رواية سيد الكبرياء الفصل الثالث عشر 13 – بقلم ميفو سلطان
كانت غارقة في نومها حين بدأت تفيق رويدا رويدا حتي استيقظت على شعور غريب يطوقها. يد صلبة تحيط بخصرها وكأنها قيد. فتحت عينيها ببطء لتلتقي بنظرات صهيب التي كانت تخترقها بجمود غامض وجدته يراقبها بصمت بنظره غريبه ليست غاضبه كعادته وهي تتوسد صدره ويدها تنام بين يديه.
انتفضت بجسدها محاولة الفرار من ذاك الحصار إلا أنه لم يمهلها إذ شدد قبضته عليها مكلبشا إياها بذراعيه وهو يتمتم بنبرة حادة……
اهمدي بقى هو أنا هقتلك.
تململت بين يديه بضيق فما كان منه إلا أن جذبها إليه بقوة أكبر حتى التصقت به تماما فصرخت فيه باحتجاج….
أوعى أنت قافش فيا كدة ليه سيبني خليني أقوم.
هنا اشتعلت عيناه بشرارة غيرة مكتومة ورد بنبرة يملؤها الغضب…..
آه عشان تنزلي وتلزقي في الحلوف اللي تحت صح.
ردت عليه والنار تشتعل في صدرها…. مالك أنت ألزق ولا أتهبب أنت عايز مني إيه يا أخي بخت كت مت وارتحت.
اندفع كالصاعقة فقال غاضبا بصوت مرتبك…. قولتلك كان غصب عني هي غنوة وقصة.
صرخت فيه والدموع توشك أن تفر من عينيها… آه غنوة بسيطة كنت بس هموت فطيس عشان البيه يرتاح كنت هتفرح وقتها صح.
اقترب منها بحدة وعيناه تعكس صراعا داخليا مريرا ورد بصوت قاطع…. لا ماكنتش هفرح أنا مش جايبك هنا عشان أموتك.
ردت بغضب وقهر…… لا عشان تذلني عارفه.
قاطعها غاضبا….. بذمتك اتذليتي دانتي بهدلتي امي يا شيخه . دانا ماعاتش نافع من عمايلك السوده دانا ادغدغت واتشلفطت وعربيتي راحت.
قالت بغضب…….
أوعى طيب عايز إيه أنت.
شدها إليه قائلا….. نرتاح وننام.
خبطته بصدره….
نامت عليك حيطة أوعى إما أقوم.
قال بإصرار….. لا هنام أنت تعبانة وأنا تعبان.
صرخت…… ما تغور تنام في نصيبة تشيلك أوعى إيه ده.
تنهد بضيق….. أنا حايش نفسي بالعافية ما تلمي لسانك بقى.
رفعت رأسها وهي لا تزال فوق صدره…… وإن مالمتوش هتعمل إيه هتجيب سكينة وتقطع فيا.
كانت قريبة من وجهه لدرجة جعلت الغضب يتبخر منه فابتسم رغما عنه فثارت وضربته…… بتضحك على إيه يا جبلة.
شدد على خصرها وهمس بغمزة غامضة…. أقولك هعمل إيه وتسيبيني أعمل.
قطبت حاجبيها فنظر لشفتيها فشهقت وأنزلت رأسها لصدره سريعا فهي تعلم جبروته فصدحت ضحكة عالية منه جعلتها تنكمش على صدره.
فحاوطها أكثر تنهدت بغلب فظل يمسد على شعرها ثم همس بنبره غريبه لم تعهدها زالت منها التعالي…
والله كان غصب عني وماكنتش هسيبك والله كنت هرجع أفتحلك وبقولك أهو مش هعملها تآني.
صمتت ولم تتكلم فهمس… صدقيني والله.
استعجبت من إصراره فرفعت وجهها تنظر إليه وهمست بتعجب….
أنت يهمك يعني.
تنهد وهز رأسه وجدت بعيونه صدقا ونظرة غريبة أحنت رأسها وهمست….
طب أوعى بقى عايزة أنزل دلوقتي.
تذكر الطبيب فقال بنبرة مشتعلة….. مش عايز الواد اللي تحت ده تكلميه مالكيش دعوة بيه.
قطبت بحدة…. مازن مالك بيه.
صرخ بغيرة….. مالك محسساني إنه من بقية أهلك.
