رواية عشقت محتالة الفصل الثامن عشر 18 – بقلم سلمى جاد

رواية عشقت محتالة الفصل الثامن عشر 18 – بقلم سلمى جاد

البارت 18
أدهم ملامحه اتصلبت تماماً، واللين اللي كان في عينيه اتحول لبرود قاسي وكأنه بيحاول يرمي قناع عشان يداري ارتباكه، رد بنبرة خالية من أي مشاعر:
“دي مجرد صور يا جميلة، مفيش داعي للدراما دي كلها.”

جميلة دموعها خانتها ونزلت على خدها، وصوتها طلع مخنوق بالوجع وهي بتبص في عينيه:
“ليه يا أدهم؟ ليه بتقول عادي؟ الصور دي متصورة بتركيز غريب.. أنت كنت باصص لها هي بس وسط الكل! يعني كل اللي فات ده كان تمثيل؟”

أدهم غمض عينه لثواني وكأنه بيستجمع جبروته، وفتحهم وهو بيبص لها بحدة تقطع القلب:
” دي حاجه تخصني أنا يا جميلة.. ومظنش إنها تخصك في شيء، ولا من حقك تسألي فيها.”

الكلمة كانت زي خنجر اتغرس في قلبها. “ما تخصكيش؟” بعد كل اللي عاشوه ؟ بعد ما بدأت تصدق إن ليها مكان في حياته؟

جميلة مسكت كف إيده بقوة وهي بتترعش، وحطت الموبايل في كفه بعنف، وسحبت واحد من كتبها اللي كان على المكتب من غير ما تنطق ولا كلمة تانية.

جريت من المكتب وهي مش شايفة قدامها من كتر الدموع، سابت وراها فراغ كبير ووجع ملوش آخر. أما أدهم، ففضل واقف مكانه زي التمثال، عينه مثبتة على الباب اللي اتقفل وراها بقوة، وإيده اللي ماسكة الموبايل كانت بتترعش بخفة.

بص لصور ياسمين اللي في الموبايل، ونفخ بضيق وهو بيمسح على شعره بعنف.. هو مكنش عارف يفسر لنفسه أصلاً سر اهتمامه بياسمين، ولا عارف يقول لجميلة إن اللي بيحسه تجاه البنت دي حنين غريب .. مش حب، بس كبريائه منعه يبرر، وساب سوء التفاهم يحرق كل اللي بنوه في شهر.

__________________________________

كان علي واقف في البلكونة، ساند بإيديه على السور وباصص للسما اللي كانت مليانة سحب بيضاء بتجري ورا بعضها، والقمر كان بدر ومنور الدنيا بنور هادي مريح للأعصاب. مكنش فيه صوت غير نسمات الهوا الخفيفة وصوت نبضات قلبه اللي كانت هادية وراضية لأول مرة من سنين..

فجأة، حس بحركة رقيقة وراه، ريحة النعناع الهادية سبقت صاحبتها. لفت ياسمين ودخلت البلكونة وهي شايلة كوبايتين شاي بالنعناع، البخار طالع منهم.

علي لف وابتسم لها ابتسامة دافية، أخد منها المج وهو بيلمس صوابعها برقة وقال بصوت واطي:
“شكراً يا حبيبتي.. تسلم إيدك.”

ياسمين وقفت جنبه، رفعت المج وشربت منه رشفة هادية، وعلي ساب المج من إيده ووقف وراها، حط إيديه الاتنين على السور وهي بقت محاصرة بين دراعاته، وضعية حسستها بأمان غريب. ياسمين رفعت راسها للسما وقالت وهي مسحورة بالمنظر:
“بتحب تبص للسما يا علي؟”

علي هز راسه بحب، ودفن وشه في خصلات شعرها لثواني قبل ما يرد:
“أيوة.. بحب أقف هنا وأبص للنجوم، وبالذات لما يكون القمر بدر زي دلوقتي.. بحس إن السما واسعة كفاية إنها تشيل أي فكرة جوايا.”

