقي مأواه الحقيقي في المنظر ده. طلع موبايله من جيبه بحذر، وكتم الصوت، ولقط صورة للمشهد ده..
صورة كان عايز يحتفظ بيها عشان يفكر نفسه دايماً إن عنده عيلة.
اتقدم خطوات ناحية السرير، الأرضية الخشبية كانت بتطلع صوت خفيف خلاه يتجمد مكانه لثواني، ولما اتأكد إنها لسه غرقانة في النوم، وطى عليها. ريحة شعرها المخلوطة بريحة الورد كانت بتسكر روحه.
مد إيده بحذر شديد وسحب إيدها من تحت راس يزن، وبعدين لف دراعه حوالين ضهرها والتاني تحت ركبها، وشالها بخفة.
جميلة مالت براسها على صدره بتلقائية وهي نايمة، وأنفاسها الدافية كانت بتخبط في رقبته، وده خلى أدهم يغمض عينه لثواني ويضغط عليها بتمسك أكتر. خرج من الأوضة ورجليه خدته لجناحها، دخل وحطها على السرير بهدوء وكأنها قطعة من الكريستال..
نزل لمستواها، وفضل باصص لملامحها الهادية تحت ضوء الأباجورة الخافت. قرب وباس جبينها بوسة طويلة ودافية، وكأنه بيعتذر لها عن كل لحظة قسوة عاشتها بسببه. لاحظ إن الجاكت اللي كانت لابساه تقيل، ومش هيخليها تنام مرتاحة.
بلمسة حذرة، فك توكة شعرها اللي كانت لامة خصلاتها ديل حصان، وشعرها انطلق على المخدة زي الشلال الأسود. حط التوكة في معصم إيده، وبعدين فتح سحاب الجاكت بتاعها براحة جداً، ورفعه من عليها وهو بيسند جسمها بإيده التانية، لحد ما اتخلص منه تماماً وبقت بالتيشرت الرصاصي المريح.
أدهم مكنش قادر يخرج من الجناح، سحب الهدوم بتاعته ودخل الحمام، غاب دقايق تحت المية السخنة وهو بيفكر في كل اللي حصل، وخرج وهو بينشف شعره الفحمي، ورجعه لورا بإيده. اتمدد جنبها على السرير، وسحبها لـ حضنه براحة، رفع راسها وحطها على كتفه، ودفن وشه في خصلات شعرها المعطرة.
جميلة حست بدفاه وهي نايمة، فـ قربت منه أكتر وحطت إيدها على صدره بعفوية، وهو ضمها بقوة أكبر وسند براسه على راسها، وأخيراً.. غمض عينه واستسلم لنوم عميق وهو حاسس إن الدنيا كلها بين إيديه.
__________________________________
في صباح اليوم التالي بمقر الشركة، كانت الحركة دؤوبة والموظفين في حالة نشاط غير عادي بسبب نجاح الصفقة الأخيرة.
خرج محمود من غرفة الاجتماعات الكبرى وعلى وجهه علامات الارتياح والوقار، وبالصدفة قابل علي اللي كان شايل ملفات وماشي في الطرقة.
محمود أول ما شافه ابتسم بصدق وقرب منه وسلم عليه بحرارة وبحب أبوي ظاهر:
“أهلاً يا علي.. منور يا بطل، مجهودك في الاجتماع النهاردة كان عظيم.”
علي بادله السلام بابتسامة واسعة واحترام شديد، هو فعلاً بيحب الراجل ده وبيحترمه جداً وبيشوف فيه القدوة والهيبة:
“ده من ذوقك يا محمود بيه، المهم إننا قدرنا نوصل للي إحنا عايزينه والشركة كسبت في النهاية.”
محمود حط إيده على كتف علي بمودة وسأله:
“أحوالك إيه يا علي؟ “
علي رد بامتنان:
“الحمد لله يا فندم، كله بخير تسلم.”
محمود هز راسه، وكمل كلامه بتأكيد:
“طيب يا علي، أنا كنت لسه قايل لأدهم وبأكد عليك تاني.. أنا هستناكم النهاردة في بيتي، إحنا لازم نحتفل بالصفقة دي وسط العيلة، وعايزك تيجي إنت ومدام ياسمين وتنورونا، مش هقبل أي أعذار.”
