رواية عهد الدباغ – الفصل الرابع عشر 14
في داخل ردهة بالجامعة
حيث تختلط ضحكات الطلاب بخطوات مسرعة وأحاديث عابرة، كان اللقاء الذي لم تُرتب له الأقدار… من أجل زيادة الوجع بقلب غزال، حين رأت
كنان يقف أمام أحد المدرجات، كتفُه مائل بثقة اعتادها، وعيناه تبحثان عن شيءٍ يعرفه جيدًا…
لم يطول الانتظار… جاءت تلك الفتاة تتهادى بخطوات هادئة، اناقتها مُلفتة… بدايتًا من حقيبتها على كتفها بيدها كتاب، زيها المناسب والأنيق.. وابتسامة صغيرة تسبق ملامحها الجميلة بوضوح.
توقف الزمن لحظة حين تلاقت أعينهما… تفوهت مباشرةً
أستاذ كنان.
قالتها برِقة خفيفة، كأن الاسم خرج منها قبل أن تستأذن قلبها.
– “راندا”…
نطق إسمها بهدوءٍ لم يخفِ اعجابه، الذي حاول عدم إظهاره…
دار بينهما حديث عابر، عن المحاضرات، عن بعض الاستفسارات، عن أشياء لا معنى لها…
لكن العيون كانت تبوح ما لم يحاول اللسان على الاعتراف به.
ضحكة راندا كانت سهلة، قريبة،
كذالك كنان رغم محاولته التماسك مال بجسده نحوها دون وعي، كأن المسافة بينهما خيانة لا تُحتمل.
على بُعد خطوات…
كانت غزال تدلف الى تلك الرُدهة .
توقفت فجأة، كأن الأرض جذبت قدميها قسرًا.. رأت المشهد كاملًا
كنان… وراندا…
القرب، النظرات، ذلك الانسجام الذي لا يُمثل… انقبض قلبها…
ليس غيرة صاخبة… بل حُزن صامت، ثقيل، يشبه انكسار شيءٍ ثمين دون صوت…
كان واقفًا هكذا معها كأنهما حبيبين …
تراجعت خطوة.
ثم أخرى.
لم تبكي..تود أن تصرخ…
تشعر كأن شيئًا في صدرها انطفأ…
شعرت بأنها دخيلة على مشهدٍ لا يخصها،
وأن الجامعة بكل اتساعها ضاقت فجأة حتى صارت ممرًا واحدًا لا مكان لها فيه…
أدارت وجهها تُخفي دمعتها،
ومضت…
بينما ظل كنان يضحك مع راندا،
غير مدرك أن قلبًا كان ينسحب بهدوءٍ من
ويتحسر…ليست المرة الأولى لذلك ،تعيش دون أمل فى ذلك الحب الذي يعذبها فهل هنالك أسوء من الحب من طرف ورؤية الطرف الآخر مُنعدمة..
مضت غزال بخطوات ثابتة ظاهريًا،
لكن قلبها يتعثر ويتكسر مع كل خطوة…
لم تلتفت…
خافت إن التفتت أن يخونها بصرها،
أو أن يُلاحظ أحد زملائها.. فتُفضَح كل تلك القوة المصطنعة التي تُظهرها… خرجت بفناء الجانعة
جلست على أحد المقاعد الحجرية أسفل شجرة عتيقة،
وضعت حقيبتها جوارها، وأسندت ظهرها،
كأنها تطلب من الجدار الصامت أن يحمل عنها ثِقل اللحظة…
ليه مكتوب عليا العذاب ده …
قالتها لنفسها بمرارة.
لماذا صدقت أنني مختلفة؟ لماذا أقنعت قلبي أن له مكانًا؟
في تلك الأثناء،
ضحكة راندا ارتفعت أكثر مما ينبغي…
ضحكة تعرفها غزال جيدًا،
ضحكة امرأة واثقة أنها لم تخسر بعد.
تسللت نغمة الضحك إلى أذن كنان،
فخف صوته فجأة،
وشردت عيناه دون قصد،
كأنه لمح شيئًا.
لاحظت راندا ذلك سألته باستغراب:
مالك.
-ولا حاجة.
قالها سريعًا، لكن قلبه لم يطاوعه…
نظر حوله،
الباحة نفسها، الوجوه ذاتها…
لكن إحساسًا غريبًا تسلل إليه،
إحساس بالفقد دون أن يعرف ما الذي فقده… كأنه رأي ظلًا لتلك الفتاة ثم إختفي… نفض عن رأسه بالتأكيد ذلك مجرد خيال سببه غيظه منها ومن عمتها، فمستحيل أن تكون هنا… يبدوا أنها كما أطلق عليها”خيال المآتة”.