ياسمين لفت له وبقت في مواجهته، المسافة كانت قريبة جداً، وعينيها لمعت بفضول وهي بتسأل:
“ودلوقتي.. بتفكر في إيه؟”

علي عينه لمعت وهو باصص في عينيها مباشرة، وسكت لثواني وكأنه بيستوعب النعمة اللي هو فيها، وبعدين قال:
“بفكر في حياتي اللي اتغيرت يا ياسمين.. لو كان حد جيه من كام شهر بس وقال لي إني هحب، وأتجوز، وأستقر، واهتماماتي كلها هتتغير بدل ما كانت حياتي مقتصرة على الشغل والجيم وخالتي منى.. مكنتش هصدقه أبداً.”

ياسمين ابتسمت برقة وسألته بمداعبة:
“طيب.. مشتاقتش للروتين القديم ده؟”

علي ضحك بخفة وهز راسه بالرفض:
“على الرغم من إن دي كانت حياتي، إلا إنها كانت روتينية ومملة جداً.. أوقات كنت بتخنق وأقول لنفسي ..معقول هفضل كدة طول حياتي؟”

سكت شوية وبصلها بعمق خلى قلبها يدق:
“تعرفي إن أول يوم اتقابلنا فيه، كنت بفكر في كدة.. بفكر في حياتي المملة.. لحد ما شوفتك. ومن أول لحظة عيني جت في عينيكي وأنا شايلك بين إيديا، كنت عارف إنك آسرتيني. ورغم إني محبتش قبل كدة ولا كان ليا تجارب، بس كنت متيقن إن هو ده الحب اللي كنت مستنيه.”

ياسمين حست بمشاعرها بتفيض، سندت بجبينها على صدره وحركت راسها بلطف وهي مسحورة بكلامه اللي بيلمس روحها، وهمست بصوت يكاد يُسمع:
“بحبك يا علي.. بحبك أوي.”

علي ضمها ليه بقوة، وحس إن الدنيا كلها ملكه في اللحظة دي.
غمض عينيه واستسلم للحظة دي بكل كيانه، ضمها ليه أكتر وكأنه بيحاول يداريها من الدنيا كلها جوه ضلوعه، وباس راسها بحنان وهو بيقول بصوت هامس طالع من أعماق قلبه:
“وأنا بعشقك يا ياسمين.. بعشقك لدرجة إني بقيت بخاف من الهوا اللي بيعدي جنبك. وجودك في حياتي مكنش مجرد صدفة، ده كان نجاة لروحي اللي كانت تايهة.”

ياسمين رفعت راسها وبصت في عينيه اللامعة تحت ضوء القمر، وقالت بصدق:
“تعرف يا علي، أنا طول عمري كنت بحس إني لوحدي، حتى وسط الناس. كنت دايماً خايفة من بكرة، بس من يوم ما بقيت معاك، الخوف ده اختفى. بقيت حاسة إن ليا سند، وبيت، وأهل.. بقيت حاسة إني فعلاً ملكة في مملكتك.”

علي ابتسم بوقار وسحب خصلة شعر متمردة من على وشها ورا ودنها وقال:
“إنتي فعلاً ملكة، ومش بس في مملكتي، إنتي المملكة نفسها. وعشان كدة بوعدك يا ياسمين، إني مش ههدا غير لما أعرف كل حاجة عن ماضيكي، وأرجعلِك كل حق ضاع منك.. حتى لو كان الخصم مين، مش هسيب حقك أبداً.”

