رواية الردى والهدى – الفصل الثالث
بعد مرور يومين، كنت واقفة فوق الكرسي الخشبي القديم، رافعة إيدي للسقف وأنا ماسكة طرف فرع النور وبحاول أثبته في مسمار عالي في زاوية الصالة، بابا كان واقف ورايا ساند الكرسي بإيده وباصصلي بعين كلها فرحة وكأني لسه البنت الصغيرة اللي كان بيشيلها على كتفه
شوية يا ليلى، ارفعي إيدك اليمين لفوق شوية كمان عشان النور يبقى مفرود وميبقاش نازل بـ ميل
ضحكت وأنا بحاول أوازن نفسي والألوان بتاعة حبل النور كانت عاكسة على وشي ومعيشاني في جو تاني خالص، كنت حاسة إن دي محاولة مني إني أصلح الشروخ اللي جوا قلبي وأملى البيت بالبهجة
– كده يا بابا؟ بص، أول ما نطفي النور الكبير النجوم دي هتلمع والبيت هيبقى شكله تحف
تسلم إيدك، البيت بقى له حس وشكل تاني خالص بلمستك دي
في عز ما إحنا مندمجين، سمعنا صوت ماما من المطبخ وهي متعصبة من الوقفة لوحدها
يا ليلى، مش وقته زينة تعالي ساعديني في رص الحاجات دي
نزلت من فوق الكرسي بخفة، مسحت إيدي في لبسي وضحكت لبابا اللي غمزلي بعينه كأنه بيقولي روحي ساعديها قبل ما تقلب علينا، بعتله بوسة في الهوا وقولت وأنا داخلة المطبخ
– حاضر يا ست الكل جاية أهو
اول ما دخلت المطبخ شميت ريحة فول، بصيت للبوتاجاز لقيت القدرة الصغيرة محطوطة عليه
– معقول يا ماما لسة بتدمسي دلوقتي
خلاص خلص اهو، تعالي بس رصي المكرونة في الرف اللي فوق
اخدت الأكياس وابتديت ارصها، غصب عني افتكرته، وافتكرت قد إيه كان بيعشق الفول بتاع ماما، وإزاي كان بيفضل يمدح فيه ويقول ملوش زي، قلبي اتوجع اثر نغزة صغيرة، لكن اتنهدت وقررت في اللحظة دي إني هقفل قلبي بالمفتاح وهستمتع بالدفا ده، وبريحة الفول وبلمة بابا وماما لأن دي الحاجة الوحيدة اللي بجد تستاهل
كنت راجع من الشغل وجسمي مهدود وراسي لسه بتغلي من يوم طويل وتقيل، أول ما دخلت الحارة لقيت الدنيا اتغيرت تماماً، الولاد الصغيرين كانوا ماليين الشارع، أصوات ضحكهم وصريخهم ببهجة كانت مالية الجو، ده ماسك طرف حبل زينة وده واقف فوق سلم خشب مهزوز بيحاول يربط فرع في البلكونة اللي قصاده، والشارع كله بقى عبارة عن خيوط ملونة بتقطع العتمة
وقفت أتفرج عليهم وانا مستغرب اللي بيحصل، لكن استوعبت بسرعة إنها زينة رمضان، معقول رمضان جيه بالسرعة دي، ومعقول انا مش حاسس ولا داري بالدنيا حواليا كدة، اتنهدت بتعب واتحركت ناحية العمارة، لكن لقيت عمر ابن جارتنا جاي يجرى عليا وهو بينهج و وشه مليان فرحة
يا شيخ سيف يا شيخ سيف، مش هتشارك معانا في زينة السنة دي؟ ناقصنا حاجات بسيطة ونخلص الشارع كله وننوره
بصيت لعينيه اللامعة وحسيت بغصة في حلقي، شيخ سيف .. الكلمة اللي كانت بتطلع منهم زمان بتبجيل طالعة دلوقتي ببراءة طفل مش فاهم الغياب اللي أنا فيه، مديت إيدي في جيبي طلعت مبلغ وحطيته في إيده الصغيره وأنا ببتسم ابتسامة باهتة