بينما على ذلك المقعد،
أغمضت غزال عينيها للحظة،بعدما سمعت تلك الأصوات ونظرت أمامها رأت كنان وتلك الفتاة يسيران بفناء الجامعة منظرهما كم هما يليقان ببعضهما، غاص قلبها فى الحزن
تركت دمعة وحيدة تنفلت سقطت بصمت،
ثم مسحتها سريعًا بظهر يدها، كأنها تُنكر وجودها… ثم أدارت وجهها الناحية الأخري
عدلت من حجابها، رفعت ذقنها،
واستعادت تلك الصلابة التي تعلمتها من الخسارات المتكررة… وفي اللحظة نفسها،
استدار كنان دون سبب واضح،
لم يرا وجهها
لكن رأى ظهرها وهي تبتعد،
رأى تلك الخطوة الحاسمة، لا يعلم سبب لذلك الخفقان
تجمد مكانه للحظات لا يعلم السبب…
-كنان.
قالتها راندا، لكنها لم تعد محور انتباهه.
شيء ما في داخله ينظر نحو تلك الفتاة، دون سبب
كأنها إن غادرت الآن …قد لا تعود.
ما سبب ذلك الشعور الغريب، والغير مفهوم… وبخ نفسه كيف لعقله أن يكون بهذا الخواء، ينظر نحو فتاة تسير بظهرها، ومشاعر غريبة تُشغل عقله… منذ متي وكان مُغفلًا أحمق هكذا.
بينما غزال،كانت تسير للأمام،وقلبها خلفها،تركه هناك…عند أول لقاء علمها أن الوجع قد يأتي بلا استئذان،
ولا يرحل بسهولة… وكم هي ضئيلة مقابل مكانة كنان… سواء الإجتماعية أو حتى العِلمية.. ما تناسبه هي تلك الجميلة ذات المكانة المناسبة.
…. ــــــــــــــــــ…
بعد وقت بالغورية…
ترجلت راندا بتأفُف من تلك السيارة، ثم دلفت الى إحد البِنايات الشبه عصرية.. مجرد بضع درجات سُلم وضعت ذلك المفتاح بمقبض الباب وفتحت دلفت الى تلك الشقة الكبيرة..خلعت نعليها وتركتهما دون إهتمام،ثم سارت للداخل نظرت نحو تلك السيدة الشبة بدينة التي تجلس على آريكة بالردهة،قد لا تظهر ثيابها من كثرة الحُلي الذهبية…رغم ذلك تحدثت بطريقة شعبيه:
إيه آخرك يا راندا،أبوكِ جه من المدبغة وكان مضايق وسأل عنك قولت له عندك محاضرة متأخر.
أجابتها بنزق:
طب ما أنتِ قولتي له الحقيقة،بعدين أنا جاية هلكانه من المحاضرات،وبعدين إشمعنا النهاردة بابا سأل عني.
أجابتها:
هو كان مضايق…باين كان فى مناقصة جلود هو داخل فيها،وخسرها…سمعته كان بيكلم حد عالموبايل وكان متعصب أوي…وقال إن المناقصة رسيت على الحج محي الدباغ زي العادة.
فهمت راندا سبب عصبية والدها
…تنهدت بضجر قائلة:
ده شيء طبيعي، بابا محتاج يتعود إن الحج محي الدباغ دايمًا سابقه بخطوة… بس واضح إن الموضوع المرادي وجعه.
اعتدلت السيدة في جلستها، فاهتزت أساورها الذهبية بصوت خافت، وتحدثت وهي تلوح بيدها:
وجعه بس،،، ده هو مولع من ساعة ما دخل وهو مش طايق نفسه، لا أكل ولا شرب، وقعد يزعق في الكل كإنهم السبب. . أنا خُفت لا يطلع غضبه علينا.
رمقتها راندا بنظرة جانبية، ثم سارت نحو الأريكة المقابلة وجلست متكئة للخلف، زفرت بملل:
الحج محي ده مش بيكسب بمجهوده بس… وِراه حاجات تانية، بابا عارف كده كويس، بس عمره ما بيعترف.
سادت لحظة صمت، قطعتها السيدة بنبرة أخفض، أقرب للدهاء:
بس المرة دي غير… أبوك قالها صريحة “المناقصة دي لو كانت رسيت عليا، كنت قفلت عليه لعبته”.
ارتفع حاجبا راندا بفضول مشوب بالحذر:
لعبته.. لعبة إيه.