ردت بعفويه كلت قلبه….. بقينا أصحاب مالك أنت حد طيب وحنين.
كاد أن ينفجر من الغيظ ورد غاضبا….. ما تطلعيش زرابيني فاهمه.
قامت ودفعته بقوة….. طلعها هتعمل إيه أكتر من اللي عملته. أنا شفت الموت بسببك فاضل تقطع فيا امتى الشهرين يخلصوا عشان أغور من هنا.
رد هو مندفعا….. هتروحي فين بيت عمك ماعدش ليكي حد.. انا أنا ممكن أسيبك تقعدي ما تمشيش بعد شهرين. البيت عايز حد يراعيه.
دمعت عيناها فهي فعلا ليس لها مكان صرخت بقهر…. عايز تشغلني خدامة لسيادتك أنا آه ماعنديش حد ولا عاد ليا حد بس إني أبقى معاك هنا لو هموت من الجوع أهونلي. اطمن ماتحملش هم قعادي في الشوارع. الشوارع فيها نفس عن أي حتة تانية.
قامت مقهورة وتركته باكية ورحلت.
وقف هو غاضبا يريد أن يلحق بها لكنه ظل جالسا يأكل نفسه….. أنت يا زفت البت تعبانة وتقولها مالكيش حد أنت إيه مافيش دم. وإيه البيت عايز اللي يراعيه دي كمان أنت عبيط هتقعدها خدامة.
تنهد بضياع… ما تقعد إيه المشكلة مالهاش مكان ومش خدامة ولا حاجة تقعد عادي يعني إيه حد طايل.
تنهد وهو يشعر بتخبط عجيب يحاول لمس شتات نفسه خرج إلى الشرفة وجدها تندفع نحو الحديقة وترتمي بجسدها المنهك على إحدى الأشجار وهي تنتحب بقهر مزق نياط قلبه.
ارتبك صهيب وتصاعد غضبه من نفسه لأنه أوصلها إلى تلك الحالة من الانكسار ظل يتأملها من بعيد وقرر النزول ليخبرها أنها ليست خادمة وأنها ستبقى في بيته معززة مكرمة. إلا أنه اشتعل كالنار عندما رأى مازن يقترب منها ويضع يده عليها لترفع عيونها الباكية إليه.
مد مازن يده ومسح دموعها برقة وصهيب يشاهد المشهد من بعيد وقد أحس ببركان ينفجر في صدره وشرايينه تكاد تتمزق من فرط الغليان تمنى في تلك اللحظة لو يقتله وينهي وجوده.
كانت فلك تقف وتشهق بوجع ومازن يحاول تطييب خاطرها ليستدير صهيب مسرعا وينزل إليهم كالإعصار المدمر.
نزلت فلك والدموع تغسل وجهها وهي تهمس بحرقة…. عايزني أشتغل خدامة ماليش حد يتحكم ويذل براحته. كانت تبكي
ظهر مازن فجأة يهتف بقلق….. مالك فيكي إيه وأمسك يدها بلهفة.
تنهدت بمرارة وشدت يدها منه وهي تقول….. نفسي أموت يا مازن حاسة بروحي بتتسحب مني.
رد مازن بغضب وغيرة مكتومة….. عمل فيكي إيه ده.
نظرت إليه بحزن موجع فأكمل مازن…. أنا مش غبي أنا شايف إن فيه بينكم حاجة غلط. قوليلي لو أقدر أساعدك بأي طريقة.
هزت رأسها بضعف وقهر…. ماحدش يقدر يساعدني يا مازن مفيش فايدة.
هتف مازن بإصرار…. ليه قوليلي أنا مش هسيبك له هو جابرك على حاجة جابرك تقعدي معاه بالعافية أنا شايفك بتخافي منه أنا ممكن آخدك من هنا فورا أنت إيه علاقتك بيه بالضبط.
قالت بنحيب مرير….. ماليش علاقة بيه أنا همشي بعد شهرين مجبورة أقعد معاه الشهرين دول.
تنهد مازن وسأل بتعجب… يجبرك بصي يا فلك أنا عارف إنهم يومين بس أنا معجب بيكي وحاسس إني عايزك لو خايفة منه أنا هاخدك أتمنى تكوني ليا.
ليأتي صريخه من الخلف كالرعد فقد وصل صهيب وما إن سمع تلك الكلمات حتى هاجت الدماء في عروقه وصاح بهياج…
تاخد مين خدك ربنا أنت جاي تعمل إيه بالظبط.