علي بابتسامة خجولة رد فوراً:
“ده شرف لينا يا محمود بيه، وبإذن الله هنكون موجودين في الميعاد، ياسمين كمان هتفرح جداً بالدعوة دي.”
محمود ضغط على كتفه بابتسامة وقال:
“هستناكم.. مع السلامة يا علي.”
ساب محمود علي ومشي، وعلي فضل واقف مكانه وهو حاسس براحة غريبة تجاه الراجل ده
مر الوقت وبعد ما خلصوا كلام عن الشغل .. أدهم قعد على مكتبه وشبك صوابعه ببعض وبص لعلي بجدية وسأله:
“طيب قولي يا علي، وصلت لحاجة في موضوع عيلة مدام ياسمين؟ قدرت تمسك أي طرف خيط يوصلك لمين أهلها؟”
علي هز راسه بإحباط وسند ضهره لورا وهو بيتنهد بضيق:
“للأسف يا أدهم، الموضوع صعب جداً.. إحنا بنتكلم عن واقعة بقالها أكتر من عشرين سنة، والملفات ضايعة أو مدفونة.
كل اللي قدرت أوصله هو اسم الملجأ اللي منصور الكلب ده اتبناها منه، بس لما روحت هناك، لقيت إن الملجأ ده اتهد من سنين طويلة واتبنى مكانه مستشفى استثماري، وكل السجلات القديمة اختفت مع الهدم.”
أدهم ميل بجسمه لقدام وسأله بفضول واهتمام:
“والملجأ ده كان اسمه إيه ؟”
علي لسه هيفتح بقه ويقول الاسم، الباب خبط ودخلت رزان ومعاها مجموعة ملفات مستعجلة:
“أدهم بيه، الورق ده محتاج إمضاء حضرتك حالاً عشان مندوب البنك مستني بره.”
أدهم اتنفخ بضيق بسبب المقاطعة، بس سحب الملفات وبدأ يراجعها ويمضي بسرعة وهو منشغل، وعلي استغل اللحظة وقام وقف وهو بيعدل قميصه:
“خلاص يا أدهم بيه، مش هعطلك عن الشغل.. أنا هروح دلوقتي أخلص شوية حاجات ورايا، ونتقابل بليل إن شاء الله عند محمود بيه.”
أدهم هز راسه وهو لسه عينه في الورق:
“تمام يا علي.. نتقابل هناك.”
_________________________________
جميلة كانت قاعدة في جناحها، والملل واكلها. مسكت الموبايل بتقلب فيه يمين وشمال، تفتح إنستجرام وتقفله، وبعدين تدخل على الفيس بوك.. حست إن الوقت مبيعديش. اكتشفت إن حياتها في القصر بقت متمحورة حول شخصين بس؛ يزن اللي لما بينام أو يروح المدرسة بيبقى القصر كأنه مهجور، وأدهم اللي دايماً مشغول في صراعاته وصفقاته.
فجأة، صوت فرملة عربية أدهم المميزة قطع الصمت ده. جميلة قلبها دق، وجريت بسرعة ناحية الشباك ووقفت ورا الستارة تراقب. شافت العربية السوداء الفخمة وهي بتقف،
وثواني ونزل منها أدهم بهيبته اللي بتخطف الأنفاس. كان خالع الجاكيت وماسكه بإيد واحدة ورميه على كتفه، وماشي بخطوات واثقة وكأنه ملك بيمشي في مملكته.
جميلة اتنهدت بهيام وهي بتبص عليه من بعيد ووشها ملامس إزاز الشباك، وهمست لنفسها:
“يا خراااشي.. هو في حد في الدنيا بالكاريزما دي؟ إزاي بيقدر يجمع بين القوة والهدوء ده كله؟”
سرحت في ملامحه الحادة وشعره الفحمي اللي كان مترتب بعناية رغم تعب اليوم، وفضلت واقفة مكانها وكأنها في غيبوبة حب، ومفاقتش غير على صوت خبط قوي ومرتب على باب جناحها.
اتنفضت من مكانها بخضة، وجريت بسرعة البرق رميت نفسها على السرير، وحاولت تظبط هدومها وشعرها عشان ميبانش إنها كانت بتراقبه، وأخدت نفس عميق عشان تهدي دقات قلبها اللي كانت مسموعة، وقالت بصوت حاولت تخليه طبيعي:
“ادخل..”