ابتسمت السيدة ابتسامة غامضة، وهي تعدّل من جلستها:
ما أعرفش التفاصيل، بس واضح إن فيه حاجة كبيرة… حاجة تخليه متعصب بالشكل ده.
سكنت ملامح راندا فجأة، وراحت تحدق في الفراغ، كأن خيطًا خفيًا بدأ يتكون في عقلها. تمتمت بهدوء:
يبقى الصراع لسه ما خلصش… وده معناه إن الأيام الجاية مش هتكون سهلة على حد.
نهضت ببطء، التقطت حقيبتها، وأضافت بنبرة حاسمة:
قولي لبابا إني طالعاله حالًا… شكله محتاج يسمع حد يفهمه، مش حد يزودها عليه.
تحركت نحو الداخل، بينما بقي صدى كلماتها معلقًا في الردهة، ثقيلًا… ينذر بما هو قادم.
❈-❈-❈
بشقة والد عهد
صدمة أذهلت عقل عهد وهي يعود ويتردد بعقلها تلك الجملة
” فاروق جاي عشان ياخد ياسين لـ بيت الدباغ”
كيف ذلك، لن يحدث بالتأكيد مستحيل…
هزت رأسها بعنف، كأنها تحاول طرد الفكرة من عقلها، وهمست برفض قاطع:
لا… مستحيل. ده ما يحصل.. ياسين هيفضل هنا معايا.
تملك الغضب من فاروق ونهض واقفً يقول بنبرة امتلاك:
ياسين إبني، وأنا عاوز إبني يتربي فى بيتي يا عهد.
نظرت له بغضب قائلة بعصبية ونبرة مُبطنة بالتهديد المباشر :
كمان يبقي إبن أختي يا فاروق ولو بالأحق والأولى يبقي ماما هي اللى لها الحق يبقي معاها.
فهم مغزي حديثها المُبطن…لو بوقت آخر كان إبتسم باستهزاء..
…لكن احتدت ملامحه، وكذلك عيناه، وكأن كلمتها أصابت موضعًا مكشوفًا داخله…
تقدم خطوة واحدة، صوته خرج أخفض، لكنه قوي وقعًا:
متلعبيش على الحتة دي يا عهد… أنا مش داخل معركة عيلة، أنا باخد حقي.
ضحكت ضحكة قصيرة موجعه، خالية من أي مرح، وقالت وهي ترفع ذقنها بثبات:
حقك.
ثم أشارت بيدها نحو الغرفة:
شوف ابنك نايم إزاي… مطمن. ده من حق ماما.. هي صاحبة القرار.
اقتربت منه دون خوف، حتى صارت المسافة بينهما ضئيلة، ونبرتها تحولت إلى همسٍ حاد:
البيت اللي عاوزه يتربى فيه ابنك… أنا مش واثقة فيه.. ولا في اسم الدباغ نفسه.
اشتعلت عيناه، قبض على يده بقوة حتى برزت عروقه، وقال بانفعالٍ مكبوت:
متغلطِيش… بيت الدباغ ده اسمي وسمعتي، ومش أقل من أي بيت.
قاطعته فورًا، صوتها انفجر لأول مرة:
سُمعة؟
ثم أردفت بمرارة:
السُمعة ما حمتش حد قبل كده… ولا الاسم الكبير بيطبطب على طفل لو خاف بالليل.
ساد صمت مشحون، ثقيل كأنه يضغط على الجدران…
فاروق كان ينظر لها وكأنه يراها لأول مرة… ليست المرأة المغرورة التي يعرفها، بل مثل أمًا مستعدة لأن تحترق ولا تُسلم طفلها.
قال أخيرًا بلهجة تحذير:
أنا لغاية دلوقتي محترم العِشرة اللى كانت بينا وقت المرحومة فرح
ومش جاي آخده غصب… بس لو اضطريت، هعمل اللي لازم يتعمل.
ردت دون تردد، وعيناها ثابتتان فيه:
وأنا لو اضطريت… هبقى أقسى مما تتخيل يا فاروق.
إحتدت نظراتهم… لحظات يحدقان فى بعض كل منهم يملُك مشاغر متابينة.. قطع تلك النظرات صوت أنينٍ خافت…من الغرفة المجاورة.. كان أنين ياسين.
في تلك اللحظة، أدرك الاثنان أن الصراع لم يعد بين رجل وامرأة…
قطع ذلك توفيق حين نهض قائلًا:
بتهدئة:
إهدوا لو سمحتوا…
عهد بلاش طريقتك دي، فى النهاية فاروق شخص عزيز، والأقرب لـ ياسين.