نظر مازن إليه بتحد وجرأة…… جاي أداويها وأقف جنبها أنا شايف إن فيه حاجة غلط وهي بتخاف منك. أنت جابرها على إيه وأشمعنى شهرين وهتمشي ليه مش دلوقتي أنت عايز منها إيه.
اقترب صهيب بهياج أعمى وقبض على عنقه وملابسه صارخا….. أنت مالك عايز منها إيه ليك فيه إيه ما تخليك في حالك.
اندفعت فلك تحاول تخليص يد صهيب بغضب….. سيبه يا أخي أنت إيه.
اشتعل غيظا من دفاعها عنه فصرخ بنبرة مشتعله….. كمان بتحاميله هو فيه إيه.
رد مازن….. فيه إني حاسس بيها. فيه إنها موجوعة بسببك فيه إنها عايزة تسيب هنا ومش قادرة وماعرفش أنت عايز منها إيه.
صرخ صهيب بكلمة ألجمت الجميع…. عايز إيه دي مراتي أنت مجنون.
بهت مازن ونظر إليها بذهول…. إيه جوزك.
اشتعل صهيب بغيره مرة أخرى…… هو الهانم ماقالتلكش إنها متجوزاني.
نظر إليها مازن متسائلا…. أنت متجوزاه.
ردت فلك بسرعة وكأنها تبرئ نفسها…… وهمشي بعد شهرين جواز مؤقت.
احترق صهيب من كلماتها فصرخ بحدة……. أخرسي ماله هو يعرف مؤقت ومزفت ماله أنت بتعرفيه أسرارنا ليه.
صرخ مازن……. أنت جابرها على الجوازة صح ما هو باين من رعبها.
صرخ صهيب بهياج…. مالك ومال أهلك.
قال مازن بإصرار مخاطبا فلك…. أجبرك واضح أهو.
هزت رأسها بقهر فصرخ صهيب بهياج…. أنت بتهزي رأسك هو فيه إيه.
لم تحتمل فلك فانفجرت صرختها….. إيه أكدب آه غاصبني وهيسيبني بعد شهرين.
صرخ مازن….. أنت مجنون عامل فيها كدة ليه ليه.مش هسيبها لك.
نظرت لصهيب فوجدت ملامحه قد تحولت لشيء مخيف فخافت على مازن وقالت بلين….. مازن خلاص مالوش لزوم ماتتعبش نفسك معاه ده حد جاحد.
اقترب منها صهيب ولوي ذراعها وقبض على شعرها بعنف لتدفعه يد مازن بقوة…. أنت إيه أنت بتمد إيدك عليها وتمسكها كدة ليه كانت عبدة عندك.
صرخ صهيب بجنون… عبدة ولا زفتة مراتي وأنا حر فيها.
قال مازن…. هو جابرك بإيه ماسك عليكي إيه أنت فاكر إنها عشان مالهاش حد تتجبر عليها.
اشتعل صهيب وفقد أعصابه….. الله يخرب بيتك أنت مالك يا جدع أنت. بره مش عايز أشوف خلقتك.
نظر مازن إليها…. سيبيه وتعالي معايا.
هجم عليه صهيب ولكمه بقوة…. أنت عايز تاخد مراتي مني ده أنا هموتك.
اندفعت فلك بينهما…. ابعد بقى حرام عليك مازن امشي عشان خاطري أنا كلها شهرين وأخلص من الذل ده.
صرخ صهيب لا يصدق وأعصابه علي حافه الهاويه… أنت بتقوليله إيه أنت.
نظرت إليه بتحدي…. بقول اللي هيحصل مش أنت حابسني شهرين تذل فيا زعلان ليه إنه يعرف هاه.
صرخ…. وأنت مالك بيه ليه عندك إيه أنت عايزة تقربي من راجل تاني وأنا موجود.
سالت دموعها بحرقة أقرب وأنت موجود أنت مش موجود أنت موجود عشان توجع بس وليا عنده إيه إيد حنينة صعبت عليه أنا بقيت أصعب الناس.
هتف مازن بلين….. لا والله ماصعبانة عليا أنا عايزك.
اشتعل صهيب وهاج… نهار ابوك أسود عايز مراتي وبتقولها قدامي.
