رواية فرصة ثانية الفصل الرابع 4 – بقلم ملك عبد الله احمد

رواية فرصة ثانية الفصل الرابع 4 – بقلم ملك عبد الله احمد

وليه لأ؟ فين المشكلة إنك تتجوزي تاني وتحبي؟!!
“سكتّ لحظة وكأن السؤال لمس حاجة جوايا حاولت كتير أتجاهلها”
_يمكن المشكلة فيَّ أنا…
يمكن أنا اللي مش مؤهلة للحياة دي من الأساس.
يمكن معنديش الوعي الكافي ولا القدر المطلوب من النضج عشان أكمل.
أو يمكن زي ما الناس بتقول بعد طلاقي
إني إنسانة غير مسؤولة، ومش واعية، وده السبب في اللي حصل.
المشكلة فيَّ أنا مش كده؟
ده على الأقل اللي الناس حبّت تصدقه عني
بعد ما شوهوا سمعتي، وقرروا يحكوا قصتي بطريقتهم هما.
تعرفي يا نهلة…
كل يوم بيعدّي عليّا بحس إنه بيوسّع نضجي شوية.
وبيخلّيني أسأل نفسي نفس السؤال كل مرة
ليه سكتّي يا هنا؟
ليه وقتها ما اتكلمتيش؟
ليه ما طلبتيش حقك؟
ليه عيشتي حياتك بالانهزامية دي؟
وليه حتى ما حاولتيش ترجعي لأهلك؟
أوقات بقعد أفكر هو أنا استاهل اللي حصل ده؟
استاهل إني أتعامل كده؟!
وبعدها أرجع أقول لنفسي الحقيقة المُرّة
إني أنا اللي سيبت نفسي ليهم.
أنا اللي سيبت أفـكاري, وعـقلي, وقـلبي
يبقوا في إيديهم هما.
ولحد دلوقتي لسه بقول إني أنا اللي غلطت.
وإني ما كانش ينفع أعمل اللي عملته.
شايفة يا نهلة…؟
حتى بعد كل ده لسه بحمّل نفسي الذنب.
وأوقات الفكرة دي بترجع تزن في دماغي
يا ريتني ما كنت طلّقت
يمكن… يمكن كانت الأيام ترجع زي الأول.
يمكن كل حاجة كانت هتتصلّح.
عـدّى أربـع شهور يا نهلة…
أربـع شهور كاملين حسّيت فيهم إني يتيمة.
متخيلة؟
ولا حد سأل عليّا ولا حد حاول يعرف أنا فين أو عاملة إيه.
لا ده كمان اتجوز وأخدها وسافروا، وسـاعتها سألت نفسي سؤال واحد هو أنـا ما كنتش أستاهـل؟
_تستاهلي الأحلى والأفضل يا هنون.
أنتِ عندك كام سنة دلوقتي؟
أربعة وعشرين… صح؟
يعني عيشتي أربعة وعشرين سنة من عمرك في الدنيا.
بس عارفة إمتى فعلًا الإنسان يزعل على عمره اللي راح؟
مش بس في قسوة الدنيا ولا في متاعها ولا حتى في حلاوتها وشهوتها اللي أوقات بتشدّنا للذنوب.
الزعل الحقيقي لما الواحد يكتشف إنه عاش سنين طويلة في الدنيا
من غير ما يعمل حساب كفاية لربنا ولآخرته.
بمعنى لو الدنيا ابتلتك بوجع أو ظلم أو خسارة، احتسبي الأجر عند ربنا واستعوّضي ده بالجنة، واعرفي إن صبرك ليه ثمن وثمنه ممكن يكون الفردوس الأعلى.
لكن الأصعب لو عدّى من عمرك سنين وإنتِ بتكسلي عن الصلاة.
مرة تقول “أصل مشغولة”
ومرة “أصل تعبانة”
ومرة “بعدين هصلي”
مُبررات بنقولها لنفسنا ويمكن نكون بنضحك بيها على نفسنا بس.
بصي لها كده ببساطة في السنة الواحدة عندك حوالي ألف وثمانمائة فرصة تقفي فيها بين إيدين ربنا.
يعني تقريبًا ستة آلاف ركعة في السنة.
ستة آلاف مرة ينحني فيها الجسد ويرتفع فيها القلب إلى الله.