كادت عهد أن تعترض لكن قطع ذلك رنين هاتف فاروق…كاد يتجاهل الرد ويتمسك بـأخذ ياسين…لكن تفوه توفيق:
شوف مين بيتصل عليك يا فاروق.
امتثل فاروق وأخرج هاتفه،لكن لم يكن ينوي الرد فقط ليُغلق الرنين..لكن حين قرأ إسم والده،تنهد برتابه ثم قام بالرد…
تحدث محي بسؤال:
إنت فين يا فاروق،تعالي لي المقر فورًا،وإتصل على الغبي التالت آخرة صبري هاتوه هو كمان ضروري.
تنهد فاروق قائلًا:
تمام يا بابا،ساعة بالكتير وأكون عندك.
أغلق فاروق الهاتف ثم نظر نحو عهد المُتحفزة،حاول تهدئة أعصابه قائلًا:
تمام عندي شغل مهم ولازم أمشي دلوقتي..بس الموضوع منتهاش،وياسين مكانه بيت محي الدين الدباغ.
قال ذلك ولم ينتظر رد عهد وتوجه مُغادرًا بخطوات سريعة محسوم القرار فى رأسه لكن لا مانع من بعض الوقت.
بينما نظرت عهد نحوه وهو يغادر باستهزاء وكادت تحدث لولا نظرة والدها الذي إصطحب فاروق الى باب الشقه ثم عاد الى تلك الغرفة..نظر لـ عهد كأنه يؤنبها.. شعرت عهد بالغضب وتحدثت بعصبية:
بتبص لى كده ليه يا بابا أنا مغلطتش، اللى أسمه فاروق ده شخص مُستفز ومعدوم الانسانية، مش بيحس بوجع غيره و…
قاطعتها ميرفت بلوم قائلة:
بالعكس لو كان عمل عكس كده كنت صدقت على كلامك، لكن فاروق شخص محترم… ومن حقه إبنه يتربي فى بييته.
ذُهلت عهد وقبل أن تتحدث… تفوهت ميرفت بألم:
أنا أم وقلبي محروق على فُراق بنتي وحاسة بوجع رهيب بفرتك فى قلبي.. بس مش معني كده إني أبقي أنانية وأصادر حق غيري.
تفوهت عهد بصدمة:
حق غيرك فى إيه يا ماما… ياسين هو ااذكري اللى باقيه من فرح وإحنا الأولى بيها، أنا فى أيام العزا لما كنا في بيت الدباغ، كنت بسمع همس الستات وهما بيقولوا، أنه يا حرام شاب وإترمل، وأكيد مش هيفضل من غير جواز…
-حقه.
كلمها قالتها ميرفت… كذالك أومأ توفيق بتوافق… بينما ذُهلت عهد قائلة بحشرجة صوت:
حقه!
حقه إنه يتجوز… يبقي طالما كده إحنا الأولى بـ ياسين، الله أعلم هيتجوز مين وقتها معاملتها لـ ياسين أكيد هتبقي قاسية… يبقي له نعرضه لكده هو هنا معانا أضمن.
بحرقة قلب تفوهت ميرفت:
ممكن ده يحصل فعلًا…بس كمان فى حل تاني نقدر نحافظ على راحة ياسين وإنه ميتعرضش للأذي.
تفوهت عهد باستفسار:
وإيه هو الحل ده،بس يكون بعيد عن إن فاروق ياخد ياسين.
بمرارة وعلقم فى حلقها فسرت ميرفت:
إنتٍ يا عهد.
لم تفهم عهد وتفوهت بسؤال:
مش فاهمة.
لم تستطع ميرفت التفسير صعب على قلبها كذالك توفيق لكن ضعط على نفسه قائلًا:
إنتِ يا عهد تتجوزي فاروق.
صدمة أفقدتها النُطق للحظات تُعيد ترتيب معني الكلمات برأسها…جحظت عينيها وبصعوبة تفوهت برفض قاطع:.
مستحيل ده يحصل…أنا وفاروق مفيش بينا ذرة قبول أساسًا.
-هو ده الحل الوحيد يا عهد…فاروق مش شخص سيء،زي ما إنتِ دايمًا راسمة عنه الفكرة دي..لو كان شخص جاحد كان إتخلي عن فرح وقت مرضها ومهموش غير نفسه…حتى مصاريف علاجها الكتير،كان سهل يرميها فى المستشفيات وميسألش عنها…حتى باباكِ عرض عليه يساهم فى مصاريف العلاج رفض.