واندفع نحوه فصاح مازن…. مش لكتير مش هتسيبها بعد شهرين أنا همشي ومستنيها تخرج من هنا وهاخدها منك عشان أنت مش مقدر النعمة اللي معاك.
صرخ صهيب في الحرس خدوه بره بدل ما أموته. فأخذه الحرس بينما مازن يصرخ… أنا مستنيكي يا فلك أنت مش لوحدك.
اقترب صهيب منها وقبض على شعرها…. بقي أنت هتروحيله بعد شهرين إيه علق معاكي البيه هاه يومين يعلقك ليه مالكيش راجل.
صرخت فلك…. لا ماليش هاه أنت مش راجل ولا شايفاك راجل الراجل ماينجبرش على واحدة أنت آخرك تطلع ساديتك على غيرك وماسافة ماهخرج هحمد ربنا إنه نجدني منك.
هنا فقد صهيب عقله…. تخرجي تروحيله.
صرخت بغيظ…. آه هروحله يلا انقهر شالله تموت.
جن صهيب ولم يعد يرى أمامه فجذبها بعنف قائلا بجنون… أنا هعرفك أنا راجل ولا لا أنا بقى همارس ساديتي عليكي زي ما بتقولي.
وشدها للأعلى ودفعها وبدأ يخلع ملابسه وهي ترتعد رعبا….. حالا هعرفك أنا راجل ولا لا ياللي عايزة تسيبيني وتروحي لواحد تآني.
اندفع نحوها وهي تصرخ بينما هو يمزق ملابسها وينهال عليها لتتعالى طرقات وصيحات على الباب كان صوت العم فكري قد أتى يتفقده ويصرخ…..
أنت بتعمل إيه افتح الباب ده افتح بقولك.
تراجع صهيب لتقع هي على الأرض تنتحب بكسرة استجمع صهيب نفسه وفتح الباب وكان بركان غضبه لم يهدأ بعد اندفع فكري ووجدها في حالة ممزقة فصرخ فيه….
أنت إيه مش بني آدم أنت خلاص فجرت.
صرخ صهيب بهياج… دي مراتي وبربيها.
صاح فكري بمرارة ودفعه بعنف… مش لما تتربى أنت الأول. سنين وأنا بربي في حلوف ماعاش بيحس. مغرور والغرور هيخلص عليه. جاحد شايفك ماعندكش ذرة رجولة. أنا اللي تعبت عليك طلعت واحد ماعندوش رجولة يتجبر على مراته. أنت خلاص ماعدتش بني آدم أنت حيوان. انت خلاص فقدت ادميتك شيطان اتلبست مت من جوا.
زاد كلام فكري من اضطراب صهيب فصرخ بتهور…. أنت إزاي تكلمني كدة أنت فاكر نفسك مين تعبت في إيه يعني ما أبويا كان سايبلي خيره وأنت بتربيني من خيره وعايش معايا في خيره.
تجمد فكري ورجفت فلك لهول الكلمة دمعت عين فكري وأحنى رأسه بإنكسار ليدرك صهيب بشاعة ما قال فاندفع نحوه برعب…. عم فكري أنا.
ليقوم الرجل ويمسك بكرسي صامتا وهو يستوعب الصدمة ثم ابتسم بحسرة….. صحيح يابني فاكر نفسي مين على رأيك خدام ليك ولأبوك وكنت عايش في خير أبوك. بتصرف عليا أنا إزاي ماخدتش بالي السنين دي كلها. إني فكري الخدام خلاص الرأس ماتعلاش عن الحاجب ومن هنا ورايح اعمل ما بدالك. طيح في خلق الله أنا ماليش دعوة أنا آخري أخدمك يا صهيب بيه.
استدار للفتاة وقال… حقك عليا يا بنتي ده ماعدش فيه أمل خلاص ربنا ينجدك منه.
اندفع صهيب يحتضنه بشده وهو يهمس…. بطل أنت بتقول إيه أنت أبويا بطل أنا أسف والله ما قصدت.
ابتعد فكري قائلا… ماينفعش يا بيه الخدام يبقى أب ماتنزلش نفسك أنت كبير وعالي وفكري الخدام عايش بلقمته.
وما إن انهي كلامه حتي ترنح فكري فجأة ووقع بين يدي صهيب فصرخ صهيب برعب حقيقي….
عم فكري لا والنبي أنا أسف والله أنا اللي زبالة أنت أبويا ماليش غيرك..
