رواية على هامش القبول الفصل الثالث 3 – بقلم الاء محمد حجازي
بصي يا بنت الناس،أنا مش جاي أضيع وقتك ولا وقتي، أنا متقدم لك عشان خاطر أمي وبس.
زينب رفعت عينيها بهدوء.
بتسمع.
كمّل وهو باصص بعيد عنها كأنه بيتكلم عن حاجة تافهة:
— واحدة بشكلك ده،
وبحجمك ده،
أكيد ما ينفعش تبقى خطيبتي.
انتي هتطلعي تقولي كل شيء قسمة ونصيب.
والا هتشوفي النجوم في عز الضهر معايا؟
الكلام نزل عليها
مش زي سهم…
زي ميّه نار.
حارقة،
مكوية،
موجعة.
لكنها ما انكمشتش.
ما وطتش راسها.
رفعت دقنها بثبات وقالت بهدوء غريب:
— شكلك بتقرا روايات كتير يا باشمهندس.
اتنفض في مكانه:
— نعم؟
كملت بنفس الهدوء،
بس عينها ثابتة في عينه:
— جو “هتطلعي وتقولي قسمة ونصيب”
و”هتشوفي النجوم في عز الضهر”…
ده جو روايات مش واقع.
وقف يستجمع غروره وقال بسخرية:
— انتي فاكرة نفسك مين، و بتكلميني ازاي كده؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت:
— بنفس الطريقة اللي بتكلمني بيها.
بس الفرق…
إني ما بتكلمش من فوق.
قربت شوية،
وقالت بصوت واضح:
— وبعدين قبل ما تطلع تحكم،
بص في مراية بيتكم الأول.
مش شايف شكلك عامل إزاي؟
مش شايف كلامك عامل إزاي؟
غروره اهتز،
لكنها ما سابتلوش فرصة.
— على العموم،
أنا حابة أقولك حاجة.
خالتي كانت دايمًا بتقول قدامي إنك ما بتصليش.
اتصدم.
— إيه؟
قالت بثبات:
— آه.
واللي ما يعرفش يحافظ على صلاته،
إزاي أامنه على نفسي؟
إزاي أامنه على بيتي؟
سكت.
أول مرة يسكت قدام حد.
كمّلت،
وصوتها بقى أقوى،
مش عالي…
قوي:
— إنت مش بس مغرور،
إنت شبه الطاووس.
منظر…
من غير مضمون.
وبهدوء قاتل قالت:
— الطاووس،
غروره خلاه اتطرد من الجنة.
الكلمة وقعت.
تقيلة.
مباشرة.
من غير تجريح…
بس موجعة.
وقفت،
وعدلت خمارها،
وقالت وهي واقفة قدامه بثقة:
— أنا ما احتاجش واحد يشوفني من فوق.
ولا واحد شايف نفسه نعمة.
النعمة الحقيقية…
الأخلاق،
والصلاة،
والرحمة.
بصت له نظرة أخيرة وقالت:
— روح قول لهم قسمة ونصيب.
مش عشانك…
عشاني.
وسابته قاعد،غروره متكسر،ولأول مرةحاسس إنه صغير.
محمود قام من مكانه فجأة،
قيامته ما كانش فيها تردد ولا لحظة تفكير،كأنه كان مستني اللحظة دي بس عشان يمشي.
ما استناش رد،ما حاولش يسمع،ما قالش حتى كلمة عن إذنكم.
لف ضهره ومشي بخطوات سريعة،الباب اتقفل وراه بهدوء مبالغ فيه،
بس الهدوء ده كان كدّاب…
لأن الصدى اللي سابه كلامه كان أعلى من أي صوت.
الأوضة فضلت واقفة على صمته،والكلام اللي قاله كان لسه سايب أثره في الهوا،كأنه دخان خانق.
زينب فضلت واقفة مكانها.
لا بتعيط،ولا بتنهار،ولا حتى بتترعش.
بس قلبها…
قلبها كان بيخبط بعنف،خبطات متلخبطة،كأن كل كلمة قالها كانت بتضربه ضربة.
وقبل ما تلحق تاخد نفسها،الباب اتفتح تاني.