هكذا قالت ميرفت،بينما إعترضت عهد قائلة:
كل دي مش مُبررات يا ماما،أي زوج محترم زوجته مُلزمه منه…أنا مستحيل أوافق اتجوز من فاروق…كمان مستحيل أفرط فى ياسين ولو إضطر الأمر هلجأ للمحاكم…ومع أول حُكم هيبقي ياسين فى حضانة حضرتك..وهو عارف كده كويس.
تفوهت ميرفت برفض:
مستحيل ده يحصل…إحنا بينا وبين فاروق وأهله عِيشرة ومفيش مره زعل أختك لا هو ولا حد من أهله،بالعكس كانوا أهل وأحسن من الأهل كمان،فكري يا عهد كويس بلاش تتسرعي..أنا أكتر واحده قلبها موجوع..وصدقيني هو ده الحل الوحيد اللي يضمن لـ ياسين حياة مُستقرة.
ضمت يديها بقوة حتى ابيضت مفاصلها، وصوتها خرج منخفضًا لكنه قاطع:
اللي عايز ياسين… يعدي عليّا الأول. وأنا مش سهلة العبور.
وفي داخلها، لم يكن الخوف هو المسيطر…كان الغضب.
وغضب عهد حين يستيقظ، لا يهدد… بل يُدمر.
••••❀
بالمقر الخاص بالدباغ
دلف فاروق ومن خلفه كنان يلهث وهو ينظر نحو فاروق قائلًا:
شاورت لك وإنت داخل الاسانسير تستناني نطلع سوا لكن إنت معبرتش.
نظر له فاروق قائلًا:
مشوفتكش،وبعدين بتنهج من طلوع السلم ده هما خمس أدوار بس، أمال فبن الرياضة والجيم والعضلات.
– كله هوا.
قالها محسن فابتسم محي الجالس على رأس الطاولة قائلًا بمزح:
مش شاطر غير يتحنجل لأمه ويقولها هعملك مساچ…عشان يضحك عليها وتقنعني أدفع له أقساط العربية الجديدة.
نظر كنان نحوه قائلًا بمزح:
طول عمرك قلبك قاسي.عليا يا حج…والعربيوة اتخربشت.
نظر له محسن باستفسار..أومأ له قائلًا:
هقولك بعدين…بس أوعدني تدفع لى تمن القسط.
ضحك محسن بينما لاحظ محي،تجهُم ملامح فاروق كذالك عدم مشاركته بالمزح..يعلم السبب..ليس حزنه فقط على رحيل زوجته … كذالك حيرته وابتعاده عن ياسين..زفر نفسه بحسم قائلًا:
كفاية هزار فارغ مش وقته قربوا أقعدوا عندنا الأهم.
امتثل الثلاث،وجلسوا على الطاوله…
تفوه محي:
دلوقتي المناقصة اللى كان عاملها الجيش رسيت علينا…ودي مناقصة كبيرة جدًا ومحتاجة شغل كتير.
ابتسم محسن.قائلًا:
قولت لك يا حج المناقصة مضمونه.
تنهد محي ببسمة فخر قائلًا:
مش المعركة هي الفوز بالمناقصة،المعركة فى اللى جاي بعد كده…نجاحنا فى تدوير الجلود دي،هيرفع مكانتنا فى سوق الحلود كله…وده المطلوب الشغل عليه دلوقتي…المدابغ تتحمل شغل أكتر.
نظر محسن نحو فاروق، كان شاردًا.. وكزه كنان فانتبه… تفوه باجابه:
أيوه يا حج متقلقش…أنا جددت المدابغ ووسعت المخازن كمان.
أومأ محي فتحدث محسن:
والمصنع الجديد خلاص جهز يا حج يعني إطمن.
تنهد محي قائلًا:
لسة خطوة توزيع الأنتاج بعد التصنيع هي الأهم.
أجابه كنان:
اطمن يا حج أنا وفاروق قابلنا كذا عميل وعندنا اتفاقيات كتير،حتي قابلنا عملاء عرب كمان…يعني اللحمد لله وش عربيتي الجديدة حلو وان شاء الله هسدد الاقساط قبل ميعادها من حقي فى الصفقات دي.
ابتسم محي،ينظر لهم بفخر،لكن غص قلبه على حال فاروق التائه.
❈-❈-❈
لبلًا
بغرفة محي
محي واجلال
دخل محي إلى الغرفة بخطوات هادئة.. وجد إجلال تجلس صامتة، عيناها شاردتان وكأنها ما زالت غارقة فى التفكير بشيء هام… وضع يده على كتفها، فإهتز جسدها.. لاحظ ذلك محي جلس جواراها وتحدث دون مقدمات مباشر:
اجلال مالك سرحانه فى ايه، ايه اللى شاغل عقلك.