الباب اتفتح ببطء، ودخل أدهم وهو لسه ماسك الجاكيت على كتفه، وعيونه الحادة جت في عيونها فوراً. ساد صمت لثواني، أدهم كان بيراقب وشها المحمرّ ونهجانها الخفيف، وابتسم ابتسامة جانبية خفيفة وكأنه حاسس إنها كانت بتعمل حاجة، وقال بصوته الرخيم:
“إيه.. كنتِ نايمة؟”
جميلة اتوترت ولعبت في صوابعها:
“لأ.. لا أبداً، كنت بس.. بقلب في الموبايل . إنت رجعت بدري النهاردة يعني؟”
أدهم قرب خطوتين، ورمى الجاكيت على طرف السرير وقعد قدامها، وبص لها بتركيز وقال:
“رجعت عشان نلحق نجهز.. النهاردة عندنا عزومة مهمة جداً عند محمود بيه الشافعي، وعايزك تظهري بأجمل صورة لمدام أدهم السويسي.”
جميلة بصتله بحيرة، وعقدت حواجبها وهي بتحاول تداري ارتباكها من نظراته وقالت بصوت مهزوز شوية:
“بس يا أدهم.. ليه لازم أروح معاك؟ وبصفتي إيه أصلاً؟”
أدهم مقبلش إنها تكمل الجملة، وقرب منها بخطوات هادية وواثقة لحد ما بقى قدامها مباشرة، والمسافة بينهم مابقتش تتعدى السنتيمترات. مد إيديه وحاوط وسطها بتملك، وعينه كانت مثبتة في عينها بقوة خلتها تحبس أنفاسها، وهمس بصوت رجولي واطي ورخيم:
“بصفتك مراتي.. مدام أدهم السويسي، وده لوحده كفاية جداً عشان تكوني معايا في أي مكان أروحه، مفهوم؟”
جميلة اتسمرت مكانها، وحست بكهربا في جسمها من لمسته ونبرة صوته اللي مكنتش تقبل النقاش، ومقدرتش تنطق بحرف غير إنها هزت راسها بموافقة صامتة.
أدهم سابها ببطء، وكأنه بيستمتع بتأثيره عليها، وقال وهو بيتحرك ناحية الباب:
“تمام.. جهزي نفسك، وقدامك ساعة واحدة بالظبط. أنا هروح جناحي آخد شاور وأجهز، ومش عايز تأخير.”
خرج أدهم وساب جميلة واقفة في نص الأوضة، حاطة إيدها على قلبها اللي كان بيدق بعنف من قربه.
__________________________________
الساعة دقت تسعة، والبيت اللي كان عبارة عن فيلا كبيرة كان في أبهى صوره، الأنوار والنجفات الكريستال بتعكس فخامة المكان اللي يليق بمقام محمود. نادية كانت بتتحرك في غرفة السفرة بنشاط وحماس غريب، بتظبط الشوك والسكاكين وتتأكد إن كل صنف محطوط في مكانه بدقة.
محمود دخل عليها ووقف وراها، وبص للسفرة بذهول وهو شايف كمية أصناف مبهجة، من المشويات للمقبلات والحلويات اللي تفتح النفس، سألها باستغراب:
“إيه كل ده يا نادية؟ إحنا عازمين كتيبة ولا إيه؟ ده إحنا يدوب أدهم وعلي وعائلاتهم!”
نادية لفت له وهي بتمسح إيدها في المريلة وبتقول بحماس:
“إيه يا محمود؟ قليل صح؟ أبعت أطلب تلات أصناف كمان من المطعم يلحقوا السفرة؟”
محمود ضحك من قلبه وهز راسه بيأس من كرمها الزايد:
“قليل إيه يا حبيبتي! ده السفرة هتتكسر من كتر الأكل، ده كتير أوي بجد.”
نادية ردت عليه وهي بتعدل طبق السلطة:
“يا محمود أنا مش عارفة أدهم بيحب ياكل إيه، ولا علي، ولا حتى البنات اللي جايين معاهم.. قولت أعمل من كل صنف لون ، ده أول مرة يدخلوا بيتنا يا محمود.”