وده بس في الفروض
الفجر: ركعتين.
الظهر: أربع ركعات.
العصر: أربع ركعات.
المغرب: ثلاث ركعات.
العشاء: أربع ركعات.
يعني لسه ما حسبناش النوافل ولا قيام الليل.
تخيّلي بقى إن بعد الموت، الإنسان هيُسأل عن الصلاة
وهتتحاسب علىٰ الصلاة بالواحدة’
مثلًا صلاة عصر يوم الأربعاء في سنة كذا في شهر كذا في يوم كذا ما صلّيتيهاش ليه أو أخّرتيها عن وقتها ليه؟
تخيل مثلًا تقول إنّك أخرتها عشان كنت ماسك الموبايل
أو كنت بذاكر أو حتى عشان كسّلت إنّك تصلي أو ماصليتش أصلًا
تخيل بس إنك تقول إجابة زي دي وإنتِ في ظلمة القبر لوحدك والملائكة بيسألوك
تخيل وقتها هيكون إحساسك عامل إزاي؟
“بتكلم عن فرض واحد بس مع إن الفروض كتير أوي.
فبلاش التأجيل بلاش تقول لسه بدري.
لأن الحقيقة إننا بُعاد أوي وغيرك أقرب منك بكتير
وفي وسط الزحمة وسط الجري ورا الدنيا والانشغال اللي ملوش آخر تقول لسه بفكر أبدأ.
طب بُكرة, لما أكبر, لما أفضى بس الحقيقة إن بُكرة مش مضمون.
يمكن تكبر فعلًا بس تلاقي حاجات كتير من حياتك اتسحبت منك في الطريق اتسرقت من غير ما تحس.
أصل الدنيا مش باقية ولا إحنا باقيين فيها.
ومش كل حاجة بإيدينا ومش إحنا المتحكمين في النهاية.
والـمـ’وت مش بعيد”
_كانت جلسة ثيرابي لذيذة ومهمة وأثّرت فيَّ فعلًا.
أنتِ عسولة أوي يا نهلة، ويمكن عشان قلبك الطيب وكلامك الحلو، ربنا دايمًا بيراضيك وهيفضل يراضيك.
كنت أتمنى إنك تكوني أختي يمكن ساعتها حياتي كانت هتختلف كتير.
بس أكيد ربنا ليه حكمة إنك تظهري في حياتي بالطريقة دي،وإني أجي هنا وأقابلك، وألاقيك فجأة بقيتي أقرب شخص ليا.
بشكرك وبشكر أهلك كمان.
عمتك الطيبة اللي بتعاملني كإني بنتها، وكمان دكتور جاسر…
بعد فضل ربنا، أنتِ وأخوكِ كنتوا سبب إني أعيش حياة مستقلة وأبدأ أبني نفسي من جديد.
مين يصدق إني دلوقتي قاعدة في بيت ليَّ بيتي أنا.
ملكي ومحدش يقدر ياخده مني.
وبقى عندي دخل بساعد بيه نفسي وحلمي اتحقق.
بقيت مدرسة زي ما كنت بحلم.
بدرس للأطفال وبشتغل وحاجات كتير كنت فاكرة إنها مستحيلة.
ما كنتش أتخيل إن ده يحصل خالص ولو كان هيحصل كنت متوقعة إنه ياخد سنين وسنين.
مش يحصل كده في وقت قصير زي ما حصل.
نِعَم ربنا طلعت أجمل بكتير مما كنت متخيلة.
وأنا كنت فاكرة إن ربنا يمكن مش هيعوضني لحد ما سمعت شيخ بيتكلم عن أربع صور لعوض ربنا لعباده في الدنيا.
الصورة الأولى:
إن ربنا لو أراد ياخد نعمة من إيديك
يرجعها لك بنعمة تانية أحسن منها،
تقرّ بيها عينك ويرضى بيها قلبك.
الصورة التانية:
إن ربنا يقذف في قلبك وعقلك الفهم والحكمة فترزق بنعمة البصيرة.
الصورة الثالثة:
إن الأزمة تفضل موجودة فعلًا
لكن ربنا يخففها عنك،
يا إما بنِعَم تانية حواليك،
أو إنه يقذف في قلبك الزهد تجاهها
فتقدر تعيش معاها بهدوء وسكينة.