أجابته بغصة قلب:
سرحانه فى حال فاروق، وحِيرته… كمان قلبي بيتقطع على فرح اللى راحت فى عز شبابها.. كمان حال ياسين، خايفة يتشتت بينا وبين أهل فرح.
تفهم فاروق ذلك غص قلببه هو الآخر قائلًا:
إجلال… أنا فكرت في اللي قولتيه… قبل كده.
رفعت رأسها نحوه، ترقب وحذر في نظرتها:
وصلت لإيه.
تنفس محي بعمق:
فاروق لازم يتجوز…
ثم صمت لحظة قبل أن يُكمل:
وعهد أنسب واحدة… زي ما قولتي.
تقلصت ملامح إجلال، ليس رفضًا، بل ثِقلًا:
عارف إن الكلام ده صعب… ومش سهل على حد… بس ده الحل… وإحنا عارفين حقيقة مشاعر فاروق ناحية عهد.
هزّ محي رأسه:
عارف.
وبصوتٍ أكثر هدوءًا:
كمان شايف ياسين بعيني… الولد متعلق بـ عهد، وهي شايلته من غير ما تشتكي.
وفاروق راجل لوحده، ومش عارف يكمل.
شبكت إجلال يديها وتحدثت بحزن:
أنا خايفة … الناس مش بترحم… والكلام كتير… والحزن لسه في أوله.
اقترب محي قليلًا قائلًا بثبات:
وأنا خايف على البيت كله يتهد.
ثم أضاف:
جواز فاروق وعهد مش خيانة لـ فرح…او تقليل من الحزن عليها ده مصلحة ياسين وده الأهم.
سكتت إجلال طويلًا، ثم قالت بصوتٍ مبحوح:
فعلًا ملامك صح،وبعدين الموضوع هيتم بهدوء… ومن غير ضغط على حد…
وعهد قبل أي حد، وفاروق بعده.
أومأ محي موافقًا:
إحنا نطرح الموضوع والاختيار ليهم.
ابتسمت إجلال ابتسامة باهتة، وكأنها حاولت تهدئة التوتر في قلبها، ثم قالت بخفوت:
المفروض نكلم عهد الأول … لازم نسمع رأيها قبل أي حاجة.
رفع محي حاجبيه قائلًا بتوافق:
أيوه… مفيش غيرها اللي نبتدي بيها.
ثم أضاف بحزم:
وضروري نحسسها إن الموضوع من باب الخير… مش ضغط.. أو غصي.
أومأت إجلال، ونظرتها تاهت للحظة نحو النافذة، حيث ظلام الليل بدأ يتسلل في الصمت تفوهت اجلال:
أنا خايفة… خايفة على فاروق، وعلى عهد، وعلى ياسين بس يمكن يكون ده اللي يريحهم كلهم.
تنهد محي، ووضع يده على يدها برفق قائلًا:
لو حصل خير، كله هيتظبط…
ثم ابتسم بحذر:
بس لو حصل اعتراض… إحنا موجودين… نحتوي.
سكتت إجلال قليلاً، وعيناها مليئتان بمزيج من الأمل والخوف…
ثم نهضا معًا، وكأنهما يحاولان تجهيز الطريق لحكاية جديدة… حكاية قد تُعيد لبعض القلوب ما فقدته من دفء،
أو تُرغمهم على مواجهة مشاعر طالما تجاهلوها خوفًا من وجع الماضي… تحت جملة
“ربنا اللي هيكتب النصيب”.
تلاقت نظراتهما في صمت طويل،
صمت يعرفان فيه أن اقتراحًا كهذا
إما أن يكون طوق نجاة…
أو شرارة تُشعل وجعًا مازال بأوله. ض
❈-❈-❈
بعد مرور يومين
مازالت عهد مصدومة من حديث والدتها أن تقبل الزواج من فاروق من أجل مصلحة ياسين
ياسين
زفر قلبها بسئم وعذاب.. تدمعت عينيها… إحتبست الدمعه بين جفنيها يحرقان بقوة أهدابها.. إعتصرت عينيها، ربما تنزلان الدمعتين من عينيها وترتاح من ذلك الحرقان…
لكن بنفس الوقت، سكن عقلها حديث فرح قبل أيام من رحيلها
[بالعودة لذلك اليوم]
كانت عهد تجلس مع فرح بالغرفة،
كانت فرح غافية بتأثير الأدوية المُسكنة وعهد تتحدث مع إحد زميلاتها بشركة الطيران:
لاء، أنا فى أجازة مفتوحة مش هينفع أخد مكانك، شوفي غيري.