محمود بصلها بنظرة مليانة تقدير وحب، قرب منها ومسك إيدها وباسها برقة وهو بيقول بصوت دافي:
“ربنا يخليكي ليا يا نادية.. ويشكر فضلك إنك في حياتي. إنتي بجد أحلى حاجة حصلتلي، وقلبك ده هو اللي مجمعنا ومخلي للبيت ده طعم.”
نادية اتكسفت، رغم كبر سنها، إلا إنها مازالت بتتأثر من كلامه، وابتسمت:
“ويخليك ليا يا حبيبي.. يلا روح غير هدومك، زمانهم على وصول.”
بعد دقايق، دخلت عربية أدهم محيط الفيلا، واللي كان عبارة عن جنينة واسعة وطويلة متزينة بإضاءة خافتة بتعكس فخامة المكان. أدهم وقف العربية وبص لجميلة اللي كانت قاعدة جنبه، وسرح لثواني في جمالها؛ كانت لابسة فستان أحمر رقيق وطويل، رقبته عالية ونازل بفتحة بسيطة وأنيقة عند الساق، ورفعت شعرها كحكة فوضوية منسقة بعناية لايقة جداً على ستايل الفستان، مع لمسات ميكب هادي برزت ملامحها.
أدهم نزل من العربية ولف فتح لها الباب، وتأملها بإعجاب واضح كان باين في عينيه، ومد لها إيده وهي حطت إيدها في إيده بخجل ونزلت. عطى لها كتفه وهي مسكته بتوتر لذيذ، ولسه هيتحركوا سمعوا صوت عربية علي وهي بتقف وراهم.
نزل علي بابتسامته الحيوية، ولف فتح الباب لياسمين اللي كانت طالعة زي الملاك بفستان بيبي بلو واصل لحد بعد الركبة، كتافه طويلة ومنسدلة، وسابت شعرها وراها نازل بنعومة مع خصلات بسيطة عملتها على هيئة ضفيرة رقيقة، وميكب بسيط جداً أبرز ملامحها الملائكية.
علي قرب منهم وهو ماسك إيد ياسمين، وسلم على أدهم بحرارة، وبعدها سلم على جميلة. أدهم بص لجميلة وقال بنبرة هادية:
“جميلة، ده علي المساعد بتاعي وذراعي اليمين، ودي مدام ياسمين مراته، انتي شوفتيهم قبل كده في كتب كتابهم .”
جميلة هزت راسها بترحيب رقيق، وسلمت على ياسمين بحب وود واضح من أول لحظة، وكأن فيه كيمياء غريبة ربطت بينهم. ياسمين بطلتها الهادية خلت جميلة تبتسم بتلقائية، ودخلوا كلهم مع بعض لباب الفيلا.
أول ما دخلوا، استقبلهم محمود ونادية بترحيب حار. محمود قدم نادية ليهم، وسلمت عليهم بحفاوة، لكن أول ما عين محمود وقعت على ياسمين، ملامحه اتغيرت وتفاجأ جداً وقال بذهول:
“إنتي؟!”
علي استغرب وبص لمحمود وبعدين لياسمين وسأل: “هو حضرتك تعرف ياسمين يا محمود بيه؟”
محمود هز راسه وهو لسه مركز في ملامحها: “شفتها في الشركة، شكلها ،واضح إنها كانت جيالك.. بس مكنتش أعرف إنها مدام ياسمين مراتك.”
أدهم مسك إيد جميلة وقدمها بثقة: “ودي جميلة.. مراتي.”
محمود رفع حاجبه باستغراب واضح، وبص لأدهم بدهشة: “مراتك؟! إنت اتجوزت يا أدهم؟”
أدهم رد بهدوء: “أيوة.”
ياسمين في اللحظة دي استغربت جداً، لأن اللي فاكراه من يوم كتب كتابها إن جميلة هي أخت أدهم مش مراته، بس فضلت ساكتة ومفضلتش تعلق، واكتفت بابتسامة رقيقة لجميلة.
قعدوا كلهم على السفرة، وأصناف نادية الشهية. محمود مكنش قادر يشيل عينه من على ياسمين، وكان بيراقب كل حركة بتعملها، في حين إن علي كان بيتعامل مع ياسمين بمنتهى الحب والاهتمام، بيقطع لها الأكل وبيهتم بكل تفصيلة، وده خلى محمود يبتسم بود.