ياسمين اتنهدت براحة، بس فجأة افتكرت حاجة وقالت بتردد:
“علي.. بخصوص الورقة اللي لقيتها في الملفات القديمة، اللي كان مكتوب فيها اسم إبراهيم السويسي.. تفتكر أدهم بيه يعرف حاجة عن الموضوع ده؟ وليه اسمه مكتوب في سجلات الملجأ؟”

ملامح علي اتغيرت للجدية، وبص للسما بتفكير وقال:
“ده اللي محيرني يا ياسمين. إبراهيم السويسي هو عم أدهم، .. كونه كان بيزور اوراق الملجأ ده و ليه علاقة بمنصور اللي اتبناكي، وكان بينهم مقابلات من عشرين سنه ، ده بيأكد إن فيه سر كبير مخبيه، ويمكن يكون السر ده هو الخيط اللي هيوصلنا لأهلك الحقيقيين.”

ياسمين مسكت إيده بقلق: “أنا خايفة يا علي.. خايفة الحقيقة دي توجعنا أو تفرقنا.”

علي ضغط على إيدها بقوة وطمنها بنظرة واثقة:
“مفيش حاجة في الدنيا تقدر تفرقنا يا ياسمين. الحقيقة مهما كانت صعبة، هي اللي هتحررنا من الحيرة دي. بكرة هحاول أتكلم مع أدهم بيه بطريقة غير مباشرة، يمكن أقدر أفهم منه إيه علاقة عمه بالملجأ ده من غير ما أسبب حساسية بينه وبين عمه.. رغم إني عارف إن أدهم أصلاً مش طايقه.”

__________________________________

إبراهيم كان قاعد في مكتبه الفخم، الضوء خافت ومفيش غير نور شاشة الموبايل اللي عاكس على ملامحه الحادة والمليانة غل. كان بيقلب في صور “أدهم” مع شريكه الجديد “محمود الشافعي” في آخر حفلة وتصريحات الجرايد عن نجاح صفقاتهم.

زم شفايفه بشر وهو بيكبّر صورة محمود الشافعي، وبدأ يتكلم مع نفسه بصوت فحيح زي التعابين:
“ليه الراجل ده بالذات يا أدهم؟ ليه الشراكة دي اللي خلتك تفتح له قلبك ومكتبك بالمنظر ده؟ ده أنا عمك، والدم اللي بيجري في عروقك من دمي، ومكنتش بتسمحلي أتدخل في صفقة واحدة ولا أدخل مكتبك من غير ميعاد!”

بدأ يدقق في ملامح محمود اللي في الصورة، وحس ببرودة غريبة بتسري في جسمه. النظرة دي.. الشموخ ده.. الكيمياء اللي ظاهرة بين أدهم ومحمود في الصور مش مجرد كيمياء شغل، دي كأنها رابطة دم. إبراهيم حرك صباعه على ملامح محمود في الصورة، وعينه برقت بصدمة ممزوجة بخوف:
“نفس النظرة.. نفس الوقفة.. مش ممكن! إنت مت من عشرين سنة يا محمود.. أنا حرقت العربية بنفسي وشوفت النار وهي بتاكل كل حاجة! مستحيل تكون رجعت من الموت.”

قام وقف وبدأ يروح وييجي في المكتب بتوتر، والشر بدأ يلمع في عينه من تاني:
“لو كنت إنت، أو حتى حد شبهك.. فأنا مش هسمحلك اتخد مكاني تاني. أدهم طردني من الشركة وكسر هيبتي، ولازم يندم على اللحظة اللي فكر فيها يتحداني.. هخلص منكم إنتوا الاتنين في خبطة واحدة، والمرة دي مش هسيب للنار فرصة تغلط وتطلّع حد عايش.”

مسك موبايله وطلب رقم شخص مجهول، ورد بصوت واطي زي فحيح الأفاعي:
” عايز مراقبة ٢٤ ساعة لمحمود الشافعي، وعايز أعرف كل ثغرة في تحركاته هو وأدهم.. المرة دي مفيش مجال للغلط .”

__________________________________

أدهم وعلي كانوا قاعدين في المكتب، الملفات مفتوحة قدامهم والجو هادي، بس علي مكنش مركز تماماً. كان بيمسك القلم ويخبط بيه على المكتب بانتظام وهو باصص للاشيء، وسرحان في دوامة من الأسئلة.