زفرت عهد نفسها بضجر ليس من مكوثها مع فرح.. بل من سطوة الخوف والقلق عليها، أن تبتعد عنها كذالك ملل من العمل وفقدان شغف، لا تود الابتعاد عن فرح… بداخلها مازال أمل، رغم حديث الأطباء، لكن سراب أمل يتملك منها، أن تحدث معجزة وتُشفي، فرح أو يطول الوقت ويبتعد الرحيل…
بذلك الوقت فتحت فرح عينيها وتفوهت بصوت منخفض:
عهد.
نظرت عهد نحوها، وسريعًا كانت جوارها تسأل بلهفة:
فرح… حاسه بوجع أتصل…
قاطعتها فرح ببسمة وهزت رأسها بنفي قائلة:
لاء الحمد لله… تعرفي يا عهد… أنا فى الأول كنت بتوجع جامد أوي، بس من يوم رجعتي وقعدتي جنبي وحاسة الألم خف كتير، يمكن عشان خوفت أرحل قبل ما أشوفك.
حاولت عهد السيطرة على دموعها قائلة:
بلاش الكلام ده… هي أول مرة تتعبي يعني وكل مرة ربنا بيكتب لك الشفا… أنا متفائلة خير هتخفي و…
قاطعتها فرح:
ليا وصية عندك يا عهد…
أنا عارفة إني خلاص مجرد وقت وهرحل… بس باسين..
فاروق أكيد هيتجوز بعدي.. ده حقه، فاروق من يوم ما أتجوزته مفيش مرة زعلني… أوقات كنت بخس أنه بيخاف على زعلي… يمكن ده كان سبب إن أوقات كنت بحس انه مشاعره باردة، فاكرة لما زعلك بعدها اعتذر لي… يمكن مكنش يقصد… بس لحظة عصبية منه… فاروق مش شخص سيء زي ما أنتِ واخده عنك فكرة غلط… فاروق حنين وبيحب ياسين جدًا…بس أنا مش عارفة هو هيتجوز مين وهتعامل إبني إزاي…
إبني…
توقفت فرح تلتقط أنفاسها ثم ابتلعت ريقها قائلة:
إبني أمانتك يا عهد… مفيش حد هيبقي حنين عليه قدك… حتى ماما وبابا… أوقات لما بشوفكم مع بعض بحس إنه أبنك إنتِ… رغم كُرهك لـ فاروق، بس مأثرش على مشاعرك ناحية ياسين بالعكس…
عشان كده وصيتي الأخيرة
ياسين… يا عهد أمانه هسألك عنها يوم القيامة.
بكت عهد… وقتها
والآن تبكي أشد وسط حِيرة تفتك بعقلها وقلبها…
فاروق ذلك الوحش… حصرها فى دائرة مُعلقة… رغم عدم طلبه لها للزواج.. لكن لن ينتظر كثير ويتزوج مثلما طالب بأخذ ياسين… بالتأكيد الخطوة القادمة صدمة زواجه..،زاد القلق بقبلها..كذالك شعور آخر… تود له عدم نيل السعادة بعد فرح..
وذلك لن يتم الا بطريقة واحدة…
هي تلك الطريقة… لما ترفض طلب والدتها بالزواج منه، هي كل ما توده فقط بقاء ياسين… وفاروق لا يفرق معها…
انتهي القرار وحُسم لديها.
••••❀
مساءً
بشقة والد عهد
جاءت الزيارة في وقتٍ لم تكن عهد قد استعادت فيه توازنها بعد،
كأن القدر اختار اللحظة الأشد هشاشة ليطرق بابها.
دخل فاروق بعد والده بخطوة محسوبة،
ملامحه هادئة أكثر مما ينبغي،
ذلك الهدوء الذي لا يسبق إلا القرارات الكبيرة… أو الكوارث…
وقف توفيق لاستقبالهم،
بينما بقيت عهد بجوار اللغرفة تتسمع لحديثهم،
تشد أطراف ثوبها بين أصابعها،
وقلبها يدق بإيقاع غير مفهوم..
بدأ محي الحديث بنبرةٍ وقورة لا تخلو من حسم ومراعاة الحزن:
فاروق لسه شاب… واللي حصل قدر ربنا، بس الحياة ما بتقفش على حد.
سقطت الجملة في الفراغ،
لكنها لم تكن عادية…
كانت تمهيدًا.