أبوها دخل.
وشه جامد،ملامحه متشددة،نظرة سريعة عليها وبعدين قفل الباب وراه.
قال بنبرة مباشرة،نبرة حد مستني إجابة وخلاص:
— إيه رأيك فيه؟
زينب رفعت عينيها ليه،نظرة طويلة،كأنها بتدور جواه على ذرة أمان،
وبعدين قالت بصوت هادي وثابت،رغم إن قلبها كان بيتعصر:
— أنا مش موافقة.
وشه اتغير في ثانية.الحِدّة طلعت في عينيه،وصوته بقى أعلى:
— نعم؟
ممكن أفهم الهانم مش موافقة ليه؟
قالت من غير لف ولا دوران،من غير ما تزوّق الكلام:
— مش مستريحة.
ضحك ضحكة قصيرة،ضحكة ما كانش فيها هزار ولا خفة دم،
ضحكة كلها قسوة واستصغار.
قال بجمود:
— مش مستريحة؟
هو إنتِ كنتِ لاقية حد يبص في وشك أصلًا؟
احمدي ربنا،
ده واحد زي محمود عبرك!
الكلمة نزلت عليها زي الضربة المباشرة،
زي صفعة من غير إيد.جواها حاجة اتكسرت،بس ما سكتتش.
قالت بصوت واطي،بس صوته كان تقيل ومعناه كبير:
— وهو ده اللي هو قاله لي.
بصلها بحدة:
— قال إيه يعني؟
اتنفست نفس طويل،وقالت كلمة كلمة،كأنها بتسترجع المشهد قدامها:
— قالي إني مش مناسبة ليه،
وإنه متقدم عشان خاطر أمه،
وإن شكلي وحجمي ما ينفعوش يبقوا خطيبته.
رد بسرعة،من غير ما يفكر،من غير ما يحس:
— عنده حق.
الكلمة دي كانت الأوجع.مش لأنه وافق،لكن لأنه أبوها.
عينيها وسعت بصدمة حقيقية،
كأنها ما صدقتش اللي سمعته.
كمّل ببرود:
— وبعدين يا بنتي،
إنتِ لاقية حد يعبرك؟
تحمدي ربنا وتبوسي إيدك وش وضهر.
لهنا…و ما استحملش.
زينب قربت خطوة،
خطوة صغيرة،
بسها كانت تقيلة قوي.
صوتها طلع مكسور،بس صادق،صوت بنت بتتكلم من آخرها:
— هو إنت ليه بتعاملني كده؟
سكت،
بس سكوت ما كانش فيه ندم.
هي كمّلت،
وكأن السنين اللي فاتت كلها قررت تطلع في اللحظة دي:
— أنا بنتك.
مش واحدة غريبة داخلة البيت بالغلط.
إنت المفروض تحميني،
تحتويني،
مش تكسرني.
نَفَسها كان تقيل،
كلامها طالع من وجع قديم:
— إحنا البنات بطبعنا حساسين.
قلبنا مش حجر.
بنتولد بالقلب قبل العقل.
ولما ما نلاقيش الاحتواء في بيتنا…
بندور عليه بره،
حتى لو غلط.
رفعت عينيها ليه وهي بتكمل،وصوتها كان بيدور بين القوة والانكسار:
— وده أخطر حاجة.
إن بنت تدور على كلمة حلوة،
أو احترام،
أو أمان…
من أي حد،
حتى لو ما يستاهلش.
وقفت شوية،
وبعدين قالت بصوت أهدى، أعمق:
— زي ما ربنا أمرنا نبرّكم،
ونطيعكم،
ونسمع كلامكم…
ربنا كمان حمّلكم أمانة.
قربت أكتر،
وكلامها بقى أوضح وأقسى:
— أمانة إنك تكون سند،
مش حمل.
أمانة إنك تكون ظهر،
مش سوط.
أمانة إنك تطبطب قبل ما تحاسب.
دمعة نزلت غصب عنها،مسحتها بإيدها بسرعة،
وكملت:
— في آباء كتير فاكرين إن القسوة تربية.