أدهم لاحظ شروده، ساب الورق اللي في إيده وسند ضهره لورا وهو بيسأله بتركيز:
“مالك يا علي؟ بقالك ساعة بتبص في الورقة دي ومش معايا خالص..

علي اتنهد ورفع عينه لأدهم، وبدأ يتكلم بصوت فيه حيرة وقلق:
” أنا عايز اقولك على حاجة غريبة اكتشفتها لما دورت عن الملجأ دوأهل ياسمين الحقيقين.”

ادهم باستغراب:” اكتشفت ايه؟”

كمل علي … وأنا بدور ورا سجلات الملجأ القديمة، وصلت لحاجة غريبة أوي ومش فاهماها. عرفت إن عمك إبراهيم السويسي كان بيتردد على الملجأ ده كتير جداً من عشرين سنة.”

أدهم عقد حواجبه باستغراب: “عمي إبراهيم؟ وإيه اللي يخلي واحد زيه يروح ملجأ أيتام؟”

علي كمل وهو بيبلع ريقه:
“المشكلة مش بس في الزيارات.. المشكلة إنه كان بيقابل منصور بانتظام، منصور اللي هو أبو ياسمين بالتبني، والكلام ده كان في نفس الفترة اللي ياسمين خرجت فيها من الملجأ وراحت لبيت منصور.”

أدهم قام وقف من ورا مكتبه بعصبية، وعقله بدأ يربط الخيوط ببعضها:
“إيه علاقة عمي بمنصور؟ وليه يتدخل في حياة بنت يتيمة؟ كأن إبراهيم هو اللي كان بيحرك منصور عشان ياخد ياسمين من الملجأ.. بس ليه؟”

(هتشل من الغباء بجد. يعني نفس ظروف أختك اللي بتدور عليها ونفس الاسم
ده ملقتش نظرك لحاجة؟؟🙂🙂)

لسه علي هيرد، فجأة موبايل أدهم اللي كان محطوط على المكتب رن. أدهم بص للشاشة واستغرب جداً لما لقى المتصل “جميلة”. قلبه انقبض، لأنها من وقت اللي حصل في المكتب ،وهي حابسة نفسها في أوضتها ومش بتكلمه خالص.

أدهم فتح الخط بسرعة، وقبل ما ينطق بكلمة، جاله صوت جميلة وهو مهزوز ومخنوق بالعياط:
“الحقني يا أدهم.. أرجوك تعالى بسرعة، يزن سخن أوي وجسمه بيتنفض، أنا مش عارفة أعمل إيه!”

أدهم ملامحه اتخطفت تماماً، ورجعت له صورة يزن وهو تعبان، الخوف على ابنه سيطر عليه ونفض أي فكرة تانية من دماغه. زعق في الموبايل وهو بيتحرك ناحية الباب:

“جميلة اهدي.. أنا جاي حالاً، حطي له كمادات مية فاترة وما تسيبيهوش لوحده، مسافة الطريق وهكون عندك.”

علي قام وقف بخضة: “فيه إيه يا أدهم؟”

أدهم وهو بيجري: “يزن تعبان يا علي، لازم أمشي حالاً.. كمل انت الشغل هنا، وأي حاجة تحصل بلغني بيها فوراً.”

__________________________________

أدهم دخل القصر كأن إعصار اقتحمه، مكنش شايف قدامه ، يزن مش مجرد أخوه الصغير، ده ابنه اللي شال مسؤوليته وهو لسه بيخطو خطواته الأولى في الدنيا.

طلع السلالم بضيق نَفَس وفتح باب الجناح بلهفة، وشاف المنظر اللي خلى قلبه يتنفض؛ يزن كان نايم على السرير، وشه شاحب وملامحه دبلانة من التعب، وجميلة قاعدة جنبه، ماسكة فوطة مبلولة وبتعمله كمادات، وعينيها كانت حمرا من القلق والعياط.