* خد يا بطل، هاتوا كل اللي ناقصكم وخلي الشارع ينور أحسن من كل سنة
طار من الفرحة وجرى ينادي لصحابه وأنا فضلت واقف مكاني، حطيت إيدي في جيبي وسندت ضهري على الحيطة وبدأت عيني تدور في الشارع اللي بيتزين، وفجأة، عيني راحت بلهفة كأنها متبرمجة على بلكونتها، شوفت فرع النور اللي متعلق، كان بينور ويطفي بهدوء، ابتسمت غصب عني لما تخيلتها وهي واقفة بتعلقه، تخيلت ضحكتها وهي بتفرد الزينة مع باباها، اللحظة دي كانت زي نسمة باردة في عز نار قلبي، بس الابتسامة مكملتش، نزلت عيني للأرض وحسيت بتقل الجبل فوق كتافي، ده تالت رمضان ييجي عليا وأنا في السواد ده، تالت سنة وأنا لسه غرقان في ذنوبي، لسه ريحتي سهر ومعاصي، لسه مش عارف أخلص من السلاسل اللي وليد وشلته ربطوني بيها، بصيت للزينة اللي في الشارع وقولت في سري بمرارة
* صحيح الشياطين بتتسلسل في رمضان، بس شياطين الانس حرة بتحرك صاحبها وتعمي عينه عن طريق الرجوع، الناس بتعلق زينة عشان تستقبل النور، وأنا قلبي هو الحتة الوحيدة اللي ضلمة في الحارة دي كلها، تالت سنة والنداء ينادي
” يا باغي الخير أقبل ”
وأنا واقف مكاني مش قادر أخطي خطوة واحدة، خايف أرفع عيني للسما وأنا غرقان في تراب الأرض، وخايف أبص في عيون الناس ف يشوفوا سيف القديم اللي أنا نفسي مبقتش عارف ألاقيه، بيني وبين النور سلم .. وبيني وبينها وعود مكسورة، حارة كاملة مستنية الفجر .. وأنا لسه مستني نفسي
دخلت الشقة والضلمة كانت في كل مكان، رميت مفاتيحي على الترابيزة اللي جنب الباب، بصيت ناحية الصالة وشوفت أمي قاعدة على الكرسي الهزاز بتاعها، النور اللي جاي من البلكونة كان يدوب راسم ملامحها، ماسكة سبحتها وصوت صوابعها وهي بتقلب الخرز كان هو الإيقاع الوحيد اللي مسموع
* أمي
قولته بصوت واطي كأني خايف أجرح السكون ده، أو خايف ترد عليا بعتاب، مردتش عليا في الأول وفضلت مكملة في تسبيحها والسبحة بتلف بين صوابعها بانتظام يحسسك إن الزمن واقف عندها، استنيت لحظة وبعدين سألتها وأنا عيني بتدور في الصالة الفاضية
* هو .. هو ادهم فين؟ مش باين يعني
فضلت زي ما هي، لا لفت وشها ناحيتي ولا بصتلي بصه واحدة، ردت بصوت هادي وقالت
اخوك في التراويح، نزل من بدري عشان يلحق مكان في الصف الأول
الكلمة نزلت عليا زي التلج، الصف الأول .. المكان اللي مكنتش بفارقه قبل ما اكون إمام، وقفت مش عارف أتحرك، عيني جت على سجادة الصلاة المفرودة في ركن الصالة، وريحة المسك اللي مغرقة الشقة، وكأن البيت كله كان بيستعد للصلاة إلا أنا .. أنا اللي كنت دايماً أولهم
مش هتتعشى؟
سألتني وهي لسه بصة قدامها للفراغ كأنها بتأدي واجب السؤال بس و وجودي بقى عبء تقيل حتى على لسانها
