رواية وهم الحياه الفصل الثامن عشر 18 – بقلم خديجه احمد

رواية وهم الحياه – الفصل الثامن عشر

البارت التمنتاشر
نواره
قعدت ساعات مع فجر، وفهمتني حاجات كتير عن الشغل… مش كل حاجة، بس الحاجات اللي لازم أي حد يعرفها عشان يقدر يساعد صح.
قالتلي: “روحي باشري الشغل وراقبي الموظفين كويس.”
ففعلاً، روحت.
كنت لابسة بدلة سودا وشعري مربوط ديل حصان… حسيت إني شبه فجر أوي.
قعدت أمشي وأراقب، أشيك على كل حاجة… وبصراحة، الكل كان عامل اللي عليه وزيادة.
وفجأة، سمعت صوت بيناديني باسمي!
تميم.
قرب مني وهو مبتسم وقال:
— دا انتي شكلك بقيتي مديرة بحق وحقيقي بقى.
ضحكت وأنا باسلم عليه وقلت:
— مش أوي كده يعني.
ابتسم تميم وهو مكمّل بنبرة هزار خفيفة:
— لا لا، أوّي كده، الوقفة واللبس والحضور… كله بيقول إنك اتغيّرتي.
ابتسامتي وسعت شوية، وقلت وأنا بحاول أبان عادي:
— يمكن عشان قررت أبقى نفسي بقى، من غير خوف ولا تردد.
بصلي بنظرة فهمت منها إنه فاهم
أكتر ما بيقول، وقال بهدوء:
— وده أحسن قرار ممكن تاخديه.
سكتنا لحظة، وبعدين سألني:
— عاملة إيه؟ أقصد… بجد.
اتنفست بعمق قبل ما أرد:
— أحسن. مش تمام قوي، بس أحسن من قبل.
هز راسه بابتسامة مطمّنة:
— المهم إنك ماشيه لقدّام، والباقي هييجي لوحده.
في اللحظة دي حسيت إني واقفة على أرض ثابتة لأول مرة من زمان…
مش محتاجة أهرب، ولا أبرر، ولا أستنى حد ينقذني.
أنا هنا… وببتدي من جديد.
قاطعنا صوت منى وهي بتقرب علينا،
علامات الغضب كانت باينة على وشها بوضوح.
وقفت قدامي، وابتسمت ابتسامة صفرا وقالت:
— إزيك يا أستاذة نواره؟
ابتسمت بتوتر وقلت:
— أستاذة إيه بس يا منى؟ أنا نواره عادي.
بصّتلي من فوق لتحت بنظرة مليانة معنى، وقالت:
— مش كان أولى تقوليلنا إنك أخت مدام ليل بدل اللفة دي كلها؟
اتكلمت بسرعة وأنا بحاول أبرر:
— أنا… أنا مقولتش عشان مكنتش عايزة حد يتعامل معايا بالشوكة والسكينة لمجرد إني أختها.
حبيت أكون على طبيعتي، من غير مجاملات ولا معاملة خاصة.
ردت ببرود واضح وقالت:
— هعمل نفسي مصدقاكي.
وبعدين لفّت بنظرها لتميم، اللي كان واقف بيراقب الموقف بذهول، وقالت بنبرة آمرة:
— اتفضل، ورانا شغل كتير.
اتحركت منى قدامنا بخطوات سريعة،
واضح إنها قاصدة تسيب وراها توتر في الهوا.
بصيت لتميم بسرعة، لقيته بيبصلي بنظرة فهمت منها إنه مستغرب بس ساكت.
قرب مني خطوة وقال بصوت واطي:
— متركزيش… هي بس بتبقى صعبه ف الشغل مش أكتر
هزّيت راسي وأنا باخد نفس عميق،
مش وقت ضعف، ولا وقت إحساس زيادة.
كملت لفّتي في المكان،
وأنا بحاول أركز في كل تفصيلة:
الشغل ماشي إزاي، الناس بتتكلم إزاي،
مين بيشتغل بضمير ومين بيأدي وخلاص.
وفجأة لقيت نفسي واقفة قدام مكتب فاضي.
مكتب لسه متجهزش،
لكن حسّيت إحساس غريب…
كأن المكان دا مستنيني.
في اللحظة دي جه صوت فجر من ورايا:
— عاجبك المكتب؟
لفّيت بسرعة، ابتسمت من غير ما أحس، وقلت:
— حاسة إنه… مناسب.
ابتسمت فجر بنظرة كلها معنى وقالت:
— من النهارده دا مكتبك.
مش عشان إنك أختي،
عشان أنا شايفة فيكي حاجة حلوة، ولسه هتكبر.
قلبي دق جامد،
مش فرحة بس…
إحساس إني أخيرًا واقفة على رجلي.
ومن بعيد،
كانت منى واقفة بتراقب،
وعينيها بتلمع بحاجة مش مريحة أبدًا.
وأنا ساعتها فهمت:
اللي جاي مش سهل…