الصورة الرابعة:
إن العوض بالله سبحانه وتعالى
يملى قلبك بالاستغناء بوجوده.
لدرجة إنك تلاقي نفسك مش شايف أصلًا
إن في حاجة في الدنيا تستاهل الحزن عليها.
_مبسوطة إنك فهمتي وإن اتغير مفهومك عن الحياة الله ينور بصيرتنا.
المهم همشي أنا، وبكرة من الصبح تيجي يا هنا.
كتب كتابي اوعي تسبيني لوحدي، فاهمة؟
كان المفروض تيجي النهاردا وتباتي معايا بس عذرتك اهو، بلاش تيجي متأخر.
_مستحيل… لو مش أنا اللي هاجي، مين اللي هيجي؟
أنتِ اختي يا نهلة!
«غدًا ننسى المتاعبَ والليالي
‏كأنّ مشقّةَ الأيامِ غمضةْ».
أنـا هنا… بنوتة في ربيع عمرها، كانت تبني أساطيرها الخاصة في مخيلتها، أساطير من نورٍ وأحلام، لعلها يومًا ما تُساق إليها كما يُساق الأمل.
لكن، ها أنا اليوم، محاصرة بسجنٍ أسير عمري بأكمله، جدرانه صامتة، لكن صداها يُنهش قلبي كل لحظة.
أعلم، أعلم تمام العلم أن الأيام ستمر، وأن الجروح قد تُشفى، وأن الزمن يمر لكنّي لن أنسى.
لن أغفل عن وجعي يومًا، ولن أسمح لنفسي بالطمس أو النسيان.
أنـا… التي فقدت الـحب، والـدفء، والـحنان.
أنـا… التي هجرت من أحبّت، وهجرت معها روحها الطفولية، التي كانت تبحث عن حضنٍ دافئ لم تجده أبدًا.
أمي… السلام عليكِ… هل تعلمين؟ لم أحبك يومًا، لكن قلبي يفتقدك.
أفتقد لمسة، لمشاعر تغمرني منكِ, من دونها صرتُ شظية مهجورة في هذا العالم.
وأبي… لم أحبك يومًا، ولن أنسى كرهي لك، ذلك الكره الذي ينخر في عروقي.
هجرت طفلتك، لكنك تركتها تسقط في بئرٍ قاسٍ، من أعماقك أنت، من ذروتك التي لم تمتد لي.
لو جمعت يومًا بينكما لن أعلن الحب، ولن أعلن الرحمة.
سأعلن كـرهي… كرهي العميق، الموحش، الذي كُتب في خلجات روحي، واحتضن كل دمعة دمعت عليها عيني.
أنـا… هنا، أنا الألمُ الذي يسكنني، والطفلة التي فقدت عالمها قبل أن تعرفه.
هِنا انتهت آخر صفحة في دفتري، آخر ما دونت فيه من أسرار أفكاري، وجعي، وظلمي، وآهاتي.
كان ملجأي طوال الشهرين، كان المهرب والصاحب الذي احتجته لأهرب من ضجيج الأفكار، من صخب النهار، من صمت الليالي.
واليوم قررت أن أودعه، أن أغلق آخر صفحاته.
بقلب مثقل بألمٍ لن يشفى أبدًا، وبجرح سيظل محفورًا في أعماقي، لم ولن يُنسى.
لكن، قررت أن أظهر أمام العالم قوية، صامدة، قادرة على أن أبدأ من جديد.
صفحة جديدة بيضاء، مليئة بالأمل، بالحلم، وبنجاحٍ ينتظر أن يُكتب.
وكتبت في أول سطر فيها:
غدًا نحكِي فصُولَ الصّبرِ والغُمّة؛
بأن قَد زالَت البلوىٰ، وصارَت قصّةً تُروىٰ:’)
تاني يوم، جهزت وقفلت باب شقتي ونزلت عشان أروح عند نهلة، لكن لقيت جـاسر واقف تحت.
كان ساند جسمه على عربيته وواقِف، ونظره عليّ.
اتذهلت ووقفت مكاني مش قادرة أتحرك، ارتبكت من نظراته ووقوفه لكن اتحركت بهدوء ناحيته ووقفت مقدرتش أتكلم أو أسأله، لكن عدّل وقفته واتكلم بهدوء:
_يلا.