* لأ، هروح أنام
مشيت ناحية أوضتي بخطوات تقيلة، وكل خطوة كانت بتسمع في قلبي يا باغي الخير أقبل، مكنش مجرد نداء، كان كرباج بيجلدني بكل لحظة هربت فيها من النور
مولاي إني ببابك قد بسطت يدي
من لي ألوذ به إلاك يا سندي
أقوم بالليل والأسحار ساجدةً
أدعوك رباه يا فارج الكرب
فإن رددت يدي من ذا الذي أملُه
سواك يا ربنا يا واسع الكرم
رصيت الأطباق على السفرة اللي في الصالة، كانت مليانة بأطباق كتير، الجبنة البيضاء عليها رشة حبة البركة، طبق الفول وجمبه طاسة البيض، والبطاطس المتحركة وجمبها الجرجير والعيش البلدي، لفيت لبابا لقيته ماسك الراديو الصغير بيظبطه
– سيب التواشيح يا بابا
بظبط صوته بس عشان بيعلق
– طب يلا السحور جاهز، يلا يا ماما
قعدنا كلنا سوا وبدأت اوزع عليهم العيش، ريحة الفول كانت ظاهرة ف بص بابا لماما وقال
تسلم ايدك يا حبيبتي
الف هنا على قلبك
حبيت انكشهم ف قولت
– يا سلام يا سي بابا، وانا مليش نصيب من الكلمة الحلوة
عقبال ما اشوفك في بيت جوزك السنة الجاية، ساعتها بقا هتسمعي كلام اجمل من دة
بصتلها وسكت، هي عارفة اني مبحبش السيرة دي تتفتح خصوصاً قصاد بابا عشان ميفتحش موضوع العريس، سكتنا كلنا وبدأنا نتسحر ومفيش غير صوت الشيخ وهو بيقرأ قرآن في الراديو، بابا كان بيبصلي من وقت للتاني وكأن في كلام محبوس جوله عايز يقوله، سيبت الأكل وقررت انفد بجلدي احسن ما يفتح الموضوع معايا
– الحمد لله شبعت، هقوم اتوضى بقا
ليلى .. يحيى فتح معايا الموضوع تاني النهاردة
اللي كنت خايفة منه حصل، قعدت مكاني تاني ببطئ وانا عيني على الترابيزة وساكتة مستنياه يكمل
الولد باين عليه انه شاري، وعايز يجي يقعد معاكي رؤية شرعية تاني، بيقول إنه مش هيلاقي زي أدبك وأصلك، ومستعد يستنى لو في ظروف معطلاكي
ساد صمت تقيل بيننا، كان مستني ردي وانا مكنتش لاقية كلام اقوله، دخلت ماما في الحوار وقالت
فكري يا حبيبتي تاني، متستعجليش في الرد
بصتلها بدهشة وانا مستغربة أن الكلام دة طالع منها رغم أنها اكتر واحدة عارفة سبب رفضي اية، بلعت ريقي بصعوبة وقولت بصوت واطي لكن ثابت
– يا بابا .. حضرتك عارف رأيي، أنا مش بفكر في الموضوع ده خالص دلوقتي، قوله مفيش نصيب
ساب العيش من إيده وبصلي بنظرة كانت خليط بين الشفقة والغضب في نفس الوقت
لحد إمتى يا بنتي؟ العمر بيجري، واللي مستنياه بقاله سنين غرقان في ضلمته ومش عايز يخرج منها
– هيخرج يا بابا، انا متأكدة
وافرضي فضل زي ما هو، هتفضلي انتي كمان كدة؟
مردتش عليه وفضلت بصة لطبقي بجمود، هز راسه بيأس وسكت، رجع كمل أكل بآلية وهو حزين على حالي، قومت من قدامهم وانا ماسكة دموعي، دخلت اوضتي واول ما قفلت الباب بكيت بحرقة، ليه محدش فيهم حاسس بيا ولا بالنار اللي قلبي، انا مش هعرف اكون مع حد غيره، مش هعرف أطلعه من قلبي بسهولة، ليه مش مصدقين أنه هيرجع احسن من الأول، كلامهم بيخليني اسأل نفسي كل يوم