وحمله وهرع به للخارج كالمجنون يسوق بسرعة والذعر ينهش قلبه.
فلك التي رأت تبدل حاله من شيطان إلى إنسان مرعوب شعرت بتناقض غريب واستعجبت من تلك التركيبة.
في المستشفى تلقفه الأطباء وصهيب يمسك بيده…. ماتسيبنيش أنا ماليش غيرك.
ظل وحيدا بالخارج يشعر بالخواء فالعم فكري هو أمانه الوحيد خرج الطبيب ليهتف حالته مش مستقرة هيفضل في العناية فترة دعواتك ليه.
وقف صهيب ينظر إليه من خلف الزجاج ودموعه تنهمر…. أنا أسف أنا حيوان وغبي ماتسيبنيش لوحدي أنت اللي ربيتني أنت اللي نجدتني من الضياع لولاك كنت هبقى عيل مريض والوصي عليا كان هيموتني أنت اللي حاربت عشاني انت اللي مارضيت بضياع حقي وهواني. أنت أبويا والله أبويا وانهار من البكاء.
مر الوقت الجحيم عليه يلتصق بالحجاره مذعورا كأنه فقد روحه والتعب حل عليه بهلاك ياكل بقيه ما فيه من تماسك. ليقرر أن يعود للبيت.
عاد صهيب للبيت يجر قدميه بصعوبة دخل الغرفة فوجد فلك جالسة بقلق ذهب وجلس على الفراش وركن رأسه مغمضا عينيه بمنظر يخلع القلب كطفل وحيد.
اقتربت منه فلك وجلست بجواره وهتفت بصوت خفيض… هو هو كويس.
لم يرد فملست على يده وهمست بحنان… صهيب.
استمع لنبرتها التي تغلغلت لقلبه
فتح عينيه اللامعتين فاقتربت أكثر… قول والنبي هو كويس.
اندفع صهيب فجأة لأحضانها وتشبث بها ودفن رأسه في صدرها وهو يهمس بضعف…. أنا ماعرفش أعيش من غيره أنا أموت أحسن.
بدأت شهقاته تعلو وهو يعتصرها في حضنه صعدت بيده على ظهره تحتضنه وتمسد…. عليه طب اهدي هو عامل إيه.
هتف بقهر…. في العناية أنا دخلت أبويا العناية أنا حاسس إني هموت مايستاهلش مني كدة ده الوحيد اللي حن عليا في الدنيا دي من غيره فعلا أنا مش بني آدم.
ظلت تمسد عليه بحنان حتى رفع عينيه إليها فمدت يدها ومسحت دمعته فأغمض عينه مستشعرا دفء لم يعرفه من قبل همست له…. قوم نام أنت تعبان.
هز رأسه…. لا مش هعرف أنا هقوم أروحله.
فمسكت يده بلين…. أنت تعبان ولسه مارتحتش من الحادثة تعالي نام واسمع الكلام.
نظر إليها بذهول فهي لينة معه رغم كل أذاه تنهد بوجع…. مارتحتش ولا هرتاح طول ما هو تعبان.
أجلسته على الفراش قائلة…. غير هدومك وهعملك حاجة تشربها ونام أنت شكلك صعب قوي.
كانت عضلاته متيبسه… تف بتعب مريع.. مش قادر أتحرك..
تنهدت ونظرت إليه بارتباك كان شكله غريب منهك ومتعب وزال عنفوانه كطفل فقد كل ما لديه عيونه تلمع بدموع مكبوته… تنهدت واستدارت لبسا بيتيا مريح واقتربت منه. وهمست بخجل… انت لازم ترتاح شكلك صعب واقتربت تبدل له ملابسه تحت نظراته المندهشه.
كانت تحاول جاهدة ان تبدل له ملابسه بعد ان اقعده التعب والوجع بدات تفتح ازرار قميصه بانامل ترتجف وارتباك يسيطر علي كل ذرة في كيانها بينما هو كان في عالم اخر عالم تسكنه عيونها وصمتها الذي ينطق بكلمات لم تقلها بعد.
لم يكن قادرا علي مساعدتها او حتي تحريك يده فجسده منهار لكن روحه كانت مستيقظة تلاحق كل حركة من حركاتها لم يحول نظره عنها ولو للحظة كان يراقب اضطراب انفاسها وتجنبها لالتقاء عينه بعينه وكانه يستمد من ارتباكها هذا دفئا افتقده سنين. ماهذا الحنان.. كم فيض من الحنان لمس أعماقه.