جميلة رفعت عينيها وبصت لأدهم أول ما دخل، نظرة كان فيها عتاب ممزوج بلهفة أدهم قرب بتوتر وقعد على طرف السرير، وحط إيده على جبين يزن اللي كان قايد نار، وسأل بصوت مرعوب:
“إيه اللي حصل يا جميلة؟ الصبح كان كويس!”

جميلة ردت وهي بتمسح دموعها بطرف إيدها:
“كنت داخله أشوفه عادي، لقيته مش قادر يفتح عينه وجسمه مولع نار.. قلقت جداً ومكنتش عارفة أتصرف غير إني أكلمك.”

أدهم طلع موبايله فوراً واتصل بدكتور ، ومفيش وقت طويل وكان الدكتور وصل. بعد فحص دقيق ليزن، الدكتور طمنهم وهو بيقفل شنطته:
“متقلقوش يا أدهم بيه، ده مجرد دور سخونية شديد بسبب تغيير الجو والتقلبات
.. يلتزم بس بالأدوية دي والكمادات متقفش، وإن شاء الله الصبح هيكون أحسن.”

أدهم شكر الدكتور ومشي معاه لحد الباب، ورجع بسرعة قعد جنب يزن تاني. مسك كف إيد يزن الصغير اللي كان بيترعش خفيف، وباسه بحنية مفرطة وهمس:
“سلامتك يا حبيبي.. ألف سلامة عليك، أنا جنبك مفيش حاجة هتوجعك تاني.”

يزن فتح عينيه بتعب وصوته طلع ضعيف:
“بابي. جميلة.. خليكم جنبي، عايزكم تناموا جنبي النهاردة.”

جميلة بصت لأدهم بتوتر وارتباك، خصوصاً والجو مشحون بينهم بسبب اللي حصل في المكتب، بس أدهم بصلها بنظرة فيها رجاء إنها توافق عشان خاطر يزن، وقال برقة:
“حاضر يا حبيبي، مش هنقوم من جنبك خالص.”

جميلة نامت من ناحية، وأدهم نام من الناحية التانية، ويزن كان في النص بينهم. يزن بطفولته وعفويته، مسك إيد أدهم وإيد جميلة، وحطهم فوق بعض بين إيديه الصغيرين وربطهم ببعض وضغط عليهم، وكأنه بيحاول يجمعهم في حضنه ويصلح اللي انكسر بينهم من غير ما يقصد.

أدهم حس بلمسة إيد جميلة تحت إيده، والكهربا سرت في جسمه من تاني. بص لجميلة ولقاها مغمضة عينيها بتوتر، بس مسحبتش إيدها. الصمت كان سيد الموقف، بس كان صمت مليان كلام ومشاعر..

______________________________

في الشركة، كان محمود داخل بخطوات سريعة ووشه فيه ملامح قلق واضحة. دخل المكتب ولقى علي قاعد غرقان وسط ورق وملفات، فاستغرب جداً وبص في الساعة وقال بتعجب:
“علي؟ أومال فين أدهم؟ غريبة إنه مش موجود في مكتبه في وقت زي ده، إحنا ورانا شغل كتير النهاردة.”

علي قام وقف بوقار واحترام لمحمود وقال بنبرة هادية عشان يطمنه:
“أهلاً يا محمود بيه.. أدهم اضطر يمشي فجأة من حوالي ساعة، يزن أخوه الصغير تعب فجأة وسخونيته رفعت، وجميلة هانم كلمته فـ لحق يروح القصر يكون جنبهم.”

محمود بحزن على الطفل الصغير، رغم علمه إنه مش ابنه :
“ربنا يشفيه ،ويعافيه يارب”

_______________________________

أدهم كان غارق في نوم عميق، كان يزن في النص، نايم ببراءة طفولية، وماسك إيد أدهم وإيد جميلة بإيديه الصغيرة، كأنه خايف لو سابهم حد فيهم يختفي.