– هو أنا بجد مستنية سراب؟ ولا قلبي إحساسه مش هيخيب وهلاقيه راجعلي في يوم من الأيام
لسة مكاني على السرير من ساعة ما رجعت من برا، لا قادر ترتاح ولا ادوق طعم النوم، الحيطان بتضيق عليا، والأوضة اللي المفروض تكون سكن بقت أشبه بزنزانة باردة محسساني بالخوف، كل ما احاول أغمض عيني وأهرب اسمع صوت التواشيح الجاي من الجامع اللي على أول الحارة، صوت رخيم، هادي، وطالع بطبقات بتخترق حواسي كلها و تستقر في نص صدري
يا مجيب السائلين .. يا أمان الخائفين
الكلمات كانت عاملة زي سياط بتنزل على ضهري، قومت قعدت على طرف السرير وحطيت إيدي على ودني وانا بضغط جامد، بدأت أسمع حركة في الشقة برا، خطوات ادهم الهادية وهو داخل يغسل وشه ويستعد لصلاة الفجر، وصوت همس أمي وهي بتدعي وتسبح، البيت كله كان بيستعد للقاء، وأنا الوحيد اللي حاسس إني عريان وسط ناس لابسة توب الطهارة
مقدرتش أستحمل أكتر وقومت اتنفضت من مكاني، سحبت چاكتي بلهفة واحد بيغرق وبيدور على قشة، فتحت باب الأوضة وخرجت، لمحت خيال ادهم وهو بيلبس جلابيته البيضا، بصلي بأستغراب ولسه هيفتح بقه يتكلم سيبته وجريت ناحية باب الشقة
نزلت السلم بجري وخطواتي مش متزنة، أول ما رجلي لمست أرض الحارة الهوا البارد بتاع الفجر خبط في وشي، بس مبردش النار اللي جوايا، مشيت بخطوات سريعة مش عارف رايح فين، بس المهم أبعد عن الجامع، أبعد عن صوت امين اللي هترج الحارة بعد شوية، كنت ماشي ومنكس راسي في الأرض، خايف عيني تيجي في عين حد يعرفني فيسألني
مش هتلحق الفجر يا سيف؟
وقفت للحظة عند ناصية الحارة وبصيت ورايا، شوفت نور جامع الحارة وهو منور بالكامل، وشوفت بلكونة ليلى اللي لسه فيها خيط نور ضعيف، حسيت إني غريب، غريب عن البيت، وغريب عن الحارة، وغريب عن كل حاجة حواليا، سحبت نفسي وكملت مشي ناحية الشارع الرئيسي اللي ملوش ملامح هربان من النور اللي كان بيطاردني في كل حتة وسايب ورايا سيف اللي كان، و سيف اللي المفروض يكون
مخرجتش من اوضتي من وقت السحور، كنت تايهة وكلام بابا والكل بيتردد في وداني
لحد إمتى؟
الكلمة كانت بتوجع أكتر من اي حاجة تانية، بتفكرني إن الصبر جميل بس الانتظار في الضلمة بياكل من الروح، روحت ناحية الشباك زي كل يوم ومسكت طرف الستارة و وقفت وراها الشارع كان غرقان في صمت مهيب رغم الانوار وصوت تواشيح قبل الفجر، مكنتش عارفة هو اسمعها ولا لأ؟ حاسس برمضان زينا؟ ولا ذنوبه عمت قلبه كمان عن الإحساس
دخلت وسحبت سجادة الصلاة أصلي اول قيام ليل أول ما كبرت حسيت إن الدنيا كلها سكتت من حواليا ومبقتش شايفة غير مكان سجودي، ركعت وسجدت وأول ما جبهتي لمست الأرض كل قوتي انهارت
– يا رب..