بس أنا كمان مبقتش سهلة.
________________
تميم
دخلنا المكتب،
وأخيرًا لقيت فرصة أتكلم وأفهم مالها.
قلت بصوت متحشرج وأنا بحاول أسيطر على أعصابي:
— في إيه يا منى؟ حامية على البنت كده ليه؟
بصّتلي بسخرية وهي بتقلب في الورق قدامها، وقالت ببرود:
— بجد يعني؟ أنا اللي غلطانة!
مش شايف إنك بقيت معاها طول الوقت تقريبًا؟
بصّتلها بهدوء وقلت:
— لا، مش شايف يا منى.
وحتى لو كده… فيها إيه يعني؟ دي صاحبتنا.
قفلت الملف بعصبية، ورفعت صباعها في وشي وهي بتقول بسرعة:
— عمرها ما كانت صاحبتنا.
صاحبتك إنت آه، إنما مش صاحبتي أنا، فاهم ولا لأ؟
نفد صبري، ونبرتي علت من غير ما أحس:
— أنا مش فاهم… إنتِ مش بتحبيها ليه؟
رفعت صوتها فجأة، والزعيق طلع منها من غير تفكير:
— عشان بحبك!!!!
سكتُّ.
الكلمة وقعت بينا تقيلة،
وأنا لأول مرة فهمت…
إن المشكلة عمرها ما كانت نواره.
بصيت لها بصدمة، مش عارف أرد منين ولا بإيه.
اتنهدت وقلت بهدوء حاولت أجمعه بالعافية:
— منى… إنتي بتقولي إيه؟
قربت خطوة، وعينيها فيها وجع وغضب مع بعض:
— بقول الحقيقة اللي عمري ما عرفـت أقولها.
وأهو انتي شايف… من ساعة ما دخلت نواره حياتك وانت متغير.
هزّيت راسي بنفي، ونبرة صوتي بقت أوضح وأقسى شوية:
— أنا متغيرتش،
بس يمكن إنتي اللي كنتي متوقعة مني حاجة عمري ما وعدتك بيها.
شدّت الملف اللي في إيدها ورمته على المكتب بعصبية:
— يعني إيه؟
يعني كل السنين دي ولا حاجة؟
قربت من المكتب، سندت بإيدي عليه وبصّيت لها في عينيها مباشرة:
— اللي بينا شغل وصداقة،
ولا مرة قلتلك غير كدا،
ولا مرة لمّحت بحاجة تانية.
سكت شوية، وبصّيت لها بنظرة هادية بس قاطعة، وقولت:
— منى… أنا بحترمك، وبقدّرك، بس عمري ما شوفتك غير صاحبتي وبس.
الكلام نزل عليها زي الضربة.
ضحكت ضحكة خفيفة مكسورة، وهي بتهز راسها بعدم تصديق:
— صاحبتك؟
يعني كل اللي شوفته، كل اللي حسيته، طلع وهم؟
قربت خطوة، صوتها كان بيرتعش بس لسه فيه عناد:
— طب ليه؟
ليه تسيبني أفهم غلط؟
ليه كل مرة أحتاجك ألاقيك موجود؟
تنهد وقولت بهدوء موجع:
— عمري ما وعدتك بحاجة، ولا لعبت على مشاعرك.
إنتي اللي قربتي أكتر من اللازم.
عيونها لمعت بالدموع، بس رفضت تقع.
شدّت نفسها، ووقفت مستقيمة وهي بتقول بنبرة حاولت تخليها قوية:
— تمام…
يبقى من النهارده، خليها هي صاحبتك.
وأنا… هعرف أرجع خطوة ورا
وانساك.
لفّت وشها بعيد عشان مشوفش كسرتها،
وقبل ما تخرج من المكتب قالت بصوت واطي بس حارق:
— بس افتكر كلمة واحدة يا تميم…
القلب لما بيتكسر، مش بينسى بسهولة.
وخرجت،
سايبة وراها صمت تقيل،
وانا واقف مكاني حاسس إن أول مرة افهم
إن الرفض أوقات بيوجع اللي بيرفض
قد ما بيوجع اللي اتحب.
__________________
فجر
خدت شنطتي وأنا خارجة، يعقوب كان مستنيني قدّام الشركة.
لكن قبل ما أفتح الباب، لقيت منى خارجة بسرعة، ودموعها مغرّقة وشّها.
وقفتها قبل ما تمشي، مسكت إيدها وقلت بقلق:
— مالك؟ بتعيطي ليه كده؟
مسحت دموعها بضهر إيديها، وحاولت تتماسك وهي بتقول:
— مفيش يا مدام فجر.
ابتسمت بسخرية خفيفة وأنا ببصّ لها:
— مفيش إيه بس؟
دا وشّك محمّر من كتر العياط.
بصّيت في ساعتي، الوقت كان بيجري.
طبطبت على كتفها وقلت بنبرة أهدى:
— صدقيني، مفيش حاجة في الدنيا تستاهل دموعك بالشكل ده.
شدّيت شنطتي وأنا بكمل:
— استنيني… هروح مشوار صغير وهرجع،
وساعتها هنعرف مالك بالظبط.
كله هيبقى تمام… أو على الأقل هنبقى فاهمين.
سيبتها واقفة،
ومشيت وأنا حاسة إن اللي جاي
هيقلب كل الموازين.
خرجت، وكان يعقوب فعلًا قاعد في العربية مستنيني.
اتنهدت وأنا بفتح الباب وقعدت على الكرسي اللي جنبه.
لفّيت له وبصّيت في عينه وقلت بهدوء مقصود:
— جاهز؟
رد بابتسامة واثقة:
— جاهز…
وسكت لحظة قبل ما يكمل:
— إنتِ جاهزة؟
لبست نضارة الشمس، وبصّيت قدّامي بثقة وأنا بقول:
— أنا دايمًا جاهزة.
ودوّر العربية، وقال بنبرة غريبة شدّت انتباهي:
— ودايمًا برضه بتبقي واخدة الشنطة معاكي؟
لفّيت وبصّيت له بعدم فهم متعمّد…
أو يمكن كنت فاهمة، بس بستعبط:
— وضّح كلامك.
فضل باصص قدّامه، صوته هادي بس تقيل:
— إنتِ فاهماني كويس.
الشنطة اللي دايمًا معاكي في كل حتة…
اللي فيها مسدس.
وساب الطريق لحظة، وبصّلي في عيني نظرة مباشرة، وقال:
— أوضّح أكتر من كده؟
سكتُّ.
السكوت المرة دي ماكانش هروب…
كان اعتراف من غير كلام.
خدت نفس بطيء، وشيلت عيني من عليه وبصّيت قدّامي، وكأني براقب الطريق…
بس الحقيقة إني كنت براقب نفسي.
قلت بهدوء متعمّد:
— ما كنتش متخيلة إنك واخد بالك.
ابتسم ابتسامة خفيفة، مافيهاش هزار، وقال:
— اللي عايش طول عمره حذر… بيعرف يشوف.
سكت شوية، وبعدين كمّل وهو لسه سايق:
— بس اللي مش فاهمه…
إنتِ ناوية توصلي لإيه؟
لفّيت له وبصّيت في عينه المرة دي من غير لف ولا دوران:
— ناوية أوصل للحقيقة.
ضحك ضحكة قصيرة، بس فيها قلق واضح:
— والحقيقة دي مستاهلة كل اللي بتعمليه؟
اللعبة دي خطيرة يا فجر.
قربت من الشباك شوية، وصوتي نزل أكتر:
— الخطر الحقيقي إني أسكت.
إني أسيبهم فاكرين إنهم أذكى مني.
ضغط على الفرامل فجأة، العربية وقفت على جنب.
لفّ لي بجسمه كله وقال بحدة مكتومة:
— إنتِ مش لوحدك في الحكاية دي، فاهمة؟
أي خطوة غلط… هتغرق الكل.
ابتسمت، الابتسامة اللي دايمًا بتسبق العاصفة، وقلت بثقة:
— عشان كده مختارتكش غير وإنت معايا.
وعشان كده…
النهارده لازم نكمّل للآخر.
بصلي شويه وقال بتساؤل:
__معرفتش برضه ليه دايما شايله مسدس معاكي؟
اتنهدت وأنا بقول:
__بيحسسني بالأمان ..
فضل باصصلي شوية، نظرة فيها خليط بين قلق واستغراب، وبعدين رجّع عينه للطريق وقال بهدوء:
— الأمان مش دايمًا بييجي من الحديد يا فجر.
ابتسمت ابتسامة جانبية، مافيهاش فرحة، وقلت وأنا بسند راسي على الكرسي:
— يمكن…
بس لما الأمان من البشر بيخذلك، بتدور على أي حاجة تمسكك واقف.
سكتنا شوية، صوت الموتور هو الوحيد اللي مالي المكان.
وبعد لحظة قال بنبرة أخف:
— واضح إنك اتخذلتي جامد.
لفّيت له وقلت بثبات حاولت أصدّقه قبل ما يصدّقه هو:
— اتخذلت،
بس متكسرتش.
هزّ راسه كأنه اقتنع نص اقتناع، وقال:
— أهم حاجة تفضلي فاكرة إن القوة مش إنك تشيلي سلاح…
القوة إنك تعرفي إمتى تستخدمي عقلك.
بصّيت قدّامي، وضميت الشنطة أقرب لجسمي، وقلت بصوت واطي:
— ما تقلقش…
أنا طول عمري بلعب بعقلي قبل أي حاجة تانية.
كمل السواقة، والطريق كان طويل…
بس اللي جاي في آخره
كان أخطر من أي سلاح.

الفصل التالي اضغط هنا

يتبع.. (رواية وهم الحياه) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.

أضف تعليق

error: Content is protected !!