احست بنظراته التي تخترقها كالسهم فزادت رجفة يدها ليتوقف الزمن بينهما هي تحاول ان تكون قوية ومراعية وهو غارق في تفاصيل وجهها الذي بدا له في تلك اللحظة اجمل واحن ما رات عيناه.
ظل يراقب حمرة وجهها التي صبغت وجنتيها خجلا وتلعثما وهي تبتعد بجسدها قليلا ثم تعود لتكمل مهمتها بقلب يدق بعنف
ظل ينظر إليها بامتنان وابتسم ابتسامة ساحرة وهو يهمس بنعومهز… متشكر.
قامت بخجل… انت لازم تشرب حاجه سخنه عشان تعبك ده واستدارت مسرعه تخفي ارتباكها.
بعد أن خرجت من الغرفة وهي تحاول التقاط أنفاسها من أثر نظراته الصامتة نزلت إلى المطبخ بخطوات متخبطة كانت تبحث عن أي شيء تشغل به نفسها لتهرب من حيرة عقلها أعدت كوب اللبن الساخن وأضافت إليه ملعقة كبيرة من العسل وهي تفكر هل يكتفي بهذا وهو المتعب الذي لم يأكل شيئا منذ الصباح.
قررت أن تعد له شيئا خفيفا يسند جسده المنهك فأحضرت صينية صغيرة وضعت عليها كوب اللبن وأحضرت العسل والقشطة البلدي وقطعت قطعا صغيرة من التوست داخلها ثم نثرت فوقها بعض المكسرات وصعدت إليه وهي تحمل الطبق بزهو بسيط.
دخلت ووجدته على حاله يراقب الباب بانتظارها وضعت الطبق أمامه وقالت بحماس عفوي…. بص بقى دي فكرة جديدة ومغذية جدا قطعت لك التوست جوه القشطة والعسل وعليهم مكسرات عشان تديك طاقة.
نظر صهيب للطبق ثم رفع عينيه إليها وهز رأسه باستنكار متمتما…. إيه العك ده أنا ماليش في الكلام ده.
لم تهتم برفضه بل جلست بجواره وبدأت تحكي بلهفة وتلقائية نسيت معها كل ما حدث بينهما قائلة …والله طعمها يجنن كانت ماما الله يرحمها لما بتشوفني زعلانة أو تعبانة وهفتانة تعملي الطبق ده وتقولي كلي يا فلك ده اللي هيرد روحك ويخليكي زي الحصان كنت بحبه منها قوي وبحس إن كل لقمة فيها حنية الدنيا.
كان يتأملها وهي تتحدث وعيناها تلمعان بذكرى والدتها لاحظ كيف تحرك يديها بعفوية وكيف تلاشت نبرة الخوف من صوتها لتحل محلها نبرة دافئة لم يسمعها منها قط كان يراقب حركة شفتيها وهي تسرد تفاصيل طفولتها وكأنه يسمع لحنا يهدئ من روع بركانه الثائر.
قطعت حديثها ورفعت ملعقة صغيرة وقربتها من فمه قائلة بإصرار طفولي… جرب بس والله هتدعيلي دوق دي عشان خاطري.
نظر للطبق بقلة حيلة ثم إليها وفتح فمه ليستقبل الملعقة وما إن تذوقها حتى اتسعت عيناه بانبهار من المزيج الرائع بين برودة القشطة وحلاوة العسل وقرمشة التوست والمكسرات.
ابتسمت بانتصار عندما رأت علامات الرضا على وجهه وشرعت تطعمه ملعقة تلو الأخرى وهو يمتثل لها بهدوء غريب مستسلما لحنانها الذي بدأ يتسلل إلى قلبه دون استئذان .
كان يأكل بصمت وعيناه تحكيان قصصا من الامتنان وتضارب من مشاعر لا يفهمها لم يستطع لسانه النطق بها في تلك اللحظة
همست دون أن تنظر لعينيه مباشرة…بعد أن أنهت الطبق… بالهنا والشفا… اللبن أهوه يلا عشان تقدر تاخد علاجك.