وإن الصوت العالي بيطلّع رجال.
وإن الكلمة الجارحة بتقوّي.
بس الحقيقة؟
القسوة ما بتربّيش…
القسوة بتكسّر.
صوتها بدأ يترعش،بس ما وقفتش:
— البنت اللي تتربى على القسوة،
يا تكبر مكسورة،
يا تكبر بتقبل الإهانة،
يا تكبر مستنية أي حد يديها ذرة اهتمام،
حتى لو على حساب كرامتها.
رفعت راسها،وعينيها ثابتة:
— وأنا مش عايزة أبقى كده.
نبرتها بقت أقوى،
فيها تحدي هادي:
— مش عايزة أوافق على جواز
عشان أهرب من بيت،
وأقع في بيت تاني أقسى.
مش عايزة أعيش عمر كامل
بأدفع تمن إنكم ما سمعتونيش.
وقفت مستقيمة قدامه،
وقالت بهدوء حاسم:
— أنا مش سلعة علشان أحمد ربنا إن حد عبرني.
أنا إنسانة.
ليّ قلب،
وليّ كرامة،
وليّ حق أختار.
وسكتت…
سكوت تقيل،
سكوت بيعرّي أي قسوة.
وقالت في الآخر،بصوت فيه رجاء موجوع:
— لو ما لقيتش الاحتواء منك إنت…
هلاقيه من مين؟
الهوا في الأوضة بقى تقيل،
وأبوها واقف،
لأول مرة…
مش لاقي رد.
أبوها فضل واقف قدامها شوية…
ساكت.
نظراته تقيلة.
كأنه مستني هي اللي تكسر.
لكنها ما قالتش حاجة.
ولا حتى بصّت له.
لفّ ضهره فجأة،
ومشي من غير كلمة.
الباب اتقفل وراه بصوت خافت…
بس الصوت ده كان أعلى من أي صريخ.
زينب فضلت واقفة مكانها ثواني،
كأن رجليها مش شايلينها،
وبعدين فجأة…
انهارت.
قعدت على الأرض،
ضهرها مسنود على السرير،وشها مستخبي بين إيديها.
العيط طلع مرة واحدة،مش عياط خفيف،ده نحيب مكتوم،صوت واحدة كانت ماسكة نفسها بقالها سنين.
— يا رب…
قالتها وهي بتنهج،
— يا رب أنا تعبت.
دموعها نازلة تقيلة،وصدّرها طالع نازل كأنها بتغرق.
— تعبت من الناس…
تعبت من نظراتهم…
من كلامهم…
من قسوتهم.
رفعت راسها للسقف،وعيونها حمرا ومنفوخة.
— حتى أبويا يا رب…
حتى أبويا قاسي عليا.
صوتها كان بيتكسر.
كلمة أبويا طلعت تقيلة.
— المفروض يبقى أماني…
المفروض يبقى ظهري…
مش السكينة اللي بتوجعني.
مسحت دموعها بعصبية،
وكملت وهي بتبكي أكتر:
— أنا ما طلبتش جمال زيادة…
ولا طلبت أبقى حد غيري…
أنا طلبت بس أتحب زي ما أنا.
شهقت.
وحطت إيدها على صدرها.
— ليه يا رب؟
ليه كل اللي حواليا شايفني عيب؟
ليه ما حدش شايف قلبي؟
سكتت لحظة،
وبعدين خرج منها الكلام كله دفعة واحدة:
— أنا بصلي…
وبحاول أكون كويسة…
وبغلط زي أي بني آدمة،
بس عمري ما أذيت حد.
دموعها وقعت على هدومها.
وصوتها واطي قوي:
— هو أنا استاهل كده؟
هو أنا استاهل إن أقف قدام مراية كل يوم
وأكره شكلي عشان الناس؟
قربت جبينها من الأرض،
وسجدت وهي بتعيط.
— يا رب أنا مليش غيرك…
إنت الوحيد اللي شايفني…
والوحيد اللي فاهمني.
نفسها كان متقطع.
وصوتها مبحوح:
— قويني…
لأن أنا تعبت أكون قوية لوحدي.