أدهم بدأ يفتح عينه ببطء مع تسلل خيوط الغروب البرتقالية من الشباك. أول حاجة وقعت عينه عليها كانت جميلة؛ كانت نايمة جنبه، ملامحها هادية جداً وبعيدة عن التوتر اللي كان بينهم. خصلات شعرها كانت نازلة على وشها ومخبية جزء من ملامحها الرقيقة.

أدهم فضل يتأملها لثواني، وقلبه بيدق بدقة غريبة.. مد إيده ببطء وحذر شديد، ورفع خصلات شعرها من على وشها بلمسة ناعمة زي النسمة، وهو بيتنهد بحيرة.. “إزاي قادرة تكوني قريبة مني كدة، وفي نفس الوقت بعيدة أوي؟”.

فجأة، قطع اللحظة دي صوت خبط هادي على الباب. أدهم سحب إيده بسرعة واتعدل في قعدته بالراحة عشان ميصحيش يزن.
“ادخل..” قالها بصوت واطي ورخيم.

دخلت واحدة من الخادمات، ووقفت بأدب وقالت:
“أدهم بيه، في ضيوف تحت في الصالون وطالبين يقابلوا حضرتك.”

أدهم استغرب، هو مش منتظر حد في وقت زي ده:
“ضيوف مين يا سعاد؟”

“محمود بيه الشافعي، ومعاه مدام نادية زوجته.”
أدهم رفع حاجبه بدهشة، بس هز راسه وقال لها تبلغهم إنه نازل حالاً. في الوقت ده، جميلة بدأت تفوق من نومها على صوت الكلام، فركت عينيها بكسل وبصت لأدهم:
“في إيه ؟ مين اللي جيه؟”

أدهم بصلها وحاول يداري ملامحه الجامدة تجاهها:
“محمود بيه ونادية هانم تحت.. أكيد علي بلغه إن يزن تعبان فجيه يطمن عليه. أنا نازل استقبلهم، البسي وانزلي ورايا.”

جميلة هزت راسها ببرود:
“تمام.. هغير هدومي وأنزل.”

أدهم نزل الصالون، وأول ما شافه محمود، قام وسلم عليه بلهفة وقلق حقيقي:
“ألف سلامة على يزن يا أدهم.. ، علي قالي في الشركة إنه تعبان ومقدرتش استنى للصبح.”

أدهم ابتسم : “الله يسلمك يا محمود بيه، تعبت نفسك والله.. هو دلوقت أحسن والحرارة نزلت.”

نادية كملت بحنان: “تعب إيه يا أدهم؟ إنتوا دلوقت عيلتنا، ومحمود من ساعة ما عرف وهو مش على بعضه.”

بعد دقايق، نزلت جميلة وهي لابسة لبس بيت أنيق ومحتشم، وسلمت عليهم بذوق وقعدت جنب نادية. محمود وأدهم استأذنوا ودخلوا المكتب عشان يتكلموا في شغل، وسابوا نادية وجميلة لوحدهم.

جميلة بدأت تبص لنادية بإعجاب، وقالت بابتسامة:
“واضح إن حضرتك ومحمود بيه بتحبوا بعض أوي .. نظراته ليكي فيها احترام وحب غريب.”

نادية ضحكت برقة وردت بحب:
“أيوه يا جميلة.. محمود هو حياتي كلها. إحنا مرينا بكتير أوي عشان نكون مع بعض.”

جميلة سألتها بفضول: “ممكن أعرف عرفتوا بعض إزاي؟”

نادية سكتت لحظة، وبصت للفراغ بحنين وبدأت تحكي:
“أنا عشت عمري كله في أمريكا.. أهلي مصريين بس بحكم شغلهم كنا بنقضي معظم السنة هناك. دخلت كلية الطب واتخرجت، وفجأة لقيت نفسي وحيدة بعد وفاة والدي ووالدتي.. ركزت في شغلي ونسيت موضوع الجواز ده خالص، لحد ما بقيت في أواخر التلاتينات.”