فجأة، محمود سأل سؤال كسر هدوء السفرة:
“إنتي منين يا ياسمين ؟ يعني أهلك من القاهرة؟”
الصمت ساد للحظات، وياسمين اتوترت جداً وبصت في طبقها، علي لاحظ ارتباكها فـ رد بسرعة عشان ينقذ الموقف:
“أيوة يا محمود بيه، هي من القاهرة.”
محمود هز راسه بتفهم وسكت، بس نظراته كانت بتقول إن وراه أسئلة تانية كتير.
بعد العشا، اتنقلوا كلهم للصالون اللي كان تصميمه مفتوح بشكل عبقري على الجنينة، والورد كان مالي المكان، ونسمات هوا الليل كانت مخلية الجو شاعري وجميل. نادية فجأة قامت وبحماس شغلت موسيقى هادية وراقية، وبصت لهم وقالت بابتسامة:
“يا ولاد الأجواء دي ناقصها رقصة.. قوموا يلا استمتعوا بالهوا ده.”
جميلة وياسمين اتكسفوا جداً ورفضوا في الأول، لكن محمود صمم.
اول واحد قام كان أدهم ،اللي قام ومسك إيد جميلة اللي كانت مكسوفة وشدها ليه برفق وبدأوا يرقصوا، وعلي قام وحاوط خصر ياسمين بحب وبدأوا يتمايلوا مع الموسيقى. محمود مسبش نادية، ومسك إيدها وانضموا ليهم في مشهد كان مليان دفء وحب،
عند أدهم وجميلة …
أدهم مكنش بيرقص مجرد رقصة عادية، كان بيحاوط خصر جميلة بإيد واحدة قوية، وكأنه بيعلن للعالم كله إنها ملكه. جميلة كانت حاطة إيدها على كتفه برعشة خفيفة، وعينيها تايهة في أزرار قميصه، مكسوفة ترفع عينها وتواجه نظراته اللي كانت حرفياً بتاكلها.
أدهم وطى راسه شوية وهمس لجميلة بصوت رخيم مسموع ليها هي بس، وده خلاها تغمض عينيها بتوتر وتدفن وشها في صدره للحظة. الفستان الأحمر مع سواد بذلته كان عامل لوحة فنية، وحركة رجليهم كانت موزونة بشكل غريب رغم إن دي مش أول مرة يرقصوا فيها سوا. أدهم كان بيشدها ليه أكتر كل ما الموسيقى تعلى، وكأنه بيستغل الفرصة عشان يكسر أي حاجز لسه موجود بينهم، وجميلة كانت مستسلمة تماماً لقوته وهيبته اللي مسيطرة على المكان.
عند علي وياسمين …
أما علي وياسمين، فكانوا حرفياً طايرين. علي كان ماسك إيد ياسمين بحنية مفرطة، وإيده التانية سانده ضهرها برقة وكأنه خايف عليها تنجرح. ياسمين كانت بتبص لعلي بابتسامة صافية، وعيونها كانت بتلمع بحب صادق خلى كل اللي موجودين يحسوا بدفء علاقتهم.
ياسمين كانت بتتمايل بخفة زي الفراشة بفستانها ، وعلي كان بيلفها بحركات رشيقة، وكل شوية يقرب يهمس لها بكلمة تضحكها، فـ تخبي ضحكتها في كتفه. الرقصة بينهم مكنتش استعراض، كانت لغة حوار صامتة بتقول إنهم لبعض ومهما حصل هيفضلوا سند لبعض. علي كان بيبص لها وكأنها أغلى ما يملك في الدنيا، وياسمين كانت حاسة إنها في أمان تام وهي في حضنه وسط الأجواء الملكية دي.
عند محمود ونادية …
وفي زاوية تانية، كان محمود ونادية بيرقصوا رقصة هادية جداً، رقصة فيها ريحة السنين. محمود كان ضامم نادية بحب ووقار، ونادية كانت ساندة راسها على كتفه وغمضة عينيها براحة
لكن وسط الرقص، كانت العيون بتقول كلام كتير؛ أدهم كان بيبص لجميلة بتملك، ومحمود كان عينه بتروح لياسمين اللي كانت بترقص في حضن علي بجمال يخطف القلب.

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية عشقت محتالة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!