قصة مرضى نفسيين الفصل الخامس والاخير 5 – بقلم بسمة هلوان
ـ أنت فين؟ المحكمة هتبدأ ولا أنت ولا المحامي موجودين!
ـ آلو أستاذة “رحمة”، بعتذر بس أنا مش الأستاذ “سليمان”، أنا من خدمة مستشفى (….) والأستاذ “سليمان” دلوقتي موجود في المستشفى بعد ما اتعرض لحادثة على الطريق السريع.
ماقدرتش تستحمل الخبر اللي سمعته وإيديها اتخدّرت وبترتجف فالموبايل وقع منها، كانت عيونها بتحكي كل حاجة في اللحظة دي، الخوف.. القلق.. الخذلان!
بنت اسمها “هاجر” شافتها كانت أخت “محمد” صاحب “سليمان” قربت عليها بقلق وهي بتقول:
ـ مالك فيه ايه؟ حصل حاجة؟
و”رحمة” من صدمتها ماقدرتش ترد عليها، عالمها انهار.. هيخسروا المحاكمة.. و”سليمان” عمل حادثة وفي المستشفى!! دموعها نزلت بصمت وماقدرتش تتحكم في نفسها، “هاجر” بصت على الصوت اللي جاي من تليفونها اللي مرمي على الأرض..
ردت على المكالمة وهي بتقول:
ـ مين؟
ـ أستاذة “رحمة”؟ لازم حد ييجي لـ”سليمان” بيه حالا.
ـ “سليمان”؟ وهو فين؟
بعد ما حكى لها كل حاجة قفلت معاه وهي راحت تقول لـ”محمد” اللي جري يجيب عربيته و”هاجر” أخدتها ركبت معاهم يروحوا للمستشفى.
كانت مسافة ساعة.. يعني المحاكمة ضاعت عليهم خلاص!
كان دا تفكير “رحمة” وهي بتمسح دموعها، بس افتكرت.. إن سلامة “سليمان” أهم، ماكانتش تعرف إنه غالي عندها كدا لدرجة تعيط علشانه حتى ولو بُكى بسيط.. معقولة قلبها اتغيّر؟
وصلوا للمستشفى أخيرا وهي بتهرول علشان تعرف هو موجود فين، وبعد ما عرفت الأوضة دخلت علشان تلاقي رجله المتجبسة وكف ايده كمان، وفيه جروح على وشه وفي راسه، كان.. مُشوه بالضمادات!
جريت عليه تشوف ماله وهي بتقول بلهفة غريبة عليها:
ـ أنت كويس؟ حاسس بوجع؟
ابتسم لها وهو بيقول لها باستفزاز:
ـ خايفة عليّ؟ قلت لك بتحبيني.
ضربته في كتفه بحدة وبلا اعتبار أنه مريض فاتوجّع وهي قالت له بتهزيق:
ـ دا وقت هزار وأنت متدشدش مليون حتة؟ وبعدين دا كان طريق سريع مش كان المفروض تمـوت بسبب سرعة العربيات؟
فتح عينيه على وسعهم من الصدمة وقال:
ـ بتفوّلي عليّ يا لئيمة؟
ـ لئيمة في عينك!
سمعوا صوت ضحك من وراهم كانوا “محمد” و”هاجر” واقفين لا محل لهم من الإعراب وشايفينهم بيتخانقوا.. “رحمة” بعدت وشها بإحراج ةكانت نسيت وجودهم أساسا..
و”سليمان” بص بابتسامة للي بمثابة أخته الكبيرة “هاجر”، وسلم عليهم وهو بيهزر فـ”رحمة” قالت وهي بتتذمر بسخرية:
ـ ولسة ليك عين تضحك بعد ما خسرنا المحاكمة؟ اجهز بقى علشان هتتنقل من المستشفى دي لمستشفى المجانين تاني.
ـ ومين قال إننا خسرناها؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعلى طرفٍ آخر كان المحامي في منتصف المحاكمة، بيقدم الأدلة اللي بتنفي تهمة الجنون عن موكله “سليمان”، بل ونشَر أدلة بتُدين مرات أبوه بإنها كانت السبب في موت والده بالبطيء بعد اكتشاف المادة اللي كانت بتحطها ليه وكانوا شرّحوا الجثة!
كانت صدمة ليها وهي بتقع على كرسيها هي و”رجاء” وحياتهم كلها اتدمرت، خسروا كل شيء ومافيش أدنى فرصة يخرجوا منها سالمين بعد ما التهم أثبِتَت بالفعل!!
المحكمة حكمت بسجنهم، بس “رجاء” أخدت عقوبة أخفّ لإنها ماشاركتهاش في جريمتها التانية، بس رغم كدا عيطت وسط المحكمة وهي بتضرب في التانية المصدومة إنها السبب!