لم يتحدث بل ظل يراقب يديها وهي ترتب الصينية بارتباكها المعتاد حاولت أن تساعده ليعتدل في جلسته فاستند على يديها وأحست بـثقل جسده وقربه الذي جعلها تتلعثم مرة أخرى قائلة…
اشرب براحتك وأنا هستنى عشان تاخد الحباية
اقتربت وجلست بجواره ففتح عينيه ونظر ليشدها…. إيه ده لبن هتشربيني لبن.
قالت…. وعليه عسل فيه شفا يلا خد من سكات وماتنطقش.
ضحك بخفوت…. أول مرة الجملة دي تتقالي وما أمسكش اللي قدامي أهرسه.
قالت بتذمر….. لا أنا اتهرست كفاية خد يلا.
قال بامتعاض…… مابحبوش ده.
كشرت فلك متعمده. ….. صهييييييب.
فنظر إليها وضحك فقالت… هتعمل زي العيال الصغيرة يلا اشرب بقى.
شرب اللبن وهو يتأمل ابتسامتها التي يراها لأول مرة في. أخذ يرتشف اللبن ببطء وعيناه لا تزالان معلقتين بوجهها وكأنه يدرس كل انفعال يظهر عليها بينما هي تظاهرت بانشغالها في ترتيب الغطاء والوسائد من حوله كانت تشعر بنظراته تحاصرها لكنها قررت الصمود وعدم سؤاله عن سر هذا الصمت الذي بات يوترها أكثر من كلامه
بمجرد أن انتهى من طعامه ومدت يدها لتأخذ الصينية لامست أناملها يده عن غير قصد فانتفضت وسحبت الصينية بسرعة قائلة هجيب لك الماية والعلاج وأسيبك ترتاح.
أحضرت العلاج والماء واخذه التفتت
فطلب منها بلهفة…. ممكن تفضلي جنبي أنا عارف الصبح كنت هأذيكي بس أنا في غضبي مش بتحكم في نفسي ياريت تنسي اللي حصل مش هيتكرر تآني.
تنهدت فلك بحزن.. فمسك يدها والله خلاص هحاول أهدى عشانك أهو هادي ومؤدب إيه مش هتحني عليا ده أنا جوزك.
قالت بهمس…. جوزي.
رد بنبرة صادقة …….رغم اللي بينا أنا جوزك وأنت مراتي ومافيش حاجة هتغير ده …جوزك محتاجك.
مد يده فجذبها لتقع بجواره وهمس…… ماتخافيش أنا غير ما يتخافش مني أنا عم فكري الحاجة الوحيدة اللي بتحسسني إني عايش خليكي جنبي من فضلك.
اقترب منها وحاوطها ودفن رأسه في صدرها وهو يهمس…. والله هنام مؤدب.
مر وقت لا تعلمه صمت غريب وأنفسهم ثقيله. بينما كان رأسه يستقر فوق صدرها ساد صمت عميق لم يقطعه سوى صوت أنفاسه المتهدجة التي بدأت تهدأ تدريجيا. لم ينطق بكلمات منمقة ولم يعترف بما يجيش في صدره ط فكبرياؤه لا يزال يحاصر لسانه لكن جسده كان يشي بكل شيء.
أغمض عينيه بقوة وضغط برأسه أكثر في حضنها وكأنه يحاول التغلغل داخلها ليختبئ من العالم ومن نفسه. استسلم ليدها التي تداعب شعره وأرخى عضلات جسده المتيبسة تماما في حالة من الاستسلام لم يجرؤ على إظهارها لبشر من قبل.
همس بصوت مبحوح يكاد يكون مسموعا ودون أن يرفع عينه….
أول مرة أحس إن الدنيا ساكتة بجد ممكن
ممكن متقوميش يا فلك خليكي زي ما أنتي.
كان صوته يحمل رجفة خفية نبرة طفل وجد ضالته بعد ضياع طويل لكنه سرعان ما استعاد جموده الظاهري وأضاف بلهجة حاول أن تبدو عادية…
ريحتك.. ريحتك هادية قوي بتفكرني بحاجات قديمة كنت نسيتهـا.. نامي ويلا كفاية كلام.
لم يقل إنه منجذب ولم يقل إنه بدأ يرى فيها ملامح لم يراها في امرأة قط لكن قبضته التي تشبثت بقميصها ويده التي تحاوطها لا تفلت أنشأ وراسه التي تغلغلت بصدرها كأنها بيته.. كانت تقول إنه وجد في هذا الحضن وطنا مؤقتا يحميه من انهياره أمام مرض رفيق عمره.