اتنهدت وكملت: “في يوم، جت للمستشفى حالة بين الحياة والموت.. راجل في منتصف الأربعين، محروق تماماً، نص جسمه ووشه مشوهين من نار حادثة. كان هو المريض ده كان محمود.. قعد سنة كاملة في المستشفى بين عمليات تجميل وزراعة جلد عشان نغير ملامحه اللي النار أكلتها. في السنة دي، حبينا بعض من غير كلام.. هو كان هربان من ماضي أليم في مصر، وأنا كنت الدكتورة اللي داوت جروحه. اتجوزنا هناك وبدأنا من الصفر، وغيرنا كل حاجة.. حتى ملامحه وشكله بقوا مختلفين تماماً عن اللي كان عليه قبل الحادثة.”

جميلة شهقت بتأثر ودموعها لمعت:
“واو.. بجد حكايتكم جميلة ولا في الروايات! محمود بيه ده بطل حقيقي.”

نادية بابتسامة غامضة: “محمود بطل.. بس لسه قلبه محبوس في الماضي اللي هرب منه يا جميلة.”
__________________________________

داخل المكتب

بدأ الكلام بينهم في الشغل، وأدهم شكره بامتنان حقيقي:
“نورتني يا محمود بيه.. بجد تعبت نفسك إنك تيجي في وقت زي ده عشان يزن”

محمود ابتسم وهز راسه بود:
“مفيش تعب يا أدهم، قولتلك يزن ده غالي عندي أوي رغم إني مشوفتوش.. وبعدين الشغل مبيخلصش، قولت بالمرة نراجع ملف الصفقة الأخيرة.”

وهما بيتكلموا، أدهم لاحظ إن ملامح محمود بدأت تتغير، وبدأ ينهج نهجان خفيف ووشه شحب شوية، فسأله بقلق:
“محمود بيه.. إنت كويس؟ حاسس بتعب؟”

محمود سنده بإيده على المكتب وقال بصوت هادي:
“متقلقش يا ابني.. أنا عندي السكر بس، والظاهر إني دوخت شوية لأني خرجت النهاردة من غير ما أفطر كويس.”

أدهم جسمه قشعر.. الكلمة نزلت عليه زي الصاعقة. “السكر؟”. هو فاكر ذكريات والده كان عنده السكر وكان دايماً يدوخ لو مأكلش كويس. أدهم سكت تماماً، وسرح لثواني في ذكرى قديمة.. “مش معقول الصدف دي كلها!”.

فجأة، افتكر العلامة اللي مكنتش بتفارق خياله. شامة كبيرة ومميزة كانت في رقبة أبوه من ورا، كان وهو طفل بيقعد وراه ويلمسها بصوابعه الصغيرة. أدهم قرر يقطع الشك باليقين.

مسك ملف من على المكتب، وبدأ يتحرك بخطوات هادية حوالين محمود وكأنه بيشرح حاجة في الورق، لحد ما بقى واقف وراه تماماً. وبحركة مقصودة، ساب الملف يقع من إيده على الأرض ورا كرسي محمود.
“أوه.. أنا أسف جداً، الملف وقع مني.”

محمود بتلقائية وبسرعة نزل يميل بجسمه عشان يجيب الملف من على الأرض، وفي اللحظة دي، أدهم انتهز الفرصة وقرب عينه جداً من رقبة محمود وهو بيحبس أنفاسه.. كان مستني يشوف الشامة .