والتانية ردت عليها بكل غلّ:
ـ ماحدش قال لك تمشي ورايا من الأول وتوافقي، أنا اقترحت بس أنتِ اللي قلتِ ماشي، أنا ماغصبتكيش!
نَفس كلام الشيطان وهو بيتبرأ من الإنسان بعد ما وسوس له!
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ يا لئيم! عملت كل دا؟ ايه الدماغ دي ياض؟ لحقت تعمل كل دا ازاي؟
قال لها ببسمة مرتاحة بعد ما “هاجر” و”محمد” مشيوا:
ـ كنت بخرج كل يوم وبجمع الأدلة مش بخونك ولا حاجَة، وصورتها وهي بتتكلم في التليفون مع والدتك وبتحكي كل حاجة، والدتك ساعدتني كتير.. بس لازم تتحمل عقوبتها.
“رحمة” مَرحها اختفى، حاسة بالخذلان.. أكيد دلوقتي مامتها بتتعاقب بدخولها السجن، مع إنها كانت مش قريبة منها بسس لا زالت والدتها.. زعلانة عليها.
“سليمان” مسك إيديها بيساندها وقال لها بمواساة:
ـ ماتقلقيش، مش هتقعد مدة طويل، عقبال ما تخرج هتكوني جبتِ عيّلين ولا حاجة.
ضربته في كتفه المتدشمل تاني وهي بتبدأ في العياط، وهو مش عارف يعمل ايه، راح مسك إيديها حطها على كتفه وقال بهدوء:
ـ لو ضربك ليّ هيريحك اضربيني، ازعلي وعيطي وارفعي صوتك.. ماتكتميش جواكِ.
شهقاتها صوتها علِي وهي بتخبي وشها بعيد عنه فاتنهّد وهو بيجيب منديل وبيديهولها فأخدته بقوّة بتمسح أنفها ورجعت تعيط، قعدت شوية لحد ما هديت ولفت وشها ليه وبتقول له بتهزيق:
ـ أنت أرخم حد أنا شفته في حياتي!
كتم ابتسامته وحط وشها في حضنه وهو بيقول بتريقة:
ـ نامي يا نونّا نامي، نامي يا قلبي نامي، بتبقي زي الملاك وأنتِ نايمة.
رفعت وشها وهي بتعيط وبتقول:
ـ قصدك إني دلوقتي شيطان؟
ـ دا أنا الشيطان وقليل الأدب كمان، نامي ياختي وعيطي.. دموعك دي مابتخلصش؟
ـ قصدك إن أنا تخينة؟
بص لها بصدمة لاستنتاجها:
ـ منين بيودي على فين؟ جبتِ منين الكلام دا؟
قالت بكل منطقية وهي بتعيط:
ـ ما أنت بتقول دموعي مابتخلصش يعني جسمي فيه مية كتير يعني أنا تخينة!
نظرته ليها كانت دهشة وهو مش مصدق ازاي ممكن توصل بتفكيرها من دا لدا؟ دي هرمونات الحُزن ولا هرمونات إبليس اللي عاوز ينكد عليه عيشته؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بعد تعافِي “سليمان” اللي كانت “رحمة” بتهتم بكل تفصيلة من رحلة علاجه علشان يقف على رجله من تاني ويتحسن، اتفتح موضوع الطلاق تاني، والمفروض دلوقتي همّ أدوا واجبهم تجاه بعض وخلاص كل واحد يروح لحاله.
كان “سليمان” اللي فتح الموضوع ونظراته ليها مترقبة.. بيتمنى ترفض وتختار إنها تكمل معاه بعد كل اللي عاشوه سوا والكيمياء والانسجام اللي نشأ بينهم طول الفترة اللي فاتت.
بس ردّها كسر آخر أمل في قلبه:
ـ تمام.
كلمة واحدة وسابته ومشيت، وهو بيبص لأثرها بضيق، مش مصدق إنها بتتخلى عن كل دا ببساطة! وبعدين هتعيش لوحدها ازاي؟ حتى بعد ما تاخد
الفلوس هتعيش ازاي؟ افرض تعبت فجأة ومالقتش حد يساعدها؟ أو.. دي بتخاف من خَيالها! ازاي هتعيش بس لوحدها؟
كانت دي أفكاره اللي قالقاه، قلقه عليها أثبت له في اللحظة دي إنها ماكانتش مجرد تجربة وهتعدي وخلاص.. بل عرف إنها بقى ليها مكانة في قلبه مش هيقدر يحط حد فيها غيرها! عرف إنه خلاص وقع.. ومش هيعرف يقوم تاني غير لما تمد له إيديها وتضحك في وشه!