وظلا هكذا يغرق هو في أمانها وتغرق هي في حيرة هذا الكائن المتناقض الذي يمزقها تارة ويحتمي بها تارة أخرى..
بينما كان رأسه يثقل في أحضانها استسلم صهيب تماما لسكون اللحظة وبدأ يحكي بصوت خافت مجهد وكأنه يفرغ حملا ثقيلا عن كاهله. قال لها والوجع يغلف نبرته…..
عارفة فكري ده بالنسبة لي إيه؟ ده اللي أنقذني من الجحيم.. بعد موت أبويا وأمي كنت عيل صغير. والوصي عليا كان المحامي بتاعه كان هو ومراته بيعاملوني زي الكلب تعذيب وإهانة.. ماتتخيليش عملو في عيل صغير إيه… قبض علي خصرها يتذكر فزادت لمساتها الحانيه تنهد واكمل بنبره وجع .. كان حارمني من أبسط حقوقي عشان يورثوا كل حاجة..
فكري هو اللي وقف في وشهم هو اللي حارب وخاطر بحياته عشان يخرجني من تحت وصايتهم.. هو اللي رباني وعلمني يعني إيه أقف على رجلي هو اللي زرع فيا الثقة دي بعد ما كنت محطم تماما مهزوز خايف مذعور .. فكري مايتقالش عليه خدام أو مربي فكري هو روحي اللي بتنفس بيها.
كانت فلك تستمع إليه بقلب يرتجف تأثرا ولأول مرة تشعر بالشفقة تجاه هذا الوحش الذي تبين أنه كان ضحية يوما ما.طفل صغير كيف يفعلون به هكذا. لم تشعر بنفسها وهي تترك يدها تتخلل خصلات شعره بحنان بالغ تمسح عنه سنوات الوجع واليتم.
كان صهيب يشعر بأمان غريب يسري في جسده يستمتع بكل لمسة من أناملها وكأنها بلسم يداوي جروحا غائرة. هذا الالتصاق لم يكن مجرد قرب جسدي بل كان التصاق قلوب قبل الأجساد حالة من الهدوء والمشاعر الغامضة سيطرت على المكان.
أحس صهيب بشيء غريب يلمس كيانه حرارة جسدها وقربها منه بدأت تلهب مشاعره بطريقة لم يعهدها، لكنها لم تكن نيران غضب أو رغبة جارفة. بل كانت طاقة حانية تذيب كل أثر للعنف والجبروت داخله.
كان يشعر بحرارة جسدها تتسرب إليه كأنها تذيب جليد سنوات من القسوة فكلما التصق بها أكثر أحس بنعومة ورقة لم يعهدها تجعل أنفاسه تضطرب في سكون الغرفة.
استشعر في قربها كيمياء غريبة تلهب مشاعره وتجعل جسده يسترخي رغما عنه وكأن ملمس جلدها يمتص كل العنفوان والشرور بداخله ويستبدلها بسكينة دافئة لم يذق طعمها من قبل.
شعر بكل ذرة في جسدها تمنحه السكينة وكأن وجودها بجانبه في هذه اللحظة هو الترياق الوحيد لآلامه ليغط في استرخاء تام لم يعرفه منذ سنوات طويلة.
مر الوقت وهما في هذا العناق الصامت حتى صدحت نغمة الرسائل المتتالية لتشق سكون الليل وتعلن نهاية تلك الهدنة الدافئة.نظرت إليها فقفلتها عالفور
كانت تداعب شعره فاسترخى تماما في حضنها حتى رن هاتفها برسالة تلو الأخرى نظر صهيب إليها وقال بنبره ناعسه… مين اللي عمال على بطال نازل رسائل ده.
قالت مرتبكة… مفيش
قطب جبينه وهتف…. طب هاتي الفون
انتفضت لا مالوش لزوم أنا هقوم بس أخش الحمام.
قامت مسرعة والخوف يتملكها فهب من مكانه ومسكها…. أنت فيه إيه وخايفة ليه مين اللي بيبعت.
قالت….. مفيش قلت لك
فاقترب ومسكها وشد التليفون وهنا قامت القيامة و…..
الفصل التالي اضغط هنا
يتبع.. (رواية سيد الكبرياء) اضغط على اسم الرواية لتجد الفهرس كاملاً بجميع الفصول.