لكن الصدمة كانت أقوى.. أدهم ملقاش أي أثر للشامة. شاف بس جلد مشدود جداً،
أدهم رجع خطوة لورا وهو بيتنفس بصعوبة، وحس بخيبة أمل ووجع في قلبه كأن حد طعنه. تنهد بحزن عميق ووشه انطفأ تماماً، وقال بصوت مخنوق وهو بياخد الملف من ايده:
“شكرا يا محمود بيه.. تسلم إيدك.”

أدهم مكنش يعرف في اللحظة دي إن النار اللي حرقت جسم أبوه، أخدت معاها كل العلامات اللي كان بيعرفه بيها، وإن نادية وفريق الأطباء في أمريكا اضطروا يشيلوا طبقات كاملة من الجلد المحروق ويستبدلوها بجلد جديد، والعملية دي محت الشامة تماماً .
_________________________________

في مكان مهجور، بعيداً عن أضواء المدينة، كانت الرياح بتصفر بين المباني القديمة. وقف إبراهيم السويسي وجنبه راجل ملامحه غبرة، وعينيه فيها نظرة غدر مابتتغيرش..

ودار بينهم الحوار التالي :

المجهول:” أنا مش فاهم احنا مستتين ايه ؟هنتحرك امتى ؟”

ابراهيم وهو بينفخ سجارته :”اتقل عشان لما نتحرك نضمن القاضية لهم يا .. يا منصور”

منصور سكت بشر وهو بيفكر، وعينيه لمعت بذكاء شيطاني وهو بيبص لإبراهيم السويسي اللي ملامحه كانت مليانة الغل:
“عارف يا إبراهيم بيه.. أنا المرة دي مش هكتفي بالفلوس. أنا عايز أشوف أدهم السويسي وهو مكسور قدامي، زي ما كسرني وهددني في المستشفى. بكل جبروت عشان يدافع عن ياسمين، وميعرفش إن اللي بيحميها ويدافع عنها دي تبقى … أخته .”

إبراهيم رمى السيجارة وداس عليها بعنف:
“أدهم طول عمره عامل فيها بطل، بس المرة دي السجادة هتتسحب من تحت رجليه.”

إبراهيم بصل لمنصور بنظرة تقيم، ورجع بذاكرته لليوم اللي اللعبة فيه اتغيرت تماماً..

(فلاش باك)

بعد ما منصور خرج من الحبس، نار الانتقام كانت واكلة قلبه من علي وياسمين اللي كانوا السبب في دخوله السجن. بدأ يراقب علي زي ضله، وفي يوم كان واقف مستني قدام الشركة اللي على بيشتغل فيها، شاف إبراهيم السويسي خارج وملامحه مرعبة من الغضب بعد ما أدهم طرده.

منصور اتسمر مكانه، الوش ده مش غريب عليه، ده نفس الراجل اللي جاله من عشرين سنة بشنطة فلوس واتفق معاه ياخد البنت اليتيمة (ياسمين) من الملجأ ويختفي بيها، ويزور ورقها عشان يضمن إن أدهم وياسمين كل واحد يتربى في عيلة وبيئة مختلفة تماماً.. والهدف كان واحد: الثروة كلها تبقى لإبراهيم لوحده وما يظهرش وريث يشاركه.

منصور مشي ورا إبراهيم لحد ما قدر يوصل لمكانه ويواجهه، وهناك كانت الصدمة متبادلة!

إبراهيم اتصدم لما عرف إن علي الحارس الشخصي لأدهم يبقى جوز ياسمين بنت أخوه، ومنصور اتصدم لما عرف إن الشاب اللي كان مع علي في المستشفى وهدده بكل جبروت .. ده كان أدهم السويسي، أخوها الحقيقي اللي الدم حنّ ليه من غير ما يعرفوا!

من وقتها، الشيطانين اتحالفوا.. إبراهيم عايز يخلص من أدهم ومن أخته اللي ظهرت، ومنصور عايز يكسر أدهم اللي هدد كرامته، ويحرق قلب علي في مراته.

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية عشقت محتالة) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!