بس ماكانش يعرف إنها أول ما خرجت من عنده كانت بتكبت دموعها بالعافية وبتحاول تبتسم علشان ماتحسسوش بحاجة، وكل تفكيرها في إنه مادام فتح الموضوع يبقى عاوز يطلّق.. أكيد هي كانت عبء عليه طول الفترة اللي فاتت.. أصل مين ممكن يستحملها بمزاجها دا وشخصيتها المتقلبة دي؟
كانت حابسة نفسها في المطبخ، سمعته بينادي لها:
ـ “رحمـة”؟؟
ـ حاضر جاية.
قالتها بهدوء وبعدين خرجت له بابتسامة عكس العبوس اللي كانت فيه من 10 ثواني، وهو قال لها بهدوء:
ـ أنا خارج برة، هبلغ “محمد” باللي قلتيه، وهنحدد ميعاد للطلاق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ قبل ما نبدأ، راجعوا نفكم مرة تانية.. إن أبغض الحلال عند الله الطلاق، متأكدين مش هتدوا نفسكم فرصة؟
كانوا قاعدين قصاد بعض و”محمد” بينهم، باصين لبعض وكل واحد بيفكر ازاي يصارح التاني بمشاعره؟ “سليمان” بيفكر إنها مش عاوزاه ومش بتحبه، وهي بتفكر إنها هتبقى عبء عليه وهو مش عاوزها!
“محمد” شاف صمتهم راح قال:
ـ هاسيبكم 10 دقايق تتتناقشوا فيهم، وبعد كدا القرار اللي تتفقوا عليه هحترمه.
قالها بهدوء وبعدين سابهُم وخرج، و”سليمان” من غير ولا كلمة راح للبلكونة وفتح الستاير، وجات نسمة هوا منعشة خلته يتنهّد.. وهي جات جنبه بتختلس النظر ليه..
لف وشه فجأة ليها وكان لسة هيتكلم بس هي سبقته وهي بتقول بسرعة وتهور وبتغمض عينيها بخوف:
ـ أنا مش عاوزة طلاق، أنا عاوزاك.
عدت لحظة صمت وهي أول ما استوعبت اللي قالته حطت إيديها على بُقها بصدمة، وهو بيبص لها بتفاجؤ لمدّة وعينيه اوسعّوا على آخرهم.
فجأة ملامحه قلبت وبدأ يضحك ضحك هستيري وصوته رنّ في المكان، دي آثار ما بعد الصدمة؟
وهي خبت وشها عنه بينما هو بيقول بضحك وبيشاور لها:
ـ طلعتِ في الآخر بتحبيني وبتخبّي عني!
خبت وشها بإيديها وهي بتعض على شفتها من التوتر وبتبعد عنه علشان تدخل جوة، بس هو مسك إيديها ووقفها وبيقول بابتسامة:
ـ أنا لسة ماقلتش اللي عندي.
رجعت مكانها وبتبص له بإحراج وهو بيكتم ضحكته بالعافية عليها، قال لها:
ـ أنا كمان بحبك.
قالها بهدوء وهو بيبص لها فلفت له بصدمة أكبر وهي بتعيد المشهد تاني وبتشهق بتحط إيدها على بُقها وبترجع لورا.. ضحك بصخب عليها وهو بيقول:
ـ ايه رد الفعل دي؟
شاورت له وهي بتقول بتلقائية:
ـ يعني أنت التاني كنت بتحبني وبتخبي عني؟
رفع حاجبه وقال بابتسامة:
ـ أنا عمري ما خبيت، أنتِ اللي مالاحظتيش.
عدت لحظة صمت وأما اتقابلت عيونهم ضحكوا وهم مش مصدقين اللي حصل، اعترفوا لبعض بحبّ اتولد في كام شهر كانوا كفيلين يعرفوهم إنهم مناسبين لبعض.
في اللحظة دي دخل “محمد” اللي أول ما شاف ضحكتهم قال باستفزاز وهو بيغبِط “سليمان”:
ـ شكلكم اتفقتوا على الطلاق؟
و”سليمان” اللي أول ما سمع الكلمة كأنه اتكهرب وهو بيقول:
ـ طلاق ايه؟ دي مراتي.
أخد إيديها في إيديه، وفي لمح البصر لقت نفسها بتجري وراه وهو عمال بيجري برة الشقة وبيبعد عنهم والتانيين باصين له بصدمة..
بيصرخ وهو بيجري بيها بفرحة وبيقول بضحك:
ـ هعمل لك فرح في المكان اللي تحبيه، قولي موافقة من قلبك بس.
وهي كانت بتلهث من كتر الجري بس صرخت معاه والسعادة باينة على وشها وبتضحك:
ـ مـوافقـــة!
التاني هلّل بفرحة وكل دا تحت أنظار اللي كانوا في البلكونة، “هاجر” و”محمد” اللي قال بصدمة:
ـ يا ولاد المجانين!
- اقرأ ايضا روايات ترند – كوكب الروايات
يتبع.. (قصة مرضى نفسيين) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.