نظر فاروق نحو ياسين الذي دخل الى الغرفة.. وتوجه نحوه…
كأنه يخشى أن ينظر نحو عهد الواقفه على عتبة الغرفة بعدما غصبً ظهرت نفسها بعدما حدثها ياسين قبل أن يدخل الى الغرفة ، نظرة لها قد تُفشي ما يحاول دفنه..لا يود فرض نفسه عليها… كذالك لن يستطيع الابتعاد عن ياسين وتمزيقه بينهما
بينما تابع محي بعد لحظة صمت متعمد:
إحنا مش جايين نفتح جراح،
بس الراجل ما ينفعش يفضل لوحده،
ولا ينفع يعيش نص حياة.
رفعت عهد رأسها ببطء،
نظرت إليه،ثم إلى فاروق…
فرأت في عينيه صراعًا صامتًا
ولا يشبه الاندفاع،
بل يشبه رجلًا يُدفع دفعًا إلى قرار نضج داخله..ووجب التنفيذ.
تحدث توفيق بحذر:
القصد يعني.. ايه.
تنحنح محي قائلًا:
يعني لو ربنا كتب…
لم يُكمل.
لم يحتاج الى ذلك ظنت عهد انه يمهد لخبر زواج فاروق بأخرى…
كانت الكلمات القليلة كافية لتشعل في صدر عهد عاصفة…
لم تكن جاهزة… كذالك لم تكن مستعدة لأن تكون حلًا لفقد،
ولا تعويضًا عن غياب امرأة أخرى… ليست أي امرأة.. بل أختها…
بينما فاروق…
فكان صمته أبلغ من ألف اعتراف.
شاب، نعم… لكنه مثقل بالخسارة،
وممزق بين واجب يُملى عليه نحو طفلهُ
وشعور لا يعرف إن كان اسمه قبول… أم هروب… وفي تلك اللحظة،
أدركت عهد أن هذه الزيارة
لم تكن مجرد إستئذان مع تطيب خاطر
بل بداية طريق
لن يخرج منه أحد كما دخل…
تجمدت للحظات في مكانها،
لا من الصدمة…
بل من ثِقل معنى…بعض كلمات سمعتها تتردد برأسها .
“شاب ولازم يتجوز مش هيعيش راهب”.
الجملة ظلت تردد في رأسها
كأنها حُكم جاهز،
وكأن القلوب تسير بالأعمار ولا مكان للوجع.
نظرت لفاروق،لم تبحث عن حب،
ولا حتى قبول…
كانت تبحث عن إنكار.
عن نظرة تنفي إحساسها…
لكنها لم تجد…
لم ترا فى عينيه حزنًا صادقًا،
و لا تعبًا أعمق من مجرد كلمة ترمل،
لكنها رأت أيضًا شيئًا أخطر…
الاستسلام،والرغبة…
-يعني أنا إيه
سؤال صامت ضرب صدرها بعنف.
اشتدت قبضتها على طرف كنزتها
كأنها تتأكد، أن الكلمه القادمة قد تكون صادمة… لكن هي لن تترك الفرصة لهم
شعرت بالغضب وتحدثت بعصبية ويقين إلزامي منها…بعدما اتخذت القرار:
مفيش أي حد… أقصد ست تانية غيري هتربي ابن أختي.
التفتت عيون كل من في الغرفة نحوها..
دخلت مرتدية زي أسود،.. الحزن واضح على ملامحها،لكن التحدي كان أوضح…
كأنها لا تطلب إذنًا،
بل تُعلن قرارًا لا رجعة فيه.
ساد الصمت لثواني بدت طويله…
صمتٌ لا يُسمع فيه سوى أنفاس متقطعة،
ونبض قلوب ارتبكت فجأة.
تقدمت خطوة واحدة إلى الداخل،
خطوة محسوبة، كأن الأرض تعرف وزنها…
عيناها تجولان على الوجوه واحدًا تلو الآخر،لا تبحث عن تعاطف،ولا تنتظر اعتراضًا.
شدت طرفي كنزتها حول جسدها،
ثم قالت بصوت ثابت،ثبات إضطراري بما يكفي لتعرف أن التراجع خسارة:
ابن أختى ده حقي… ومش ناوية أتنازل عنه.
أما هو…فبقي جامدًا،نظراته معلقة بها،
كأن ظهورها بعثر كل الحسابات في لحظة.
وفي تلك اللحظة،
لم تكن مجرد خالة تطالب بطفل،
كانت امرأة أعلنت الحرب…بهدوء مخيف.
يتبع.. (رواية عهد الدباغ) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.