قولتها بوشوشة مخنوقة بالبكا والدموع بدأت تنزل على السجادة
– يا رب .. المرة دي مش هطلب لنفسي حاجة، المرة دي هطلبله الرحمة، رده ليك رد جميل بلطف وعافية، طلعه من بين الردى وخد بأيده للهدى
شهقاتي كانت بتطلع غصب عني مع كل كلمة، طولت في السجود و فضلت أدعيله بالهداية وأدعي لنفسي إن ربنا يبرد ناري، كنت حاسة إن صلاتي دي هي الخيط الوحيد اللي واصل بيني وبينه، سلمت وفضلت قاعدة مكاني ماسكة سبحتي وبحرك خرزها ببطئ، نزلت دموعي من تاني ف مسحتها بطرف الاسدال وانا بهمس في سري
– يا باغي الخير أقبل، يا سيف .. اقبل قبل ما العمر يخلص وانت لسه واقف في النص
كنت ماشي في الشوارع اللي بدأت تخلى من الناس، المحلات بتقفل أبوابها والفوانيس اللي متعلقة في البلكونات بدأت تنطفي واحد ورا التاني، رجلي كانت شايلاني لمكان مش عارفه، وعقلي عمال يحدفني يمين وشمال بين صوت التواشيح اللي سيبته ورايا وبين الخنقة اللي مش راضية تسيب صدري
لقيت نفسي فجأة قدام بيت وليد، هو الوحيد اللي عايش لوحده بعيد عن أهله، قولت لنفسي إن ده المهرب الوحيد، فوق مفيش سجادة صلاة مفرودة ولا راديو شغال بقرآن، ولا حد هيسألني كنت فين ويبصلي بشفقة أو خزلان، طلعت السلم وأنا مهدود، كل درجة كانت بتسحب مني حتة من طاقتي، وقفت قدام باب شقته وخبطت خبطات مهزوزة، استنيت شوية ومكنش فيه رد، مرة جربت تاني وبرضو مفيش رد، كنت لسة هلف وأمشي لكن سمعت صوت حركة جوا وصوت مفاتيح بتلف في القفل ببطء، تتفتح الباب بشويش وظهر وليد، كان شكله متبهدل وعينه فيها زوغان غريب و وشه اتخطف لونه اول ما شافني
سيف؟ إيه اللي جابك دلوقتي يا صاحبي؟
قالها وهو لسه ساند بكتفه على الباب سادد الدخول في بصتله باستغراب، عمره ما وقفني على الباب كده
* تعبان يا وليد، تعبان ومحتاج أبات عندك النهاردة، مش قادر أرجع البيت
ارتبك أكتر وبدأ يفرك في إيده بتوتر وعينه بتروح وتيجي بيني وبين الصالة اللي وراه
أصل .. أصل الشقة مكركبة أوي يا سيف، وبعدين أنا كنت لسه نازل و..
كلامه كان متقطع وغير منطقي، وقفته على الباب بالشكل دة خلتني اشك فيه، لسه هسأله ماله سمعت صوت جاي من جوا، صوت ناعم بينادي باسمه بدلع يا وليد .. اتأخرت ليه؟
الدنيا لفت بيا في ثانية و اتسمر هو مكانه وبص للأرض بخزي مكنتش متخيل إنه لسه بيعرف يحس بيه، فضلت واقف مكاني مش مستوعب اللي سمعته، معقول توصل بيها الدرجة أنه يعمل كدة؟ وفي ليلة زي دي؟
صدمتي مكنتش قليلة، كنت فاكر إننا ضايعين، بس مكنتش فاكر إننا وصلنا للقاع ده، عجز لساني عن الكلام وبصتله وانا حاسس اني اول مرة اشوفه، وكأن حاجة وقعت على دماغي فوقتني من اللي انا فيه
سيف .. أنا..
حاول يتكلم لكن مسيبتلوش فرصة، سحبت نفسي لورا ببطء ولفيت ضهري ونزلت السلم، مكنتش شايف قدامي من كتر القرف والذهول اللي مسيطر عليا، مشيت في الشارع بكلم نفسي
* ازاي؟ ازاي وصلنا لكده؟
الوجع اللي كان في صدري زاد، بس المرة دي مكنش من نظرات اهلي، كان خوف من نفسي، خوف إني لو كملت في السكة دي، هبقى نسخة من اللي شوفته النهاردة، السواد اللي في قلبي مكنش ضلمة وبس، ده كان ردى حقيقي وأنا غرقان فيه لدرجة إني معرفتش الفرق بين الصح والغلط غير لما شوفت المنظر دة