فضلت على الأرض،
مش قادرة تقوم،
ولا قادرة تسكت.
لكن وسط الوجع…
كان في إحساس صغير…
دافي.
إن ربنا سامع.
وبعدين سكتت.
سكتت لأنها تعبت حتى من الشكوى.
تعبت من إنها تشرح نفسها لناس مش عايزين يسمعوا.
قامت،
قفلت النور،
وقعدت في الضلمة.
مش لأنها بتحبها،
لكن لأنها شبه اللي جواها.
—————————–
في بيت تاني…
محمود كان داخل وهو قافل الباب بعصبية.
رما المفاتيح على الترابيزة،قعد على الكنبة،وفضل يبص قدامه، في الأول قال لنفسه بسخرية:
— هي مفكرة نفسها مين؟
ازاي تكلمني كده أصلاً؟
اتنرفز.
شد شعره بإيده.
وقام يتمشى في الصالة.
— يعني إيه تقول لي ما بصيتش في مراية بيتكو؟
هي بتغلط فيا أنا؟
أنا؟!
الغضب كان ماليه.
غروره بيتجرح.
وهو مش متعود على ده.
قعد تاني.
بس فجأة…
سكت.
ملامحها جات قدامه غصب عنه.
وشها الهادي،
نظرتها الثابتة،
طريقتها وهي بتتكلم من غير ما تعلي صوتها.
حاول يهز الصورة من دماغه.
— لا، لا…
دي واحدة واطية قوي ومغرورة على الفاضي.
بس عقله ما سابوش.
افتكر اللحظة اللي قالت له فيها:
انت ما بصيتش في مراية بيتكم؟
دمه سخن.
قام واقف تاني.
— لا والله؟
يعني بقى أنا اللي مش عاجب؟
وقف قدام المراية.
بص لنفسه.
عدل شعره.
ابتسم ابتسامة واثقة…
بس الابتسامة كانت مهزوزة.
رجع قعد،
والغضب اتحوّل لحاجة تانية.
حاجة أخطر.
إحساس إنه لازم يكسب.
لازم يثبت إنها أقل.
لازم يكسر دماغها.
قال لنفسه بنبرة حاسمة:
— خلاص.
أنا هخطبها.
ضحك ضحكة قصيرة، ضحكة مش فيها فرحة…
فيها نية.
— أخطبها،
وأكسر مناخيرها،
وأوريها حجمها الحقيقي.
مسك الموبايل.
فتح الأسماء.
وقف شوية عند الاسم.
وبعدين ضغط.
رن…
رن تاني…
— ألو، السلام عليكم يا عمي.
صوت أبوها جه من الطرف التاني:
— وعليكم السلام ورحمة الله،
إزيك يا حوده؟
.
محمود ابتسم.
ابتسامة محسوبة.
— بخير الحمد لله.
أنا بس كنت بكلم حضرتك، عشان نحدد ميعاد، نيجي نقرا الفاتحة.
في لحظة…
قلب أبوها ارتاح، صوته بقى أهدى:
— شرف لينا طبعًا.
في أي وقت يا حبيبي.
.
محمود رد بسرعة:
— اللي تشوفه حضرتك مناسب.
إحنا تحت أمركم.
— خلاص،
نبقى نتفق ونعرف بعض التفاصيل.
— تمام يا عمي،
ربنا يتمم بخير.
قفل المكالمة.
سند ضهره على الكنبة.
ونفَس طويل خرج من صدره.
قال لنفسه وهو بيبتسم:
— نشوف بقى هتتكلمي كده تاني ولا لأ.
وفي نفس اللحظة…
في بيتها…
زينب كانت قاعدة في الضلمة،
مش عارفة إن مكالمة واحدة
غيرت مسار كل حاجة.
كانت لسه قاعدة على السرير،وشها متورّم من العياط،وعينيها باصة في الفراغ،كأن روحها سايبة جسمها شوية.
وفجأة…
الباب اتفتح بعنف.
دخل أبوها من غير ما يخبط،صوته سابقه، حاد وقاطع:
— جهزي نفسك…
قراية فاتحتك بعد بكره.
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية على هامش القبول) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.