_يلا فين؟!
_عمتي عرفت إنك جاية دلوقتي وإحنا لسه الصبح، مش هتلاقي مواصلات وأصرت أجي أجيبك!
_أنا بعتذر والله، مكنتش حابة أضايق حضرتك يا دكتور. أنا كنت هاجي عادي بيكون فيه مواصلات، متقلقش.
_يلا يا أستاذة هنا، الوقت مش في صالحنا.
الدين والمنطق بيقول “لأ” ومينفعش، لإن دي خلوة بس طلعت بغباء مني وركبت! ذنب، ولابد أستغفر ربنا حاليًا.
ما أصل المفاجأة إن الذنب اللي حضرتك عملته ده، وروحت نمت، وبعد أسبوع مش فاكره، ربنا سبحانه وتعالى أحصاه (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ).
فربنا مش هيجي يحاسبك على اللي أنت فاكره، ربنا هيحاسبك على اللي أنت عملته.
فـ أنت عملت توبة بقى, توب دلوقتي طب رجعت تاني، توبة تاني، رجعت ألف، توب ألف
_مبسوطة في المدرسة، الشغل، حياتك؟!
“كان سؤاله، واللي حيرني وقتها، مقدرتش أكتم فضولي”
_ليه؟!
_هو إيه اللي ليه؟
_ليه بتساعدني؟ أنت عملت معايا حاجات كتير، غيرك مستحيل يعملها.
المساعدات الإنسانية مش بتكون بالشكل ده، مفيش إنسان بيعمل لحد كل ده، حتى لو شفقة، ومتقولش عشان نهلة وإني صاحبتها!
_للأسف هو عشان نهلة، عادي
هي أختي وأكيد هعمل كل حاجة تسعدها، وقريبة منها وأنتِ تشميلهُم!
_اشملهم؟! اه، هي بتحبيني، وسعادتي من سعادتها، لكن قريبتها فين؟
_يلا، وصلنا!
فعلاً وصلنا، ونزل من العربية مليش تعامل معاه أوي، لكن كنت بشوفه على فترات أوقات بحسه طيب، وأوقات بحسه شرير، بس الصفة الثابتة إنه غامض جدًا بشكل أوڤر.
دخلت البيت، ولقيت نهلة وعمتها في استقبالي
قضينا وقت مليان بالدفء واللطف، يمكن دي أوّل مرة أحس فعليًا بفرحة الغير، وفرحتي معاهم كانت شعور مميزة,ومختلف، حيّي، عميق… شعور نفسي أتمنى أعيشه مرة تانية، في عفو وسلام وعافية!
خلاص كنا على مشارف كتب الكتاب.
كان بسيط, العدد قليل، لكن الفرحة كانت باينة على وشوش الكل.
دخلت أظبط حجابي، وسيبتهم برا لحظات.
ولما خرجت بعد شوية عيني لـمحت شـخص.
اتجمدت مكاني اتلخبط نفسي، ولفّيت راسي بسرعة.
دوشة قديمة كنت متعودة عليها زمان رجعت تدق في ودني من تاني.
الإحساس اللي جوايا من مجرد المظهر اللي شوفته كان مرعب.
أسئلة كتير جريت في دماغي، خلت قلبي يدق بعنف.
لكـن, لا.
أكيد لا… مش ممكن.
بدأت أبعد بخطوات متلخبطة لحد ما خبطت في حد ورايا.
لفّيت بسرعة، وأنا تايهة وملامحي لسه شايلة أثر الدهشة والذهول.
قال بقلق:
_في إيـه؟حصل حاجة؟
“بلعت ريقي بصعوبة، وبصيت قدامي تاني، وقلت بصوت مهزوز”
_هـو… هو هنا بيعمل إيه؟!
‘عقد حواجبه بدهشة واستغراب واضح إنه مش فاهم قصدي أو يمكن أنا اللي فهمت ده”
وقال بهدوء:
_هو مين؟
رفعت إيدي بإرتعاش، وأشرت على المكان اللي واقف فيه
وقلبي بيغرق في خوف بيتسلل جوايا.
بصّ جاسر ناحية المكان اللي أشرتله وبعدها رجع بصلي بهدوء غريب، كأنه شايف حاجة عادية جدًا.
وقال ببساطة:
_ده…

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية فرصة ثانية) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!