رجلي كانت بتخبط في الأرض زي اللي ماشي مش دريان بالدنيا ولا بالناس اللي بدأت تخرج عشان صلاة الفجر، صورته وهو واقف مخضوض قدام بابه مش راضية تفارق خيالي، كنت بهرب .. بهرب من نفسي ومن السكة اللي مشيت فيها، ومن الحقيقة المرة اللي شوفتها، لقيت نفسي قدام العمارة اللي فيها الشركة بالصدفة، حتى مش عارف جيت هنا ازاي وليه، فضلت واقف قصادها شوية وانا متردد، لكن مفيش مكان تاني اقدر اروحله، خبطت على البوابة الحديد لحد ما جاني صوت عم عرفة البواب وهو بيسأل باستغراب
مين؟ مين اللي بيخبط في الوقت ده؟
أنا يا عم عرفة .. أنا سيف
أول ما فتح وشافني ملامحه اتغيرت بين الدهشة والشفقة، بص لشكلي المتبهدل وعيني الحمرا وسكت وقال
أهلاً يا أستاذ سيف، خير يا ابني مالك
بصتله وانا مش عارف اقوله اية. مش قادر انطق وولا اشرح حاجة، بلعت ريقي بصعوبة وحاولت انطق
* ممكن ابات عندك الليلة دي؟ مليش مكان تاني اروحه
استغرب كلامي لكن فتح الباب بسرعة ودخلني
طبعاً يا حبيبي اتفضل اتفضل
دخلت وراه وخطواتي تقيلة كأن رجلي غرزت في وحل السنين اللي فاتوا، مشي قدامي بضهره المحني ودخلني أوضته الصغيرة اللي في مدخل العمارة، كانت صغيرة، لكن حسيت وبدون مبالغة أنها أأمن وانضف مكان اقعد فيه
اقعد يا أستاذ سيف، اقعد يا ابني وارتاح
قعدت على الكنبة الصغيرة وفردت جسمي عليها على طول
شكلك تعبان اوي، نام يا ابني وارتاح
مقدرتش ارد، اصل راحة اية اللي هلاقيها بعد كل دة، رفعت دراعي وحطيته فوق جبهتي وغمضت عيني، بس الشريط بدأ يشتغل غصب عني
افتكرت أول مرة شوفت فيها وليد وشلته، كان أول يوم ليا في الشركة وكنت فرحان اوي اني اشتغلت فيها لأني هاخد منها خبرة كبيرة تنفعني بعدين، عرفتي المدير عليهم بما أنهم معايا في نفس المكتب، لقيتهم شباب لطيفة وكان باين عليهم الأدب ومشوفتش عليهم اي حاجة وحشة غير انهم مبيصلوش، وانا كنت ملتزم زي ما انا ومن حبي فيهم أقسمت مش هسيبهم وهجرهم معايا لطريق الهداية .. لكن اللي حصل إن هما اللي جروني لطريقهم، كنت فاكر إن اللذاذة هي اللي ناقصاني، وإن الجد والالتزام بقوا يخنقوني فجأة، خروجة جرت التانية جرت سيجارة جرت كاس، كل دة وانا معمي وغرقان في لذة المعصية، افتكرت أول مرة مسكت فيها الكاس، إيدي كانت بتترعش وصوت الضمير اللي كان بيصرخ جوايا وكنت بسكته بالضحك والهزار الفاضي
غمضت عيني أكتر فظهرت قدامي قعدات القمار، الخسارة اللي مكنتش بس في الفلوس، دي كانت خسارة نفسي اللي كنت بجلدها لما اتأخر عن ميعاد الصلاة دقيقة، هجرت صلواتي وركنت المصحف لحد ما التراب غطاه، والورد اللي بقى دلوقتي مجرد ذكرى بعيدة بتوجع
واكتر حاجة خلتني اتنفس بصعوبة وأنا نايم مكاني هي خسارة ليلى، مش قادر انسى نظرة الفخر اللي كانت ليا زمان .. و نظرتها الأخيرة وهي شايفاني بتحول لواحد غريب عنها
خسارة حبها كانت اكتر حاجة خلتني اكمل في اللي انا فيه، أنا مش بس خسرت واحدة بحبها، أنا خسرت المرايا اللي كنت بشوف فيها نفسي نضيف، هربت دمعة من عيني وأنا لسه حاطط دراعي على جبهتي، كنت حاسس بالندم بياكل في روحي، وبالخزي من كل لحظة ضاعت في سهر ومعاصي وضحك مزيف، فضلت نايم مكاني وأنا لسه غرقان في بحر الحكايات اللي ضيعتني، مستني الصبح اللي هيطلع عليا وأنا في عز الهدى اللي مش عارف أوصله
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية الردى والهدى) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.